← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11244

شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد

ابن دقيق العيد

Полный текст (129 стр.). Показаны 106–129 · переход к 111.

стр. 106

أخوة الإسلام ٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى ههنا - ويشير إلى صدور ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه " رواه مسلم. ــ قوله: "لا تحاسدوا" الحسد: تمني زوال النعمة وهو حرام وفي حديث آخر: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو الخشب" ١ فأما الغبطة فهي تمني حال المغبوط من غير أن يريد زوالها. عنه وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما كما قال النبى ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" ٢ أي لا غبطة.

стр. 107

قوله: "ولا تناجشوا" أصل النجش الختل: وهو الخداع ومنه قيل للصائد ناجش - لأنه يختل الصيد ويحتال له. قوله: "ولا تباغضوا" أي لا تتعاطوا أسباب التباغض لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها كما قال النبي ﷺ : "هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" ١ يعني القلب. والتدابر: المعاداة وقيل المقاطعة لأن كل واحد يؤتى صاحبه دبره. قوله: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" معناه: أن يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله أو أجود بثمنه أو يكون المتبايعان قد تقرر الثمن بينهما وتراضيا به ولم يبق إلا العقد فيزيد عليه أو يعطيه بأنقص وهذا حرام بعد استقرار الثمن وأما قبل الرضى فليس بحرام. ومعنى "وكونوا عباد الله إخواناً" أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال. قوله: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره" والخذلان: ترك الإعانة والنصرة ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم أو نحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي. قوله: "ولا يحقره" هو بالحاء المهملة والقاف: أي لا يتكبر عليه

стр. 108

ويستصغره قال القاضي عياض: ورواه بعضهم بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء: أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أيمانه والصواب المعروف هو الأول. قوله ﷺ : "التقوى ها هنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات وفي رواية: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" ١ معناه أن الأعمال الظاهرة لا تُحصّل التقوى وإنما تقع التقوى بما في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته ونظر الله تعالى - أي رؤيته محيطة بكل شيء. ومعنى الحديث - والله أعلم: مجازاته ومحاسبته وأن الاعتبار في هذا كله بالقلب. قوله: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" فيه تحذير عظيم من ذلك لأن الله تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه ثم أحسن تقويم خلقه وسخر ما في السموات وما في الأرض جميعاً لأجله وإن كان له ولغيره فله من ذلك حصة ثم إن الله سبحانه سماه مسلماً ومؤمناً وعبداً وبلغ من أمره إلى أن جعل الرسول منه إليه محمداً ﷺ فمن حقر مسلماً من المسلمين فقد حقر ما عظم الله وكافيه ذلك، فإن من احتقار المسلم للمسلم: أن لا يسلم عليه إذا مر، ولا يرد ﵇ إذا بدأه به، ومنها أن يراه دون أن يدخله الله الجنة أو يبعده من النار. وأما ما ينقمه العاقل على الجاهل والعدل على الفاسق فليس ذلك احتقاراً يعنى المسلم بل لما اتصف به الجاهل من الجهل والفاسق من الفسق فمتى فارق ذلك راجعه إلى احتفاله به ورفع قدره.

стр. 109

فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر . ٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" رواه مسلم بهذا اللفظ. ــ هذا الحديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك. ومعنى تنفيس الكربة إزلتها. قوله: "من ستر مسلماً" الستر عليه أن يستر زلاته والمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفاً بالفساد وهذا في ستر

