← Общие книги

Общие книги · id 11241

شبهات القرآنيين حول السنة النبوية

محمود مزروعة

Полный текст (99 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شبهات القرآنيين حول السنة النبوية إعداد: أ. د/ محمود محمد مزروعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة الحمد لله رب العالمين - والصلاة والسلام على رحمة الله إلى العالمين، وعلى إخوانه وآله وأصحابه والتابعين. أما بعد: فلقد بعث الله محمداً ﷺ على فترة من الرسل، وأنزل عليه القرآن الكريم، فختم الله - تعالى - به الرسل، وختم برسالته الرسالات، وختم بكتابه الكتب، وجعله مصدقاً لما بين يديه منها ومهيمناً عليها. وقد جاء القرآن المجيد مشتملاً على الدين كله، بعضه مفصل والكثير منه مجمل. وقد وكل الله - تعالى - تبيين الكتاب المجيد، وتفصيله إلى رسوله محمد ﷺ ، ومن ثم، جاءت سنة رسول الله ﷺ مبينة لما أبهم ومفصلة لما أجمل. يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤) ولما كان الكتاب المجيد بحاجة إلى السنة تبينه وتفصله، فقد كانت السنة من وحي - الله تعالى - إلى نبيه ﷺ حتى يكون المبيِّن والمبيَّن من مصدر واحد، وعلى مستوى واحد، وحاشا - الله تعالى - أن ينزل الكتاب وحيا، ثم يترك بيان ما فيه لبشر بعيداً عن الوحي. فإن المبيِّن له نفس أهمية المبيَّن من حيث هو وسيلة الانتفاع به، وسبيل العمل بمقتضاه، من ذلك كان القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة يصدران من مشكاة واحدة، مشكاة الوحي الإلهي المعصوم. يقول الله عن رسوله – ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣-٤)

стр. 2

ومنذ جاءت الرسالة الخاتمة وأعداء الله لها بالمرصاد. وقد اتخذت العداوة لله ورسوله ولدينه صورا مختلفة، وتلبست أشكالاً عديدة. ونحن نستطيع أن نجمل هذه الصور والأشكال في نوعين اثنين. الأول، أعداء للإسلام أعلنوا عداءهم في وضوح، ونابذوا المسلمين في جلاء. من أمثال الصليبيين والشيوعيين والعلمانيين وأصناف الملاحدة بعامة، الذين أعلنوا عن إلحادهم، وهؤلاء ضررهم قليل، وخطرهم معروف، لأن عداءهم معلن، وكفرهم سافر، فالمسلمون منهم على حذر، ومن كيدهم ومكرهم على ترقب وتوجس. أما النوع الثاني، فهم المنافقون الذين يظهرون غير ما يبطنون، يتدثرون بعباءة الإسلام، ويصطنعون الحرص عليه، والدعوة إليه والعمل على وحدة الأمة، وبينما يعلنون ذلك يسعون إلى تحقيق أغراضهم الخبيثة من القضاء على الإسلام عن طريق التشكيك في مصادره الموحى بها من عند الله وبخاصة السنة النبوية المطهرة. وذلك بإثارة الشبهات ضد سنة رسول الله – ﷺ والزعم بأنها ليست من الدين، ولاصلة لها بالتشريع الإسلامي، ويزعمون أن القرآن هو المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية. وهذه الدعوى قديمة، والعداء لرسول الله ﷺ ولسنته موروث. لكن الجديد هو هذه الفئة من أعداء الله ورسوله والمسلمين، منكري سنة رسول الله ﷺ التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين الميلادي في بلاد الهند، ثم انتقلت إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند، وما تزال. وأعجب أمر هؤلاء أنهم يُنْسَبون إلى القرآن المجيد، فهم يحبون أن يسموا أنفسهم "القرآنيون" نسبة إلى القرآن كتاب الله المجيد ظلماً وزورا. وقد اختاروا هذه النسبة إيهاماً للناس بأنهم ملتزمون بكتاب الله القرآن. هذا من جانب ومن جانب آخر يشيرون من طرف خفي إلى أن غيرهم من المسلمين

стр. 3

الذين يؤمنون بسنة رسول الله – ﷺ ويعملون بها ليسوا قرآنيين، وأنهم اشتغلوا بالسنة وتركوا القرآن، - وأيضاً - حتى يجنبوا أنفسهم المؤاخذة، ويقطعوا سبل الاعتراض عليهم، لأنه من ذا الذي يعترض على طائفة أعلنت أنها تنتسب إلى القرآن وتتمسك به؟. وليس من المستغرب وجود مثل هذه الطائفة، فأعداء الإسلام كُثُر، ومنكرو السنة مضت بهم القرون جيلاً بعد جيل، وقد أخبر عنهم رسول الله ﷺ فعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله" (١) لكن الغريب من هؤلاء هي تلك الشبهات التي أثاروها ضد سنة رسول الله ﷺ والتي يزعمون أنها أدلة على أن السنة ليست من الدين، ولا الدين منها وقد ملأوا بها مؤلفاتهم - وهي في جملتها أوردية - وندواتهم ومناظراتهم مع الآخرين - وقد كان لنا حظ من تلك المناظرات على مدى ثلاث جلسات بيننا وبين "البرويزيين" بمدينة "كراتشي" في عام ١٩٨٣م. وذلك أثناء عملي أستاذاً بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد بباكستان. وشبهاتهم هذه المزعومة هي محل الغاية في هذا البحث الموجز الذي عقدناه لمناقشة هذه الشبهات والرد عليها. نسأل الله - سبحانه - التوفيق والسداد والمعونة والاحتساب، إنه - سبحانه - ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 4

المبحث الأول: التعريف بالسنة النبوية أولاً: السنة في اللغة، هي: الطريقة، وهي السيرة حميدة كانت أو غير حميدة. ومن ذلك قول الرسول ﷺ "من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". (١) وسنة الله - تعالى - في خلقه: حكمه - سبحانه - في خلقه، وما عودهم عليه (٢) . وذلك كقولهم: سنة الله في خلقه أن يمهل العاصي لعلّه يتوب ويرجع. ثانياً: السنة في الاصطلاح: يختلف معنى السنة في الاصطلاح حسب تخصص المصطلحين وأهدافهم واهتماماتهم. فهناك المحدِّثون، وهناك الأصوليون، وهناك الفقهاء. أما علماء الحديث أو المحدِّثون فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي، النبي الرسول، الذي أخبرنا ربنا أنه أسوتنا وقدوتنا، ومن ثم فقد نقلوا كل ما يتصل به ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات، سواء أثبت ذلك حكما شرعياً أم لم يثبت. كما نقلوا عنه ﵊ أخباره وشمائله وقصصه وصفاته خَلْقاً وخُلُقاً. وهذا ما التأمت عليه كتب الحديث، وأنتجته مجهودات المحدثين. ومن هنا فقد عرفوا السنة بأنها: "كل ما أثر عن النبي -

стр. 5

صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلْقِية أو خُلُقية، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها". وأما علماء الأصول، فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله ﷺ المشرع الذي يضع القواعد، ويوضح الطريق أمام المجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فاهتموا من السنة بأقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته التي تستقي منها الأحكام على أفعال العباد من حيث الوجوب والحرمة والإباحة، وغير ذلك. ولذلك عرفوا السنة بأنها: (ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير ". مثال القول، قوله ﵊: - "إنما الأعمال بالنيات" (١) . ومثال الفعل، ما نقل إلينا من فعله ﷺ في الصلوات من وقتها وهيئتها. ومناسك الحج وغير ذلك. ومثال التقرير، إقراره ﵊ لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حيث قال لهم: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (٢) ، ففهم بعضهم النهي على ظاهره فأخَّر الصلاة فلم يصلِّها حتى فات وقتها، وفهم بعضهم أن المقصود حث الصحابة على الإسراع، فصلوها في وقتها قبل الوصول إلى بني قريظة. وبلغ النبي ﷺ ما فعل الفريقان فأقرهما جميعا (٣) .

