ويصبح في رأس قائمة منكري السنة النبوية المطهرة. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١) .
وقد تلقى "عبد الله جكرا لوي" علومه بالمدارس الأهلية، ثم سافر بعد ذلك إلى مدينة "دهلي" حاضرة الهند لدراسة الحديث الشريف والتخصص فيه، وبعد أن أتم دراسته، ولمس من القدرة على تدريس الحديث وتعليمه الآخرين عاد من "دهلي" مدرساً ومعلماً، ثم دخل مجال التأليف والكتابة فيما تلقاه وتخصص فيه من علوم الحديث الشريف. وقد ظل على ذلك زمانا يزاول تعليم الحديث وخدمة السنة تعليماً وتأليفاً ومناظرة مع الآخرين.
بداية انحرافه:
ظل عبد الله جكرالوي على اشتغاله بالحديث حتى اصطدم ببعض مشكلات من متشابه الحديث الشريف، فخرج على الناس بعقيدته الجديدة التي أعلن عن شعارها بمقولته الشهيرة "هذا القرآن هو وحده الموحى به من عند الله - تعالى - إلى محمد ﷺ أما ما عداه من السنة فليس بوحي" ثم شرع في تحقيق مذهبه الجديد وشرحه، والدعوة إليه، ومحاولة اكتساب الأنصار له.
ومن الواضح أن عبد الله جكرالوي لم ينتقل من الشيء إلى نقيضه، أو من مناصر للسنة النبوية وداعٍ إليها، وشيخ من شيوخ جماعة "أهل الحديث" بالهند إلى عدو للسنة النبوية، طاعن فيها، داعٍ إلى نبذها وعدم اعتبارها، دفعة واحدة، أو في لحظة مفاجئة، بل الغالب المقبول - طبعاً - أن الرجل راودته أفكار وخواطر، وعاودته شبه ومشكلات لبَّست عليه الحق، وأضلته عن
стр. 37
السبيل السويّ في البحث عن الحق فيما يقابله من مثل هذا، ومن قبل ذلك سبق فيه قدر الله فأضله شيطانه، وأسلم قياده لهواه، وجاءت اللحظة التي لم تكن مفاجئة له، ولكنها كانت مفاجئة للناس الذين عرفوه نصيراً للسنة، فإذا هم يفاجؤون به عدوا للسنة، ومن قبل ذلك عدواً لله ورسوله والمؤمنين.
وهذا الذي نراه من أن انقلاب الرجل لم يأت فجأة أو من فراغ، هو الذي يتفق مع الواقع ومنطق الأحداث، فإن الانقلاب من الشيء إلى نقيضه في الأمور الخطيرة والمصيرية لا يصل إليه الإنسان من منفرج واسع، بل يصل إليه من سمِّ الخياط.
صلة عبد الله جكرالوي بالإنجليز:
يبدو أن انقلاب الرجل من مناصر للإسلام إلى عدو للإسلام والمسلمين، قد لفت أنظار المستعمرين الإنجليز إليه، وما كان لِعَيْن الإنجليز الفاحصة الباحثة عن أعداء الإسلام والمسلمين لتستغلهم وتوجههم وترعاهم لتخطئ هذا الرجل، وقد لفت الأنظار إليه بانقلابه الهائل المفاجئ للناس، وبذلك بدأت صلته بالإنجليز واستغلالهم إياه، ونحن لا ندري أكانت صلته بهم هي التي ساعدت على انقلابه ضد سنة النبي ﷺ والإسلام، أم أن انقلابه هو الذي أهله لهذه الصلة الضالة؟
ومن عجب أن تختلف بعض الآراء حول هذه الصلة، حتى إن البعض ينكرها، والبعض يشكك فيها، مع أن سيرة الإنجليز ومنهجهم بالهند، وعبر مئات الأشخاص من أمثال عبد الله جكرالوي تؤكد أنهم وراء كل شخص من هؤلاء، بل إنهم يبحثون عنهم ويشكلون فكرهم واتجاهاتهم، وهذا الرجل
стр. 38
جاءهم لقمة سائغة، وصنيعة سهلة، وكان الرجل - من جانب آخر - يرفل في بحر من الأموال والنفقات التي كان يحتاجها لطبع كتبه ومؤلفاته العديدة.
لكن التشكيك في هذه الصلة بل إنكارها جاء من أنصار "عبد الله جكرالوي"، ومن يدينون بمعتقده، ويسيرون على منهجه في معاداة السنة النبوية، ومقت الإسلام وأهله، وذلك أمر طبيعي، بل إن إنكار أنصاره هذه الصلة لهو دليل على وجودها، وإن المريب يكاد يقول خذوني، وهل كان ينتظر من أنصاره الذين يشاركونه نفس النقيصة والضلالة، أن يقروا بهذه الصلة، وهي كفيلة بصرف الناس من حولهم، وانفضاض الأنصار عنهم؟.
ولذلك نرى على رأس الذين ينكرون هذه الصلة "غلام أحمد برويز" الذي تلقى ضلالة إنكار السنة، وورث هذا الاتجاه الضال عن كل القائلين به في الهند، وتولى كبر نشره في باكستان، وما تزال نحلته الفاسدة على الساحة، هذا الرجل ينكر صلة "عبد الله جكرالوي" أستاذه في الضلالة فيقول: " إن الميرزا غلام أحمد القادياني كان من البذور التي بذرتها الحكومة البريطانية، وإن دعوته جاءت من صميم النداء الإنجليزي، بينما نرى عبد الله سليم النية اكتوى بنار ما أصيب به الإسلام في عصره من الفرق المتعددة " (١) .
لكن المحققين من أمثال"محمد علي قصوري"يرى أن الحكومة البريطانية كان لها يد وراء الحركتين: القاديانية، والجكرالوية. حيث يقول: إن الحكومة البريطانية تمكنت من اصطياد بعض الشخصيات الإسلامية، وإيقاعها في شبكة التحريف ضد الإسلام، فحرضتهم على القيام بأعمال تفقد الثقة في السنة النبوية الشريفة، وكان على رأس هؤلاء جميعاً "عبد الله جكرالوي"
стр. 39
وقد اختاره المسيحيون - النصارى - لأداء هذه المهمة، فرفع صوته بإنكار السنة كلها، وأخذ يدعو إلى هذا المشروع الهدام، فأخذت رسائل التأييد تصل إليه من المبشرين المسيحيين - المنصرين - وتعده بالمساعدات المالية، وتشكره على هذا المجهود الجبار " (١) .
جهود العلماء ضده:
بدأ عبد الله جكرالوي حركته ضد الإسلام فأنكر السنة النبوية جميعها، وألف جماعة سماها "أهل الذكر والقرآن" وكان هو رئيس هذه الجماعة، ونشط بشكل مكثف بالدعوة إلى نحلته الضالة التي تقوم على نبذ السنة النبوية، والزعم بأن القرآن كافٍ في قضايا الدين وأحكام الشريعة، وألف في ذلك الكتب الكثيرة، وكان مقر دعوته مدينة "لاهور" وهي في ذلك الوقت - بل في كل وقت - حاضرة العلم والعلماء.