стр. 110

معصية وقعت وانقضت أما إذا علم معصيته وهو متلبس بها فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة فالمعروف بذلك لا يستر عليه لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل ذلك بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يخف من ذلك مفسدة وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب تجريحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. قوله: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" هذا الإجمال لا يسع تفسيره إلا أن منه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه ينبغي أن لا يجبن عن إنفاذ قول أو صدع بحق إيماناً بأن الله تعالى في عونه، وفي الحديث: فضل التيسير على المعسر وفضل السعي في طلب العلم ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم والمراد العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى وإن كان شرطاً في كل عبادة. قوله ﷺ : "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم" هذا دليل على فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد. و"السكينة" ها هنا قيل: المراد بها الرحمة وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها وقال بعضهم: السكينة الطمأنينة والوقار وهذا أحسن، وفي قوله: "وما اجتمع قوم" هذا نكرة شائعة في جنسها كأنه يقول: أي قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ما ذكره من الفضل كله فإنه لم يشترط ﷺ هنا فيهم أن يكونوا علماء ولا زهاداً ولا ذوي مقامات

стр. 111

ومعنى "حفتهم الملائكة" أي حافتهم من قوله : ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ١. أي محدقين محيطين به مطيفين بجوانبه. فكأن الملائكة قريب منهم قرباً حفتهم حتى لم تدع فرجة تتسع لشيطان. قوله: "وغشيتهم الرحمة" لا يستعمل غشي إلا في شيء شمل المغشي من جميع أجزائه، قال الشيخ شهاب الدين بن فرج: والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدم إن شاء الله تعالى. قوله: "وذكرهم الله فيمن عنده" يقتضي أن يكون ذكر الله تعالى لهم في الأنبياء وكرام الملائكة والله أعلم.

стр. 112

فضل الله تعالى ورحمته . ٣٧ - عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ ، فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة". رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف. فانظر يا أخي وفّقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى وتأمل هذه الألفاظ. وقوله: "عنده" إشارة إلى الاعتناء بها. وقوله: "كاملة" للتأكيد وشدة الاعتناء بها. وقال: في السيئة التي هم بها ثم تركها: "كتبها الله عنه حسنة كاملة" فأكدها بـ "كاملة" وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها بـ "واحدة" ولم يؤكّدها بـ "كاملة" فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه. وبالله التوفيق.

стр. 113

قال الشراح لهذا الحديث: هذا حديث شريف عظيم بيّن فيه النبي ﷺ مقدار تفضل الله على خلقه: بأن جعل هم العبد بالحسنة وإن لم يعملها حسنة وجعل همه بالسيئة وإن لم يعملها حسنة وإن عملها سيئة واحدة فإن عمل الحسنة كتبها الله عشراً، وهذا الفضل العظيم بأن ضاعف لهم الحسنات ولم يضاعف عليهم السيئات. وإنما جعل الهم بالحسنات حسنة لأن إرادة الخير هو فعل القلب لعقد القلب على ذلك. فإن قيل: فكان يلزم على هذا القول: أن يكتب لمن هم بالسيئة ولم يعملها سيئة لأن الهم بالشيء عمل من أعمال القلب أيضاً، قيل: ليس كما توهمت فإن من كف عن الشر فقد فسخ اعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه المريد للشر فجوزي على ذلك بحسنة، وقد جاء في حديث آخر: "إنما تركها من جرّائي" ١ أى من أجلى وهذا كقوله ﷺ : "على كل مسلم صدقة" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فليمسك عن الشر فإنه صدقة" ٢ ذكره البخاري في كتاب الآداب فأما إذا ترك السيئة مكرهاً على تركها أو عاجزاً عنها فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى هذا الحديث. قال الطبري: وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من قال: إن الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة وتعلم اعتقاده لذلك ورد لمقالة من زعم أن الحفظة إنما تكتب ما ظهر من أعمال العبد أو سُمِع. والمعنى: أن الملكين الموكلين بالعبد يعلمان ما يهم به بقلبه ويجوز أن

