أن توفاهم الله عليها. قال عمر بن الخطاب ﵁: "استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب" ومعناه: اعتدلوا على أكثر طاعة الله عقداً وقولاً وفعلاً. وداموا على ذلك، وهذا معنى قوله أكثر المفسرين، وهي معنى الحديث إن شاء الله تعالى.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ١. قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشق عليه من هذه الآية. ولذلك قال ﷺ : "شيبتني هود وأخواتها" ٢.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيرى رحمه الله تعالى: "الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيماً في حال سعيه ضاع سعيه وخاب جده" قال وقيل: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال النبى ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" ٣. وقال الواسطي: الخصلة التي بها كملت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن، والله أعلم.
стр. 72
الاقتصار على الفرائض يدخل الجنة .
٢٢ - عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: "نعم". رواه مسلم. ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته. ومعنى أحللت الحلال: فعلته معتقداً حله.
ــ
هذا الرجل السائل هو النعمان بن قوقل - بقافين مفتوحتين - قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: الظاهر أنه أراد بقوله: "وحرمت الحرام" أمرين أحدهما: أن يعتقد كونه حراما. والثاني: أن لا يفعله. بخلاف تحليل الحلال فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاده حلالاً.
قال صاحب المفهم: لم يذكر النبي ﷺ للسائل في هذا الحديث شيئاً من التطوعات على الجملة وهذا يدل على جواز ترك التطوعات على الجملة لكن من تركها ولم يفعل شيئاً فقد فوت على نفسه ربحاً عظيماً وثواباً جسيماً، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان ذلك نقصاً في دينه وقدحاً في عدالته، فإن كان تركه تهاوناً ورغبة عنها كان ذلك فسقاً يستحق به ذماً. قال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواطئوا على ترك
стр. 73
سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا. ولقد كان صدر الصحابة ﵃ ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابها.
وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وإنما ترك النبي ﷺ تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلاً وتيسيراً لقرب عهده بالإسلام لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيراً، له وعلم أنه إذا تمكن في الإسلام وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره أو لئلاَ يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة فتركه لذلك.
وكذلك في الحديث الآخر: أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الصلاة فأخبر أنها خمس, فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع", ثم سأله عن الصوم والحج والشرائع فأجابه. ثم قال في آخر ذلك: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال: "أفلح إن صدق". وفي رواية: "إن تمسك بما أمر به دخل الجنة" ١.
وإنما شرعت لتتميم الفرائض فهذا السائل والذي قبله إنما تركهما النبي ﷺ تسهيلاً عليهما إلى أن تنشرح صدورهما بالفهم عنه، والحرص على تحصيل المندوبات فيسهل عليهما.
وهذا يسمى بمحافظته على فرائضه وإقامتها والإتيان بها في أوقاتها من غير إخلال بها - فلاحاً كثير الفلاح والنجاح - وليتنا وفقنا - كذلك ومن أتى بالفرائض وأتبعها النوافل كان أكثر فلاحاً منه.
стр. 74
الإسراع في الخير
٢٣ - عن أبي مالك - الحارث بن عاصم - الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ - ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" رواه مسلم.
ــ
هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والدين.
أما الطهور فالمراد به هنا الفعل - وهو بضم الطاء - على المختار، واختلف في معناه فقيل: إن الأجر فيه ينتهي إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ١. والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً. وقيل غير ذلك.
стр. 75
وأما قوله: "والحمد لله تملأ الميزان" فمعناه: أنها لعظم أجرها تملأ ميزان الحامد لله تعالى، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها.
وكذلك قوله: "وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض" وسبب عظم فضلها ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى والافتقار إليه.
وقوله: "تملآن أو تملأ" ضبطه بعضهم بالتاء المثناة فوق وهو صحيح فالأول ضمير مثنى والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام. وقال بعضهم: يجوز "يملآن" بالتذكير والتأنيث أما التأنيث فعلى ما تقدم وأما التذكير فعلى إرادة النوعين من الكلام وأما "تملأ" فيذكر على إرادة الذكر.
