وهم يزعمون أن لهم أدلة على ذلك. منها:
١- أن النبي ﷺ قد أمر أصحابه بكتابة القرآن الكريم، وحضهم على ذلك، ونهى أصحابه عن كتابة شيء من السنة قولاً كانت أو فعلا، وذلك قوله ﷺ : (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (١) .
٢- أن الصحابة - رضوان عليهم - عرفوا من النبي ﷺ أن السنة ليست شرعاً فأهملوا كتابتها وحفظها، رغم اهتمامهم الشديد بكتابة القرآن المجيد على كل ما يصلح أن يُكْتب عليه.
٣- أن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنهم الخلفاء الراشدون - كانوا يكرهون رواية الأحاديث، ويحذرون منها، وكان عمر ﵁ يهدد رواة الحديث ويتوعدهم، وقد حبس عمر بن الخطاب عدداً من الصحابة بسبب روايتهم للحديث تنفيذاً لوعيده وتهديده إياهم بعدم رواية الحديث.
الرد على الشبهة وتفنيدها:
هذه شبهتهم، وتلك أدلتهم عليها، والشبهة ساقطة، وأدلتها أشد منها سقوطا وافتراء. فالأمة المسلمة مجمعة سلفاً وخلفاً وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى - على أن سنة النبي ﷺ هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. وقد أقمنا الأدلة وافية - بفضل الله - على أن السنة وحي من الله - سبحانه - على رسوله ﷺ وكون السنة وحيا من عند الله - تعالى - قاطع وكاف بذاته على أنها شرع
стр. 72
الله - تعالى - إلى الناس، فهي المصدر الثاني للتشريع بلا ريب. ولكنا نزيد الأمر وضوحاً، ونرد على ما زعموه أدلة على شبهتهم تلك.
١- أما قولهم بأن الرسول ﷺ نهى عن كتابة الحديث، بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه، وكان له ﷺ كتبة القرآن، فقول مبالغ فيه، ويقوم على التدليس وذكر بعض الحق وإخفاء البعض. وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية. فهو مصدر الدين الأول، وهو أعلى من السنة منزلة وقداسة، وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه، لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظ به السنة وبخاصة تدوينها وكتابتها. والأسباب التي جعلت الصحابة يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السنة كثيرة. منها: أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينزل به جبريل على قلب النبي ﷺ فكتابته والإحاطة به أيسر، وهم على ذلك أقدر، أما السنة النبوية من أقوال الرسول ﷺ وأفعاله فكثيرة ومتشعبة تتضمن أقواله ﵇ وأفعاله اليومية، وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها ﷺ بينهم، وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها: أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كون القرآن العظيم وحي الله - تعالى - إلى النبي ﷺ بلفظه ومعناه، ولا تجوز روايته بالمعنى، أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى، ويجوز في السنة أن يقول القائل: "أو كما قال" وما هو من قبيلها، وليس ذلك جائزاً في القرآن. ومنها: أن الكاتبين بين الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا قلة، وليس في مقدورهم أن يكتبوا السنة والقرآن معاً، وإذا
стр. 73
كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة، فليكن المكتوب هو القرآن، وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محرراً مضبوطاً تاماً لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.
وأما احتجاجهم بأن الرسول ﷺ نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السنة. فهو احتجاج باطل من وجوه. أولها: أن هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، وهو قول الرسول ﷺ : "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه". هذا الحديث معلول "أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد. ولو صرفنا نظراً عن هذا، فإن رسول الله ﷺ كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه ﷺ الإذن بها، بل الأمر بها في أحاديث أخر، ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس، حيث ذكروا حديث النهي، ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة. منها: أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح فقال "إن الله حبس عن مكة القتل - أو الفيل الشك من البخاري - وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون...." ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله – ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة". (١) . ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب" (٢) . ومن
стр. 74
ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن بعض الصحابة حدثه فقال: إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله ﷺ بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعاً، فرجع عبد الله إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول ﷺ : "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق" (١) . وهذه الروايات في الصحيح، وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة. فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن، "وجدنا أبا بكر الخطيب ﵀ (ت٤٦٣هـ) قد جمع روايات المنع فلم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق ذكره، وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد، وكذلك فعل غيره" (٢) . بينما أحاديث الإذن كثيرة. والصحيح منها كثير، روينا بعضه، ومنها: إضافة إلى ما سبق أن رسول الله ﷺ قال في مرض موته: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده" (٣) .
وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:
أ- أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة. أي أن المنع جاء أولاً، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك. وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء، ومنهم
стр. 75
ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، وقد قالوا إن النهي جاء أولاً خشية التباس القرآن بالسنة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
ب- أن النهي لم يكن مطلقاً، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة. أما في صحيفتين فمأذون به.
ج- أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.
وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخراً، فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع. وهذا الذي رواه الجمهور (١) . وبهذا يسقط استدلالهم بحديث المنع الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ هذا الحديث الذي يعدونه حجر الزاوية في احتجاجهم بعدم تشريعية أو حجية السنة، ويكثرون اللجاج به كتابة ومناظرة (٢) .
стр. 76
٢- أما قولهم إن الصحابة - رضوان الله عليهم - قد فهموا من النبي ﷺ أن السنة ليست شرعاً فانصرفوا عنها، ولم يهتموا بكتابتها أو الالتزام بها، فهذا من الكذب والمكابرة، والمطلع على المدونات في كتب السنة، وتاريخ العلوم، وما كتب العلماء في مواقف الأمة المسلمة من سنة رسول الله ﷺ وبخاصة موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من سنة رسول الله – ﷺ يقطع بكذب هؤلاء ويعجب من مدى تبجحهم وافترائهم على الحق، إلى حد قلب الأوضاع وعكس الأمور. فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ أحرص الخلق على ملاحظة أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وحفظها، والعمل بها، بل بلغ من حرصهم على تتبع كل صغيرة وكبيرة وحفظها ووعيها والعمل بها أن كانوا يتناوبون ملازمة رسول الله ﷺ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يحدث عنه البخاري بسنده المتصل إليه. يقول: "كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوماً، وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك" (١) وما كان ذلك إلا لحرصهم الشديد على معرفة سنة رسول الله ﷺ واتباعها والالتزام بها. وقد كان الصحابة يقطعون المسافات الطويلة ليسألوا رسول الله ﷺ عن حكم الله في بعض ما يعرض لهم. يروي البخاري
стр. 77
عن عقبة بن الحارث ﵁ أن امرأة أخبرته أنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره من مكة إلى رسول الله ﷺ بالمدينة. فلما بلغ رسول الله ﷺ سأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما؟ فقال له النبي ﷺ "كيف وقد قيل؟ " ففارق زوجه لوقته وتزوجت بغيره.
وكان الصحابة ﵃ حريصين على أن يسألوا أزواج النبي - رضوان الله عليهن - عن سيرته وسنته في بيته، وكانت النساء يذهبن إلى بيوت أزواج النبي يسألنهن عما يعرض لهن، وهذا معروف مشتهر غني عن ذكر شاهد أو مثال.
بل لقد بلغ من حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على الالتزام بسنة النبي ﷺ أنهم كانوا يلتزمون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعرفوا لذلك حكمة، ودون أن يسألوا عن ذلك، ثقة منهم بأن فعله ﷺ وحي. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: "اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي ﷺ وقال: "إني لن ألبسه أبداً" فنبذ الناس خواتيمهم" (١) .
وروى القاضي عياض في كتابه "الشفا" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم،
стр. 78
فلما قضى صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم"؟ قالوا: يا رسول الله رأيناك ألقيت نعليك، فقال: "إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا" (١) .
وأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "عن ابن مسعود ﵁ "أنه جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فسمعه يقول: "اجلسوا" فجلس بباب المسجد - أي حيث سمع النبي يقول ذلك - فرآه النبي ﷺ فقال: تعال يا عبد الله بن مسعود" (٢) .
إلى هذا الحد بلغ حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على معرفة سنة النبي ﷺ في جميع أحواله، والالتزام بها، والاستجابة لأمره ونهيه من فورهم - كما فعل عبد الله بن مسعود - ومن غير أن يدركوا حكمة الفعل - كما في إلقائهم نعالهم في الصلاة، ونبذهم خواتيم الذهب - ولم يكن ذلك إلا استجابة لله - تعالى - في أمره بطاعة رسوله ﷺ والاقتداء به كما في قوله – ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: ٢١) . ثم استجابة لرسوله ﷺ في أمره الأمة بإتباع سنته والالتزام بها، كما في قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٣) . وقوله ﵊:
стр. 79
"صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) . وقوله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (٢) . وقوله ﷺ "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٣) .
هذا قليل من كثير مما يبين موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من سنة رسول الله ﷺ وهو موقف يتسم بالحرص الشديد والاهتمام البالغ على معرفة سنة رسول الله ﷺ وحفظها والالتزام بها، بل وتبليغها إلى من يسمعها استجابة لقول رسول الله ﷺ "نضر الله امرأ سمع مقالتي ووعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع" (٤) .
ومن هذا يتبين مدى كذب أعداء السنة وأعداء الله ورسوله في ادعائهم الذي سلف ذكره.
стр. 80
٣- وأما دعواهم بأن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يكرهون رواية الحديث، وكان عمر ﵁ (١) يتهدد رواة السنة، وأنه نفذ وعيده فحبس ثلاثة من الصحابة بسبب إكثارهم من رواية السنة، فهذا كذب يضاف إلى ما سبق من دعاواهم الكاذبة، وفيه جانب من التدليس الذي لا يخلو عنه كلامهم.