لذلك كان له العلماء بالمرصاد، حيث صاروا يفندون آراءه، وينشرون المقالات ضد نحلته، شارك في ذلك العلماء على الأصعدة كافة وعلى منابر المساجد، وقامت مجلة "إشاعة السنة" - نشر السنة - بالدور الأهم والأكثر تأثيرا، حيث جمعت آراءه الضالة، وفندتها، وبينت ما فيها من كفر وفسوق عن الملة، ثم وضعتها على بساط البحث بين أيدي العلماء، ووجهت النداءات إلى جميع العلماء لإبداء آرائهم، وإصدار أحكام الشريعة في هذا الذي يعتنق مثل هذه الآراء الكُفْرية وهل يكون مؤمناً مسلما مع اعتناقه هذه الأفكار التي تقوم على الكفر بالسنة كلها؟.
стр. 40
فما كان من العلماء إلا أن أفتوا بكفره وفسوقه عن الإسلام. أفتى بذلك الكثرة الكاثرة من علماء الهند بأقطارها كافة. ثم قامت المجلة "إشاعة السنة" نفسها بنشر عشرات التوقيعات لعلماء الدين المشاهير في الهند الذين يعلنون أن "عبد الله جكرالوي" كافر بالدين، مقطوع الصلة بالإسلام، خارج عن جماعة المسلمين.
لكن الرجل ظل على ضلالته من الكفر بسنة رسول الله ﷺ والدعوة إلى نبذها وعدم العمل بها، حتى أخذه الموت سنة أربع عشرة وتسعمائة وألف، بعد عمر طويل قضاه في حرب الله ورسوله والإسلام عليه من الله ما يستحق.
стр. 41
ثالثاً: أحمد الدِّين الأَمْرِتْسِرِي
هو الخاجة أحمد الدين بن خاجة ميان محمد بن محمد إبراهيم الأمر تسري. نسبة إلى مدينة "أمرتسر" التي ولد بها سنة إحدى وستين وثمانمائة وألف للميلاد، وبعد ولادته حمله والده إلى شيخه فمسح الشيخ رأس الطفل ودعا له وسماه باسمه هذا. وقد بدأ أحمد الدين تعليمه بالقرآن المجيد، ثم العلوم الدينية عند بعض المشتغلين بذلك، ثم التحق بمدرسة المبشرين - المنصرين - فدرس هناك كتاب النصارى المقدس وبعض العلوم العصرية - ثم اعتمد بعد ذلك على جهوده الخاصة في اكتساب العلوم والمعارف، مما مكنه من تحصيل كثير من العلوم الحديثة كالتاريخ والجغرافيا والفلك والاقتصاد والمنطق والرياضيات بجانب العلوم الإسلامية التي كانت عنايته الأولى، كذلك كان يجيد العربية والإنجليزية والفارسية والأردية وبعض اللهجات الإقليمية.
стр. 42
صلته بالقرآنيين السابقين عليه:
كان للخاجة أحمد الدين صلة وثيقة بأفكار القرآنيين - منكري السنة - السابقين عليه، حيث قرأ لهم، واتصل بمن كان حياً منهم، وأخذ عنهم وتأثر بهم إلى حد أن السابقين عليه هم الذين وضعوا له نهج حياته ووجهوا أفكاره. فقد أخذ عن "السيد أحمد خان" إنكار السنة، واتصل بعبد الله جكرالوي عبر زيارات متوالية، وأخذ عنه أفكاره، وكان أشد مكراً من عبد الله، حيث كان ينصحه بعدم التصريح بإنكاره للسنة، واختراع الفرائض والعبادات التي لا يعرفها المسلمون زاعماً أنه استقاها من القرآن، كذلك كانت له صلة بمحمد إقبال، وكان كثير الاجتماع به، والمباحثة معه، مما ألقى ظلالاً على محمد إقبال توهم تأثر إقبال بفكر القرآنيين، وأنه مال معهم إلى إنكار السنة. كذلك كانت له صلة بميرزا غلام أحمد القادياني مؤسس الديانة القاديانية، ومن المأثور أنه لم يكن يشدد النكير على القادياني ولا غيره، بل كان يحضر له دروسه ولغيره ممن يخالفونه الفكر والعقيدة.
دعوته إلى نحلته:
بدأ الخاجة أحمد الدين نشاطه بالتدريس والكتابة، وكان يتسم باللين والهدوء، مما جعل الكثيرين يقبلون على سماعه وحضور درسه، ثم دعا إلى تأسيس جماعته الخاصة وسماها: "أمة مسلمة" ثم أنشأ مجلة تتكلم باسم الجماعة وتنشر أفكارها وآراءها، مما جعل الكثيرين ينضمون لجماعته متأثرين بأسلوبه الهادئ، وبخاصة أنه لم يكن يصرح بما يصدم المسلم، بل كان يميل إلى التورية وعدم المواجهة، إضافة إلى لينه وهدوء أسلوبه، وقدرته على الإقناع. مما كان له الأثر في انضمام فئات المثقفين من أساتذة الجامعات والمدرسين
стр. 43
والقضاة وغيرهم إلى جماعته، وحماستهم لنشر أفكاره بالكتابة والتأليف والنشر، كل هذه العوامل جعلت المناخ مواتياً لنشر أفكار "خاجة أحمد الدين" وكثرة أتباعه.
وقد توفي خاجة أحمد الدين في يونيه سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف للميلاد.
стр. 44
رابعاً: غلام أحمد برويز
هو غلام أحمد برويز بن فضل دين بن رحيم بخش. ولد في يوليه من عام ثلاثة وتسعمائة وألف للميلاد بالجانب الهندي من إقليم البنجاب. وقد تلقى علومه الدينية على يد جده، ثم أكمل بالمدارس النظامية، وقد اتجه إلى الوظائف الحكومية قبل أن يكمل تعليمه الثانوي، فقضى حياته الوظيفية بالمطبعة الحكومية حيث وصل إلى وظيفة مدير المطبعة.
صلته بعقائد القرآنيين:
كان اتصال غلام أحمد برويز بعقيدة القرآنيين في البداية عن طريق القراءة لآرائهم وأفكارهم التي كانت حديث المثقفين وقتذاك يؤيدها القلة ويعارضها الكثرة، ومن في مثل ذكاء "برويز" ونشاطه ما كان يخفى عليه نشاط هذه الحركة وآراؤها، وما كانت تمر عليه هذه الأفكار دون أن تشغله وتؤثر فيه إن سلباً أو إيجاباً. لكن تركه الأمة المسلمة وانقلابه إلى تلك الشرذمة الشاذة عن الإسلام جاء تحت واقعة محددة، لعلها هي القشة التي قصمت ظهر البعير. " وهو يحدث عن ذلك فيقول: "ذات يوم كنت أطالع التفسير
стр. 45
فمررت بقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ (الأحزاب:٦٩) ، وقد ذكر القرآن تفصيل هذا الإيذاء من عناد بني إسرائيل لموسى ﵇ وطلبهم ما لا يحتاجون إليه. غير أني وجدت في تفسير هذه الآية حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري والترمذي من اتهام بني إسرائيل موسى بالبرص، وفرار الحجر بثيابه، وضرب موسى الحجر بعصاه، فارتعدت فرائصي، واستغرقني التفكير، وتوالت عليَّ الشبهات واحدة تلو الأخرى" (١) .
