← Акыда

Акыда · id 1123

رسالة التوحيد المسمى بـ تقوية الإيمان

إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي

Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كلمة المترجم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، قائد الغر المحجلين، محمد وآله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من الأئمة المهديين، والدعاة المصلحين، المجددين لهذا الدين، الذين لم يزالوا ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، جزاهم اللَّه عن الإسلام والمسلمين، أفضل ما جزى العلماء الراسخين، النائبين عن الأنبياء والمرسلين. أما بعد: فقد كنا نشعر بمسيس الحاجة منذ زمن طويل إلى نشر كتاب واضح المنهج، صريح العبارة، مشرق الديباجة، سهل المتناول، ينم عن إخلاص مؤلفه، وصدق لهجته، وتوجع قلبه مما يرى الناس عليه في عصره من الجهل لغاية الخلق، وبعثة الأنبياء والرسل أجمعين، من إخلاص الدين لله، وإفراد العبادة له، والخوف والرجاء منه، والاستغاثة به، والتضرع إليه، ولما كان يرى من انتشار العقائد والعادات، التي جاءت الأديان السماوية لمحوها، وأنزلت الكتب وبعثت الرسل لمحاربتها والتخليص منها، حتى أصبح الناس من ذلك في جاهلية جهلاء، وفتنة عمياء، واحتاجوا إلى دعوة صارخة سافرة إلى الدين الخالص، والحنيفية السمحة. وقد شرح اللَّه صدر الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في مدينة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم

стр. 2

في شهر ذي الحجة ١٣٩٣ هـ لنقل كتاب " تقوية الإيمان " للإمام المجاهد، الداعي إلى اللَّه، الشهيد في سبيل اللَّه، الشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن أحمد ولي اللَّه بن عبد الرحيم العمري الدهلوي " ش ١٢٤٦ هـ "، فإنه كتاب أصبح شعارًا وعلمًا للدعوة إلى التوحيد، وبيان الحق الصريح، وقد نفع اللَّه به خلائق في شبه القارة الهندية لا يحصيهم إلا من أحصى رمل عالج وحصى البطحاء. وقد صدر هذا الكتاب عن قلب جريح متقطع بمشاهدة ما كان عليه المسلمون من بعدٍ عن التعاليم الإسلامية، وخضوع للوثنية الهندية، وتمسك بالعادات الجاهلية، وقد زاد في تأثيره وقبوله، دموع عين باكية على الإسلام، ودم زكي أريق في سبيل إحياء هذا الدين، وتنقيته من الجاهلية، وتأسيس حكومة شرعية تقوم على منهاج الكتاب والسنة، ويكون الدين كله لله. وقد قرن ﵀ الدعاء بالدعوة، والجهد بالجهاد، والشهادة للحق بالشهادة في الحق، وذلك لباب التوحيد، وغاية الْإخلاص، وكمال الصدق، وتمام الوفاء، وصدق اللَّه العظيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ، فكان لكتابه من القبول والتأثير، والذيوع والانتشار، ما لا يكون إلا لكتابات كبار المخلصين، والعلماء العاملين، والدعاة المجددين. وسر قوة الكتاب في صراحته وتشخيصه للأدواء، ومظاهر الشرك، ومواضع الانزلاق، وأنه يضرب على الوتر الحساس، ويصيب ضعف الاعتقاد، وما فتن به المسلمون في العهد الأخير، من الغلو والتقديس والتعظيم، وتقليد الأمم الوثنية، والعادات الجاهلية، في صميمه، وقد اعتاد الناس أن لا يفزعوا للمواعظ والخطب

стр. 3

التي تلقى على المنابر، أو البحوث العلمية التي تتناول موضوع التوحيد والشرك بصفة إجمالية عامة، إذا لم تتعرض للأمراض التي يعانونها، والأخطاء التي يرتكبونها، والعادات التي لا يمكنهم الفطام عنها، وللأشخاص والأماكن والشعائر التي يغلون فيها، فيتجاهلون كل ذلك، ويتظاهرون بأن الواعظ أو الكاتب لا يعنيهم، وإنما يعني المشركين القدامى، وعباد الأوثان في الجاهلية الأولى، أما إذا تعرض هذا الكاتب أو الواعظ لواقع حياتهم، ووضع يده على عللهم وأسقامهم، وحدد مواضع فتنتهم، لم يسعهم أن يتغافلوا عنه، فأعلنوا الحرب عليه، ونادوا بعدائه، وهذا شأن الداعي المخلص الذي ملكته الفكرة، واستحوذ عليه الشعور، وتذوق القرآن، ومنهج الأنبياء في دعوتهم تذوقًا حقيقيًا، فإنه لا يبالي أرضيَ الناس أم سخطوا، إن همه الوحيد أن يبلغ رسالة القرآن، ويرضي ربه، ويريح ضميره، ويبرئ ذمته. ويحسن هنا أن أنقل ما كتبته في كتابي " رجال الفكر والدعوة في الإسلام " وأنا أتكلم عن سر تأثير الإمام الحسن البصري في المجتمع الإسلامي في مستهل القرن الثاني الهجري، ونفوذه في القلوب والعقول، وأن المجتمع لم يستطع أن يتجاهله، وأن يمر به مر الكرام، قلت: " إنه ضرب على الوتر الحساس، ونزل في أعماق المجتمع، ووصف أمراضه، وانتقده انتقاد الحكيم الرفيق، والناصح الشفيق، لقد كان عصره يغص بالدعاة والوعاظ، ولكن المجتمع لم يخضع خضوعه للحسن، لأنه كان يمس قلبه، وينزل في صميم الحياة، ويعارض التيار ". لذلك كله وقع اختيارنا على نقل معاني هذا الكتاب، ومحتوياته إلى لغة الضاد في أسلوب عصري رشيق، وتعبير سهل سائغ. وقد طلب منا الشيخ الجليل محمد زكريا السابق ذكره، أن يكون بداية هذا العمل في مسجد الرسول ﷺ ، وقد يسر اللَّه ذلك في سلخ ذي الحجة ١٣٩٣ هـ

стр. 4

في ساعة مباركة قبل زوال الشمس يوم الأربعاء، فكتبت السطور الأولى من المقدمة في مكان بين باب الرحمة وباب جبرائيل، مكتظ بالحجاج الوافدين، والمشتغلين بالذكر والتسبيح، والصلاة على النبي ﷺ ، وفي جو من السكينة، والخشوع والحب، ونحمد اللَّه أن كانت فاتحة هذا العمل في هذا المسجد العظيم، الذي انبثق منه هذا النور وانطلقت موجة التوحيد، والدعوة إلى اللَّه إلى أنحاء العالم، فبددت الظلام، وغمرت القلوب بفيض من الْإيمان، ونور التوحيد، وطهرت النفوس، وأشرقت الأرض بنور ربها، وتمت نعمة اللَّه على عباده. ويسّر اللَّه إتمام هذا العمل، والقيام به بقدر الطاقة في مدة قريبة، وأيام معدودة، والحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات. ورأينا أن نلحق بالكتاب ترجمة مؤلفه العلّامة الشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن ولي اللَّه الدهلوي، مقتبسة من المجلد السابع لكتاب (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر " للعلامة السيد عبد الحي الحسني، ليطلع القارئ على علو كعب المؤلف في العلوم الدينية، ورسوخ قدمه في الدين، وحسن بلائه في الإسلام، وغيرته على نقاء العقيدة وأصالتها، وقد أجاد من قال: " إن ترجمة المؤلف نسب الكتاب " ولذلك أكثرَ المؤلفون في الإسلام من تأليف كتب الطبقات والتراجم، والسير والأخبار، وأجادوا في ذلك وأفادوا، ووضعنا عناوين جانبية للكتاب، وتناولنا بعض الكلمات والعادات المحلية، والأعلام التي تختص بالهند بالشرح والإِيضاح والتعريف، حتى يسهل على القارئ العربي الكريم، فهم الكتاب والتذوق به.