стр. 114

يكون قد جعل الله تعالى لهم سبيلاً إلى علم ذلك كما جعل لكثير من الأنبياء سبيلاً في كثير من علم الغيب. وقد قال الله في حق عيسى ﵇ أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ١. ونبينا ﷺ قد أخبر بكثير من علم الغيب فيجوز أن يكون قد جعل الله للملكين سبيلاً إلى علم ما في قلب بني آدم من خير أو شر فيكتبانه إذا عزم عليه. وقد قيل: إن ذلك بريح تظهر لهما من القلب، وللسلف اختلاف في أي الذكرين أفضل: ذكر القلب أو ذكر العلانية؟ هذا كله قول ابن خلف المعروف بابن بطال. وقال صاحب الإفصاح٢ في كلام له: وإن الله تعالى لما صرم هذه الأمة أخلفها على ما قصر من أعمارها بتضعيف أعمالها فمن هم بحسنة احتسب له بتلك الهمة حسنة كاملة لأجل أنها همة مفردة وجعلها كاملة لئلا يظن ظان أن كونها مجرد همة تنقص الحسنة أو تهضمها فبين ذلك، بأن قال حسنة كاملة وإن هم بالحسنة وعملها فقد أخرجها من الهمة إلى ديوان العمل وكتب له بالهمة حسنة ثم ضوعفت يعني إنما يكون ذلك على مقدار خلوص النية وإيقاعها في مواضعها. ثم قال: بعد ذلك "إلى أضعاف كثيرة" هنا نكرة وهي أشمل من

стр. 115

المعرفة فيقتضي على هذا أن يحسب توجيه الكثرة على أكثر ما يكون ثم يقدر ليتناول هذا الوعد الكريم بأن يقول: إذا تصدق الآدمي بحبة بر فإنه يحسب له ذلك في فضل الله تعالى: أنه لو بذرت تلك الحبة في أزكى أرض وكان لها من التعاهد والحفظ والري ما يقتضيه حالها ثم استحصدت، فظهر في حاصلها، ثم قدر لذلك الحاصل أن يدرس في أزكى أرض وكان التعاهد له على ما تقدم ذكره، ثم هكذا في السنة الثانية ثم في السنة الثالثة والرابعة وما بعدها ثم يستمر ذلك إلى يوم القيامة، فتأتي الحبة من البر والخردل والخشخاش أمثال الجبال الرواسي وإن كانت الصدقة مثقال ذرة من جنس الإيمان، فإنه ينظر إلى ربح شيء يشتري في ذلك الوقت، ويقدر أنه لو بيع في أنفق سوق في أعظم بلد يكون ذلك الشيء فيه أشد الأشياء نفاقاً١ ثم تضاعف ويتردد هذا إلى يوم القيامة فتأتي الذرة بما يكون مقدارها على قدر عظم الدنيا كلها: وعلى هذا جميع أعمال البر في معاملة الله إذا خرجت سهامها عن نية خالصة وأفرغت في نوع قوس الإخلاص. ومن ذلك أيضا: أن فضل الله تعالى يتضاعف بالتحويل في مثل أن يتصدق الإنسان على فقير بدرهم فيؤثر الفقير بذلك الدرهم فقيراً آخر هو أشد منه فقراً فيؤثر به الثالث رابعاً والرابع خامساً وهكذا فيما طال، فإن الله تعالى يحسب للمتصدق الأول بالدرهم عشرة فإذا تحول إلى الثاني انتقل ذلك الذي كان للأول إلى الثاني فصار للثاني عشرة دراهم وللأول عن عشر مئات، فإذا تصدق بها الثاني صارت له مائة

стр. 116

وللثاني ألف وللأول ألف ألف وإذا تصدق بها صارت له مائة وللثاني عشرة آلاف فيضاعف إلى ما لا يعرف مقداره إلى الله تعالى. ومن ذلك أيضاً أن الله إذا حاسب عبده المسلم يوم القيامة وكانت حسناته متفاوتة فيهن الرفيعة المقدار وفيهن دون ذلك فإنه سبحانه بجوده وفضله يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا لأن جوده ﷻ أعظم من أن يناقش من رضي عنه في تفاوت سعر بين حسنتين وقد قال ﷻ : ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. كما أنه "إذا قال العبد في سوق من أسواق المسلمين لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره رافعاً بها صوته كتب الله له بذلك ألفي ألف حسنة ومحا عنه ألفي ألف سيئة وبنى له بيتاً في الجنة" ٢ على ما جاء في الحديث وهذا الذي ذكرناه إنما هو على مقدار معرفتنا لا على مقدار فضل الله فإنه أعظم من أن يحده أو يحصره خلق.