أما أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يكرهون رواية الحديث، فهذا باطل، والحق أنهم كانوا يخشون روايتها ويهابون من ذلك، لعظم المسؤولية، ووعيد رسول الله ﷺ على من يكذب عليه. في قوله ﵇ "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٢) . ولقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - بين أمرين هم حريصون على كل منهما، أولهما: تبليغ دين الله إلى من يليهم من الأمة، ثانيهما: التثبت والتحري الشديد لكل ما يبلغونه عن رسول الله ﷺ لذلك كان الواحد منهم يمتقع وجهه، وتأخذه الرهبة وهو يروي عن رسول الله ﷺ فالصواب - إذن - أن الصحابة كانوا يهابون رواية الحديث بسبب شدة خوفهم من الكذب على رسول الله ﷺ أو الخطأ فيما يروون. وليس كما يزعم
стр. 81
هؤلاء، أن ذلك لأنهم كانوا يرون السنة غير شرعية، أو أنها ليست مصدراً تشريعياً.
أما دعوى حبس عمر ﵁ ثلاثة من أصحابه هم: عبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وأبو الدرداء ﵃ فهذه رواية ملفقة كاذبة، جرت على الألسنة، وقد ذكرها البعض كما تجري على الألسنة وتدون في كتب الموضوعات من الأحاديث والوقائع، فليس كل ما تجري به الألسنة أو تتضمنه بعض الكتب صحيحاً، وقد تولى تمحيص هذه الدعوى الكاذبة الإمام "ابن حزم" ﵀ في كتابه: "الإحكام" فقال: "وروي عن عمر أنه حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر من أجل الحديث عن رسول الله ﷺ وبعد أن طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع محصها شرعاً فقال: "إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو: إما أن يكون عمر اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه. أو يكون نهى عن نفس الحديث وتبليغ السنة وألزمهم كتمانها وعدم تبليغها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقول به مسلم، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين فلقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات أي الطريقين الخبيثين شاء" (١) .
هكذا يتضح كذب ادعائهم وفساد ما بنوه على هذا الادعاء.
стр. 82
الشبهة الرابعة:
خلاصة شبهتهم هذه، أن الإسلام جاء يدعو إلى أمة واحدة تحت راية كتاب الله القرآن - يقول الله - تعالى - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٩٢) . وقد جاهد رسول الله ﷺ طوال حياته الشريفة لتحقيق هذه الغاية، حتى نجح في ذلك بفضل اعتماده القرآن وحده، وترك الأمة على ذلك. وقد ظلت الأمة واحدة طالما كانت تحت راية القرآن وحده. حتى جاءت المؤامرة التي قام بها مدونو كتب السنة. حيث تسببوا بتدوين السنة، والدعوة إليها، وشغل الناس بها إلى تفريق الأمة، وقد جاء الفقهاء فبنوا على السنة، فازدادت الأمة افتراقاً، ولو أن الأمة تركت السنة وعادت إلى القرآن وحده لخرجت من فرقتها، وعادت إليها وحدتها وعزتها وأخذت مكانتها بين الأمم المتقدمة.
ولأن السنة هي سبب تفرق الأمة وتصدع وحدتها، فلم يقم بها، ولم يشتهر بالتدوين فيها عربي واحد، بل كان جميع المشتغلين بالسنة من أهل فارس، وبخاصة الكتب الستة، فإن الذين دونوها وشغلوا الناس بها من الفرس الحاقدين على الإسلام، وقد وضعوا كتبهم للكيد للإسلام وتصديع وحدة الأمة المسلمة، فتدوين كتب السنة - إذن - كان مؤامرة فارسية سقطت في أتونها الأمة المسلمة، يقول "عبد الله جكرالوي" "لا ترتفع الفرقة والتشتت عن المسلمين، ولن يجمعهم لواء ولا يضمهم فكر واحد، ما داموا مستمسكين بروايات زيد وعمرو" (١) . ويقول "حشمت علي" "لن تتحقق وحدة
стр. 83
المسلمين ما لم يتركوا كتبهم الموضوعة في طاعة رسول الله" (١) ، ويقول "برويز" "قد فاق تقديس هذه الكتب - كتب السنة - كل التصورات البشرية، مع أنها جزء من مؤامرة أعجمية، استهدفت النيل من الإسلام وأهله، ثم يفسر تلك المؤامرة ويبين القائمين بها فيقول" فما أصحاب الصحاح الستة إلا جزء من تلك المؤامرة، لذا نجدهم جميعاً إيرانيين، لا وجود لساكن الجزيرة بينهم" (٢) .