стр. 5

ونقلنا بعض المقتطفات من كلام بعض أعلام هذه الأمة وأئمتها تأييدًا لبعض ما ورد في هذا الكتاب من تعبيرات وعبارات لم يألفها كثير من الناس لشيوع الأساليب الإصلاحية في العهد الأخير، التي تعتمد على مجاراة العواطف، ومسايرة المعروف المألوف، إيثارًا لتوسيع الدعوة على تعميقها، وتبليغ العقيدة على ترسيخها، وجلب المنفعة على دفع المضرة، وتفاديًا من وحشة الناس، وسخط العامة، ولكل وجهة هو موليها. ويعرف القارئ العربي من خلال هذا الكتاب، وما ورد فيه من ذكر أنواع الانحراف والضلال، وتقليد الأكثرية من سكان الهند، مدى تغلغل الحضارة الهندية، والعادات الجاهلية والتقاليد الوطنية في أحشاء المجتمع الإسلامي الهندي، وخضوع المسلمين في هذه البلاد، للفلسفة الهندية البرهمية، والهند - كما يعرف المطلع على التاريخ القديم - من أعرق بلاد اللَّه في الوثنية، فهي فيها قديمة وأصيلة، إذ كانت في كثير من البلاد جديدة ودخيلة، وقد عجنت فلسفتها وحضارتها، وآدابها، وعلم الفلك، والعلوم الرياضية، والتقويم، فضلًا عن الديانات، بهذه الوثنية، فهي أرض المؤلهين والمؤلهات، وأرض الأساطير والروايات، وأرض الأعياد والمواسم، والمهرجانات والمآتم، تذكارًا لحوادث تاريخية دينية، وأبطال قومية خرافية، أثر كل ذلك في حياة المسلمين وعاداتهم تأثيرا عميقًا، وغم عليهم الأمر على مدى الأيام، والتبس الحق بالباطل بتهاون الحكام والسلاطين، وقلة انتشار علم الحديث، وكتب السنة الصحيحة، ورواجها، وشدة اختلاط المسلمين بجيرانهم في كل مدينة وقرية، وحي وزقاق، حتى قيض اللَّه للصدع بالدعوة، وتمييز الحق من الباطل، والقشور من اللباب رجالًا من علماء الدين، والدعاة المرشدين. وكان ذلك من أقوى الأسباب التي حملت مؤلف هذا الكتاب - وقد نشأ في بيئة هندية خالصة، وفي مركز هذه الحضارة - على أن يكون صريح العبارة، قوي العارضة، مرهف الحس في هذا الموضوع، لا يحتفل بالنقد واللائمة، ولا يبالي

стр. 6

بسخط الخاصة والعامة، ولو طالت به الحياة، ووجد فرصة للدعوة والبقاء في الهند، فربما أخذ الأمر بالتدريج، ومشى الهوينا، ولكنه كان مضطرًا إلى مغادرة الهند، وكأن حادي الشوق يحدو به إلى الجهاد، والشهادة في سبيل اللَّه، فألف هذا الكتاب إتمامًا للحجة، وبراءة للذمة، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون. وليس الأمر مقصورًا على الهند التي بعدت عن مهد الإسلام ومهبط الوحي، ودخلها الإسلام عن طريق بلاد العجم، وقد فقد الشيء الكثير من قوته وجدته، بل تبلبلت العقيدة الإسلامية، واختلطت بشيء كثير من البدع والضلالات في العواصم الإسلامية وبلاد العرب، في القرن السابع والثامن الهجريين، بتأثير الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام جديدة، وحملت معها رواسب كثيرة من دياناتها وعاداتها، واختلاط المسلمين مع غير المسلمين والعجم، ونفوذ الحكومة الباطنية والإِسماعيلية في مصر والشام وتأثيرهما، وانتشار تعليمات بعض المتصوفين الجهلة، ومن قرأ كتابي شيخ الإسلام ابن تيمية " الرد على البكري "، و " الرد على الأخنائي " عرف الشيء الكثير من غلو الجهال في الأئمة والمشايخ والأولياء والصالحين، واعتقاداتهم الفاسدة، وعاداتهم الجاهلية، ولا يزال لهذا الغلو والتعظيم بغير ما أمر اللَّه به، وشرع ما لم يأذن به اللَّه، آثار باقية في بلاد المسلمين والعرب، تستوجب دعوة قوية صريحة، وحكمة بليغة، لذلك ليست فائدة هذا الكتاب محدودة في الهند، بل تعم جميع الأوساط التي استطاع الشيطان أن يتسرب إليها، وانتشر فيها من العقائد والعادات ما لا يرضاها الإسلام، ولا يقرها الشرع، ولا يقبلها ضمير المسلم الواعي. وقد أسمينا هذه الترجمة بـ " رسالة التوحيد للعلامة الشيخ إسماعيل الشهيد " لأن هذا الاسم أدل على مسماه، وقد تولى المؤلف نقل كتابه الذي وضعه بالعربية، وسماه بـ " رد الإشراك " وقد طارت العنقاء بهذا الأصل العربي وفُقِد، وتسميتنا أقرب إلى تسميته الأصلية. والله نسأل أن ينفع بهذه الترجمة كما نفع بالأصل، ويشرح بها صدور المؤمنين، وعلى اللَّه قصد السبيل. أبو الحسن علي الحسني الندوي غرة ربيع الأول ١٣٩٤ هـ

стр. 7

ترجمة المؤلف الشيخ العالم الكبير، العلامة المجاهد في سبيل اللَّه، إسماعيل بن عبد الغني بن ولي اللَّه بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، أحد أفراد الدنيا في الذكاء، والفطنة، والشهامة، وقوة النفس، والصلابة في الدين. ولد بدهلى لاثنتي عشرة من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف، وتوفي والده في صباه، فتربى في مهد عمه الشيخ عبد القادر بن ولي اللَّه الدهلوي، وقرأ عليه الكتب الدرسيّة، واستفاد من عمّيه الشيخ رفيع الدين، والشيخ عبد العزيز أيضًا، ولازمهما مدة طويلة، وصار بحرًا زاخرا في المعقول والمنقول، ثم لازم السيد الإمام أحمد بن عرفان، وسافر معه إلى الحرمين

стр. 8

الشريفين سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف، فحج وزار، ورجع معه إلى الهند، وساح البلاد والقرى بأمره سنتين، فانتفع به خلق لا يحصون بحد وعد، ثم سافر معه إلى الحدود سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف، فجاهد معه في سبيل اللَّه، وكان كالوزير للْإمام، يجهز الجيوش، ويقتحم المعارك العظيمة بنفسه حتى استشهد في " بالاكوت " من أرض " ياغستان ". وكان نادرة من نوادر الزمان، وبديعة من بدائعه الحسان، مقبلًا على اللَّه بقلبه وقالبه، مشتغلا بالإِفادة، والعبادة، مع تواضع وحسن أخلاق، وكرم وعفاف، وشهامة نفس وصلابة دين، وحسن محاضرة، وقوة عارضة، وفصاحة ورجاحة، فإذا جالسه منحرف الأخلاق أو من له في المسائل الدينية بعض شقاق، جاء من سحر بيانه بما يؤلف بين الماء والنار، ويجمع بين الضب والنون، فلا يكاد يفارقه إلا وهو عنه راض. قال الشيخ محسن بن يحيى الترهتي في " اليانع