стр. 117

العبادة لله وسيلة القرب والمحبة ٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه " رواه البخاري. ــ قال صاحب الإفصاح: في هذا الحديث من الفقه: أن الله قدم الأعذار إلى كل من عادى وليا: أنه قد آذنه بأنه محاربه بنفس المعاداة، وولي الله تعالى هو الذي يتبع ما شرعه الله تعالى فليحذر الإنسان من إيذاء قلوب أولياء الله . ومعنى المعاداة: أن يتخذه عدوا. ولا أرى المعنى إلا من عاداه لأجل ولاية الله، وأما إذا كانت لأحوال تقتضي نزاعاً بين وليين لله محاكمة أو خصومة راجعة إلى استخراج حق غامض فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث، فإنه قد

стр. 118

جرى١ بين أبي بكر وعمر ﵄ خصومة، وبين العباس وعلي رضي الله عنهما٢ وبين كثير من الصحابة وكلهم كانوا أولياء لله . قوله: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه" فيه إشارة إلى أنه لا تقدم نافلة على فريضة وإنما سميت النافلة نافلة إذا قضيت الفريضة وإلا فلا يتناولها اسم النافلة ويدل على ذلك قوله: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" لأن التقرب بالنوافل يكون بتلو أداء الفرائض ومتى أدام العبد التقرب بالنوافل أفضى ذلك به إلى أن يحبه الله . ثم قال: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" إلى آخره فهذه علامة ولاية الله، لمن يكون الله قد أحبه، ومعنى ذلك أنه لا يسمع ما لم يأذن الشرع

стр. 119

له بسماعه ولا يبصر ما لم يأذن الشرع له في إبصاره ولا يمد يده إلى شيء ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه، ولا يسعى برجله إلا فيما أذن الشرع في السعي إليه، فهذا هو الأصل إلا أنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله غير أهل الذكر توصلاً إلى أن يسمع لهم وكذلك في المبصرات والمتناولات والمسعى إليه، تلك صفة عالية نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. قوله: "ولئن استعاذني لأعيذنه" يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه ولكنه سبحانه متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين وقوله: "استعاذني" ضبطوه بالنون والباء وكلاهما صحيح. وقوله في أول الحديث "فقد آذنته بالحرب" ١ بهمزة ممدودة: أي أعلنته أنه محارب لي.

стр. 120

التجاوز عن المخطئ والناسي والمكره . ٣٩ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما. ــ وقد جاء في التفسير في قوله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١. أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة ﵃ فجاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل في أناس إلى رسول الله ﷺ وقالوا: كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه وأن له الدنيا فقال النبي ﷺ : "لعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا, قولوا: سمعنا وأطعنا", واشتد ذلك عليهم ومكثوا حولاً فأنزل الله تعالى الفرج والرحمة بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٢. قال الله تعالى: قد فعلت إلى آخرها فنزل التخفيف ونسخت الآية الأولى.

стр. 121

قال البيهقي: قال الشافعي ﵀: قال الله جل ثناؤه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ١. وللكفر أحكام فلما وضع الله عنه الكفر سقطت أحكام الإكراه عن القول كلها لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو أصغر منه ثم أسند عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ٢ وأسند عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق"٣ وهو مذهب عمر وابن عمر وابن الزبير وتزوج ثابت بن الأحنف أم ولد لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فأكره بالسياط والتخويف على طلاقها في خلافة ابن الزبير فقال له ابن عمر: لم تطلق عليك ارجع إلى أهلك وكان ابن الزبير بمكة فلحق به وكتب له إلى عامله على المدينة: أن يرد إليه زوجته وأن يعاقب عبد الرحمن بن زيد فجهزتها له صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر وحضر عبد الله بن عمر عرسه. والله أعلم.