وهكذا كانت اللحظة التي لابد أن برويز فكر فيها كثيراً. أما إعلانه عن انقلابه إلى فكر القرآنيين. منكري السنة، فقد جاء على هيئة خطب منبرية ودروس داخل المساجد في بداية الأمر، ثم تولت مجلته "طلوع إسلام" نشر أفكاره بعد ذلك، ثم توسعت أفكاره شيوعاً عبر مقالاته ومؤلفاته الكثيرة، ومن خلال نوادي حركته التي أنشأها لتضم أتباعه في إنكار السنة، وسماها: نوادي طلوع إسلام، نسبة إلى مجلته تلك. ولقد زاد من شيوع حركته وذيوع أفكاره انتقاله إلى دولة باكستان الوليدة بعد استقلالها عن الهند. حيث انتقل إلى مدينة "كراتشي" التي ما تزال حتى اليوم حاضرة "البرويزيين" أتباع برويز. وقد كانت الظروف وقتذاك ملائمة له ولحركته، حيث كان على رأس الدولة الفتية قائدها "محمد على جناح" (٢) الذي استغرقته السياسة
стр. 46
فشغلته عن مشكلات الإسلام، وعن الحركات الهدامة التي بدأت تنتشر على حساب الإسلام وأمته، وعلى رأس هذه الحركات الهدامة حركة " القرآنيين " بعامة، وحركة "البرويزيين" بخاصة. ومن المعروف أنه كان في أعضاء حكومة باكستان حين الاستقلال، عدد لا بأس به "القاديانيين" على رأسهم " ظفر الله خان " وزير الخارجية آنذاك، الذي حارب الإسلام ومكن للقاديانية، بل وساعد هو وقبيله الحركات ضد الإسلام، وكان منها حركة القرآنيين، وقد وصل من محاربة هذا الرجل القادياني للإسلام والمسلمين في بلد قام أصلاً على الإسلام، أن قام المسلمون بباكستان بثورة عارمة يقودها العلماء لخلع هذا الرجل من وزارة الخارجية، ولم يتم ذلك حتى قتل من المسلمين وعلمائهم المئات، وهو ثمن زهيد في مقابل تنحية هذا الكافر المتعصب عن مكانه الخطير في الدولة المسلمة.
آراؤه وموقف العلماء منه:
كان لغلام أحمد برويز من الآراء ما يتفق مع الهدف العام لحركة القرآنيين الذي يقوم على تخريب الإسلام وهدم أركانه، وذلك بتنحية السنة النبوية عن التشريع الإسلامي. وقد كانت حركة السابقين عليه من القرآنيين تقوم على اعتبار أن القرآن قد شمل الدين بكلياته وجزئياته، وكل مجمل
стр. 47
ومفصل، وقد وضعوا بذلك أساس دينهم القائم على أن القرآن كافٍ وحده. أما "برويز" فقد خطط كي يضمن السياسة والسياسيين إلى جانبه، وكي ينال تأييد أصحاب الحكم والسلطان بباكستان. ومن ثم فقد وضع لهم مكانا متميزا في آرائه. وكانت آراؤه تلك تقوم على أن القرآن قد شمل كليات الدين ومجمله، وأما التفاصيل فهي متروكة لولىّ الأمر الذي يتولى سدة الحكم في بلده، فهو الذي يتولى بيان المجمل، وتفاصيل التشريع، ومن سلطته التحليل والتحريم حسب ما يراه ملائماً للظروف القائمة. وقد كان هذا النهج مرضيا تماماً للحكام والمسؤولين، حيث أضفوا على برويز وجماعته حمايتهم، ومنحوه تأييدهم، ومكنوا له، حيث استطاع نشر ضلالاته على نطاق واسع، وصار للبرويزيين وجود محسوس على الساحة الباكستانية وغيرها من بلاد الهند وبعض البلاد الأوربية التي يهاجر إليها الباكستانيون للعمل أو الدراسة.
موقف العلماء من برويز ودعوته:
اتسعت دعوة برويز لتشمل أصعدة كثيرة على الساحة الإسلامية بباكستان. وقد قام العلماء في البلد المسلم بواجب الجهاد ضد هذه الحركة كما فعلوا بالنسبة للحركات السابقة عليها، لكن العلماء أولوا هذه الحركة من الاهتمام ما يناسب خطورتها، وقد قامت الجماعة الإسلامية ممثلة في رئيسها وشيخها الإمام المجاهد الداعية "المودودي" بالدور الأكثر في هذا المجال.
"وفي سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف وضعت أفكار برويز ومعتقداته أمام العلماء ليفتوا فيها، وليبينوا حكم الإسلام فيمن يعتنق مثل هذه الأفكار، وهل تبقى له صلة بالإسلام مع اعتناقه هذه المعتقدات البرويزية؟ أو
стр. 48
أن الإسلام بريء منه؟ وقد تولى إجراء هذا الاستفتاء أركان المدرسة العربية الإسلامية بكراتشي، فأفتى ما لا يقل عن ألف عالم من علماء الدين من باكستان والهند والشام والحجاز بتكفيره وخروجه عن ربقة الإسلام" (١) .
стр. 49
طوائف القرآنيين في الوقت الحاضر
أولاً: أمت مسلم أهل الذكر والقرآن الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن
...