стр. 6

وأما علماء الفقه فيبحثون في السنة عن رسول الله ﷺ الذي لا تخرج أقواله وأفعاله عن الدلالة على حكم من الأحكام الشرعية. ومن هنا كانت السنة عندهم هي: "ما أمر به النبي ﷺ أمراً غير جازم". أو "ما ثبت عن النبي ﷺ من غير افتراض ولا وجوب". أو "ما في فعله ثواب، وفي تركه ملامة وعتاب لا عقاب". وهي تقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة لدى الفقهاء - وقد تطلق السنة عندهم على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على سنة إذا كان يعمل على وفق ما كان عليه النبي ﷺ ويقال: فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك. ويطلق لفظ السنة عندهم - كذلك - على ما عمل عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - وجد ذلك في القرآن المجيد أو لم يوجد، لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم، لم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم. لقوله ﷺ : - "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (١) (٢) . هذه معاني السنة، أو تعريفاتها والمراد بها في مصطلح العلماء، وقد تبين لنا أن علماء كل فن أو علم من العلوم لهم اهتمام وعمل في السنة يتناسب مع اهتمامهم، ويحقق ما يهدفون إليه في علومهم، دون أن تتعارض

стр. 7

هذه العلوم، فالحق أنها كلها في خدمة السنة النبوية وتيسير التعرف عليها والعمل بها، ومن أشرف أهداف القائمين على هذه العلوم هو جمع السنة النبوية وتمحيصها، وتنقيتها مما قد يكون دخيلاً عليها، ثم الدفاع عنها ضد الشاغبين عليها، المعارضين لها، الساعين إلى طرحها والاقتصار في التشريع الإسلامي على مصدر واحد هو القرآن العظيم. وإذا كنا قد أشرنا إلى عدد من تعريفات العلماء للسنة النبوية الشريفة، فإن التعريف الذي يتوافق مع بحثنا هذا إنما هو تعريف الأصوليين تحديداً، لأنهم الذين يعنون - بالدرجة الأولى - ببيان حجية السنة، ومكانتها من التشريع، وسوق الأدلة على ذلك. وإن كان المحدثون والفقهاء لم يحرموا أجر البحث في هذه الجوانب، ولم يقصروا في بذل المجهود في سبيلها.

стр. 8

المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية من التشريع وأدلة حجيتها أولاً: مكانة السنة النبوية الشريفة من التشريع إن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. وهذه حقيقة لا يعارضها أو يشغب عليها إلا شقي معاد لله ولرسوله وللمؤمنين، مخالف لما أجمعت عليه الأمة سلفاً وخلفاً وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى. ذلكم أن المقرر لدى الأمة المسلمة أن الوحي المنزل على الرسول ﷺ من قبل الله - سبحانه - نوعان: الأول: هو القرآن العظيم، كلام الله سبحانه - المنزل على رسوله ﷺ بلفظه ومعناه، غير مخلوق، المتعبد بتلاوته، المعجز للخلق، المتحدي بأقصر سورة منه، المحفوظ من الله - تعالى - أن يناله التحريف، المجموع بين دفتي المصحف الشريف. أما النوع الثاني من الوحي: فهو السنة النبوية المطهرة بأقسامها القولية والفعلية والتقريرية، وسنة رسول الله ﷺ هي من وحي الله إلى رسوله ﷺ باتفاق الأمة المسلمة، وذلك لما قام الدليل من كتاب الله - تعالى - على ذلك في آيات كثيرة، ثم لما صرحت به السنة النبوية، ثم لما أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم إلى يوم الدين - بحول الله تعالى. وإذا كان الشاغبون على سنة رسول الله ﷺ يزعمون أنهم يستمسكون بالقرآن المجيد مكتفين به عن السنة، فلنذكر بعض

стр. 9

ما جاء به القرآن الكريم من الآيات البينات التي تشهد وتصرح بأن السنة وحي من عند الله - سبحانه- إلى رسوله ﷺ ثم الآيات التي تصرح بوجوب طاعته- ﷺ ووجوب حبه، ووجوب اتباعه، ووجوب الاحتكام إليه والتسليم له في كل ما يحكم به، لنا كان الحكم أو علينا، إلى غير ذلك. فمن الآيات القرآنية التي تدل على أن السنة وحي قول الله – ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) وهذه الآية نص قاطع في أن الرسول ﷺ لا يأتي بشيء من عنده، وأن كل ما ينطق به في مجال التشريع إنما هو وحيٌ من عند الله - تعالى - سواء كان وحياً من النوع الأول وهو القرآن، أو من النوع الثاني وهو السنة النبوية. ومن ذلك - أيضاً - قوله ﵎ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران:١٦٤) . وهذه الآية الكريمة لعلها استجابة من الله - تعالى - للدعاء الذي توجه به إبراهيم وإسماعيل - على نبينا وعليهما الصلاة والسلام - إليه - تعالى - حين كانا يرفعان القواعد من البيت. وهذا الدعاء ذكره الله في القرآن الكريم في قوله : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً

стр. 10

مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:١٢٧- ١٢٩) . فهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل - على نبينا وعليهما الصلاة والسلام - لقي القبول عند الله - سبحانه - فكان من قدره أن جعل من ذريتهما تلك الأمة المسلمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، ثم بعث فيها رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وقد ذهب أهل العلم والتحقيق إلى أن المراد بالحكمة إنما هو: السنّة النبوية، فإن الله - تعالى - قد مَنَّ على المؤمنين بإرسال الرسول ﷺ الذي جعل رأس رسالته أن يعلم أمته المؤمنة شيئين: الكتاب والحكمة. ولا يجوز أن تكون الحكمة هي الكتاب، فإنها معطوفة عليه، والعطف يقتضي المغايرة، ولا يجوز أن تكون شيئاً آخر غير السنة، فإنها عطفت على الكتاب، فهي من جنسه في المصدر والغاية. وقد منَّ الله - تعالى - بهما على المؤمنين، ولا يمنّ الله - تعالى - إلا بما هو حق وصدق، فالحكمة حق كما أن القرآن حق. وهذه الآية واضحة الدلالة على أن السنة من وحي الله - تعالى - على نبيه ﷺ . يقول الشافعي - رحمه الله تعالى: " فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت مَن أرضى مِن أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ وهذا يشبه ما قال - والله أعلم - لأن القرآن ذُكر، وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكر الله منَّه على الخلق بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - والله أعلم - أن يقال الحكمة هنا إلا سنّة رسول الله ﷺ وذلك أنها مقرونة بالكتاب، وأن الله افترض طاعة

стр. 11

رسوله ﷺ وحتم على الناس إتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرض إلا لكتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ ....." (١) . ومن الآيات التي تقطع بأن السنة وحي من عند الله - تعالى - وأن الرسول ﷺ لا ينطق فيما يتصل بالتشريع إلا بما يوحي الله - تعالى - إليه، قوله - سبحانه - في شأن رسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة:٤٤-٤٧) . فهذه الآيات تدل بوضوح شديد على أن الرسول ﷺ لا يقول شيئاً - فيما يتصل بالدين - إلا بما يوحي إليه الله به - وكذلك لا يفعل، فإن القول أعم من الفعل ودليله - ولو أن الرسول ﷺ قال شيئاً في الدين لم يوح الله - تعالى - به إليه، لأهلكه الله - تعالى - وما من أحد بقادر على أن يمنع الله - سبحانه - من إهلاكه آنئذ، وهذا وعيد من الله - تعالى - ووعد، وعيد لنبيه ﷺ أن يتقول عليه ما لم يوح به إليه - وحاشاه ﷺ أن يفعل ذلك - ووعد للمؤمنين بأنه - تعالى - حافظٌ دينَه من أن يدخل إليه أو يختلط به ما ليس منه على لسان نبيه، وهذه الآيات تعد - في الوقت ذاته - أمراً من الله - تعالى - جازماً لأمته أن يؤمنوا ويوقنوا ويسلموا لكل ما يأتيهم به النبي ﷺ حيث إن الله ضمن لهم أن نبيه لن