стр. 9

الجني ": إنه كان أشدهم في دين اللَّه، وأحفظهم للسنة، يغضب لها، ويندب إليها، ويشنع على البدع وأهلها. وقال صديق بن الحسن القنوجي في " الحطة بذكر الصحاح الستة " في ذكر الشيخ ولي اللَّه بن عبد الرحيم الدهلوي: " إن ابن ابنه المولوي محمد إسماعيل الشهيد، اقتفى أثر جده في قوله وفعله جميعًا، وتمم ما ابتدأه جده، وأدى ما كان عليه، وبقي ما كان له، والله تعالى مجازيه على صوالح الأعمال، وقواطع الأقوال، وصحاح الأحوال، ولم يكن ليخترع طريقًا جديدًا في الإسلام، كما يزعم الجهال، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ وهو رحمه اللَّه تعالى أحيا كثيرًا من السنن المماتات، وأمات عظيمًا من الأشراك، والمحدثات، حتى نال درجة الشهادة العليا، وفاز من بين أقرانه بالقدح المعلى، وبلغ منتهى أمله، وأقصى أجله. مصنفاته: وأما مصنفاته فهي عديدة، أحسنها كتابه " الصراط المستقيم " بالفارسي، جمع فيه ما صح عن شيخه السيد الْإمام قولًا وفعلًا، وفيه بابان من إنشاء صاحبه الشيخ عبد الحي بن هبة اللَّه الصديق البرهانوي،

стр. 10

ومنها " إيضاح الحق الصريح في أحكام الميت والضريح " في بيان حقيقة السنة والبدعة، ومنها " منصب إمامة " في تحقيق منصب النبوة والإِمامة، وهو مما لم يسبق إليه، ومنها رسالة له في " مبحث إمكان النظير وامتناع النظير " كلها بالفارسية، ومنها مختصر له بالعربية في أصول الفقه، ومنها رسالة له بالعربية في " رد الإشراك والبدع " رتّبها على بابين، ومنها " تنوير العينين في إثبات رفع اليدين " بالعربية، ومنها " سلك نور " مزدوجة له بالهندية، ومنها " تقوية الْإيمان " كتاب مشهور له بالهندية، وهو ترجمة الباب الأول من رسالة في " رد الإشراك " [ومنها كتاب " عبقات " في الفلسفة والحكمة، تجلى فيها ذكاؤه، واقتداره على هذا العلم] (١) . وقال أحمد بن محمد المتقي الدهلوي (٢) في " آثار الصناديد ": (إن له رسالة في المنطق، ادعى فيها أن الشكل الرابع من أجلى البديهيات، والشكل الأول خلافه، وأقام على ذلك الادعاء من البراهين ما لم يندفع، ولم يجترئ على دفعها أحد من معاصريه " (٣) .

стр. 11

والشيخ إسماعيل قتل في سبيل اللَّه لستِّ ليالٍ بقين من ذي القعدة سنة ست وأربعين ومائتين وألف بمعركة " بالاكوت ".

стр. 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الكتاب خطبة الكتاب: يا رب لك ألف ألف حمد وشكر على ما أنعمت به علينا من نعم لا تعد ولا تحصى، وعلى ما هديتنا إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، وأرشدتنا إلى الدين الخالص، والتوحيد النقي، وخرطتنا في سلك أمة نبيك وحبيبك محمد ﷺ ، وبعثت فينا رغبة في تعلم هديه، وألهمتنا حب خلفائه الذين يقودون إلى مسالكه، ويهدون بالحق وبه كانوا يعدلون، اللهم فصلّ وسلم على حبيبك، وآله وأصحابه، وخلفائه ألف ألف صلاة وسلام، وارحم أتباعهم، وأشركنا معهم، وأحينا على طريقهم ما عشنا، وتوفنا عليه إذا أمتّنا، واحشرنا في زمرتهم إذا بعثتنا. قوام العبودية تصحيح العقيدة والإيمان: أما بعد: فاعلموا رحمكم اللَّه، أن البشر كلهم عبيد لله، ووظيفة العبد وقيمته أن يقوم بالعبادة، فالذي لا يقوم بالعبادة، ولا يؤدي وظيفته فقد ثار على فطرته، وفقد قيمته، وقوام العبودية تصحيح العقيدة والإيمان، فمن تطرق إلى عقيدته خلل، أو تعرض إيمانه لفساد لم تقبل منه عبادة، ولم يصح له عمل، ومن صحت عقيدته، واستقام إيمانه

стр. 13

كان القليل من عمله كثيرًا، ومن هنا وجب على كل إنسان أن لا يدخر وسعًا في تصحيح إيمانه، وأن يكون الحصول عليه، والاستيثاق منه غاية أمله، ونهاية سؤله، لا يعدل به شيئًا، ولا يتأخر فيه دقيقة. وقد سلك الناس في هذا العصر في الدين طرائق قددًا، وتشعبوا شعبًا، فمنهم من يتمسك بعادات الأولين وتقاليد السابقين، ويعض عليها بالنواجذ، ومنهم من يحتج بحكايات الصالحين، وأساطير الأولين، ومنهم من يتشبث بكلام من تسمى بالعلماء، وامتاز بتشدق اللسان وحدة الذهن، ومنهم من يركض ركائب العقل في هذا الميدان، ويرخي لها العنان (١) . وكان الأفضل الأعدل أن يرد الإنسان كل ذلك إلى اللَّه ورسوله، فيصدر عما ثبت عنهما، ويتحاكم إليه، ويتخذه بيانًا شافيًا، وحكمًا قاطعا، فيقبل من قصص المشايخ والصالحين، ومن كلام العلماء والوعاظ والمذكرين، ما وافق الأصول والنصوص، وينبذ من الكلام والأحاديث ومن العادات والتقاليد ما خالفها. تسويلات الشيطان في الصد عن القرآن: وأما ما اشتهر في العوام أن كلام اللَّه ورسوله من الغموض والدقة بمكان لا يفهمه فيه الناس، ويحتاجون في فهمه إلى علم غزير، ولا قبل لنا بفهم القرآن والحديث، أما العمل بمقتضاه وتطبيقه فلا ينوء به إلا خاصة الخاصة من الذين سمت همتهم، وتزكت نفوسهم من الزهاد

стр. 14

والعباد، ولا مطمع لنا في ذلك، وحسبنا أن نفهم كلام أمثالنا، ونهتدي بهديهم، ونمضي على ما درج عليه آباؤنا، وعامة أهل بلادنا. فيعرف الخبير أنه كلام لا نصيب له من الصحة، لأن اللَّه يصف كتابه المجيد بالبيان والوضوح (١) ، فلقد قال في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] ، وقد ثبت من ذلك أنه لا يتعسر فهم ما جاء في القرآن، وإنما يحتج بتعسره وغموضه من جمحت نفسه، وقسا قلبه، فإن النفوس تعاف الانقياد وتتهرب من العمل والطاعة، وإنما تريد أن يلقى حبلها على غاربها، وتترك لها حريتها وانطلاقتها. ولا يتوقف فهم كلام اللَّه ورسوله على علم غزير، وذكاء حاد، فإن الأنبياء لم يبعثوا إلا لهداية الضلال، وتعليم الجهال، وقد قال اللَّه تعالى في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] ، وقد من اللَّه بذلك على عباده، فمن مضى بعد ذلك يقول: إنه لا سبيل لغير العالم إلى فهم ما جاء به النبي، ولا طاقة لغير من سمت همتهم، وتزكت نفوسهم أن يعمل بتعاليمه، ويسلك طريقه، فقد أنكر هذه الآية، وكفر بهذه النعمة، وحري أن يقال إن القرآن يرتقي بالجهال إلى درجة العلماء، والضلال إلى مستوى الصالحين والأصفياء، فرب