الرد على الشبهة وتفنيدها:
إن هذه الشبهة تذكرنا بالمثل: "رمتني بدائها وانسلت". أو ما يقول علماء النفس عن داء "الإسقاط" وهو داء نفسي يبتلى به بعض الناس المصابين بنقائص معينة، فحتى يبرئ نفسه منها يسارع فيسقطها على الآخرين ويتهمهم بها. فهؤلاء أعداء السنة، وأعداء الدين، وأعداء أمة المسلمين، هم الذين خرجوا على إجماع الأمة، ومن قبل ذلك خرجوا على القرآن المجيد كتاب الله الذين ينسبون أنفسهم إليه ظلماً وزورا، وخرجوا على سنة رسول الله ﷺ فهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وأعداء القرآن والسنة، فهؤلاء هم الذين صدعوا وحدة الإسلام والأمة، وفرقوا كلمتها، وخرجوا على جماعتها. هؤلاء يأتون فيرمون أهل السنة، أهل الإسلام، جماعة المسلمين بأنهم هم الذين فرقوا الأمة. وهؤلاء الذين خرجوا على جماعة المسلمين برفضهم السنة النبوية، يرمون الأمة المسلمة بأنها خرجت عليهم وفرقت المسلمين بتمسكهم بالسنة النبوية المطهرة. فهل يوجد ثمة
стр. 84
تبجح وادعاء، ومكابرة، وقلب للأوضاع، ورمي للأبرياء بما فيهم من أدواء، كمثل هذا الذي فعله منكرو السنة في شبهتهم هذه؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور:١٦) .
ثم إن هؤلاء الذين يتهمون المسلمين المتمسكين بالسنة النبوية بأنهم تفرقوا بسبب استمساكهم بالسنة، وعدم اقتصارهم على القرآن وحده، وقد زعموا أنهم مقتصرون على القرآن وحده طلباً لوحدة الأمة، نقول: هل أفلح هؤلاء في أن يكونوا فريقا واحدا؟ إنهم بعد أن تركوا السنة طلبا للوحدة - كما يزعمون زوراً - تحولوا فيما بينهم إلى طوائف وفرق، وكل فرقة تحاول أن تنتشر على حساب الأخرى، وتستقطب أتباع الأخرى، لِمَ لم يتوحدوا هم في فرقة واحدة إذا كان مطلبهم الوحدة؟
إننا حين سمعنا بهم ونحن بإسلام أباد بباكستان، كنا نظنهم فرقة واحدة، وظل ذلك ظنا لدينا حتى اجتمعنا ببعضهم "بكراتشي" وبعد أن انفض الاجتماع وكنا نستعد للسفر إلى مدينة "هاري بور" للقاء "بير عبد الدايم" زعيم "البريلويين" هناك للنظر في عقائد هؤلاء الناس، فوجئنا بمضيفنا يقول: هناك طائفة أخرى يمكن أن تجتمعوا ببعض رؤسائها إذا انتظرتم إلى الغد. فعرفنا أنهم طوائف. ثم إنهم ينعون على الأمة المسلمة المذاهب الفقهية، ويسمون ذلك تفرقاً وتشتتاً، فهل أفلحوا هم في أن يكونوا مذهباً واحداً في الفقه؟ "لنأخذ الصلاة مثالاً للواقع الملموس بينهم، فمن قائل بأدائها خمساً، وآخر أربعاً وثالث ثلاثا والرابع مرتين في اليوم والليلة، وكل
стр. 85
صاحب رأي من هذه الآراء يزعم أنها صلاة القرآن، وأما اختلافهم في جزئياتها من حيث عدد الركعات والهيئة فحدث عنه ولا حرج" (١) .
أما الزعم بأن كل الذين دونوا السنة وجمعوها وميزوها من الأعاجم المتآمرين على أمة الإسلام فذلك كذب صراح وافتراء بواح في شقيه، في الزعم بأن مدوني السنة جميعهم عجم، وفي الزعم بأن التدوين كان مؤامرة.
أما الشق الأول فيكذبه الواقع، فإن أول من دون السنة وجمعها كانوا عربا صرحاء، فقد بدأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀ وذلك في موطَّئه. وجاء بعده الحميدي القرشي في مسنده، وجاء بقية السلف الصالح في عصره الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، وهكذا تتابع التدوين، وهؤلاء الأوائل جميعهم عرب صرحاء. أما عن الكتب الستة، فدعواهم أن واضعيها من العجم كذب وافتراء. فالإمام مسلم والإمام الترمذي والإمام أبو داود جميعهم من العرب، فكيف يقال إنهم من العجم؟ وإنهم صنعوا بذلك مؤامرة على المسلمين؟
إن هؤلاء يقلبون الأوضاع، ويعكسون الأمور، ويرمون الأبرياء بما هم فيه من بلاء، فمن هم الذين يتآمرون على الإسلام والمسلمين؟ ومن هم الذين فارقوا الجماعة، وفرقوا الأمة؟ هل هؤلاء هم البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه؟ هؤلاء الأئمة الأعلام الذين حفظ الله بهم دينه، وذلك بحفظهم وحفاظهم سنة رسوله ﷺ إن هؤلاء هم الذين - حفظ الله - بهم دينه، وعصم الله - تعالى - بهم الأمة عن التفرق والشتات، إن المرء ليعجب كيف يصل التبجج والافتراء إلى مستوى
стр. 86
يتهم فيه عاقل - حتى ولو لم يكن مسلماً - إماماً كالبخاري أو مسلم بأنه فرق الأمة وتآمر على الإسلام (١) .