стр. 12

يتقول عليهم، وأن كل ما ينطق به النبي قولاً، أو يأتيه فعلاً. إنما هو من وحي الله - تعالى - إليه. يقول العلماء: لقد أخبر الله بأن رسوله ﷺ لو تقول في الدين قولاً لم يوح - الله تعالى - به إليه لأهلكه الله - سبحانه - وحيث إن الله - تعالى - لم يهلك نبيه، فلم يأخذ منه باليمين، ولم يقطع منه الوتين - نياط القلب - بل سانده وأعانه، وأيده ونصره، وأظهره على أعدائه هو وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوه، فإن ذلك دليل قاطع على أن رسول الله ﷺ لم يقل أو يفعل أو يقر شيئاً إلا بوحي من الله (١) . ومن الآيات التي تدل على أن الرسول ﷺ لا يقول أو يفعل شيئاً في الدين إلا بوحي من عند الله قول الله - سبحانه - مخبراً عن رسوله- ﷺ :- ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف:١٥٧) . فالآية أسندت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحلال الحلال، وتحريم الحرام إليه- ﷺ مباشرة دون أن تقيد ذلك بكونه قرآناً أو سنة، والإطلاق العام هنا يشمل جميع ما يحله ويحرمه ﷺ أعم من أن يكون ذلك بالقرآن أو بالسنة، فبان من ذلك أن ما يحل

стр. 13

رسول الله ﷺ وما يحرم بسنته هو مثل ما يحرم بقرآن الله - تعالى - كلاهما وحي من عند الله - سبحانه. ومن الآيات التي تدل على أن السنة وحي من عند الله - سبحانه - وتنص على أن ما يحرم رسول الله ﷺ بسنته مثل ما يحرم بالكتاب المجيد، كلاهما من عند الله - تعالى - قول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة:٢٩) . فهذه الآية الكريمة ذكرت نوعين من المحرمات، ما حرم الله - تعالى- وما حرم رسول الله ﷺ وجمعت بين الأمرين في جملة واحدة عاطفة ما حرم رسول الله على ما حرم الله، وذلك يدل بوضوح على أمرين، الأول: أن ما حرم رسول الله ﷺ هو مثل ما حرم الله، وأن الأمرين على منزلة واحدة من حجية التشريع وحكمه، وأن ما شرع الله - تعالى - في كتابه هو مثل ما شرع رسول الله ﷺ في سنته. الثاني: أن ما حرم رسول الله ﷺ في سنته هو وحي من عند الله - تعالى - كمثل ما حرم الله - تعالى - في كتابه، فكلا التشريعين وحي من عند الله - سبحانه -. ولعل ما ذكرناه كاف في بيان ما قصدنا إليه من الاستدلال بآيات القرآن المجيد على أن السنة وحي من عند الله - تعالى - كما أن القرآن وحي، وأن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى. ومن ثم ننتقل إلى ما يترتب على أن السنة وحي من عند لله -تعالى-، نقصد الآيات

стр. 14

القرآنية التي توجب وتأمر بطاعة رسول الله ﷺ وتجعل طاعته ﷺ فيما يأمر وما ينهى فيصلا بين الإيمان والكفر، والنجاة والهلاك. قد قلنا إن ذلك مرتب على ما سبق بيانه في الفقرة السابقة من أن السنة وحي من عند الله - تعالى - إذ لو لم تكن كذلك، وكان رسول الله ﷺ ينطق عن الهوى - حاشاه - لما أمرنا الله - تعالى - باتباعه وطاعته في كل ما يأمر وما ينهي، كما سيبين لنا من الآيات الدالة على ذلك - بحول الله تعالى -. وإن الناظر في كتاب الله المجيد يراه قد أمر بطاعة رسول الله ﷺ في آيات كثيرة وبصيغ متنوعة عديدة. من هذه الآيات الآمرة بطاعة رسول الله ﷺ ما هو قاعدة عامة في رسل الله أجمعين، وخاتمهم محمد - صلوات الله على نبينا وعليهم - وذلك قول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء:٦٤) . فثمرة إرسال الرسل - صلوات الله عليهم أجمعين - إنما تنحصر في أن يطاعوا، وطاعتهم إنما هي بإذن الله سبحانه - وأمره، فالشاغب عليهم، التارك لسنتهم، الرافض لأوامرهم ونواهيهم، إنما هو محارب لله - سبحانه - ناقض لإذنه، فاسق عن أمره. ومن ذلك ما هو قاعدة لرسولنا ﷺ شاملة لكل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى. وذلك قول الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر:٧) .

стр. 15

فهذه الآية تأمر المؤمنين بأن يأخذوا عن رسول الله ﷺ كل ما يأتيهم به، يستوي في ذلك ما كان قرآناً أو سنة، وكذلك أن ينتهوا عن كل ما نهاهم عنه، ثم توعدت المخالفين لرسول الله ﷺ بالعقاب الشديد. ومن الآيات الآمرة بطاعة رسول الله ﷺ ما جاء فيها الأمر بطاعة رسول الله ﷺ مقروناً بطاعة الله - سبحانه - مع تكرار فعل " أطيعوا ". ومن ذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٣) . ومن ذلك ما جاء فيه الأمر بطاعة رسول الله ﷺ مقروناً بطاعة الله - تعالى - دون تكرار الفعل "أطيعوا" مما يدل بشكل قاطع على أن طاعة رسول الله ﷺ هي من طاعة الله - سبحانه -، وأنه لا يحل التفريق بين طاعة الله - تعالى - وطاعة رسوله ﷺ ومن ذلك قول الله - سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران:٣٢) . وواضح من النص الكريم أن الذي يتولى عن طاعة رسول الله ﷺ هو من الكافرين. ومن الآيات الآمرة بطاعة رسول الله ﷺ ما جاء فيه الأمر بطاعة الرسول ﷺ ابتداء، دون أن يسبقه الأمر بطاعة الله - سبحانه - وذلك يبين أن طاعة الرسول ﷺ هي في الوقت نفسه طاعة لله - تعالى - وأن طاعة الرسول وحدها

стр. 16

مقياس لطاعة الله ومن ذلك قول الله - تبارك وتعال-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:٥٦) . ومن علامات طاعة رسول الله ﷺ واتباعه الأخذ عنه، والاحتكام إليه، وتحكيمه في كل ما يعرض لنا من شؤون الحياة، ثم الرضا بما يحكم به، والإذعان والتسليم له ﷺ وقد جعل الله - سبحانه - ذلك من علامات الإيمان، وجعل نفي ذلك وعدم الاتصاف به من علامات الخلو من الإيمان، أي علامات الكفر، يقول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥) . ولأن الاحتكام إلى رسول الله ﷺ والرضا والإذعان والتسليم له بكل ما يأمر به أو ينهى من علامات الإيمان، فقد كان رفض ذلك والإعراض عنه من علامات النفاق والكفر، مهما قال أولئك المعرضون أو زعموا أنهم مؤمنون. يقول الله حكاية عن بعض هؤلاء: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٤٧-٥٢) . فهذه الآيات الكريمة تتكلم على موقف المنافقين من الاحتكام إلى الله ورسوله، وتكشف