стр. 15

جاهل لا يفقه شيئا بلغ بفهمه مبلغ العلماء الراسخين، ورب ضال تائه استنار بنوره، واهتدى بهديه، وبلغ ذروة الصلاح والإخلاص. أحوج الناس إلى الطبيب، المرضى: إن مثل ذلك كمثل طبيب حاذق، كثر حوله المرضى، وانتشرت في أرضه الأمراض والأوباء، فأشير على مريض اشتدت به العلة، وأضناه المرض، بالاستعانة بهذا الطبيب وغشيانه، ولكنه تعلل بقوله: " أنا مريض، لج بي المرض، وإنما يأتيه وينتفع به من سلم من الأمراض، واعتدلت صحته، وقويت بنيته " فماذا يقول الناس عن عقل هذا الرجل وفطنته؟ ألا يرون أنه ينكر براعة الطبيب وحذقه، فإن الأطباء لا يعنون إلا بالمرضى، والطبيب الذي لا يداوي إلا الأصحاء، ولا ينتفع بدوائه إلا الأقوياء، أما المرضى فهم أشقى الناس بطبه وحذقه، فلا خير في هذا الطبيب، إنه اسم بلا مسمى، ولفظ بلا معنى. كذلك كل من أمعن في الجهالة كانت حاجة أشد إلى تفهم كلام اللَّه ورسوله، وكان حريا بأن يكون أحرص عليه من غيره، ومن كثرت ذنوبه وخطاياه، واشتد ظلمه لنفسه، كان أجدر بالإقبال على كتاب اللَّه، وهدي رسوله، حتى يصلح حياته، وينقذ نفسه، كذلك يجب على كل طبقة من طبقات الناس، الخاصة منها والعامة، أن تتفحص كلام اللَّه ورسوله، وتتفهمه، وتسلكه في حياتها، وتزن إيمانها وعقيدتها في ميزانه، وتحكه على محكه. للإيمان جزءان: وليعلم أن للإيمان جزأين،

стр. 16

الأول الإيمان بالله إلها وربا والثاني الإيمان بالرسول رسولا ونبيا. فالإيمان بالله إلها وربا يعني أن لا يشرك به أحد، والإيمان بالرسول رسولا ونبيا يعني أن لا يسلك طريق غيره، فيجب على كل أحد أن يتمسك بالتوحيد واتباع السنة بقوة وعزم، ويبتعد عن الشرك والبدعة كل الابتعاد، فإن الشرك والبدعة يؤثران في الإيمان، ويحدثان خللا فيه، أما سائر الذنوب والمعاصي فهي تؤثر في الأعمال، وتحدث خللا فيها. من يصلح للاقتداء؟! ويجب أن لا يتخذ قدوة وإماما إلا من رسخت قدمه في التوحيد، واتباع السنة، وكان بمعزل عن الشرك والبدعة، بعيدا عنهما كل البعد، لينتفع الناس بصحبته، ويسري فيهم نور التوحيد وحب السنة. موضوع الكتاب ونظامه: لذلك ذكرنا في هذه الرسالة جملة من الآيات والأحاديث ذات صلة قوية بالتوحيد واتباع السنة، وذم الشرك والبدعة ونبذهما، وآثرنا فيها السهولة والوضوح، حتى ينتفع به الخاصة والعامة بطريق سواء، ويسلك من وفقه اللَّه الصراط المستقيم، ويتقرب به إلى اللَّه من يدعو إلى ذلك، ويكون له وسيلة إلى النجاة. استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس: اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح

стр. 17

التوحيد الخالص غريبا، ولكن معظم الناس لا يعرفون معنى الشرك، ويدعون الإيمان مع أنهم قد تورطوا في الشرك وتلوثوا به، فمن المهم قبل كل شيء أن يفقه الناس معنى الشرك والتوحيد، ويعرفوا حكمهما في القرآن والحديث. مظاهر الشرك وأشكاله المتنوعة: ومن المشاهد اليوم أن كثيرا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء، والأئمة (١) والشهداء، والملائكة، والجنيات عند الشدائد، فينادونها، ويصرخون بأسمائها، ويسألونها أو يطلبون منها قضاء الحاجات وتحقيق المطالب، وينذرون لها، ويقربون لها قرابين لتسعفهم بحاجاتهم، وتقضي مآربهم، وقد ينسبون إليها أبناءهم طمعا في رد البلاء، فيسمى بعضهم ابنه بعبد النبي وبعضهم بعلي بخش، وحسين بخش، وبير بخش، ومدار بخش (٢) ، وسالار

стр. 18

بخش (١) ، وغلام محي الدين، وغلام معين الدين (٢) ، ويرسل بعض الناس ضفيرة في رأسه باسم ولي من الأولياء، وبعضهم يقلد ابنه قلادة باسم شيخ أو ولي، وبعضهم يكسو ولده لباسا، وبعضهم يصفد ابنه بقيد في الرجل باسم أحد المشايخ والأولياء، وبعضهم يذبح حيوانا بأسمائهم، وبعضهم يستغيث بهم عند الشدة، وبعضهم يحلف في حديثه بأسمائهم. تقليد جهال المسلمين للمشركين: والحاصل أنه ما سلك عباد الأوثان في الهند طريقا مع آلهتهم، إلا وسلكه الأدعياء من المسلمين مع الأنبياء والأولياء، والأئمة والشهداء والملائكة والجنيات، واتبعوا سنن جيرانهم من المشركين شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وحذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل، فما أجرأهم على اللَّه، وما أبعد الشقة بين الاسم والمسمى، والحقيقة والدعوى. وصدق اللَّه العظيم، إذ قال في سورة يوسف: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ

стр. 19

أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ، فإذا عارضهم معارض، وقال: أنتم تدعون الإيمان، وتباشرون أعمال الشرك، فكيف تجمعون بين الماء والنار، وتؤلفون بين الضب والنون؟ قالوا: نحن لا نأتي بشيء من الشرك، إنما نبدي ما نعتقده في الأنبياء والأولياء من الحب والتقدير، أما إذا عدلناهم بالله، واعتقدنا أنهم والله جل وعلا بمنزلة سواء، كان ذلك شركا، لا شك فيه، ولكننا لا نقول بذلك، بل نعتقد أنهم خلق اللَّه وعبيده، أما ما نعتقده فيهم من القدرة والتصرف في العالم، فهما مما أكرمهم اللَّه وخصهم به، فلا يتصرفون في العالم إلا بإذن منه ورضاه، فما كان نداؤنا لهم، واستعانتنا بهم إلا نداء لله واستعانة به، ولهم عند اللَّه دالة ومكانة ليست لغيرهم، قد أطلق أيديهم في ملكه، وحكمهم في خلقه، يفعلون ما يشاءون، وينقضون ويبرمون، وهم شفعاؤنا عند اللَّه، ووكلاؤنا عنده، فمن حظي عندهم، ووقع عندهم بمكان، كانت له حظوة ومنزلة عند اللَّه، وكلما اشتدت معرفته بهم، اشتدت معرفته بالله، إلى غير ذلك من التأويلات الكاسدة ، والحجج الداحضة، التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان. والسر في ذلك أن القوم قد نبذوا كلام اللَّه وحديث رسوله وراءهم، وسمحوا لعقولهم القاصرة أن تتدخل فيما ليس لها مجال فيه، وتشبثوا بالأساطير والروايات الشائعة التي لا تستند إلى تاريخ ونقل صحيح، واحتجوا بتقاليد خرافية. وعادات جاهلية، ولو كانوا عولوا على كلام اللَّه ورسوله وعنوا بتحقيقه، لعرفوا أنها نفس التأويلات، والحجج التي كان كفار العرب يتمسكون بها في عصر النبي ﷺ ، ويحاجونه بها، ولم

стр. 20

يقبلها اللَّه منهم، بل كذبهم فيها، فقال في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] . وقد تبين من هذه الآية، أن من عبد أحدا من الخلق، اعتقادا بأنه شفيعه، كان مشركا بالله، وقد قال اللَّه تعالى في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] . وقد نكب هؤلاء الجهال عن طريق الحق، وأعرضوا عن اللَّه الذي هو أقرب إليهم من كل أحد، وأقبلوا على غير اللَّه، واتخذوه ظهيرا ونصيرا، ووليا من دون اللَّه، وحرموا نفوسهم النعمة الكبيرة، التي أنعم اللَّه بها عليهم، فإنه يحقق جميع المطالب، ويرد جميع الآفات من غير واسطة، فلم يشكروا هذه النعمة، ولم يقدروها قدرها، وأقبلوا على خلقه يوسطونهم ويطلبون منهم قضاء الحاجات، ورفع الآفات، فعسروا الميسور، وفضلوا ملتوي الطريق، وجاهدوا في غير جهاد، وبدلوا نعمة اللَّه كفرا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويبتغون في ذلك عند اللَّه قربا وزلفى، ولكنهم لم ينالوا بذلك مطلوبهم، ولم يسعدوا بالقرب عند اللَّه، بل بالعكس من ذلك، كلما أمعنوا في هذا الطريق، واستمروا في هذا السلوك، ازدادوا من اللَّه بعدا، وقد وضح من