وأما قوله ﷺ : "والصلاة نور" فمعناه أنها تمنع من المعاصي وتنهي عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه أن يكون آخرها نوراً لصاحبها يوم القيامة، وقيل: إنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضاً على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل، والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : "الصدقة برهان" فقال صاحب التجريد: معناه أنه يفزع إليها كما يفزع للبراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت له صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول: تصدقت به. وقال غيره: معناه أن الصدقة حجة على إيمان فاعلها لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق استدل بصدقته على قوة إيمانه، والله أعلم.
стр. 76
أما قوله ﷺ : "والصبر ضياء" فمعناه: الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر على معصيته والصبر أيضاً على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا والمراد أن الصبر محمود لا يزال صاحبه مستضيئاً به مهتدياً مستمراً على الصواب. قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة. وقيل: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقال أبو علي الدقاق ﵀: الصبر: أن لا يعترض على المقدور. فأما إظهار البلاء على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في حق أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ١ مع أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢. والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : "والقرآن حجة لك أو عليك" فمعناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك.
وقوله: "كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" معناه: أن كل إنسان يسعى لنفسه فمنهم من يبيعها لله بطاعته له فيعتقها من العذاب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ ٣. ومن يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها أي يهلكها. اللهم وفّقنا للعمل بطاعتك وجنبنا أن نوبق أنفسنا بمخالفتك.
стр. 77
تحريم الظلم .
٢٤ - عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما
стр. 78
هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". رواه مسلم.
ــ
قوله: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماًً" قال بعض العلماء: معناه لا ينبغي لي ولا يجوز علي كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ١. فالظلم محال في حق الله تعالى. قال بعضهم في هذا الحديث: لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق لقوله سبحانه٢: "إني حرمت الظلم على نفسي" فهو سبحانه لا يظلم عباده فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره.
وكذلك قال: "فلا تظالموا" المعنى: المظلوم يقتص له من الظالم وحذفت إحدى التاءين تخفيفاً أصله: فلا تتظالموا.
وقوله: "كلكم ضال إلا من هديته وكلكم عار إلا من كسوته وكلكم جائع إلا من أطعمته" تنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا ودفع مضارنا إلا أن يعيننا الله سبحانه على ذلك، وهو يرجع إلى معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله. وليعلم العبد أنه إذا رأى آثار هذه النعمة عليه أن ذلك من عند الله ويتعين عليه شكر الله تعالى وكلما ازداد من ذلك يزيد في الحمد والشكر لله تعالى.
وقوله: "فاستهدوني أهدكم" أي اطلبوا مني الهداية أهدكم والجملة في ذلك أن يعلم العبد أنه طلب الهداية من مولاه فهداه ولو
стр. 79
هداه قبل أن يسأله لم يبعد أن يقول: إنما أوتيته على علم عندي. وكذلك "كلكم جائع" إلى آخره يعني أنه خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام فكل طاعم كان جائعا حتى يطعمه الله بسوق الرزق إليه وتصحيح الآلات التي هيأها له فلا يظن ذو الثروة أن الزرق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى وفيه أيضاً أدب للفقراء كأنه قال: لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم "فاستطعموني أطعمكم" وكذلك ما بعده.
وقوله: "إنكم تخطئون بالليل والنهار" في هذا الكلام من التوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن وكذلك أن الله خلق الليل ليطاع فيه ويعبد بالإخلاص حيث تسلم الأعمال فيها غالباً من الرياء والنفاق أفلا يستحي المؤمن أن لا ينفق الليل والنهار [في الطاعة] فإنه خلق مشهوداً من الناس فينبغي من كل فطن أن يطيع الله فيه أيضاً ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة وكيف يحسن بالمؤمن أن يخطئ سراً أو جهراً لأنه قد قال بعد ذلك: "وأنا أغفر الذنوب جمعياً" فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف وأكدها بقوله: "جميعاً" وإنما قال ذلك قبل أمره إيماناً بالاستغفار لئلا يقنط أحد من رحمة الله لعظم ذنب ارتكبه.
قوله: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم" إلى آخره: فيه ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة لهم وأنها لا تزيد في ملكه شيئاً.
وأما قوله: "لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد" إلى آخره ففيه تنبيه الخلق على أن يعظموا المسألة ويوسعوا الطلب ولا يقتصر سائل ولا يختصر طالب فإن ما عند الله لا
стр. 80
ينقص وخزائنه لا تنفد فلا يظن ظان أن ما عند الله يغيضه الإنفاق كمال قال ﷺ في الحديث الآخر: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" ١ وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائماً لا يجوز عليها عجز ولا قصور والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى.