إن الواقع الملموس يبين أن هؤلاء الكافرين بسنة رسول الله ﷺ الخارجين عن طاعة الله - تعالى - وطاعة رسوله ﷺ هم المتآمرون على الإسلام، المفرقون أمة المسلمين، المارقون من الدين، الشاذُّون عن الجماعة.
стр. 87
الشبهة الخامسة:
وهذه الشبهة ليست من إنشائهم، بل قال بها بعض منكري السنة السابقين، وبخاصة هؤلاء الذين اتخذوا من الاعتزال ستاراً يخفون وراءه زندقتهم، ثم يهاجمون الإسلام، من أمثال النظام وبشر المريسي وغيرهم.
وهذه الشبهة تقوم عندهم على الزعم بأن الاحتكام إلى السنة والالتزام بها مؤدّ إلى الشرك والكفر. فإن الاسلام يقوم على أن الحاكم هو الله وحده، وأن الحكم له وحده - سبحانه - يقول - تعالى -: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (الأنعام:٥٧ ويوسف:٤٠،٦٧) . ويقول : ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام:٦٢) . وإذا كان الإسلام يقوم على أن الحكم لا يكون إلا لله - سبحانه -، فإن الاحتكام إلى سنة رسول الله ﷺ فيه إشراك الرسول ﷺ في الحكم مع الله - سبحانه -
стр. 88
وذلك كفر وشرك. ولا خروج من ذلك الشرك والكفر إلا بالاحتكام إلى كتاب الله القرآن وحده، ونبذ السنة وعدم اعتبارها.
الرد على الشبهة وتفنيدها:
هذه الشبهة تقوم على أمرين فرغنا من الحديث عنهما:
الأمر الأول: أن السنة ليست وحياً من عند الله - تعالى - وبالتالي فليست شرعاً يحتكم الناس إليه.
الأمر الثاني: أن طاعة الرسول ﷺ ليست من طاعة الله - سبحانه - بل بين طاعة الرسول وطاعة الله تعارض وتضارب، بحيث تكون طاعة الرسول نقضاً لطاعة الله - تعالى - وبذلك يتحقق كونها عندهم شركا بالله.
وهذان الأمران قد سبق أن أوفينا الكلام فيهما. حيث أثبتنا أن السنة النبوية وحي من عند الله - سبحانه - إلى النبي ﷺ وأن الرسول ﷺ لا ينطق إلا بوحي الله - تعالى - ويكفي هنا أن نذكر بقول الله في حق رسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) . وكذلك قد بينا أن السنة شرع الله - سبحانه - كما أن القرآن شرع الله وقد بينا - آنفاً - أن السنة بمنزلة القرآن من حيث حجية التشريع ومصدريته ويكفي - كذلك - أن نذكر هنا بقول الله مخاطباً رسوله ﷺ – ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥) ، ويقول الله - سبحانه – ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ
стр. 89
الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:٥١) .
فهذه الآيات نصوص قرآنية قاطعة في أن السنة النبوية وحي من عند الله - تعالى - وأن كل ما يقول الرسول ﷺ أو يفعل - فيما يتصل بأمور الدين - إنما هو الحق من عند الله، وكذلك تدل الآيات على وجوب الاحتكام إلى رسول الله ﷺ والرضا بما يحكم به، والتسليم والإذعان لذلك. وأن من لم يحتكم إلى رسول الله ﷺ ولم يرض بحكمه هو خارج عن الإيمان، وليس له حظ من الإسلام.
أما كون طاعة رسول الله ﷺ واجبة على المسلم، وأنها من طاعة الله – تعالى - فقد أوفينا الكلام عنها كذلك. ويكفي أن نذكر بقول الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ (النساء:٨٠) .
فهذه آيات قاطعات في أن الاحتكام إلى الرسول ﷺ وطاعته إنما هو احتكام إلى الله تعالى - وطاعة له - سبحانه - وقد قال الله - تعالى - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . وهؤلاء يقلبون الآية القرآنية فيزعمون أنه "من يطع الرسول فقد أشرك بالله" - عياذاً بالله، وليس بعد هذا الضلال ضلال.
стр. 90
الشبهة السادسة:
وتتمثل هذه الشبهة في زعمهم، أن سنة رسول الله ﷺ من أقوال وأفعال ليس لها صفة العموم الزماني والمكاني، إذ هي أحكام أصدرها الرسول ﷺ في زمانه وفقاً لظروف أصحابه الذين كانوا معه، وظروف أصحابه كانت مرتبطة بهم وبزمانهم ومكانهم وأحوالهم الخاصة بهم. وقد انقضى ذلك الزمان بأشخاصه وظروفهم وأحوالهم، وقد تغير الزمان، وتغيرت الظروف، ومن ثم لم تعد تلك الأقوال والأفعال الخاصة بذلكم الزمان، صالحة لزماننا ولا لظروفنا، ويترتب على ذلك أن طاعة الرسول ﷺ التي كانت واجبة على أصحابه في زمانه، لم تعد واجبة علينا، ولا سنته التي كانت ملزمة لهم ملزمة لنا.