стр. 21

ذلك، أن من اتخذ وليا من دون اللَّه، وإن كان ذلك على أساس أن عبادته تقربه عند اللَّه كان مشركا بالله، كاذبا، كافرا بنعمة اللَّه. وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] . وقد تبين من هذه الآية، أن اللَّه لم يمنح أحدا من خلقه قدرة التصرف في العالم، وأنه لا طاقة لأحد أن يدافع عن أحد. حقيقة شرك أهل الجاهلية وضلالهم: وكذلك تبين أن الكفار الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ، لم يكونوا يعدلون آلهتهم بالله، ويرونهم مع اللَّه بمنزلة سواء، بل كانوا يقرون بأنهم مخلوقون وعبيد، ولم يكونوا يعتقدون أبدا أن آلهتهم لا يقلون عن اللَّه قدرة وقوة، وهم، والله في كفة واحدة، فما كان كفرهم وشركهم إلا نداءهم لألهتهم، والنذور التي كانوا ينذرون لها، والقرابين التي كانوا يقربونها بأسمائهم، واتخاذهم لهم شفعاء، ووكلاء، فمن عامل أحدا بما عامل به الكفار آلهتهم، وإن كان يقر بأنه مخلوق وعبد، كان هو وأبو جهل في الشرك بمنزلة سواء. خلال الشرك وأعماله: فاعلم أن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدا بالله، ويساوي بينهما، فلا فرق، بل إن حقيقة الشرك أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال (خصها اللَّه بذاته العلية، وجعلها شعارا للعبودية) ، لأحد من

стр. 22

الناس، كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستغاثة به في الشدة، واعتقاد أنه حاضر ناظر في كل مكان، وإثبات قدرة التصرف له، وكل ذلك يثبت به الشرك، ويصبح الإنسان به مشركا، وإن كان يعتقد أن هذا الإنسان، أو الملك أو الجني الذي يسجد له، أو يذبح، أو ينذر له، أو يستغيث به، أقل من اللَّه شأنا، وأصغر منه مكانا، وأن اللَّه هو الخالق، وهذا عبده وخلقه، لا فرق في ذلك بين الأولياء والأنبياء، والجن والشياطين، والعفاريت، والجنيات، فمن عاملها هذه المعاملة كان مشركا، لذلك وصف اللَّه اليهود والنصارى، الذين غلوا في أحبارهم ورهبانهم، مثل ما غلا المشركون في آلهتهم بما وصف به عباد الأوثان والمشركين، وغضب على هؤلاء الغلاة المنحرفين، كما غضب على غلاة المشركين، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . وقد ذكر أن جميع الخلق سواء كانوا علماء أو عبادا، حكاما أو ملوكا، كلهم عبيد خاضعون، عاجزون ضعفاء، لا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا يملكون إذا بعثهم اللَّه وطلبهم إلا أن يقفوا أمام ربهم خاضعين مستسلمين، طائعين منقادين، يقول اللَّه تعالى في سورة مريم: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] ، فظهر أنه هو المتصرف وحده، وأنه لا يملك أحدا غيره في ملكه،

стр. 23

ولا يمكنه فيه، وأن الناس يأتون ربهم فرادى لا يمنع أحد آخر، وقد تظافرت الآيات على ذلك وكثرت. ومن تأمل في آيتين، أو ثلاث من الآيات الكثيرة التي سردناها، والتي لم يتسع المجال لذكرها، عرف الفرق بين الشرك والتوحيد، وتجلت له حقيقتهما، وقد آن الأوان لأن نذكر الخلال والأعمال التي خصصها اللَّه بذاته العلية، ولم يأذن لغيره أن يكون له نصيب منها، وهي كثيرة يطول ذكرها، ولكن لا بد أن نخص بالذكر منها ما يستطيع القارئ الفَهِمُ الذكي أن يقيس عليها، ويميز بين الحق والباطل، والهدى والضلال. ١ - العلم المحيط الشامل من خصائص اللَّه تعالى: وفي مقدمة هذه الأمور: أنه من شأن اللَّه وحده أن يكون ناظرا في كل مكان، يعلم ما دق وجل، وبعد أو دنا، أو خفي أو ظهر، لا تخفى عليه خافية في أي وقت، لا فرق في ذلك بين نور وظلمة، وبين سماوات وأرضين، وبين قمم الجبال، وأغوار البحار، هذا العلم المحيط الشامل لكل زمان ومكان، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، صفة خاصة بالله تعالى، لا يشاركه فيها أحد، فمن كان يلهج باسم أحد من الخلق، ويناديه قائما وقاعدا، وعن قرب وبعد، ويستصرخه ويستغيث به عند نزول البلاء، ودفع الأعداء أو يختم ختمة باسمه، أو يراقبه، ويركز فكره عليه، ويصرف همته إليه، متمثلا صورته كأنه يشاهده، ويعتقد أنه إذا ذكر اسمه باللسان أو القلب، أو تمثل صورته، أو قبره، واستحضرهما، علم بذلك وعرفه، وأنه لا يخفى عليه من

стр. 24

أمره شيء، وأنه مطلع على ما ينتابه من مرض وصحة، وعسر ويسر، وموت وحياة، وحزن وسرور، ولا يتفوه بشيء من كلام، وتنطق به شفتاه، ولا يساوره هم من الهموم، ولا يجول بخاطره معنى، إلا وعلم ذلك، واطلع عليه، كان بذلك مشركا، وكل ذلك يدخل في الشرك. ويسمى هذا النوع " الإشراك في العلم "، وهو إثبات صفة العلم المحيط لغير اللَّه، وإن كان هذا الإثبات لنبي أو ولي، أو شيخ أو شهيد، أو إمام (١) ، أو سليل إمام، أو عفريت أو جنية (سواء اعتقد أنه يعلم من ذاته، أو أن علمه منحة من اللَّه، وعطاء منه) وقد استقل بهذا العلم، وأصبح له صفة لا تنفك عنه، كل ذلك شرك. ٢ - التصرف المطلق من خصائص اللَّه تعالى: والأمر الثاني: يجب أن يعتقد الإنسان، أن التصرف في العالم بالإرادة، وإصدار الأمر والنهي، والإماتة والإحياء كما يشاء، والبسط والقبض في الرزق، والإفاضة بالصحة والمرض، والفتح والهزيمة، وتسخير القضاء والقدر، وإنجاح المطالب وتحقيق الأماني، ودفع البلايا، والإغاثة في الشدائد، وإلهاف الملهوف، وإنهاض العاثر، هذه كلها من خصائص اللَّه تعالى، لا يشاركه فيها أحد من الأنبياء والأولياء، والشهداء والصالحين، والعفاريت والجنيات، فمن أثبت هذا التصرف المطلق لأحد منهم، وطلب منه حاجاته، وقرب القرابين والنذر لأجل ذلك، أو استصرخه في نازلة، كان مشركا، ويقال لهذا النوع " الإشراك في التصرف " سواء

стр. 25

اعتقد أنهم يقدرون على ذلك بأنفسهم، أو اعتقد أن اللَّه وهبهم هذه القدرة، وخلع عليهم هذه الكرامة. ٣ - أعمال العبادة وشعائرها، خاصة بالله تعالى: والأمر الثالث: أن اللَّه خصص بعض أعمال التعظيم لنفسه، وهي التي تسمى " عبادة " كالسجود والركوع، والوقوف بخشوع، وتواضع (مثلا يضع يده اليمنى على اليسرى (١) وإنفاق المال باسم من يعتقد فيه الصلاح أو العظمة، والصوم له، وقصد قبره من أنحاء بعيدة، وشد الرحل إليه بوجه يعرف كل من رآه أنه يؤم قبره حاجا زائرا، والهتاف باسمه في الطريق كالتلبية، والتجنب من الرفث والفسوق، والقنص وصيد الحيوانات، ويمضي بهذه الآداب والقيود، ويطوف بالقبر ويسجد إليه، ويسوق الهدي إليه، وينذر النذور هناك، ويكسو ذلك القبر، كما تكسى الكعبة، والوقوف على عتبته، والإقبال على الدعاء والاستغاثة، والسؤال لتحقيق مطالب الدنيا والآخرة، وبلوغ الأماني، وتقبيل حجر من أحجار هذا القبر والالتزام بجداره، والتمسك بأستاره، وإنارة السرج والمصابيح حوله تعظيما وتعبدا، والاشتغال بسدانته، والقيام بجميع الأعمال التي يقوم بها السدنة من كنس وإنارة، وفرش وسقاية، وتهيئة أسباب الوضوء والغسل، وشرب ماء بئره تبركا، وصبه على الجسم، وتوزيعه على الناس، وحمله إلى من لم يحضر، واحترام الغابة التي تحيط به، والتأدب معها، فلا يقتل صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا يرعى ماشية في حماها.