طوائف القرآنيين في الوقت الحاضر:
بينا فيما سبق أشهر زعماء القرآنيين - منكري السنة النبوية المطهرة -، وقد ذهب هؤلاء وبقيت دعواتهم على هيئة فرق وطوائف تكونت على أساس من هذه الدعوات. وقد فعل الزمان والظروف فعلها في هذه الحركات، حيث تلاقحت الأفكار والمناهج، فتأثر هذا بذاك، واختلط بعض ببعض، وكان من ذلك بضعة طوائف ما تزال تتحرك على الساحة الإسلامية بباكستان والهند، وبعض البلاد الأوربية - وبخاصة انجلترا - التي يصل إليها صدى هذه الحركات عبر الذين يذهبون إلى هناك للدراسة أو العمل، وكثير من هؤلاء تجنس بالجنسية البريطانية واستقر هناك. وسوف نشير إلى أشهر الطوائف التي ما تزال على الساحة، ولها تأثيرها:
أولاً: أمت مسلم أهل الذكر والقرآن، الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن،
هذه الطائفة تضم أتباع "عبد الله جكر الوى" الذي أسس حركته تحت اسم: "أمة مسلمة". وهذه الطائفة التي تمثل فكر "جكرالوي" و "الأمر تسرى" أخذها الضعف والوهن - بفضل الله سبحانه - وأضحى نشاطها محدوداً ومقصوراً على أعضائها القليلين نسبيا. ولهذه الطائفة "معابد" يتعبدون فيها على طريقتهم الكافرة التي لا يعرفها دين الله، ويسمون معابدهم هذه: "مساجد" إصراراً منهم على أنهم من المسلمين، بل على أنهم هم المسلمون. ومعابدهم هذه توجد في بعض المدن الباكستانية، والمعبد منها
стр. 50
لا يزيد على حجم الحجرة الواسعة، وهم يؤدون فيها صلاة الجمعة، وثلاث صلوات في كل يوم حسب عقيدتهم، وكل صلاة ركعتان، وفي كل ركعة سجدة واحدة، وهم لا يرفعون من الركوع، بل ينزلون منه إلى السجود مباشرة. وخطر هذه الطائفة قليل نسبياً، كما أن الكثيرين من أتباعها قد انضموا إلى حركات أخرى مثل حركة: "طلوع إسلام".
стр. 51
ثانياً: طلوع إسلام، ظهور الإسلام
هذه الحركة أسسها "غلام أحمد برويز" منذ كان بالهند، ثم صحبها معه إلى باكستان عند انتقاله إليها. وهذه الحركة هي أنشط حركات منكري سنة النبي ﷺ "القرآنيين" على الإطلاق، وأقواها وأخطرها، وهي الأكثر أتباعاً. وقد زاد من أتباعها أنها قد ورثت الكثير من أتباع الطوائف الأخرى التي ضعفت، أو انتهت مثل طائفة " أهل الذكر والقرآن " التي أسسها "عبد الله جكر الوى".
وللطائفة مجلتها الشهيرة "طلوع إسلام" التي سميت الطائفة باسمها، ولها منتدياتها كذلك. ولها وجود مؤثر - نوعا - على الساحة الإسلامية بباكستان.
والجدير بالذكر أننا سمعنا بهم ونحن بباكستان - إذ كنت أستاذاً "بالجامعة الإسلامية العالمية " بإسلام أباد، وقد سعيت - وبعض الزملاء - إلى لقاء هؤلاء والاستماع إلى أفكارهم. وقد حدث ذلك ابتداء بمدينة "روالبندي" القريبة من إسلام أباد، ثم كانت لنا لقاءات - لم تدم طويلا - بمدينة "كراتشي"، حيث كانت أفكارهم ضحلة، ومعرفتهم بالإسلام متدنية، ورغبتهم في الوصول إلى الحق معدومة، وقد لمسنا أنهم يستمسكون بما هم
стр. 52
عليه من ضلال رغبة في التخلص من حدود الله، وأحكام الشرع، وإشباعاً لشهواتهم دون شعور بالحرج. وذلك ما تضمنه لهم أفكار "برويز". وهذا ما يفسر لنا كثرة أتباعهم من الشباب ذكوراً وإناثاً، وكذلك من المثقفين المتأثرين بالثقافة الغربية النصرانية.
стр. 53
ثالثاً: تحريك تعمير إنسانيَّت، حركة تثقيف الإنسانية
وهذه حركة حديثة جداً لا تنتمي إلى أحد من زعماء منكري السنة الذين تحدثنا عنهم، ولكنها تنتمي إلى أحد الأثرياء الذين تأثروا بأفكار السابقين من منكري السنة، وبخاصة: "برويز" ولا ندري لماذا لم يكتف بالانضمام إلى حركة برويز النشطة؟ ألأن له عليها تحفظات أو مؤاخذات؟ أم هي الرغبة في الشهرة وحب الظهور؟ وما دام سينفق من ماله، فلينفق لإظهار اسمه بدلاً من إنفاق ماله لإظهار الآخرين. والإشارة هنا إلى: "عبد الخالق ما لوادة" الذي أنشأ هذه الطائفة ورأسها وينفق عليها من ماله.
وهذه الطائفة مضى عليها قرابة العشرين عاماً فقط فهي حديثة، وتحاول أن تجد لها مكاناً على ساحة الكافرين بسنة رسول الله ﷺ المرتدين عن الإسلام. ولكن تأثيرها لا يكاد يذكر (١) .
стр. 54
هذه نبذه موجزة عن رؤساء طائفة منكري سنة رسول الله ﷺ وأشهر دعاتها، ثم عن أشهر طوائفها التي آل إليها أمر الدعوة إلى تلك الضلالة الكافرة الرادة أصحابها عن الإسلام، والتي تتسمى حركتهم: "القرآنيون".
وإذ انتهينا - من التعريف بهم، ننتقل إلى ذكر شبهاتهم ثم نرد عليها. كل ذلك بحول الله سبحانه وتوفيقه.
стр. 55
المبحث الخامس: شبهات القرآنيين والرد عليها
الشبهة الأولى:
...
المبحث الخامس: شبهات القرآنيين والرد عليها
لهذه الطائفة التي أسمت نفسها "القرآنيون" مغالطات وجهالات، زعموا أنها شبهات ضد سنة رسول الله ﷺ المطهرة، ويزعمون أن هذه الشبه هي في الوقت ذاته أدلة قاطعة على وجوب ترك السنة النبوية المطهرة، وإهمالها والانصراف عنها، وعدم اعتبارها مصدراً للتشريع، والاقتصار على القرآن المجيد مصدراً وحيداً للتشريع الإسلامي. وسنتولى - بحول الله تعالى - ذكر شبهاتهم هذه كما أوردوها، ثم نفندها ونرد عليها ونبين بطلانها.
الشبهة الأولى:
قولهم، إن القرآن الكريم كافٍ في بيان قضايا الدين وأحكام الشريعة، وإن القرآن قد اشتمل على الدين كله، بجملته وتفصيله، بكلياته وجزئياته، وأنه يحتوي جميع الأحكام التشريعية بتفصيلاتها، ما ترك شيئاً ولا فرط في شيء. ولهذا كان القرآن كافياً، ولم يكن ثمة حاجة لمصدر ثان للتشريع. فالسنة لا حاجة إليها، ولا مكان لها. وقد استدلوا لشبهتهم هذه بما زعموه أدلة من القرآن المجيد. من ذلك قوله - سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨) . واستدلوا - كذلك - بقول الله - سبحانه - يصف القرآن الكريم: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف:١١١) ، وكذلك
стр. 56
استدلوا بالآيات التي وصف الله – تعالى – القرآن فيها بأنه "مبين" من مثل قول الله ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (يس: ٦٩) .