وقوله: "إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر" هذا مثل قصد به التقريب إلى الأفهام بما نشاهده، والمعنى: أن ذلك لا ينقص مما عنده شيئاً، والمخيط بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء هو الإبرة.
وقوله: "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله" يعني لا يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق ويحمد الله على ذلك.
وقوله: "ومن وجد غير ذلك" لم يقل ومن وجد شراً يعني: ومن وجد غير الأفضل فلا يلومن إلا نفسه، أكد ذلك بالنون، تحذيراً أن يخطر في قلب عامل أن اللوم تستحقه غير نفسه. والله أعلم.
стр. 81
ذهب أهل الدثور بالأجور
٢٥ - عن أبي ذر ﵁ أيضا أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" رواه مسلم.
ــ
الدثور: بضم الدال جمع دثر بفتحها وهو المال الكثير.
وقوله: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون" الرواية فيها بتشديد الصاد والدال جميعاً ويجوز في اللغة تخفيف الصاد.
وفي هذا الحديث فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضار النية في المباحات وإنما تصير طاعات بالنيات الصادقات.
стр. 82
وفيه دليل على جواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى علمه من الدليل إذا علم من حال المسؤول أنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب وذكر العالم الدليل على بعض ما يخفى على السائل.
وقوله: "وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة" إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد منه في التسبيح وما ذكر بعده: لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين بخلاف الأذكار التي تقع نوافل، وأجر الفرائض أكثر من أجر النفل كما دل عليه قوله : "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه". رواه البخاري، قال بعض العلماء: يزيد ثواب الفرض على ثواب النفل سبعين درجة واستأنس له بحديث.
وأما قوله ﷺ : "في بضع أحدكم صدقة" وهو بضم الباء ويطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه وكلاهما يصح إرادته ها هنا، وقد تقدم أن المباحات تصير بالنيات طاعات فالجماع يكون عبادة إذا نوى به الإنسان قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو زوجته أو غير ذلك من المقاصد الصالحة.
وقولهم: "يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ " إلى آخره: فيه جواز القياس وهو مذهب العلماء ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذم القياس فليس المراد به القياس الذي يعهده الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس هو قياس العكس واختلف الأصوليون في العمل به والحديث دليل لمن عمل به.
стр. 83
فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم وإعانتهم
٢٦ - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كل سُلامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" رواه البخاري ومسلم.
ــ
قوله: "سلامى" بضم السين المهملة وتخفيف اللام: وهي المفاصل والأعضاء وقد ثبت في صحيح مسلم أنها ثلاثمائة وستون، قال القاضي عياض: وأصله عظام الكف والأصابع والأرجل ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. قال بعض العلماء: المراد صدقة ترهيب وترغيب لا إيجاب وإلزام.
وقوله: "يعدل بين الإثنين صدقة" أي يصلح بينهما بالعدل، وفي حديث آخر من رواية مسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. ويجزى من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته والله أعلم.
стр. 84
البر حسن الخلق
٢٧ - عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" رواه مسلم. وعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: "جئت تسأل عن البر؟ ", قلت: نعم. قال: "استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدرامي بإسناد حسن.
ــ
قوله ﷺ : "البر حسن الخلق" يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر كما قال: "الحج عرفة" ١ أما البر فهو الذي يبر فاعله ويلحقه بالأبرار وهم المطيعون لله . والمراد بحسن الخلق الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة والعدل في الأحكام والبذل في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله:
стр. 85
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ . إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ ٣. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ ٤. إلى آخر السوة. فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميعها علامة حسن الخلق وفقد جميعها علامة سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشغل بحفظ ما وجده وتحصيل ما فقده.
ولا يظن ظان أن حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش والمعاصي فقط وأن من فعل ذلك فقد هذب خلقه بل حسن الخلق ما ذكرناه من صفات المؤمنين والتخلق بأخلاقهم.
ومن حسن الخلق احتمال الأذى فقد ورد في الصحيحين: "أن أعرابياً جذب برد النبي ﷺ حتى أثرت حاشيته في عاتق النبي ﷺ وقال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك وأمر له بعطاء".