стр. 122

الدنيا وسيلة ومزرعة للآخرة ٤٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري. ــ قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف في شرح البخاري: قال أبو الزناد: معنى هذا الحديث الحض على قلة المخالطة وقلة الاقتناء والزهد في الدنيا. قال أبو الحسن: بيان ذلك أن الغريب قليل الانبساط إلى الناس مستوحش منهم إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه ويأنس به ويستكثر من مخالطته فهو ذليل خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه، وخفته من الأثقال غير متشبث بما يمنعه من قطع سفره ليس معه إلا زاد وراحلة يبلغانه إلى بغيته من قصده وهذا يدل على إيثار الزهد في الدنيا ليأخذ البلغة منها والكفاف كما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره كذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه. وقال العز علاء الدين بن يحيى بن هبيرة ﵀: في هذا

стр. 123

الحديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ حض على التشبه بالغريب لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم ولا يجزع أن يراه أحد على خلاف عادته في الملبوس ولا يكون متدابراً معهم وكذلك عابر السبيل لا يتخذ داراً، ولا يلج في الخصومات مع الناس يشاحنهم، ناظراً إلى أن لبثه معهم أيام يسيرة: فكل أحوال الغريب وعابر السبيل مستحبة أن تكون للمؤمن في الدنيا لأن الدنيا ليست وطناً له. لأنها تحبسه عن داره وهي الحائلة بينه وبين قراره. وأما قول ابن عمر: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" فهو حض منه على أن المؤمن يستعد أبداً للموت. والموت يستعد له بالعمل الصالح. وحض على تقصير الأمل: أي لا تنتظر بأعمال الليل الصباح. بل بادر بالعمل، وكذلك إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وتؤخر أعمال الصباح إلى الليل. قوله: "وخذ من صحتك لمرضك" حض على اغتنام صحته فيجتهد فيها خوفا من حلول مرض يمنعه من العمل. وكذلك قوله "ومن حياتك لموتك" تنبيه على اغتنام أيام حياته لأن من مات انقطع عمله وفات أمله وعظمت حسرته على تفريطه وندمه وليعلم أنه سيأتي عليه زمان طويل وهو تحت التراب لا يستطيع عملا ولا يمكنه أن يذكر الله فيبادر في زمن سلامته فما أجمع هذا الحديث لمعاني الخير وأشرفه. وقال بعضهم: قد ذم الله تعالى الأمل وطوله وقال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ١. وقال علي ﵁: "ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون

стр. 124

فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل"١. وقال أنس ﵁: خط النبي ﷺ خطوطاً فقال: "هذا الإنسان وهذا الأمل وهذا الأجل فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب" ٢ وهو أجله المحيط به وهذا تنبيه على تقصير الأمل واستقصار الأجل خوف بغيته ومن غيب عنه أجله فهو جدير بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة فليرض المؤمن نفسه على استعمال ما نبه عليه ويجاهد أمله وهواه فإن الإنسان مجبول على الأمل. قال عبد الله بن عمر ﵄: رآني رسول الله ﷺ وأنا أطين حائطاً لي أنا وأمي، فقال: "ما هذا يا عبد الله؟ ", فقلت: يا رسول الله قد وهى فنحن نصلحه. فقال: "ما أرى الأمر إلا أسرع من ذلك" ٣. نسأل الله العظيم أن يلطف بنا وأن يزهدنا في الدنيا وأن يجعل رغبتنا فيما لديه وراحتنا يوم القيامة إنه جواد كريم غفور رحيم.