стр. 17

عن زيف ما يزعمون من الإيمان بالله ورسوله، وأن ذلك نفاق وكفر، وتبين عن دليل ذلك وهو الإعراض عن الاحتكام إلى رسول الله ﷺ والرضا بحكمه، ثم تكشف عن دخائل نفوسهم من عدم الإيمان بالله والاطمئنان إلى حكم رسوله، ثم تبين - بالمقابل - موقف المؤمنين وهو السمع والطاعة لله ورسوله، ثم تختم المقام بأن الفوز والنجاة إنما هما لمن يطيع الله ورسوله. من كل هذا الذي ذكرنا من الآيات القرآنية التي تنص بأسلوب قاطع على أن الرسول ﷺ لا ينطق إلا عن وحي من الله - تعالى - ولا يقول في الدين إلا بما يوحي به الله - تعالى - إليه. وبأن طاعة رسول الله ﷺ فرض على كل مؤمن، وأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، وبأن الاحتكام إلى رسول الله ﷺ والرضا والتسليم له، والأخذ عنه آية الإيمان. نقول: من كل هذا تتضح مكانة السنة النبوية من التشريع الإسلامي، وتتضح حجيتها، وأنها من حيث الحجية هي في منزلة القرآن المجيد، ولا ينبغي أن يفهم من هذا أننا نجعل السنة بمنزلة القرآن في المكانة والشرف، فهذا مما لا يقول به مسلم، فلا ريب أن القرآن يفضل السنة بأمور اتفقت عليها الأمة نشير إلى أهمها - بإيجاز: - ١- القرآن الكريم موحى به من الله بلفظه ومعناه، فهو قول الله- سبحانه - أما السنة فهي قول الرسول ﷺ وفعله وتقريره. ٢- القرآن المجيد تكفل الله - تعالى - بحفظه، وليس ذلك للسنة. ٣- القرآن العظيم يتعبد بتلاوته، وليس ذلك للسنة.

стр. 18

٤- القرآن العظيم معجز للبشر، وترتب على ذلك أن الله - تعالى - تحدى البشر، بل والجن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، والسنة ليست كذلك. ٥- لا تجوز روايته بالمعنى، ويجوز ذلك في السنة بضوابطه. ٦- لا يجوز أن يمسه إلا المطهرون، وليس ذلك للسنة. ٧- القرآن هو المجموع بين دفتي المصحف الشريف، والسنة موزعة في كتب ودواوين. فهذه أمور يفضل القرآن فيها السنة، فهو لذلك أشرف منها وأرفع منزلة وقداسة، لكن كلامنا في مجال الاحتجاج بالسنة في أمور الدين وقضايا التشريع، ولا ريب أنها في هذا في منزلة مع القرآن، فكما يقال: الصلاة واجبة بقول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (النور:٥٦) . فكذلك يقال صلاة الصبح ركعتان والظهر والعصر أربع والمغرب ثلاث والعشاء أربع. والدليل فعل رسول الله ﷺ والمثال هنا يوضح أن كلا الدليلين على مستوًى واحد في إفادة العلم وإيجاب العمل. ولهذا المعنى فقد ذهب جلّة العلماء إلى التسوية بين كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ من حيث الحجية على الأحكام، ومن ذلك أن الخطيب البغدادي قد عنون في كتابه " الكفاية " لهذا الموضوع بقوله: "ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله - تعالى - وحكم سنة رسول الله ﷺ " يشير بهذا العنوان إلى أن القرآن والسنة متساويان في مرتبة واحدة من حيث الحجية في إثبات الأحكام الشرعية. وقد قال الدكتور عبد الغني عبد الخالق في كتابه "حجية السنة" إن السنة والكتاب في مرتبة واحدة من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على

стр. 19

الأحكام الشرعية، ولبيان ذلك نقول: من المعلوم أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السنة ويفضل عنها في أن لفظه منزل من عند الله متعبد بتلاوته، معجر للبشر أن يأتوا بمثله، بخلافها، فهي متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي، لكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما في الحجية، بأن تكون مرتبة السنة متأخرة عن الكتاب، ويعمل به وحده، وإنما كان الأمر كذلك - أي مماثلة السنة للكتاب في مرتبة الحجية - لأن حجية الكتاب إنما جاءت من كونه وحياً من عند الله - سبحانه - والسنة مساوية للقرآن من هذه الناحية فهي مثله" (١) . مما تقدم من حديث عن حجية السنة ومكانتها من التشريع تتضح لنا الأمور الآتية: أولاً: أن الوحي من عند الله - تعالى - إلى رسوله ﷺ وحيان، وحي هو القرآن المجيد، ووحي هو السنة النبوية الشريفة، وقد ذكرنا الأدلة على ذلك من آيات القرآن البينات، كما بينا الفروق بين الوحيين، أي بين القرآن والسنة. ثانياً: أن السنة النبوية المطهرة تأتي في المنزلة الثانية بعد القرآن العظيم في مصدرية التشريع، فهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. أما من حيث الحجية فهي مع القرآن بمنزلة واحدة. بمعنى أن دليل التشريع من السنة يعدل دليل التشريع من القرآن، فكلاهما مفيد للعلم، موجب للعمل بمقتضاه، على أي نوع من الأحكام الخمسة كان العمل.

стр. 20

ثالثاً: أن من رفض سنة رسول الله ﷺ أو شغب عليها، أو رفض أمر رسول الله ﷺ أو نهيه، أو رفض الاحتكام إلى رسول الله ﷺ فيما يعرض له أو لم يقبل حكمه، كل من يفعل ذلك أو شيئاً منه يُعَدُّ فاسقاً عن الملة غير مؤمن، فإن الله - تعالى - قد جعل كل ذلك علامة الإيمان، ورفض ذلك أو شيء منه، آية الكفر والنفاق، وذلك في آياته البينات. رابعاً: لقد اعتمدنا في بيان ما قدمنا على كتاب الله القرآن المجيد وحده، ولم نتكلم في السنة المطهرة أو آثار الصحابة وإجماع الأمة، ذلك أن هؤلاء الذين نخاطبهم في بحثنا هذا يزعمون أنهم "قرآنيون" لا يأخذون إلا عن القرآن، فآثرنا أن نخاطبهم بالقرآن الكريم. لكنا - بحول الله - سبحانه - سوف نوفي الموضوع حقه من خلال أحاديث النبي ﷺ وآثار الصحابة وإجماع الأمة، حين الرد على شبهاتهم، وذلك بمشيئة الله سبحانه.

стр. 21

المبحث الثالث: الجذور التاريخية لمنكري السنة وأشهر طوائفهم إن تاريخ منكري سنة رسول الله ﷺ يكاد يقرن بتاريخ منكري رسالته ﷺ فالكفر بسنته ﵊ هو قرين الكفر برسالته - فهما أمران متقاربان زماناً متساوقان منزلة، ويكادان يكونان متماثلين حكماً، ولا يختلفان إلا باعتبار أن ثمة كفراً دون كفر، وإلا فإنكار سنة رسول الله ﷺ وجحدها كفر، كما أن إنكار رسالته كفر - ومن المسلم به أنه لم يخل زمان من الأمرين جميعاً كذلك، فكما أنه لم يخل زمان من منكري رسالة رسول الله ﷺ فكذلك لم يخل زمان من منكري سنته ﷺ مع زعمهم بأنهم مسلمون مؤمنون برسالته، والأخيرة هذه هي مثار العجب، إذ كيف يكونون مؤمنين برسالته ﷺ ثم ينكرون سنته، ويرفضون اتباعه، ويصرون على عدم الأخذ عنه، والاحتكام إليه، والتسليم له ويقبلون على مخالفته في كل ما قال وفعل وأقر، فيقولون ما لم يقل، ويفعلون ما لم يفعل، ويرفضون ما أقره ورضي به. ولقد بدأت مسيرة إنكار السنة والشغب عليها على هيئة فردية في حالات نادرة لا اعتبار بها. وكان ذلك في حياة رسول الله ﷺ ومن ذلك ما روى أصحاب السنن في أسباب نزول الآية الكريمة:

стр. 22

﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥) . من أن الزبير بن العوام ﵁ اختصم ورجل من أصحاب رسول الله ﷺ لعله حاطب بن أبي بلتعة ﵁ فحكم رسول الله ﷺ للزبير أن يسقي زرعه أولاً، ثم يرسل الماء إلى صاحبه، فغضب الرجل وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟. أي حكمت له بسبب أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ وأنزل الله - تعالى - الآية في ذلك (١) . لكن هذه الحالات شاذة ولا تذكر في معرض التأريخ لمنكري سنة رسول الله ﷺ وذلك لأمرين: لشذوذها وندرتها، ثم لعودة أصحابها إلى الحق سريعاً وانقضاء أثرها. أما إنكار السنة على هيئة مؤثرة، وعلى أيدي طوائف لها ذكرها في التاريخ، فقد بدأت على أيدي الخوارج والشيعة، ثم انضم إليهم طوائف من المتكلمين وبخاصة من المعتزلة الذين انتسب إليهم كثير من الزنادقة والفاسقين عن الملة، كالنظام الذي كان " شاطراً من الشطار، يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس والفواحش، وهو القائل: ما زلت آخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرَح جسما بلا روح (٢)

стр. 23

أما الشيعة والخوارج فكلتا الطائفتين شغبت على السنة النبوية المطهرة وأنكرتها، لكن الشيعة لم يقبلوا من سنة النبي ﷺ إلا القليل الذي نُقل إليهم عن طريق من يدين بعقيدتهم في الإمامة ويشايع آل البيت - فيما يزعمون - ولو أننا عرفنا أنهم لم يوالوا من الصحابة - رضوان الله عليهم - إلا بضعة عشر صحابياً هم فقط الذين رضي عنهم الشيعة وأخذوا عنهم، لأدركنا ذلك القدر الضئيل من سنة النبي ﷺ الذي قبله الشيعة (الرافضة) وعملوا به، وذلك الكم الهائل من السنة النبوية التي رفضوها وأنكروها لأنها أتت عن جمهرة الصحابة الذين لا يرضى عنهم الشيعة، فالشيعة - إذن - رفضوا السنة لأنهم طعنوا في عدالة الصحابة - رضوان الله عليهم - لأنهم بايعوا أبا بكر ﵁ خليفة لرسول الله ﷺ ولم يبايعوا عليا الذي كان هو الخليفة من وجهة أنظار الشيعة، والشيعة منهم معتدل وغال، فالمعتدلون فسقوا الصحابة ﵃ والغالون كفروهم - عياذاً بالله - ولم يستثن الشيعة من ذلك سوى عدد يزيد قليلاً على أصابع اليدين. على أن الشيعة (الرافضة) أضافوا إلى إنكارهم السنة - على الوضع الذي ذكرناه - إضافة جديدة جعل جرمهم في هذا الباب مضاعفاً، ذلك أنهم لم يكتفوا بإنكار الحديث ورفض السنة، وإنما لجأوا إلى وَضع ما أسموه أحاديث، ونسبوها إلى النبي ﷺ فألَّفوا كلاماً على هيئة أحاديث الرسول ﷺ في تعظيم أئمتهم، وتأكيد نحلتهم، وتأصيل معتقدهم، وأيضاً في ذم مخالفيهم وعقائدهم. وقد كان لهذه الأحاديث المزعومة الموضوعة على رسول الله ﷺ دور أصيل في حجية التشريع وأصول الدين عندهم.

стр. 24

أما الخوارج فقد طعنوا في الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد واقعة التحكيم الشهيرة أثناء الحرب بين علي ومعاوية ﵄ وبسبب واقعة التحكيم طعن الخوارج في عدالة الصحابة ﵃ فمن الخوارج مَنْ فَسَّقهم، وهم قلة لا تذكر، والأكثرون من طوائف الخوارج كفروا الصحابة - عياذاً بالله - بل منهم من جعلهم كالمشركين في الحرب والسبي وعدم قبول الجزية. إلى آخر تلك الآراء التي تدل على انحراف حاد عن جادة الإسلام، وقد دفع بهم إنكار السنة والرغبة الملحة عندهم في مخالفة جماعة المسلمين إلى العدوة القصوى بعيداً عن الإسلام، فافتروا على الله ورسوله وجماعة المسلمين، وتباروا في تكفير الأمة بأنواع من الكفر، فجمهرتهم يرون أن دار مخالفيهم دار حرب، يقتل فيها النساء والأطفال وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل. أما في الأحكام فقد أنكروا الرجم في الزاني المحصن لأنه ليس في القرآن، وأقاموا حد السرقة ولم يلتزموا ما ورد في السنة وإجماع الأمة بالحرز في السرقة ونصابها وكذلك قطع اليد من الرسغ، كما استحلوا كفر الأمانة التي أمر الله - تعالى - بأدائها وزعموا أن المسلمين مشركون يحل أكل أماناتهم، وأجاز فريق منهم - الميمونية - نكاح بنت البنت، وبنت الابن، لأن القرآن لم يذكرهن ضمن المحرمات. إلى غير ذلك من أنواع الضلال والزيغ الذي وقعوا فيه في أصول الدين، وفي أحكام الشريعة بسبب أنهم رفضوا السنة النبوية المطهرة، وزعموا أنهم يأخذون أحكامهم وقضايا دينهم عن القرآن، وما علموا أنهم نابذوا القرآن ونبذوه يوم نبذوا السنة واتخذوها ظهرياً، يقول عبد القاهر البغدادي عن الخوارج إنهم: "أنكروا حجية الإجماع والسنن الشرعية، وأنه لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن، ولذلك

стр. 25

أنكروا الرجم والمسح على الخفين لأنهما ليسا في القرآن، وقطعوا يد السارق في القليل والكثير لأن الأمر بالقطع في القرآن مطلق، ولم يقبلوا الرواية في نصاب القطع ولا الرواية في اعتبار الحرز فيه " (١) . فهؤلاء وأولئك - الخوارج والشيعة - رفضوا - سنة رسول الله ﷺ لطعنهم في الصحابة - رضوان الله - تعالى - عليهم أجمعين - ومن المعلوم أن سنة رسول الله ﷺ إنما وصلت إلينا من خلال الصحابة - رضوان الله عليهم - بل إن الدين كله وصل إلينا من خلالهم، فهم الطبقة المعاصرة لرسول الله ﷺ زمانا، المطلعة على أحواله قولاً وفعلاً، الحريصة على أن تحفظ عنه كل حركة وسكنة، وأن تنقل عنه كل لفظة وسكتة، الأمينة في وصف أحواله ﷺ صغيرها وكبيرها، والصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا إلينا أحوال النبي ﷺ – كافة لم يخرموا منها شيئاً، حتى صرنا بفضلهم - جزاهم الله عن الأمة خيرا- كأننا نعايشه في أحواله ﷺ كافة، ونعاين هيئاته كافة، فهم - رضوان الله عليهم- هم الذين نقلوا إلينا الدين كاملاً عن رسول الله ﷺ الذي تلقاه عن ربه وحيا في القرآن أو في السنة، فإذا جاء من الطوائف والفرق من يرفض الأخذ عنهم مستنداً إلى ما يزعمه من أنهم ليسوا عدولاً، فعن من يأخذ دينه، وأنى له أن يعرف شرائع الإسلام؟ ومن أين سيأخذ أحكام الدين في الصلاة وهيئاتها، والزكاة ومقاديرها، والصيام وأحكامه، والحج ومناسكه، ثم من أين له أن يعرف ما يحل وما يحرم، وما