أما وجه استدلالهم بتلك الآيات، فإن الآية الأولى بين الله - تعالى - فيها أنه - سبحانه - ذكر كل شيء في القرآن الكريم، ولم يفرط في الكتاب من شيء بمعنى أنه - سبحانه - لم يترك صغيرة ولا كبيرة، ولم يدع أمراً من أمور الدين، أو حكما من أحكام الشرع يحتاج إليه الناس في عقائد أو عبادات أو معاملات إلا قد ذكره في القرآن، وإذا كان الأمر كذلك، فما حاجتنا إلى مصدر آخر غير القرآن، إن إضافة مصدر آخر إلى القرآن الذي لم يترك شيئا، ولم يفرط الله فيه من شيء، إنما يعني أن نزيد في شرع الله ما ليس منه، وأن نخلط شرع الله الذي أنزل به كتابه بشرع من عند غير الله - تعالى - وهذا باطل فاسد، وفساده إنما أتى من الاعتماد في الدين على غير كتاب الله الذي فصل كل شيء وأحاط بكل شيء.
واشتمال القرآن على تفصيل كل شيء إنما هو واضح من خاتمة سورة يوسف ﵇ الذي وصف الله فيها القرآن بأنه "تفصيل كل شيء" وإذا كان القرآن فصل كل شيء، فما حاجتنا إلى السنة؟. وماذا سنفيد منها؟. كذلكم الآيات التي وصفت القرآن بأنه "مبين" ووصفت آياته بأنها "آيات بينات" فهذه تقطع السبيل على من يقولون إن السنة مبينة للقرآن ومفصلة. فهذا هو القرآن يتحدث عن نفسه في آياته القاطعات، بأنه قد اشتمل على كل شيء، وفصل كل شيء، وبين كل شيء، وبهذا يتضح أن السنة لا محل لها من التشريع، ولا حاجة إليها من بيان أو تفصيل أو توضيح.
تفنيد الشبهة والرد عليها:
стр. 57
إن القول بهذه الشبهة يدل على جهل بالقرآن المجيد، وعدم فهم لآياته، بل يدل على سوء قصد لدى القائلين بها. فإن الأمة مجمعة على أن القرآن العظيم قد اشتمل الدين مجملاً في كثير من جوانبه وأحكامه، ومفصلاً في جوانب أخرى، وقد جاءت السنة النبوية المطهرة فبينت المجمل وفصلته، والنبي ﷺ وهو يبين ويفصل إنما ينفذ أمر الله - تعالى - ويؤدي ما وكله الله - تعالى - إليه من بيان القرآن المنزل على الخلق، تطبيقاً واستجابة لأمر الله في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٤٤) .
فالقرآن المجيد قد اشتمل على قضايا الدين، وأصول الأحكام الشرعية، أما تفاصيل الشريعة وجزئياتها فقد فصل بعضها وأجمل جمهرتها، وإنما جاء المجمل في القرآن بناء على حكمة الله التي اقتضت أن يتولى رسوله ﷺ تفصيل ذلك المجمل وبيانه. وهذا هو ما قام عليه واقع الإسلام، وأجمعت عليه أمته، ومن ثم فلا وزن لمن يقول بغير ذلك أو يعارضه، لأن معارضته مغالطة واضحة وبهتان عظيم، وإذا كان أصحاب هذه الشبهة يزعمون أن القرآن المجيد قد فصل كل شيء، وبين كل صغيرة وكبيرة في الدين، فلنحتكم وإياهم إلى عماد الدين الصلاة، أين في القرآن الكريم عدد الصلوات، ووقت كل صلاة ابتداء وانتهاء، وعدد ركعات كل صلاة، والسجدات في كل ركعة، وهيئاتها، وأركانها، وما يقرأ فيها، وواجباتها، وسننها، ونواقضها، إلى غير ذلك من أحكام لا يمكن أن تقام الصلاة بدونها؟ ومثل ذلك يقال في أحكام العبادات كافة، إن القرآن العظيم قد ورد فيه الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فأين نجد منه الأنواع التي
стр. 58
تخرج منها الزكاة، ومقدار كل نوع، وأين نجد أحكام الصيام؟ وأين نجد مناسك الحج؟ إن الله - سبحانه - قد وكل بيان ذلك إلى رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، وجاء رسول الله ﷺ فقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يقل: كما تجدون في القرآن، لأن القرآن قد خلا من تفصيل الأحكام وبيانها.
ولعل من حكمة الله - سبحانه - في ترك التفاصيل والبيان لرسوله ﷺ أن تفصيل الأحكام وبيان جزئياتها، وتوضيح دقائقها، إنما يكون بالطريق العملي أولى وأجدى، ولو أن الأحكام فصلت قولاً نظرياً، لما استغنت عن بيان عملي واقعي.
ولعله من الحكمة وراء ذلك - أيضا - بيان ما لرسول الله ﷺ من منزلة سامية لا يشاركه فيها غيره، ومكانة رفيعة عالية لا يرقى إليها سواه، وذلك بإسناد الله - تعالى - تفصيل الأحكام وبيانها إليه ﷺ ، إذ لو كان كل شيء مفصلا مبينا لكان رسول الله ﷺ مثل غيره من الناس مطبقاً لما هو قائم فعلاً، لكن الله اختصه ﷺ بتفصيل الأحكام وبيان مجمل القرآن تكريماً لشأنه وإعلاء لمنزلته، وليس ذلك أمراً قائماً بذاته، بل هو مبني على ما سبق أن بيناه من حِكَم.
أما هؤلاء الذين أثاروا هذه الشبهة فقد ارتكبوا عدداً من الأخطاء. أول هذه الأخطاء أنهم لم يحاولوا أن يفهموا الموضوع في إطار القرآن الكريم
стр. 59
كله، وإنما أخذوا آية واحدة أو آيات وركزوا كلامهم فيها، وبنوا مذهبهم الفاسد عليها، وتركوا القرآن المجيد كله بما فيه من آيات واضحات تتصل بالموضوع اتصالاً مباشراً. ومن هنا فقد حملوا الآيات التي اختاروها ما لا تحتمل، ووجهوا معناها الوجهات الخطأ التي أرادوها هم، وليس التي تنطق بها الآيات، ومن البدهيات التي يعلمها عامة الناس - بله العلماء - أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن آياته إنما يفهم بعضها في إطار البعض الآخر، وأن تفسير بعض الآيات بعيداً عن بقية الكتاب الكريم قد يكون خطأ يؤدي إلى محظورين خطيرين، الأول: عدم فهم المراد من الآيات فهماً صحيحاً. والثاني: أن يضرب القرآن بعضه ببعض، وأن تعارض بعض آياته بالبعض الآخر، وهذا جرم عظيم، لا يرتكبه إلا مجرم أثيم، وهؤلاء قد اعتمدوا آية أو بضع آيات من القرآن، ثم عزلوها عن بقية ما في القرآن المجيد من آيات بينات في نفس الموضوع، ثم حملوها من المعاني مالا تحتمل، عن سوء قصد وتعسف. ولعل تفنيد شبهتهم هذه يقتضينا - إلى جانب ما ذكرنا - توضيح معاني الآيات التي استدلوا بها، حتى تبطل شبهتهم هذه بتمامها. وتنهار من أساسها.