стр. 125

علامة الإيمان ٤١ - عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. ــ هذا الحديث كقوله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١. وسبب نزولها: "أن الزبير ﵁ كان بينه وبين رجل من الأنصار خصومة في ماء فتحاكما إلى رسول الله ﷺ ، فقال: اسق يا زبير وسرح الماء إلى جارك، يحضه بذلك على المسامحة والتيسير فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "يا زبير احبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم سرحه" ٢ وذلك أن رسول الله ﷺ كان أشار على الزبير بما فيه مصلحة الأنصاري فلما أحفظه الأنصاري، بما قال أي أغضبه استوعب للزبير حقه الذي يجب له فنزلت هذه الآية.

стр. 126

وقد صح عن النبي ﷺ في حديث آخر أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" ١ قال أبو الزناد: هذا من جوامع الكلم: لأنه قد جمعت هذه الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة لأن أقسام المحبة ثلاثة: محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد ومحبة استحسان ومشاكلة كمحبة سائر الناس فحصر أصناف المحبة. قال ابن بطال: ومعنى الحديث والله أعلم أن من استكمل الإيمان علم أن حق رسول الله ﷺ وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن بالرسول ﷺ استنقذه الله من النار، وهداه من الضلال. والمراد بالحديث: بذل النفس دونه ﷺ وقد كانت الصحابة ﵃ يقاتلون معه آباءهم وأبناءهم وإخوانهم، وقد قتل أبو عبيدة أباه لإيذائه رسول الله ﷺ ، وتعرض أبو بكر ﵁ يوم بدر لولده عبد الرحمن لعله يتمكن منه فيقتله. فمن وجد هذا منه فقد صح أن هواه تبع لما جاء به النبي ﷺ .

стр. 127

سعة مغفرة الله تعالى ٤٢ - عن أنس ﵁ قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ــ في هذا الحديث بشارة عظيمة وحلم وكرم عظيم وما لا يحصى من أنواع الفضل والإحسان والرأفة والرحمة والامتنان، ومثل هذا قوله ﷺ : "لله أفرح بتوبة عبده من أحد كم بضالته لو وجدها" ١. وعن أبي أيوب ﵁ لما حضرته الوفاة قال: كنت قد كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ سمعته يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم" ٢. وقد جاءت أحاديث كثيرة موافقة لهذا الحديث.

стр. 128

قوله: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني" هذا موافق لقوله: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" ١ وقد جاء "أن العبد إذا أذنب ثم ندم فقال: أي ربي أذنبت ذنباً فاغفر لي ولا يغفر الذنوب إلا أنت قال: فيقول الله تعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت له ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة فيقول الله في كل مرة مثل ذلك ثم يقول: اعمل ما شئت فقد غفرت لك" ٢. يعني لما أذنبت واستغفرت. واعلم أن للتوبة ثلاثة شروط: الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فات، والعزم على أن لا يعود، وإن كانت حق آدمي فليبادر بأداء الحق إليه والتحلل منه، وإن كانت بينه وبين الله تعالى وفيها كفارة فلا بد من فعل الكفارة وهذا شرط رابع فلو فعل الإنسان مثل هذا في اليوم مراراً وتاب التوبة بشروطها فإن الله يغفر له. قوله: "على ما كان منك" أي من تكرار معصيتك، "ولا أبالي": أي ولا أبالي بذنوبك. قوله: "يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك" أي لو كانت أشخاصاً تملأ ما بين السماء والأرض وهذا نهاية الكثرة ولكن كرمه وحلمه سبحانه وعفوه أكثر وأعظم وليس بينهما مناسبة ولا التفضيل له هنا مدخل فتتلاشى ذنوب العالم عند حلمه وعفوه.

стр. 129

قوله: "يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" أي أتيتني بما يقارب مثل الأرض. قوله: "ثم لقيتني" أي مت على الإيمان لا تشرك بي شيئا ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١. وقد قال ﷺ : "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" ٢. وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "حسن الظن بالله من حسن عبادة الله" ٣.