стр. 26

يأخذ أو يدع في شؤون الحياة جميعها، ثم أين نجد كل هذا في القرآن المجيد؟ وأين يجده هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن وحده دون السنة النبوية المشرفة؟ إن رفضهم السنة النبوية كان له الأثر الذي أشرنا إلى بعضه من خروجهم على الدين وابتداعهم فيه ما ليس منه، واعتناقهم عقائد، ومزاولتهم شرائع لا تمت إلى الإسلام، بل تناقض الإسلام وتعارضه، وقد انتهى بهم الأمر إلى أن نقضوا عرى الإسلام، وكفروا الأمة المسلمة، وما كفرت الأمة ولكن الظالمين كفروا، يهدمون الدين بحجة الحرص عليه، ويكفرون بالقرآن وهم يزعمون الاستمساك به والاعتماد عليه، فأين منهم آياته البينات التي تأمر بطاعة رسول الله – ﷺ – والأخذ عنه والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه؟ بل أين منهم آياته البينات التي تنص على أنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، وأن سنته وحي من عند الله - تعالى - وأين من هؤلاء الذين يخالفون عن أمر رسول الله ﷺ قوله تعالى - محذراً إياهم ومن على شاكلتهم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٤) . هكذا بدأت مسيرة إنكار سنة رسول الله ﷺ والشغب عليها ورفض اعتبارها مصدراً تشريعياً كالقرآن، والخروج على طاعة رسول الله ﷺ بدأت مسيرة الضلال هذه على أيدي الخوارج والشيعة (الرافضة) ، ثم تلقفها منهم وسار على ضلالهم طوائف من المتكلمين وأشهرهم في هذا الباب المعتزلة، ثم استمرت مسيرة الضلال يسلمها ضال إلى ضال، ويأخذها ضال عن ضال، وقد افترقوا في ضلالهم إلى مذاهب وطوائف، فطائفة تنكر السنة النبوية المطهرة بجملتها، ما كان منها قولاً، وما كان عملاً،

стр. 27

وما كان تقريراً، ويعدون أقواله ﷺ وأفعاله مثل أقوال الناس وأفعالهم لا صلة لها بالدين من قريب أو من بعيد. وطائفة تأخذ من السنة بما كان عملاً وتطرح ما كان قولاً، دون تمييز أو سند من شرع أو عقل يسوغ هذه التفرقة، فإن صاحب العمل هو نفسه صاحب القول ﷺ . وطائفة ثالثة هي أقل الطوائف جرماً في هذا الباب، ولكنها أعمها وأطمها وأكثرها عدداً، وما ذهبت إليه أعظم شيوعاً وذيوعاً، ذلكم الذين يقولون لا نأخذ من سنة رسول الله ﷺ إلا بما تواتر قولاً وعملاً، أما خبر الواحد فلا يأخذون به ولا يعتبرونه، ومن هؤلاء من يرفضه جملة، ومنهم من يرفضه في العقائد. وقد ظلت مسيرة الضلال هذه تنتقل عبر التاريخ بطوائفها المختلفة وعلى مستوى الأمة المسلمة شرقاً وغرباً، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، وذلك بنشأة ما سمي بطائفة " القرآنيون " تلك الطائفة التي زعمت الاعتماد على القرآن وحده، وطرح السنة النبوية المطهرة، وأخذت تدعو إلى نحلتها بهمة ونشاط تحت رعاية الاستعمار الإنجليزي، ثم انتقلت من الهند إلى باكستان - بعد التقسيم - تحت مسمى "البرويزيين" وهذه الطائفة هي موضوع بحثنا هذا، وسوف نبين بشيء من التفصيل تاريخ نشأتهم وأهم رؤسائهم على الصفحات التالية - بحول الله تعالى.

стр. 28

المبحث الرابع: التعريف بطائفة القرآنيين، وعوامل نشأتهم مدخل ... المبحث الرابع: التعريف بطائفة القرآنيين، وعوامل نشأتهم وضع الإنجليز أيديهم على شبه القارة الهندية، ودانت لهم طوائفها وفرقها من الهندوس والبوذيين والجينيين وغيرهم ممن يدينون بغير الإسلام. أما المسلمون الذين كانوا يمثلون قلة في الهند فلم يسلس قيادهم للإنجليز المستعمرين، ولم يهادنوهم يوماً، وذلك انطلاقاً من الإسلام الذي يمنع المسلم من الخضوع والإذعان لحاكم غير مسلم يلي أمر المسلمين بالقوة والجبروت. لذلك كان المسلمون بالهند يمثلون للإنجليز المستعمرين قلقاً وإزعاجاً بل يمثلون خطورة على سلطتهم وبقائهم في تلك البلاد، وكان المسلمون لا يفتأون يلبون داعي الجهاد ضد الإنجليز، ويقومون بالثورات العديدة التي كان أشهرها ثورة مايو من عام سبعة وخمسين وثمانمائة وألف للميلاد. وقد كان الإنجليز بالمقابل يمقتون المسلمين فوق مقتهم الطوائف الأخرى، وقد كانوا يدبرون المؤامرات والمكايد ضد الإسلام والمسلمين في تلك البقاع، ورغم خطط ومؤامرات الإنجليز الكثيرة ضد المسلمين، إلا أنهم تميزوا بخطة معينة أحكموها وبرعوا فيها، وقد حققت لهم أغراضهم وأهدافهم من تفريق صفوف المسلمين، وإضعاف شوكتهم، وبث النزاع بين طوائفهم. وكانت خطتهم تلك تقوم على أن يستقطبوا أشخاصاً من المسلمين، يرون فيهم قبولاً لبيع دينهم وأمتهم مقابل السلطة والمال، فيجندونهم للعمل ضد الإسلام والمسلمين، وكانت خطتهم التي يرسمونها لعملائهم واحدة، حيث يبدأ هؤلاء العملاء بالتظاهر بالإسلام، والحرص عليه، والدعوة إليه، والكتابة

стр. 29

فيه، حتى إذ اشتهر أمرهم، والتف الناس حولهم. بدؤوا ينفذون خطة الإنجليز، التي رسموها لهم، وبدؤوا ببذر بذور الشك في عقيدة الإسلام، ثم في شريعته، ثم - وتحت دعواهم الحرص على الإسلام - يبثون سمومهم، فمنهم من يدعي النبوة مثل: " ميرزا غلام أحمد القادياني " - لعنه الله - ومنهم من يدعي حب رسول الله ﷺ فيخلع على النبي - بهذه الحجة - بعض صفات الله سبحانه، وذلك مثل "أحمد رضا خان" ومنهم من يدعي أنه مجدد القرن مثل: " أحمد خان " الذي أخلص للإنجليز إلى حد أن باع دينه، وضحى بأمته في مقابل ولائه المطلق للإنجليز. وفيما يلي سنذكر أهم رجالات القرآنيين في الهند، مع ذكر نبذة عن تاريخ كل منهم، وأهم آرائه.