إن عمدتهم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه هو قول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) ، مدعين أن هذه الآية تعني أن الكتاب الكريم قد احتوى تفصيل كل صغيرة وكبيرة وبيانها، ومن ثم فلا حاجة إلى السنة التي تبينه وتفصله، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بالكتاب في الآية الكريمة، إنما هو اللوح المحفوظ، وليس القرآن الكريم، وسياق الآية كاملة يرجح هذا، فالآية الكريمة كاملة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ
стр. 60
شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الانعام:٣٨) فالآية تتحدث عن عظيم علم الله - تعالى - وإحاطته بكل شيء في الوجود من دواب وطيور وغيرها، وقد شمل علم الله - سبحانه - كل شيء، وقدر ما يقع لكل منها، ثم إليه يحشر الكل. وذلك كقوله - تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد:٢٢) . فالكتاب الذي احتوى كل شيء كان أو كائن أو يكون إنما هو اللوح المحفوظ - وعلى تفسير الكتاب بأنه القرآن الكريم، فقد قال المفسرون أن معنى الآية إن الله - تعالى - قد ضمن القرآن الكريم كل ما يحتاج إليه المكلفون من أوامر ونواه، وعقائد وشرائع، وبشارة ونذارة. إلى غير ذلك، وليس معنى ذلك أنه لا يحتاج إلى السنة المبينة له، فهو وحي، والسنة وحي، ورسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، وقد قال عنه ربه - سبحانه -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) . فالله - سبحانه - الذي ضمن القرآن العظيم قضايا الدين وأصول الأحكام مجملة، هو - سبحانه - الذي وجه الناس وأرشدهم إلى الطريق الذي يحصلون منه على تفصيل ذلك المجمل وبيانه، وقد جاء التوجيه في القرآن نفسه فقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣) ، وقال ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) . وغير ذلك آيات كثيرة تأمر المؤمنين بطاعة رسول الله ﷺ والأخذ عنه. وبذلك يتضح معنى الآية الكريمة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، وأن الكتاب لو فسر بأنه القرآن، فإن الله - تعالى - قد ضمنه كل شيء يحتاج إليه
стр. 61
المكلف، فما كان فيه من تفصيل كفى، وما كان فيه من إجمال، فقد وجه القرآن المؤمنين إلى الطريق الذي يجدون فيه تفصيل ذلك المجمل، وهو رسول الله ﷺ وبذلك يكون القرآن المجيد قد اشتمل كل شيء، وصدق الله العظيم القائل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
стр. 62
الشبهة الثانية:
هذه الشبهة تقوم على أساس ادعائهم أن السنة النبوية ليست وحياً من قبل الله -سبحانه - على رسوله ﷺ ولكنه اجتهاد وتصرف من النبي ﷺ بمقتضى بشريته، وهو ﷺ بهذا الاعتبار يصيب ويخطئ، فالسنة ليست وحياً، وبالتالي فهي ليست منزهة عن الخطأ، لأن المنزه عن الخطأ إنما هو الوحي، ولا وحي إلا القرآن المجيد. وإذا كانت أقوال الرسول ﷺ وأفعاله ليست وحياً، فلسنا ملزمين باتباعها، ولا هي مصدر من مصادر التشريع. وهم يذكرون أموراً يزعمون أنها أدلة على أن السنة ليست وحياً، وإنما هي اجتهاد من النبي ﷺ باعتباره بشراً.
فمن أدلتهم المزعومة على ذلك، أولاً: مسألة تأبير النخل، حيث أمر النبي ﷺ أصحابه أن يتركوا النخل فلا يؤبِّروه - يلقحوه - فأطاعوا أمره ففسد النخل، وخسر الناس ثمار نخيلهم. وثانياً: مسألة نزول جيش المسلمين في غزوة بدر، حيث أنزله الرسول ﷺ منزلاً - ثم ظهر خطأ هذا المنزل، فانتقل الجيش إلى منزل آخر بناء على رأى صحابي من أصحابه - رضوان الله عليهم - وثالثاً: مسألة
стр. 63
أسرى بدر، حيث استحياهم الرسول ﷺ ولم يقتلهم، وأخذ منهم الفداء، ونزل القرآن مبيناً خطأ ذلك الاجتهاد وإصابة اجتهاد عمر ورأيه في المسألة. ورابعاً: اعتبار الصحابة - رضوان الله عليهم - أن السنة ليست وحياً، وإقرارهم بذلك عملياً، وذلك حين خالفوا الرسول ﷺ في صلح الحديبية، حين ذبح وحلق، بينما رفضوا هم ذلك معتبرين ذلك اجتهاداً من النبي، وليس وحياً، ولو اعتبروه وحياً ما خالفوا (١) .
الرد على هذه الشبهة وتفنيدها:
إن هذه الشبهة التي أوردها هؤلاء سبقهم إليها بعض الطوائف من منكري سنة النبي ﷺ وقد ذكرنا ما زعموه أدلة لهم على ما ذهبوا إليه، وهذه الشبهة مع ما زعموه أدلة عليها ما كان ينبغي أن تصدر عن مسلم، أو عمن يدعي أنه مسلم، فإن الأمة المسلمة مجمعة سلفاً وخلفاً وإلى أن تقوم الساعة على أن السنة النبوية المطهرة وحي من قبل الله - تعالى - على رسوله ﷺ وأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإجماع الأمة المسلمة على ذلك ليس صادراً عن فراغ أو عن هوى، ولكنه الحق الذي لا يعارضه إلا غويٌّ مبين.
والأدلة على أن السنة وحي من الله - تعالى - على نبيه ﷺ كثيرة وعديدة سبق أن ذكرناها في مبحث حجية السنة، لكن لا بأس من الإشارة إلى أهمها هنا:
стр. 64
أولاً: إخبار الله - تعالى - بذلك في نصوص قاطعة في آيات بينات من القرآن المجيد الذي ينتسب إليه هؤلاء. من ذلك قوله عن النبي ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) . ومن ذلك قوله عن نبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة:٤٤-٤٧) . فهذه الآيات ليس فيها إخبار بأن الرسول لا ينطق إلا بالوحي فقط، بل فيها إخبار بأنه ﷺ لو افترى على الله - تعالى - شيئاً لم يوحه الله إليه لقتله الله وقضى عليه. وحيث إن الله - تعالى - لم يأخذ من رسوله باليمين، ولم يقطع منه الوتين، أي لم يقض عليه، فإن الرسول ﷺ ما نطق إلا بما أوحاه الله - تعالى - إليه.