الرد على الشبهة وتفنيدها:
إن القول بهذه الشبهة مبني على الزعم بأن السنة ليست وحياً، وليست شرعاً، وقد سبق أن رددنا على ذلك. لكن هذه الشبهة تثير قضية أخرى زيادة على ما تقدم. وهي قضية الأحكام الشرعية التي وردت في أسباب خاصة، وهذه في القرآن المجيد يُعَنْون لها بـ "أسباب النزول". وقد ورد جانب كبير من الأحكام الواردة في القرآن الكريم على هذا النحو، أي نزل في أسباب خاصة كما في أحكام الظهار في أول سورة المجادلة. لكن العلماء لم يذهبوا إلى القول بأن هذه أحكام خاصة بأصحاب النبي ﷺ وبزمانهم ولم تعد صالحة لزماننا، بل وضعوا القاعدة الأصولية المشهورة والتي يعرفها عامة المسلمين، والتي تقول "العبرة بعموم اللفظ لا
стр. 91
بخصوص السبب". ومقتضى هذا أن الحكم ينزل في واقعة معينة، ثم يطبق على كل ما يماثلها وحتى آخر الزمان.
ومثل هذا الذي قيل في أحكام القرآن المجيد، قاله العلماء في سنة النبي ﷺ فلم يفرقوا بين القرآن والسنة في ذلك لكونهما وحي الله - تعالى - إلى رسوله ﷺ فالقرآن وحي الله، والسنة وحي الله. وقد سبق أن بينا ذلك بإفاضة.
والقول باقتصار السنة على زمان رسول الله ﷺ وأصحابه - رضوان الله عليهم - مؤدٍّ - بالضرورة - إلى القول بمثل هذا في القرآن المجيد، لأن ثمة تلازما بين القرآن والسنة من حيث التشريع والحجية، ومن حيث إنهما خطاب للخلق من الجن والإنس في كل زمان ومكان. وإلا فماذا نقول في الآيات القرآنية التي وردت تأمر الأمة المسلمة بطاعة رسول الله ﷺ كقوله - تعالى - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:٥٦) . هذا الأمر إما أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، وصلاحيته هذه قائمة إلى قيام الناس لرب العالمين، فتكون السنة المأمور بطاعة الرسول فيها قائمة ومستمرة، ويكون كلامهم باطلاً، أما إذا كانت السنة - كما يزعمون غير صالحة بعد وفاة الرسول ﷺ فيكون الأمر بإتباعها وطاعة صاحبها كذلك غير صالح بعد وفاة الرسول ﷺ ويؤول الأمر إلى أن يقولوا في القرآن بمثل ما قالوا في السنة، فتكون جميع الآيات الآمرة بطاعة رسول الله ﷺ على كثرتها، وتنوع صيغها، وكذلك الآيات التي تحض على الاحتكام إليه، وجعل ذلك علامة الإيمان، وكذلك الآيات التي
стр. 92
تجعله ﷺ قدوة وأسوة، كل ذلك يكون مفرغ المعنى، وقد مضى عهد صلاحيته بانتهاء عهد الرسول ﷺ وأصحابه. وهذا ما لا يقول به عاقل. ولا يقولون هم به، ليس لأنهم عقلاء فاهمون، بل لأنهم ينسبون أنفسهم إلى القرآن، ويصفون القرآن بأنه - وحده- صالح لكل زمان ومكان. ولا يدرون أن مِعْوَلَهم الذي شهروه لهدم السنة هو في ذاته مُشْهر لهدم القرآن الذي ينتسبون إليه ظلماً وزورا، لكن الله - تعالى - حافظ دينه بحفظ كتابه وسنة رسوله، ولو كره الكافرون.
стр. 93
الشبهة السابعة:
تقوم شبهتهم هذه على أن الله - تعالى - قد تكفل بحفظ كتابه القرآن. وذلك في قوله – ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . لذلك ظل القرآن هو الحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يحرف ولم يبدل، ولم تدخله كلمة ولا خرجت منه كلمة، ولم يرو بغير لفظه ومعناه، أما السنة فلم يتكفل الله - سبحانه - بحفظها، ولذلك داخلتها الموضوعات المحضة من جانب - أي التي لم يقلها الرسول ﷺ لا بلفظها ولا بمعناها - ومن جانب آخر ضاعت ألفاظها ورويت بالمعنى، وذلك فيما لو صح أن الرسول ﷺ قالها. فكان ضياع ألفاظها سببا في عدم معرفة المعنى الذي أراده الرسول ﷺ ، حتى ليصح أن يقال إن السنة كلها أضحت موضوعة على رسول الله ﷺ ما كان منها موضوعاً بلفظه ومعناه، وما كان منها موضوع المعنى بسبب ضياع ألفاظه وروايتهم إياه بالمعنى، يقول "برويز":
стр. 94
"اعلم أن الله - تعالى - لم يتكفل بحفظ شيء سوى القرآن، ولذا لم يجمع الله الأحاديث، ولا أمر بجمعها، ولم يتكفل بحفظها" (١) . ويقول "عبد الله جكرالوي" "بعد وفاة الرسول ﷺ بمئات السنين نحت بعض الناس هذه الهزليات من عند أنفسهم ونسبوها إلى محمد ﷺ وهو منها بريء" (٢) . ويقول "مقبول أحمد" "تنقيح الأحاديث من البحر الهائج المكذوب كتطهير الطعام المسموم، غير أن الحذر والحيطة يقتضيان عدم الأكل من ذلك الطعام" (٣) .