стр. 30

أولاً: السيد أحمد خان: وتاريخ منكري السنة في شبه القارة الهندية في العصر الحديث يبدأ بهذا الرجل: "سير أحمد خان" أو "السيد أحمد خان" بل إن تاريخ الكثير من صور الخيانة للإسلام والمسلمين، وابتداع الآراء الشاذة المخالفة لما عليه القرآن والسنة وإجماع الأمة، مما كان سبباً في تفريق الأمة، وتشتيت جهودها ضد الإنجليز أعداء الإسلام، يرجع إلى هذا الرجل "السيد أحمد خان" (١)

стр. 31

وبالتالي، يرجع إليه حركات ممالأة المستعمر الإنجليزي، ومهادنته، بل معاونته وموالاته، والدعوة إلى السير في ركابه والاغتراف من ثقافته، والتمثل به في الشؤون الحياتية كافة، يرجع كل هذا إلى هذا الرجل الذي قضى حياته في خدمة الإنجليز، والدعوة إلى مسالمتهم ومعاونتهم، وقد اقتدى به الكثيرون في ذلك مما جعل محنة الأمة بهذا الرجل أعم وأطم. وفيما يتصل بموضوعنا، فقد كان هذا الرجل مكثراً من الكتابة والتأليف، وكان من تأليفه ما أسماه تفسيراً للقرآن وقد نهج في تفسيره نهجا يخالف القرآن نفسه والسنة وإجماع الأمة، ويخالف المنهج العلمي في أبسط صوره. حيث اعتمد في تفسيره القرآن على عقله وهواه الذي يتحكم في عقله، وجاء بسبب ذلك بآراء خالف بها مُسَلَّمات الدين، وعقائده وشرائعه، وبذلك خرج على إجماع الأمة، بل اعتمد في تفسيره أسلوباً خالف فيه أساليب اللغة التي نزل بها القرآن، ولم يعبأ بدلالات الألفاظ، بل أخضع كل ذلك لهواه وأغراضه من إفساد الدين، وإبطال الشرع، ومن ذلك أنه أنكر الغيب ومنه الملائكة والجن والشياطين، وفي سبيل إنكارها تأول الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر الملائكة والجن والشياطين، فأوَّل الملائكة بأنها عناصر الطبيعة وقواها من ريح ومطر وبراكين. وأوَّل الجن بأنهم سكان

стр. 32

الغابات والصحاري والذين يزاولون أنشطتهم في ظلام الليل فلا يراهم أحد، كما أول الشياطين بأن المراد بها شهوات النفس وأهواؤها، وكان اعتماده هذا المنهج الذي يخالف أساليب اللغة العربية ودلالات ألفاظها قائماً على أساس جرم آخر ارتكبه في حق الدين، وهو زعمه أن القرآن العظيم لم ينزل على رسول الله محمد ﷺ بألفاظه ومعانيه، بل إنه نزل بالمعنى فقط، بمعنى أن الله - تعالى - قذف بمعاني القرآن في قلب محمد ﷺ ثم صاغها محمد ﷺ في ألفاظ من عنده، وبذلك جعل القرآن مثل السنة، في أن الرسول ﷺ ، ألهم معناه فقط، ثم صاغه هو بألفاظ من عنده. وهذا - وغيره - مما وقع فيه "أحمد خان" تسبب في ثورة العلماء ضده، وفي رميهم إياه بالكفر، فكان هذا - من جانب آخر - سببا في انفلات أمره، وانطلاقه في غواياته وضلالاته إلى المنتهى الذي وصل إليه. أما فيما يتعلق بالسنة النبوية، فقد وضع الرجل الأساس للذين أتوا من بعده في إنكار السنة النبوية المطهرة، والشغب عليها، والزعم بأن القرآن كاف، والطعن في أنها من وضع رواتها إلى غير ذلك. ونستطيع أن نوجز أهم الآراء التي جاء بها الرجل بالنسبة للسنة النبوية المطهرة فيما يلي: ١- أَوَّلَ كل ما جاء فيها عن الجن والملائكة والشياطين، وعن الجنة والنار، بتأويلات أدت إلى إنكارها جملة على ما قد أشرنا إليه عند حديثنا عن تفسيره القرآن الكريم. ٢- ادعى أن السنة النبوية لم تدون لأمد طويل، ظلت ذلك الأمد حبيسة الصدور، مما هيأ الأمر للزيادة عليها والنقص منها وتغيير محتواها، ووضع

стр. 33

الكثير منها، ونسبة الكل إلى رسول الله ﷺ مما أفقد الثقة في جميعها، وجعل الشك يشملها كلها. ٣- بناء على الأمر السابق، فقد جعل الرجل كل ما وردت به السنة النبوية المطهرة من أوامر ونواه، وأخبار وأحكام، جعل كل ذلك أموراً استنباطية من علماء الحديث وشراح السنة وفقهاء المذاهب، ومن ثم لا يلزم المسلم الأخذ بها، أو الالتزام بما فيها، وذلك لأمرين، الأول: الشك في نسبة الأحاديث إلى رسول الله ﷺ لطول الفترة التي تركت فيها بلا تدوين - كما بينا قبلا، والثاني: لاحتمال ألا يكون العلماء قد فهموا مقصود النبي ﷺ من هذه الأحاديث، فيكونون قد بنوا أحكامهم على فهم خاطئ فجاءت الأحكام خاطئة. ٤- وضع الرجل مقاييس من عنده لبيان الحديث الذي يؤخذ به ويعتمد، وقد توخى أن تكون تلك المقاييس مبطلة للسنة في جملتها، فلا تكاد تلك المقاييس المتعنتة تنطبق على حديث واحد أو بضعة أحاديث، هذا إذا صدقت النية في تطبيقها، أما إذا أخذنا في الاعتبار تكلفهم وتعنتهم في التأويل والخروج على مقتضيات اللغة، فإن مقاييس الرجل تزري بالسنة جميعها، وهذه المقاييس: أ- أن يكون الحديث المروي هو قول الرسول ﷺ بالجزم واليقين. وهذا المقياس دون إقناعهم به خرط القتاد، حيث إنهم يطعنون في المتواتر، فما بالنا بغيره؟

стр. 34

ب- أن تكون هناك شهادة تثبت أن الكلمات التي أتى بها الراوي هي عين الكلمات التي نطقها النبي فعلاً. ج- ألا يكون لألفاظ الحديث التي أتى بها الرواة معان سوى ما أتى به شراح الحديث، وبنى عليه الفقهاء أحكامهم. وهذا الآخر من أعظم معاول الهدم للسنة النبوية المشرفة، حيث إنه ما من لفظ من ألفاظ اللغة العربية إلا وله عندهم معان وتأويلات لا تكاد تحصى، ولا يحكمها ويوجهها إلا هواهم الضال وأغراضهم الخبيثة. (١) .

стр. 35

ثانياً: عبد الله جكرالوي: هو مولوي - الشيخ - عبد الله بن عبد الله الجكرالوي، نسبة إلى بلدة (جكرالة) التي ولد بها، وهي إحدى قرى إقليم "البنجاب" بباكستان حالياً، وعاصمته "لاهور". وقد ولد عبد الله حوالي ١٨٣٠م. في أسرة علم ودين، وكان والده يتبع مشيخة إحدى الطرق، فلما ولد ابنه وسماه عبد الله، حمله إلى شيخ الطريقة فباركه ودعا له وسماه: " غلام نبي " أي خادم النبي، أو "عبد النبي". ومن عجيب أن يتحول هذا الذي سمى " عبد النبي " - نعوذ بالله من عبودية لغيره سبحانه - إلى عدو للنبي ﷺ ويعلن الحرب على رسول الله ﷺ وعلى سنته، ويخلع طاعته،

стр. 36

ويصبح في رأس قائمة منكري السنة النبوية المطهرة. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١) . وقد تلقى "عبد الله جكرا لوي" علومه بالمدارس الأهلية، ثم سافر بعد ذلك إلى مدينة "دهلي" حاضرة الهند لدراسة الحديث الشريف والتخصص فيه، وبعد أن أتم دراسته، ولمس من القدرة على تدريس الحديث وتعليمه الآخرين عاد من "دهلي" مدرساً ومعلماً، ثم دخل مجال التأليف والكتابة فيما تلقاه وتخصص فيه من علوم الحديث الشريف. وقد ظل على ذلك زمانا يزاول تعليم الحديث وخدمة السنة تعليماً وتأليفاً ومناظرة مع الآخرين. بداية انحرافه: ظل عبد الله جكرالوي على اشتغاله بالحديث حتى اصطدم ببعض مشكلات من متشابه الحديث الشريف، فخرج على الناس بعقيدته الجديدة التي أعلن عن شعارها بمقولته الشهيرة "هذا القرآن هو وحده الموحى به من عند الله - تعالى - إلى محمد ﷺ أما ما عداه من السنة فليس بوحي" ثم شرع في تحقيق مذهبه الجديد وشرحه، والدعوة إليه، ومحاولة اكتساب الأنصار له. ومن الواضح أن عبد الله جكرالوي لم ينتقل من الشيء إلى نقيضه، أو من مناصر للسنة النبوية وداعٍ إليها، وشيخ من شيوخ جماعة "أهل الحديث" بالهند إلى عدو للسنة النبوية، طاعن فيها، داعٍ إلى نبذها وعدم اعتبارها، دفعة واحدة، أو في لحظة مفاجئة، بل الغالب المقبول - طبعاً - أن الرجل راودته أفكار وخواطر، وعاودته شبه ومشكلات لبَّست عليه الحق، وأضلته عن