стр. 26

كل هذه الأعمال علمها رب العالمين عباده، وأفردها لنفسه، فمن أتى بها لشيخ طريقة، أو نبي، أو جني، أو لقبر فحقق، أو مزور، أو لنصب، أو لمكان عبادة، وعكف فيها أحد الصالحين على العبادة والذكر والرياضة، أو لبيت أو لقبر، أو لأثر من آثار أحد الصالحين، يتبرك به، أو شعار يعرف به، أو يسجد لتابوت أو يركع له، أو يصوم باسمه (١) أو يقف أمامه خاشعا متواضعا، واضعا إحدى يديه على الأخرى، أو يقرب له حيوانا، أو يؤم بيتا [أو قبرا] ، من هذه البيوت [أو القبور] من بعيد، فيشد إليه الرحل، أو يوقد السرج فيه تعظيما وتعبدا، أو يكسوه بكسوة (كما تكسى الكعبة) أو يضع على ضريح ستورا (٢) ، أو يغرز علما، أو عودا باسمه (٣) ، وإذا رجع رجع على

стр. 27

أعقابه، أو يقبل القبر، أو يحرك المراوح عليه، ليذب الذباب، كما يفعل الخدم مع أسيادهم الأحياء، أو ينصب عليه سرادقا، أو يقبل عتبته، أو يضع يده اليمنى على اليسرى، ويتضرع إليه، أو يجلس على ضريحٍ سادنا وقيما، ويتأدب مع ما يحيط به من أشجار وآجام، وأعشاب، فلا يتعرض لها بإهانة أو إزالة، إلى غير ذلك من الأعمال والالتزامات، فقد تحقق عليه الشرك، ويسمى " إشراكا في العبادة " سواء اعتقد أن هذه الأشياء تستحق التعظيم بنفسها، وأنها جديرة بذلك، أو اعتقد أن رضا اللَّه في تعظيم هذه الأشياء، وأن اللَّه يفرج الكرب ببركة هذا التعظيم. علامات التعظيم الدالة على العبودية والاستكانة، خاصة بالله تعالى: والأمر الرابع: أن اللَّه علم عباده طرقا يستقيم بها إيمانهم، وتنزل البركة في حياتهم الدنيا، وتتحقق بها مطالبهم، منها النذر لله في الشدة، ونزول البلاء، والنداء باسمه عند كربة وضيق، وافتتاح كل عمل باسمه، والذبح له حين يرزقون ولدا شكرا لله تعالى، وتسميتهم بأسماء يتجلى فيها التوحيد والعبودية، كعبد اللَّه، وعبد الرحمن، وهبة اللَّه، وجاد المولى، وعطاء اللَّه، وأمة اللَّه، وعطية الرحمن (١) ، وتخصيص جزء من حواصل المزارع، وثمار

стр. 28

البساتين باسم اللَّه تعالى، وتخصيص جزء من المال، والماشية، ونذره لله تعالى، وتعظيم الهدي والقلائد لبيت اللَّه، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه في المأكل، والمشرب، والملبس، واعتقاد أن كل ما يصيبه من خير وشر، ومجاعة، ورخص وغلاء، وصحة وسقم، وفتح وعزيمة، وسعد وشقاء، ومساعدة الحظ وتخلفه، وحزن وفرح، كله في قبضته، والإحالة إلى مشيئته قبل ذكر إرادته، فيقول: سأعمل كذا إن شاء اللَّه، وتعظيم اسمه تعظيما تتجلى فيه قدرة اللَّه، وعجز العبيد، فيقول مثلا ربي، وسيدي، وخالقي، وإذا أراد أن يحلف يحلف باسمه، إلى غير ذلك من علامات التعظيم وشعائره، فمن أتى بذلك للأنبياء والأولياء، والأئمة والشهداء، والعفاريت والجنيات، مثلا ينذر لها إذا ألمت به كربة، أو نزلت به ضائقة أو ينادي بأسمائها عند ملمة أو نازلة، أو يفتتح عمله بأسمائها، وإذا رزق ولدا، نذر لها نذورا، أو سمى أولاده بـ " عبد النبي " أو " إمام بخش " أو " بير بخش "، ويخصص جزءا من الحبوب أو الثمرات لها، ويقدم لها مما أخرجته الأرض من زروع وأثمار، ثم يستعمله في أغراضها، ويخصص من المال، وقطعان الأنعام، أموالا ودوابا، ثم يتأدب معها، فلا يصرفها، ولا يزجرها عن العلف والتبن، ولا يضربها بعصا أو حجر أدبا وتعظيما، ويتمسك بالعادات القديمة، والأعراف الشائعة في الأكل والشرب، واللباس، ويتقيد بها كما يتقيد بأحكام الشريعة، فيحرم طعاما ولباسا لأناس، ويحلهما لأناس، ويحظرهما على جنس (كالذكور والإناث) ، ويبيحهما لآخر، فيقول: إن الطعام الفلاني لا يقربه الرجال (١) ، وإن

стр. 29

الطعام الفلاني لا تقربه الجواري، ولا تقربه المرأة التي تزوجت بزوج ثان، وإن الخبيص الذي يعد باسم الشيخ عبد الحق لا يأكله من يستعمل النارجيلة (١) ، وينسب ما يحدث من خير وشر، وما ينتاب من بؤس ورخاء، إلى هؤلاء المشايخ والأولياء، فيقول: إن فلانا أدركته لعنة فلان، فجن، وفلان طرده فلان فافتقر، وفلان أنعم عليه فلان فساعده الحظ، وحالفه الإقبال، وأصابت الناس المجاعة بنوء كذا، ونوء كذا، وفلان بدأ عمله بيوم كذا، وفي ساعة كذا فلم يوفق، ولم يتم، أو يقول: إن شاء اللَّه ورسوله كان كذا، أو يقول: إن شاء شيخي وقع كذا، أو يضفي على من يعظمه أسماء أو صفات تختص بالله، وهي من نعوت العظمة والكبرياء، والغنى عن الخلق، والقدرة المطلقة، والجود الذي لا نهاية له، أو القهر والجبروت، مثل المعبود، وأغنى الأغنياء، وإله الآلهة، ومالك الملك، وملك الملوك، أو يحلف بالنبي، أو بعلي، أو بأحد أولاده (الذين يسميهم الشيعة الأئمة الاثنى عشر أو بشيخ، أو بقبره، وكل ذلك يتحقق منه الشرك ويسمى " الإشراك في العبادة " يعني أن يعظم غير اللَّه في الأعمال التي اعتادها تعظيما، لا يليق إلا بالله. وهذه الأنواع الأربعة للشرك، قد جاء ذكرها صريحا في القرآن والحديث، لذلك قسمنا هذا الباب في خمسة فصول، وهي كما يلي:

стр. 30

الفصل الأول في التحذير من الشرك قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] . الفرق بين الشرك، وسائر الذنوب: اعلم أن هنالك أنواعا من الذنوب والآثام، يقترفها الناس إذا جمحت بهم النفوس، وغلبهم الهوى، فمنهم من لا يميز بين حلال وحرام، ومنهم من يقترف سرقة، أو عملا من أعمال الفسوق، أو يترك الصلاة والصيام، أو لا يأتي بما فرض اللَّه عليه من حقوق الأهل والعيال، أو يسيء إلى والديه، ويغلظ القول لهما، ولكن الذي تورط في الشرك فقد أسرف، وظلم نفسه ظلما مبينا، لأنه قد جنى جناية لا يغفرها اللَّه، أما الذنوب والآثام الأخرى، فربما يغفرها اللَّه، ويتجاوز عنها، ولكن الشرك، لا بد أن يوفى حسابه. الشرك ظلم، ووضع للشيء في غير محله: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ،

стр. 31

وقد هدت لقمان الحكمة العميقة التي أكرمه اللَّه وخصه بها، إلى أن أفحش الظلم أن يجود الإنسان على أحد بحق غيره، فمن أعطى حق اللَّه لأحد خلقه فقد عمد إلى حق أكبر كبير، فأعطاه أذل ذليل، وكان كرجل وضع تاج الملك على مفرق إسكاف، وأي جور أكبر من هذا الجور وأي ظلم أفحش من هذا الظلم؟ . وليعلم يقينا أن كل مخلوق كبيرا كان أو صغيرا هو أذل من إسكاف، أمام عظمة اللَّه وجلالته، وقد دلت الآية، وشهد به الشرع والعقل السليم، أن الشرك أقبح العيوب، وما زال الناس يعتبرون إساءة الأدب مع كبرائهم وسادتهم أكبر عيب وأعظم خرق، فلما كان ﵎ أكبر من كل كبير، كانت إساءة الأدب إليه، والإشراك معه عيبا ليس فوقه عيب، وخرقا لا يفوقه خرق، وقد اتفقت جميع الشرائع على المنع من الشرك، والأمر بالتوحيد، وهو الصراط المستقيم، وطريق النجاة، وكل ما عداها من طرق وسبل، فهي طرق الضلال، والسبل المردية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . إن اللَّه لا يقبل إلا خالصا، ليس لأحد فيه نصيب: أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه، وأنا منه بريء» .

стр. 32

وقد دل هذا الحديث على أن اللَّه تعالى لا يقبل عملا أشرك فيه معه غيره، فلا يقبل عبادة المشرك بل يتبرأ منها، وليس شأنه شأن الذين يأخذون نصيبهم من الشيء المشترك بينهم وبين غيرهم، فإنه أغنى من كل غني، وأغير من كل غيور، فلا يقبل إلا خالصا مخلصا، ليس لأحد فيه سهم أو نصيب. عهد سبق في عالم الأرواح: أخرج أحمد عن أبي بن كعب ﵁ في تفسير قول اللَّه . ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، قال جمعهم فجعلهم أزواجا، صورهم، فاستنطقهم، فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئا، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك.

стр. 33

وقد فسر أبي بن كعب ﵁ الآية تفسيرا واضحا، وذكر أن اللَّه قد صنف أولاد آدم أصنافا، فكانت طائفة من الأنبياء، وطائفة من الأولياء، وطائفة من الشهداء، وطائفة من الصلحاء، وطائفة من المطيعين، وطائفة من العصاة والفاسقين، وطائفة من الكفار كاليهود والنصارى، والمجوس والمشركين، وأبرز هذه الطوائف في الصور والأجسام التي أراد خلقها، منها الوسيم ومنها الدميم، ومنها الأصم، ومنها الأعور، ومنها الأعمى، ثم وهبها النطق، ثم قال لها: ألست بربكم؟ فأقرت جميعا، وقالت: بلى! أنت ربنا، ثم أخذ منها العهد والميثاق، أن لا تشرك في ملكه وحكمه أحدا، وأن لا تتخذ غيره ربا وإلها، فقبلته جميعا وأعطت العهد والميثاق، وأشهد اللَّه على ذلك السماوات والأرض وأباهم آدم، وقال: سيبعث الأنبياء ليذكروا بهذا العهد والميثاق، وسيحملون الكتب السماوية، وأقرت كل طائفة على حدة بالتوحيد، وتبرأت من الشرك، فظهر من ذلك أنه لا مسوغ للاحتجاج بكلام عالم أو شيخ، أو كلام آباء وأجداد، أو ملوك وسلاطين. وإن قال قائل: لقد نسينا في هذه الحياة كل ما جرى في عالم الأرواح، فلا معول على شيء منسي، ولا يصح الاحتجاج به، وهذا

стр. 34

لا يصح، لأن الإنسان كثيرا ما ينسى شيئا، ثم يؤمن به إذا أخبره به الثقات، فكلنا ولد من بطن أمه، ولكنه لا يذكر هذه الساعة، ولا هذا الحادث، فإنه كان لا يعي ذلك ولم يكن يعقل في ذلك الحين، ولكن لما استفاض ذلك الخبر، وتواترت به الأنباء، وتناقلته الألسن، آمن به، ولم يشك في أمه أنها له أم، وهو لها ابن، لا يعدل عنها عدولا، ولا يبغي لها بديلا، فمن عق أمه، ولم يبر بها، واتخذ له أما أخرى، كثرت القالة فيه، وأصبح شامة في الناس، فإن تعلل بأنه لا يذكر هذا الحادث، وأنه لا يعتمد على مجرد الإشاعة، ضعف الناس عقله، وسفهوا حلمه، واعتبروه قليل الحياء، قليل الأدب، فإذا كان الناس يعتمدون على حديث العامة، وآمنوا بسببه بحقائق، كان الأنبياء أولى بهذه الثقة، وأجدر بالاحتجاج. وقد تبين من هذا الحديث أنه قد سبق أمر اللَّه بالتوحيد والنهي عن الشرك لكل نسمة في عالم الأرواح، وما بعث الرسل، ونزلت الصحف إلا لتبين ذلك وتؤكده، وقد تلخص كلام الأنبياء، وهو الاعتصام بالتوحيد، وإخلاص الدين لله، والابتعاد عن الشرك، واتخاذ غير اللَّه حاكما، يتصرف في الكون، واتخاذه ربا يطلب منه تحقيق مطالبه وإسعاف حاجته. الضن بعقيدة التوحيد والاستقامة عليها عند الفتنة والبلاء: وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت» .

стр. 35

فيجب على المسلم أن يصبر على ما يصيبه من الأذى، من الجن أو العفاريت، كما يجب عليه أن يصبر على ما يصيبه من محنة أو مكروه من بشر في حياته ولا ينبغي أن تحمله هذه الفتنة على وهن في الدين، أو فساد في العقيدة فيحبط بذلك عمله، ويخسر بذلك دينه الذي هو ملاك أمره، ورأس ماله، فيجب عليه أن يعتقد أن الأمر كله بيد اللَّه، ولكنه قد يمتحن عباده، وينال الأخيار أذى من الأشرار ليميز اللَّه الخبيث من الطيب، ويميز بين المؤمن والمنافق، وكما أن المسلمين يكونون عرضة لأذى الكفار والفساق، فلا يسعهم على ذلك إلا الصبر، ولا يرضون أن يتطرق إلى دينهم وهن، أو يتسرب إلى عقيدتهم فساد، كذلك قد يصيب بعض الصالحين مس من الجن، أو خبل من الشياطين، فلا يكون ذلك إلا بإذن اللَّه وعلمه فينبغي لهم أن يصبروا على ذلك الأذى، ولا يخضعوا لهذه القوى بالاستسلام أو التعظيم. وقد دل هذا الحديث على من مقت الشرك ونبذ الآلهة، وكره تقديم النذور، والقرابين إليها؛، وحارب العادات الجاهلية، والتقاليد الباطلة فأصابته خسارة في المال، أو رزية في الأولاد، أو آذاه الشيطان باسم شيخ أو شهيد، يجب عليه أن يصبر على ذلك، ويستقيم على دينه، ويعتقد أن اللَّه ممتحنه في دينه، وكما أن اللَّه قد يمهل الظالمين ولا يهملهم، ويخلص المظلومين منهم، كذلك لا محالة هو معاقب للظلمة من الجن، ومخلص للصالحين من أذاهم. إقبال المملوك على غير مالكه، وولي نعمه، قلة غيرة وعدم وفاء: وأخرج الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: «قال رجل