ويقولون أيضاً إن كفالة الله - تعالى - بحفظ كتابه القرآن، مع عدم كفالته بحفظ السنة دليل واضح على أن الدين ليس بحاجة إلى السنة. وأنها ليست من الدين، ولا هي ضرورية له. إذ لو كانت من الدين وضرورية له لحفظها الله كما حفظ القرآن. (٤)
стр. 95
الرد على الشبهة وتفنيدها:
إن الله أنزل القرآن الكريم بلفظه ومعناه، فالقرآن كلام الله - سبحانه، لذا كان جديراً بأن يحفظه الله - سبحانه - ويصونه أن يحرف أو يبدل، ولأن القرآن كذلك لم تجز روايته بالمعنى.
أما السنة فهي وحي الله - تعالى - إلى رسوله ﷺ أوحى الله - تعالى - بما فيها من أحكام وتشريعات إلى نبيه ﷺ ثم صاغها النبي بكلامه. ولأن السنة ليست كلام الله - تعالى - فقد أجاز العلماء روايتها بالمعنى، ولم يطلق العلماء هذا الحكم بلا ضوابط أو حدود، بل وضعوا لراوي الحديث بالمعنى ضوابط وشروطاً بحيث لا تجوز روايته الحديث بالمعنى إلا إذا توفرت فيه هذه الضوابط والشروط.
ورأس هذه الشروط أن يكون عارفاً بالعربية، عالماً بألفاظها، ومدلولات تلك الألفاظ، بصيراً بعلاقات الألفاظ بعضها ببعض من ترادف واشتراك وتباين وغير ذلك. فإن كان الراوي على هذا العلم جاز له رواية الحديث بالمعنى، لأن في معرفته بالأمور التي ذكرناها أماناً من الخطأ في معاني الأحاديث التي يرويها. وإن لم تتوفر له هذه الشرائط فلا تجوز له الرواية بالمعنى.
أما الزعم بأن الله - تعالى - لم يحفظ سنة نبيه ﷺ فإن كان المراد أنه - تعالى - لم يحفظها بألفاظها. فهذا مسلم، وقد بينا أن السنة ليست بحاجة إلى نفس الألفاظ، بل الحاجة إلى معانيها المنضبطة ولو رويت بألفاظ أخرى لا تخل بالمعنى. وقد روى الخطيب البغدادي أن أم
стр. 96
المؤمنين عائشة ﵂ قالت لعروة بن الزبير "بلغني أنك تكتب الحديث عني، ثم تعود فتكتبه، فقال لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافاً؟ قال: لا، قالت: لا بأس بذلك" (١) . فالمعنى إذا كان بنفس اللفظ أو انضبط بألفاظ مشابهة فلا بأس به.
أما إن كان المراد أن الله - تعالى - لم يحفظ السنة مطلقاً لا بألفاظها ولا بمعانيها، وأنها ضيعت، فذلك كذب وافتراء على الله - تعالى - وعلى رسوله ﷺ وعلى الأمة المسلمة، وجحد ونكران لجهود عظيمة مميزة قام بها علماء السنة عبر تاريخ الإسلام.