ثانياً: النصوص القاطعة من كتاب الله المجيد التي يأمر الله فيها المؤمنين باتباع الرسول ﷺ في كل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى، من ذلك قول الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) . وقول الله - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٣) .
ثالثاً: ترتيب الله - تعالى - الإيمان على طاعة رسوله ﷺ والرضا بحكمه، والتسليم لأمره ونهيه في كل ما يراه ويحكم به، وذلك في قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
стр. 65
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥) . ومن ذلك وصف الله - تعالى - المؤمنين بأن شأنهم مع رسول الله ﷺ أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وذلك في قوله - سبحانه -: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:٥١) .
رابعاً: إجماع الأئمة كلها على أن السنة وحي من قبل الله إلى رسوله ﷺ وبخاصة صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين - حيث كانوا في حياته الشريفة يحفظون أقواله ﷺ ويتذاكرونها فيما بينهم، وكانوا يتحرون الاقتداء به ﷺ في كل ما يأتي وما يذر - فيما ليس بخصوصية له ﷺ مستجيبين لتوجيه الله - تعالى - في قوله لأمة الإسلام: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب:٢١) . وقد كان الذي يعرف الكتابة منهم يكتب لنفسه خاصة. وقد كان ثمة عدد من أصحاب رسول الله ﷺ يكتبون لأنفسهم في حياته الشريفة. ثم بعد حياته ﷺ كانت المسألة تُعرَضُ للصحابة - رضوان الله عليهم - فيبحثون في القرآن، فإذا لم يجدوا حكمها، بحثوا في السنة الشريفة وحكموا فيها بما وردت به السنة، وكان سائلهم يسأل أصحابه وإخوانه قائلاً: أنشدكم الله هل سمع أحدكم من
стр. 66
رسول الله ﷺ شيئاً في المسألة؟ فإذا جاءهم حكم رسول الله ﷺ على لسان أصحابه أو بعضهم سارعوا إلى تطبيقه والأخذ به.
هذه تذكرة بالأدلة القاطعة على أن السنة وحي من عند الله - تعالى - وقد سبق أن فصلنا ذلك في مبحث سابق عن حجية السنة، بما يغني عن الإعادة هنا.
أما ما أثاروه من مغالطات مدعين أنها أدلة على أن السنة النبوية المطهرة ليست وحياً، فهو كلام ظاهر البطلان. ونحن نرد عليه - رغم وضوح بطلانه - إبطالاً لمزاعمهم.
١- وأول مزاعمهم الباطلة مسألة تأبير - تلقيح - النخل. وهي مسألة ترجع إلى التجربة والخبرة ولا علاقة لها بالوحي من قريب أو من بعيد. ومن المعلوم أن الأمور التي تقوم عليها معايش الناس وحياتهم العادية لا صلة لها بالوحي إلا فيما يتصل بها من حل وحرمة وإباحة. أما كيفية مزاولتها والقيام بها، فذلك متروك للخبرة والتجربة يزاولونها حسب ما ألفوا وتعودوا. ورسول الله ﷺ لم تكن له سابقة خبرة بتأبير النخل، ولما رآهم يفعلون ذلك قال لهم "لو تركتموه لصلح" إما على هيئة الاستفهام، وإما على الاقتراح المبني على عدم التجربة. ولم يكن لذلك من صلة بالتشريع لا أمراً ولا نهياً. ولذلك لما تركوا تأبير النخل ولم يصلح، وحدثوا رسول الله ﷺ في ذلك، قال لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) .
стр. 67
٢- وأما ما أثاروه من منزل جيش المسلمين في غزوة بدر، فقد كان ذلك بناء على رأي رآه رسول الله ﷺ ولم يكن ذلك عن وحي، وهذا بيِّن واضح، فإنه لما سأله أحد أصحابه ﵃ قائلاً: "أهذا منزل أنزلكه الله يا رسول الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله ﷺ "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، ولما أشار عليه صاحبه بمنزل أفضل انتقل اليه رسول الله ﷺ فكون ذلك ليس عن وحي واضح. فلا يصح الاستشهاد به في مجال نفي الوحي فيما هو وحي.
٣- وأما مسألة الأسرى في بدر، فهي قد جمعت بين الرأي والوحي. فقد كان الرأي أولاً، ثم أعقبه الوحي بعد ذلك. وقضية الأسرى ببدر توضح لنا أمراً هاماً قد لا يتوفر في كثير غيرها من قضايا التشريع. فرسول الله ﷺ أخذ في أسرى بدر بالرأي، فاستشار أصحابه - رضوان الله عليهم-، فكل أدلى برأيه، ثم مال رسول الله ﷺ إلى الرأي القائل باستحيائهم وأخذ الفداء منهم، وكان هذا رأي أبي بكر ﵁ وكان رأي عمر ﵁ أن يقتل الأسرى جميعا - وبعد أن استقر الأمر على ذلك نزل الوحي على رسول الله ﷺ يبين ما كان ينبغي أن يفعل في مسألة الأسرى، ويبين الصواب في القضية. يقول الله - سبحانه - في شأن فعل الرسول في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي
стр. 68
الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنفال:٦٧-٦٩) .
فقضية الأسرى بدأت بالرأي، ثم انتهت بالوحي. وهذه القضية بجملتها شاهدة على أن الرسول ﷺ لا يقول ولا يفعل - فيما يتصل بالدين - إلا بوحي من عند الله - سبحانه - وأن الله - سبحانه - لا يدع رسوله ﷺ على غير صواب، حتى في حالة تصرفه برأيه واجتهاده وذلكم هو الأمر الهام الذي نَوَّهنا به قبلا، وخلاصته أن قول الرسول ﷺ وفعله في أمور الدين وحي، حتى ولو قال برأيه. لأنه إن قال أو فعل برأيه وكان صواباً موافقا لأمر الله أقره الله - تعالى - على ذلك. وكان إقرار الله - سبحانه - له دليلاً على موافقة عمله لمراد الله - تعالى - فيكون وحياً، وإن كان اجتهاد الرسول ﷺ ليس صواباً موافقاً لمراد الله - سبحانه - فإن الله - تعالى - لا يقره على ما قال أو فعل اجتهاداً، بل يصوب له ويصحح. وذلك كما حدث في أسرى بدر. حيث نزل فيها القرآن مصوباً، وكما حدث في أوائل سورة “ عبس “ حيث نزل القرآن معاتباً. وهكذا يتضح أن واقعة أسرى بدر شاهدة بأن السنة وحي من عند الله تعالى -، وأن الله - سبحانه - يحيط أقوال وأفعال رسوله بالوحي حتى ولو اجتهد برأيه.