стр. 36

يا رسول اللَّه أي الذنب أكبر عند اللَّه؟ قال: " أن تدعو لله ندا وهو خلقك» . وقد دل هذا الحديث على أن إشراك العبد أحدا لله تعالى في علمه المحيط، وقربه من كل أحد، وقدرته على كل شيء، فيستغيث به ويستصرخه أكبر الكبائر، لأنه ليس في إمكان أحد أن يسعف بحاجته مثله، وأن يكون في كل مكان لا يغيب عنه شيء. ثم إنه إذا كان الواقع أن اللَّه تعالى هو الذي خلقنا وهو ربنا - ونحن نقر بذلك - وجب علينا أن لا ننادي إلا إياه، ولا نستعين إلا به، وما لنا ولغيره (١) ؟ فمن كان من جملة عبيد ملك وصنائعه، انقطع إليه كليا، وأطبق عينه عن كل ملك ورئيس، فضلا عن وضيع أو خسيس، أيجمل بنا أن نكون أقل غيرة، وأضعف وفاء من المملوك لمولاه المجازي؟ .

стр. 37

الموحد المذنب حري بأن يتوب، وتدركه رحمة اللَّه ولطفه بخلاف المشرك العابد: وأخرج الترمذي عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «قال اللَّه تعالى: يا ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» . وقد دل هذا الحديث على أن الإنسان مهما أتى به من ذنوب، واقترف من آثام، وإن كانت تعدل ذنوب أكبر العصاة والمجرمين كفرعون وهامان، ولكنه سلم عن الإشراك بدَّل اللَّه سيئاته حسنات، وآتاه بقراب هذه الذنوب مغفرة، فظهر أن الذنوب تتضاءل أمام عقيدة التوحيد، وأن بركتها تغشى المذنب فتمحو خطاياه، كما أن للشرك شؤما وظلمة تطغى على جميع الحسنات، وتحبط جميع العبادات، فإنه إذا وقر في قلب المؤمن، واستقر أنه لا إله إلا هو، لا رب سواه، ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأنه لا معقب لأمره، ولا راد لقضائه، وليس له وكيل ولا شفيع إلا بإذنه، فقد تطهر من أوضاع الشرك، فما صدر عنه من ذنب، فهو من مقتضى البشرية، ونتيجة النسيان، والسهو، ويستولي على قلبه الخوف من هذه الذنوب، وينال منه كل منال، ومن الطبيعي أن يعاف هذه الذنوب ويستوحش منها، حتى تضيق

стр. 38

عليه الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، فلا تصفو له الحياة، ولا يطيب له طعام وشراب، وكل من كان هذا شأنه أظلته رحمة اللَّه ولطفه، وكلما أكثر من الذنوب اشتدت به الكآبة وأحاطت به الوحشة، فمن رسخت، قدمه في التوحيد عملت ذنوبه ما لا تعمل عبادة غيره، فكان الفاسق الموحد خيرا من المتقي المشرك ألف مرة، كما أن الوفي المقصر من الرعية كان خيرا من الثائر المتملق، لأن الأول نادم على تقصيره، والثاني معجب بخديعته ونفاقه، مدل بنفسه، يحسب أنه يحسن صنعا.

стр. 39

الفصل الثاني في رد الإشراك في العلم الحواس الخمس الظاهرة، والعقل، منحة إلهية عامة للبشر قال اللَّه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، اعلم أن اللَّه تعالى قد وهب عباده قوى ووسائل للاطلاع على أمور ظاهرة، فرزقهم العين ليبصروا، والأذن ليسمعوا، والأنف ليشموا، واللسان ليذوقوا، واليد ليجسوا، والعقل ليفهموا ويتبصروا، وقد مكنهم من هذه الطرق والوسائل، وملكهم إياها ليستخدموها في مآربهم وحاجاتهم، فكلما أراد الإنسان أن يبصر فتح عينه وإلا أطبقها، وإذا أراد أن يتذوق شيئا وضعه في فمه، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فكأنما أعطاهم مفاتيح لاكتشاف هذه الأشياء والاطلاع عليها، ومن كان عنده مفتاح كان القفل خاضعا له، تابعا لإرادته، إن شاء فتح، وإن لم يشأ لم يفتح، فكان الاطلاع على الأمور الظاهرة في تصرف الناس، وكانوا أحرارا فيه، يتصرفون فيه كما يشاءون. علم الغيب خاص بالله تعالى، ووراء طور البشر: وهذا شأن الاطلاع على الغيب فيما يختص بالله تعالى، فهو يملكه ويتصرف فيه كما يشاء، وهي صفته الدائمة، ولم يجعل لولي أو نبي،

стр. 40

أو جني أو ملك، أو شيخ أو شهيد، أو إمام، أو سليل إمام، ولا لعفريت ولا لجنية أن يطلعوا على الغيب متى شاءوا، إن اللَّه قد يطلع من يشاء على ما يشاء متى يشاء، لا يجاوز علمه ما أراد اللَّه إطلاعه عليه مثقال ذرة، وكان ذلك خاضعا لإرادة اللَّه تعالى، لا لهواهم. وقد وقع للنبي ﷺ مرارا أنه رغب في الاطلاع على شيء فلم يتيسر له ذلك، فلما أراد اللَّه ذلك أطلعه عليه في طرفة عين. وقصة الإفك مشهورة معلومة للجميع، وقد أشاع المنافقون عن سيدتنا عائشة ما هي منه بريئة، وقد كبر ذلك على النبي ﷺ ، وبلغ منه كل مبلغ، وقضى أياما يفحص فيها الأمر فلم تنكشف له الحقيقة، وبقي أياما مشغول الخاطر، فلما أراد اللَّه أن تنجلي عنه هذه الغمة، وتنكشف له الحقيقة أخبره بأن المنافقين هم الكاذبون، وأن عائشة ﵂ بريئة من هذه التهمة، فعلم من ذلك يقينا أن مفتاح الغيب بيد اللَّه تعالى لم يمكن منه أحدا، ولم يملكه إياه، وليس له خازن بل هو الذي يفتح هذا القفل بيده، فيهب من يشاء ما يشاء، لا يمسك يده أحد، ولا يمنعه عن ذلك أحد. من ادعى لنفسه، أو اعتقد في أحد علم الغيب بالاستقلال والدوام كان كاذبا آثما: وقد تبين من هذه الآية أن من ادعى علما يعرف به الغيب متى شاء وأن الاطلاع على الأمور المستقبلة ميسور له، وتحت تصرفه، كان كذابا، مدعيا للألوهية، ومن اعتقد ذلك في نبي أو ولي، أو جني أو ملك، أو إمام أو ابن إمام، أو شيخ أو شهيد، أو مُنِجِّم أو رمَّال، أو جفار، أو من يبحث عن الفال في كتاب (١) ، وغير ذلك، أو كاهن أو سادن، أو عفريت أو جنية كان مشركا، منكرا لهذه الآية. ومن وسوست له نفسه، وسول له الشيطان أنه قد يتحقق ما يخبر به منجم، أو رمال، أو كاهن، أو محترف بالأخبار بالسعد والنحس، فيدل ذلك على علمه للغيب، فكل ذلك باطل، فإن كثيرا ما تخطئ أخبارهم ويقع عكسها، فثبت من ذلك أنه لا صلة له بعلم الغيب، وأنه ليس في تصرفهم، وإنما يتكلمون رجما بالغيب، وقد يصيبون، وقد يخطئون، وهذا هو الشأن في الاستخارة والكشف، ومن يبحث عن الفال في
следующие страницы →