والحق أن الله - سبحانه - تكفل بحفظ كتابه، ومن خلال حفظ كتابه تكفل الله - تعالى - ضمنياً بحفظ سنة نبيه ﷺ ذلكم أن الكتاب بحاجة إلى السنة التي تبينه، كما قال ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٤٤) . فالسنة ضرورية للكتاب، وهي إلى جانب الكتاب ضروريان للدين. فمن حفظ الله - تعالى - كتابه أن يحفظ السنة التي تبينه وتفصله، فإن القرآن بحاجة إليها ومن حفظ الله - تعالى - دينه كي يعرفه الخلق الذين كلفهم الله به، ويحاسبهم عليه، أن يحفظ كتابه وسنة نبيه، فإن الدين بحاجة إليهما. لذلك كان من قدر الله - سبحانه - أن هيأ لسنة نبيه ﷺ هؤلاء الأعلام الذين بذلوا في حفظ السنة ما لم يعرف له تاريخ العلوم
стр. 97
والثقافات مثيلا من قبل ولا من بعد. وما كان ليتم لهم ذلك إلا بتوفيق من الله - تعالى - وهداية وتأييد. فقد ابتدعوا نظاماً لحفظ السنة، ومعرفة صحيحها بدرجاته، من الضعيف بدرجاته، من الموضوع. واخترعوا من الوسائل المعرفية والمناهج العلمية ما هو معجز في بابه، كل ذلك على غير مثال سابق لا عند العرب، ولا عند غير العرب ممن كانت لهم ثقافات وفلسفات، وكانت لهم أديان، وكانوا الأكثر حاجة إلى تمحيص مكتوباتهم وأسفارهم الدينية، ولكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه علماء الإسلام ولا إلى قريب منه. وقد شهدت الأمم جميعها بأن علماء السنة قد أتوا في باب جمعها وتصنيفها، وتمييزها، ومعرفة الصحيح من الضعيف من الموضوع. ما لم تعرفه الأمم من قبل. والسؤال: هل كان هذا يمكن أن يتم دون توفيق من الله - سبحانه - وهداية ومعونة وإرشاد؟. إنه توفيق - الله تعالى - لحفظ سنته الذي هو من حفظ كتابه، لحاجة الكتاب إلى السنة في بيانه وتفصيله، وحاجة دين الله الإسلام إلى الكتاب والسنة جميعاً.
أما زعمهم بأن السنة أضحت خليطاً لا يعرف منها الصحيح من الموضوع، فذلك كذب وافتراء بل تبجح ومكابرة، فإن أقل الناس ذكاء ومعرفة بالسنة تكفيه زيارة واحدة لإحدى المكتبات الحديثية التي تضم كتب السنة أو بعضها ليدرك - بعد تصفح لعناوين هذه المدونات وبعض ما فيها - أن الله - تعالى - حفظ سنة نبيه، وأن كتب الصحاح والسنن موجودة ينهل منها المسلمون الزاد النافع لهم في الدنيا والدين. رغم أنوف هؤلاء الكافرين - منكري السنة - أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المسلمين.
стр. 98
الخاتمة:
هذه مجمل الشبهات التي تقول بها طائفة منكري السنة "القرآنيون". تلك الطائفة التي بدأت حركتها بالهند في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي، ثم انتقلت بمعظم أنشطتها ومؤسساتها إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند وما تزال تزاول حركتها الهدامة تحت اسم "البرويزيين" وقد اقتصرنا في بحثنا على الشبهات التي قال بها هؤلاء ابتداء، أو أخذوها عن غيرهم من السابقين ثم حوروا فيها وأضافوا إليها.
وقد ذكرنا كل شبهة وأردفناها بالرد عليها وتفنيدها. وقد توخينا أن تكون ردودنا عليهم معتمدة أساساً على القرآن المجيد الذي ينسبون أنفسهم إليه ظلماً وزورا. وذلك إلزاماً لهم من خلال ما يزعمون الانتساب إليه والاقتصار عليه، وحتى لا يحتجوا بأننا نلزمهم ما لا يلتزمون به.
وقد بان لنا من خلال البحث جملة من الحقائق عن هذه الطائفة نوجزها فيما يلي:
أولاً: هذه الطائفة نشأت ابتداء على أيدي الإنجليز الذين كانوا يستعمرون الهند، فهي صنيعة من صنائع الكفار أعداء الله ورسوله والمؤمنين. وهي حركة من الحركات الكثيرة التي قام بها الإنجليز في هذه المنطقة لهدم الإسلام وتفريق المسلمين، من مثل "القاديانية" و "البريلوية" وغيرهما.
ثانياً: أثبتنا عند حديثنا عن رؤوس هذه الحركة أنهم كانوا على اتصال دائم وقوى بالإنجليز، وكان الإنجليز وراء حركاتهم تلك، وكانوا يمدونهم
стр. 99
بالعون المادي والمعنوي، بل كان بعض هؤلاء على اتصال بحركة المنصرين بالهند.
ثالثاً: هذه الحركة بجميع طوائفها خارجة عن الإسلام، فاسقة عن الملّة، وإن زعمت لنفسها الإسلام، وانتسبت إلى القرآن. وإن انتسابها إلى القرآن باطل، لأنها كفرت بالقرآن في نفس اللحظة التي كفرت فيها بالسنة، فإنه لا تفرقة بين القرآن والسنة، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، هي مشكاة الوحي الإلهي المعصوم.
رابعاً: يتضح من كل ما تقدم أن هدف هؤلاء، والغاية التي يسعون إلى تحقيقها هو القضاء على الإسلام وتفريق الأمة المسلمة. وأن انتسابهم إلى القرآن إنما هو ستار يتخفون وراءه ليزاولوا تحت شعاره أنشطتهم الهدامة، وحركاتهم التخريبية.
ونأمل أن نكون من خلال بحثنا هذا قد استطعنا أن نوضح هذه الحقائق فضل توضيح.
((والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل)) .