وفيصل الأمر في القضايا الثلاث التي أثاروها شبهة من شبهاتهم ظانين أنها دليل على أن السنة النبوية ليست وحياً، أن ما يصدر عن الرسول -
стр. 69
صلى الله عليه وسلم – نوعان: نوع يفعله بمقتضى بشريته ﷺ دون أن يوحى إليه فيه بشيء، وهذا النوع لا صلة له بالتشريع، وذلك في جل شؤونه المعيشية التي لا يتعلق شيء منها بالدين حلاً أو حرمة ومن ذلك رأيه في تأبير النخل. ونوع آخر يفعله ﷺ بمقتضى كونه بشرا رسولاً، وفعله هذا إنما يقوم على وحي من قبل الله - تعالى. والأمران الأولان: تأبير النخل، ومنزل الجيش في بدر، من النوع الأول الذي فعله رسول الله ﷺ برأيه. والأمر الثالث اجتهد فيه الرسول ﷺ رأيه وآراء محل مشورته من الصحابة - رضوان الله عليهم - فنزل الوحي مصوباً ومبيناً الحكم الصحيح.
стр. 70
الشبهة الثالثة:
خلاصة هذه الشبهة قولهم: إن السنة لم تكن شرعاً عند النبي ﷺ ، ولم يقصد النبي ﷺ أن تكون سنته مصدراً تشريعياً للدين، وما قال شيئاً أو فعله بقصد التشريع، ولم يرد النبي ﷺ في حياته أن يكون ثمة مصدر تشريعي سوى القرآن المجيد. بل كان مصدر التشريع عند الرسول ﷺ هو القرآن وحده، وكذلك فهم الصحابة - رضوان الله عليهم - وجاء عهد التابعين الذين بدأت فيه فتنة القول بالسنة، وأنها مصدر من مصادر التشريع، وكانت تلك قاصمة الظهر بالنسبة للدين، حيث دخل فيه ما ليس منه، واختلط بالوحي الصحيح الخالص الذي هو القرآن، ما ليس من الوحي بل هو كلام البشر، نعني بذلك سنة النبي.
стр. 71
وهم يزعمون أن لهم أدلة على ذلك. منها:
١- أن النبي ﷺ قد أمر أصحابه بكتابة القرآن الكريم، وحضهم على ذلك، ونهى أصحابه عن كتابة شيء من السنة قولاً كانت أو فعلا، وذلك قوله ﷺ : (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (١) .
٢- أن الصحابة - رضوان عليهم - عرفوا من النبي ﷺ أن السنة ليست شرعاً فأهملوا كتابتها وحفظها، رغم اهتمامهم الشديد بكتابة القرآن المجيد على كل ما يصلح أن يُكْتب عليه.
٣- أن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنهم الخلفاء الراشدون - كانوا يكرهون رواية الأحاديث، ويحذرون منها، وكان عمر ﵁ يهدد رواة الحديث ويتوعدهم، وقد حبس عمر بن الخطاب عدداً من الصحابة بسبب روايتهم للحديث تنفيذاً لوعيده وتهديده إياهم بعدم رواية الحديث.
الرد على الشبهة وتفنيدها:
هذه شبهتهم، وتلك أدلتهم عليها، والشبهة ساقطة، وأدلتها أشد منها سقوطا وافتراء. فالأمة المسلمة مجمعة سلفاً وخلفاً وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى - على أن سنة النبي ﷺ هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. وقد أقمنا الأدلة وافية - بفضل الله - على أن السنة وحي من الله - سبحانه - على رسوله ﷺ وكون السنة وحيا من عند الله - تعالى - قاطع وكاف بذاته على أنها شرع
стр. 72
الله - تعالى - إلى الناس، فهي المصدر الثاني للتشريع بلا ريب. ولكنا نزيد الأمر وضوحاً، ونرد على ما زعموه أدلة على شبهتهم تلك.
١- أما قولهم بأن الرسول ﷺ نهى عن كتابة الحديث، بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه، وكان له ﷺ كتبة القرآن، فقول مبالغ فيه، ويقوم على التدليس وذكر بعض الحق وإخفاء البعض. وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية. فهو مصدر الدين الأول، وهو أعلى من السنة منزلة وقداسة، وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه، لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظ به السنة وبخاصة تدوينها وكتابتها. والأسباب التي جعلت الصحابة يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السنة كثيرة. منها: أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينزل به جبريل على قلب النبي ﷺ فكتابته والإحاطة به أيسر، وهم على ذلك أقدر، أما السنة النبوية من أقوال الرسول ﷺ وأفعاله فكثيرة ومتشعبة تتضمن أقواله ﵇ وأفعاله اليومية، وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها ﷺ بينهم، وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها: أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كون القرآن العظيم وحي الله - تعالى - إلى النبي ﷺ بلفظه ومعناه، ولا تجوز روايته بالمعنى، أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى، ويجوز في السنة أن يقول القائل: "أو كما قال" وما هو من قبيلها، وليس ذلك جائزاً في القرآن. ومنها: أن الكاتبين بين الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا قلة، وليس في مقدورهم أن يكتبوا السنة والقرآن معاً، وإذا
стр. 73
كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة، فليكن المكتوب هو القرآن، وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محرراً مضبوطاً تاماً لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.
وأما احتجاجهم بأن الرسول ﷺ نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السنة. فهو احتجاج باطل من وجوه. أولها: أن هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، وهو قول الرسول ﷺ : "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه". هذا الحديث معلول "أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد. ولو صرفنا نظراً عن هذا، فإن رسول الله ﷺ كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه ﷺ الإذن بها، بل الأمر بها في أحاديث أخر، ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس، حيث ذكروا حديث النهي، ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة. منها: أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح فقال "إن الله حبس عن مكة القتل - أو الفيل الشك من البخاري - وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون...." ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله – ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة". (١) . ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب" (٢) . ومن
стр. 74
ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن بعض الصحابة حدثه فقال: إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله ﷺ بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعاً، فرجع عبد الله إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول ﷺ : "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق" (١) . وهذه الروايات في الصحيح، وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة. فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن، "وجدنا أبا بكر الخطيب ﵀ (ت٤٦٣هـ) قد جمع روايات المنع فلم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق ذكره، وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد، وكذلك فعل غيره" (٢) . بينما أحاديث الإذن كثيرة. والصحيح منها كثير، روينا بعضه، ومنها: إضافة إلى ما سبق أن رسول الله ﷺ قال في مرض موته: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده" (٣) .
وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:
أ- أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة. أي أن المنع جاء أولاً، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك. وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء، ومنهم
стр. 75
ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، وقد قالوا إن النهي جاء أولاً خشية التباس القرآن بالسنة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
ب- أن النهي لم يكن مطلقاً، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة. أما في صحيفتين فمأذون به.
ج- أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.
وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخراً، فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع. وهذا الذي رواه الجمهور (١) . وبهذا يسقط استدلالهم بحديث المنع الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ هذا الحديث الذي يعدونه حجر الزاوية في احتجاجهم بعدم تشريعية أو حجية السنة، ويكثرون اللجاج به كتابة ومناظرة (٢) .