стр. 37

السبيل السويّ في البحث عن الحق فيما يقابله من مثل هذا، ومن قبل ذلك سبق فيه قدر الله فأضله شيطانه، وأسلم قياده لهواه، وجاءت اللحظة التي لم تكن مفاجئة له، ولكنها كانت مفاجئة للناس الذين عرفوه نصيراً للسنة، فإذا هم يفاجؤون به عدوا للسنة، ومن قبل ذلك عدواً لله ورسوله والمؤمنين. وهذا الذي نراه من أن انقلاب الرجل لم يأت فجأة أو من فراغ، هو الذي يتفق مع الواقع ومنطق الأحداث، فإن الانقلاب من الشيء إلى نقيضه في الأمور الخطيرة والمصيرية لا يصل إليه الإنسان من منفرج واسع، بل يصل إليه من سمِّ الخياط. صلة عبد الله جكرالوي بالإنجليز: يبدو أن انقلاب الرجل من مناصر للإسلام إلى عدو للإسلام والمسلمين، قد لفت أنظار المستعمرين الإنجليز إليه، وما كان لِعَيْن الإنجليز الفاحصة الباحثة عن أعداء الإسلام والمسلمين لتستغلهم وتوجههم وترعاهم لتخطئ هذا الرجل، وقد لفت الأنظار إليه بانقلابه الهائل المفاجئ للناس، وبذلك بدأت صلته بالإنجليز واستغلالهم إياه، ونحن لا ندري أكانت صلته بهم هي التي ساعدت على انقلابه ضد سنة النبي ﷺ والإسلام، أم أن انقلابه هو الذي أهله لهذه الصلة الضالة؟ ومن عجب أن تختلف بعض الآراء حول هذه الصلة، حتى إن البعض ينكرها، والبعض يشكك فيها، مع أن سيرة الإنجليز ومنهجهم بالهند، وعبر مئات الأشخاص من أمثال عبد الله جكرالوي تؤكد أنهم وراء كل شخص من هؤلاء، بل إنهم يبحثون عنهم ويشكلون فكرهم واتجاهاتهم، وهذا الرجل

стр. 38

جاءهم لقمة سائغة، وصنيعة سهلة، وكان الرجل - من جانب آخر - يرفل في بحر من الأموال والنفقات التي كان يحتاجها لطبع كتبه ومؤلفاته العديدة. لكن التشكيك في هذه الصلة بل إنكارها جاء من أنصار "عبد الله جكرالوي"، ومن يدينون بمعتقده، ويسيرون على منهجه في معاداة السنة النبوية، ومقت الإسلام وأهله، وذلك أمر طبيعي، بل إن إنكار أنصاره هذه الصلة لهو دليل على وجودها، وإن المريب يكاد يقول خذوني، وهل كان ينتظر من أنصاره الذين يشاركونه نفس النقيصة والضلالة، أن يقروا بهذه الصلة، وهي كفيلة بصرف الناس من حولهم، وانفضاض الأنصار عنهم؟. ولذلك نرى على رأس الذين ينكرون هذه الصلة "غلام أحمد برويز" الذي تلقى ضلالة إنكار السنة، وورث هذا الاتجاه الضال عن كل القائلين به في الهند، وتولى كبر نشره في باكستان، وما تزال نحلته الفاسدة على الساحة، هذا الرجل ينكر صلة "عبد الله جكرالوي" أستاذه في الضلالة فيقول: " إن الميرزا غلام أحمد القادياني كان من البذور التي بذرتها الحكومة البريطانية، وإن دعوته جاءت من صميم النداء الإنجليزي، بينما نرى عبد الله سليم النية اكتوى بنار ما أصيب به الإسلام في عصره من الفرق المتعددة " (١) . لكن المحققين من أمثال"محمد علي قصوري"يرى أن الحكومة البريطانية كان لها يد وراء الحركتين: القاديانية، والجكرالوية. حيث يقول: إن الحكومة البريطانية تمكنت من اصطياد بعض الشخصيات الإسلامية، وإيقاعها في شبكة التحريف ضد الإسلام، فحرضتهم على القيام بأعمال تفقد الثقة في السنة النبوية الشريفة، وكان على رأس هؤلاء جميعاً "عبد الله جكرالوي"

стр. 39

وقد اختاره المسيحيون - النصارى - لأداء هذه المهمة، فرفع صوته بإنكار السنة كلها، وأخذ يدعو إلى هذا المشروع الهدام، فأخذت رسائل التأييد تصل إليه من المبشرين المسيحيين - المنصرين - وتعده بالمساعدات المالية، وتشكره على هذا المجهود الجبار " (١) . جهود العلماء ضده: بدأ عبد الله جكرالوي حركته ضد الإسلام فأنكر السنة النبوية جميعها، وألف جماعة سماها "أهل الذكر والقرآن" وكان هو رئيس هذه الجماعة، ونشط بشكل مكثف بالدعوة إلى نحلته الضالة التي تقوم على نبذ السنة النبوية، والزعم بأن القرآن كافٍ في قضايا الدين وأحكام الشريعة، وألف في ذلك الكتب الكثيرة، وكان مقر دعوته مدينة "لاهور" وهي في ذلك الوقت - بل في كل وقت - حاضرة العلم والعلماء. لذلك كان له العلماء بالمرصاد، حيث صاروا يفندون آراءه، وينشرون المقالات ضد نحلته، شارك في ذلك العلماء على الأصعدة كافة وعلى منابر المساجد، وقامت مجلة "إشاعة السنة" - نشر السنة - بالدور الأهم والأكثر تأثيرا، حيث جمعت آراءه الضالة، وفندتها، وبينت ما فيها من كفر وفسوق عن الملة، ثم وضعتها على بساط البحث بين أيدي العلماء، ووجهت النداءات إلى جميع العلماء لإبداء آرائهم، وإصدار أحكام الشريعة في هذا الذي يعتنق مثل هذه الآراء الكُفْرية وهل يكون مؤمناً مسلما مع اعتناقه هذه الأفكار التي تقوم على الكفر بالسنة كلها؟.

стр. 40

فما كان من العلماء إلا أن أفتوا بكفره وفسوقه عن الإسلام. أفتى بذلك الكثرة الكاثرة من علماء الهند بأقطارها كافة. ثم قامت المجلة "إشاعة السنة" نفسها بنشر عشرات التوقيعات لعلماء الدين المشاهير في الهند الذين يعلنون أن "عبد الله جكرالوي" كافر بالدين، مقطوع الصلة بالإسلام، خارج عن جماعة المسلمين. لكن الرجل ظل على ضلالته من الكفر بسنة رسول الله ﷺ والدعوة إلى نبذها وعدم العمل بها، حتى أخذه الموت سنة أربع عشرة وتسعمائة وألف، بعد عمر طويل قضاه في حرب الله ورسوله والإسلام عليه من الله ما يستحق.
следующие страницы →