وقوله: "والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" يعني: هو الشيء الذي يورث نفرة في القلب وهذا أصل يتمسك به لمعرفة الإثم من البر: إن الإثم ما يحوك في الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس، والمراد بالناس والله أعلم أماثلهم ووجوههم لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم.
стр. 86
وجوب لزوم السنة
٢٨ - عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيري اختلافاً كثيراً. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ــ
وفي بعض طرق هذا الحديث "إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: "لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك". قوله: "موعظة بليغة"١: يعني بلغت إلينا وأثرت في قلوبنا. ووجلت منها القلوب: أي خافت. وذرفت منها العيون: كأنه قام مقام تخويف ووعيد.
وقوله: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" يعنى لولاة الأمور "وإن تأمر عليكم عبد" وفي بعض الروايات "عبد حبشي". قال بعض
стр. 87
العلماء: العبد لا يكون والياًَ ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن، كقوله ﷺ : "من بنى لله مسجداً كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة" ١ ومفحص قطاة لا يكون مسجداً ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك. ويحتمل أن النبي ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله حتى توضع الولاية في العبيد فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا تغليباً لأهون الضررين وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.
وقوله: "وإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً" هذا من بعض معجزاته ﷺ : أخبر أصحابه بما يكون بعده من الاختلاف وغلبة المنكر وقد كان عالما به على التفصيل ولم يكن بينه لكل أحد إنما حذر منه على العموم وقد بين ذلك لبعض الآحاد كحذيفة وأبي هريرة وهو دليل على عظم محلهما ومنزلتهما.
وقوله: "فعليكم بسنتي" السنة الطريقة القويمة التي تجرى على السنن وهو السبيل الواضح "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" يعني الذين شملهم الهدى وهم الأربعة بالإجماع: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵄ أجمعين.
وأمر ﷺ بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين: أحدهما: التقليد لمن عجز عن النظر.
стр. 88
والثاني: الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة.
وقوله: "وإياكم ومحدثات الأمور" اعلم أن المحدث على قسمين:
محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم.
ومحدث بحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ "المحدث" ولفظ "البدعة " لا يذمان لمجرد الاسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقاً فقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ١. وقال عمر ﵁: "نعمت البدعة هذه"٢ يعني التراويح.
وأما النواجذ فهي آخر الأضراس والله أعلم.
стр. 89
ما يدخل الجنة
٢٩ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار قال: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل", ثم تلا: ﴿َتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ... ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلون﴾ . ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ ", قلت: بلى يا رسول الله. قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد"، ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ ", قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه، وقال: "كف عليك هذا". قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟ ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 90
قوله ﷺ : "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه" يعني: على من وفقه الله له ثم أرشده لعبادته مخلصاً له الدين: يعبد الله لا يشرك به شيئاً. ثم قال:
"وتقيم الصلاة": إقامتها: الإتيان بها على أكمل أحوالها.
ثم ذكر شرائع الإسلام من الزكاة والصوم والحج.
ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة" المراد بالصوم هنا: غير رمضان لأنه قد تقدم. ومراده الإكثار من الصوم، والجنة المجن. أي: الصوم سترة لك ووقاية من النار.
ثم قال: "الصدقة تطفئ الخطيئة" أراد بالصدقة هنا غير الزكاة.
ثم قال: "وصلاة الرجل في جوف الليل" ثم تلا: ﴿َتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ١. إلى قوله: ﴿يَعْمَلون﴾ ١. معناه: أن من قام في جوف الليل وترك نومه ولذته وآثر على ذلك ما يرجوه من ربه فجزاؤه ما في الآية من قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢"٣. وقد جاء في بعض الأخبار: "أن الله تعالى يباهي بقوام الليل في الظلام يقوم: انظروا إلى عبادي وقد قاموا في ظلم الليل حيث لا يراهم أحد غيري: أشهدكم أني قد أبحتهم دار كرامتي".
стр. 91
ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر؟ " إلى آخره. جعل الأمر كالفحل من الإبل وجعل الإسلام رأس هذا الأمر ولا يعيش الحيوان بغير رأس.
ثم قال: "وعموده الصلاة" عمود الشيء هو الذي يقيمه مما لا ثبات له في العادة بغير عمود.
وقوله: "وذروة سنامه الجهاد" وذروة كل شيء أعلاه وذورة سنام البعير: طرف سنامه والجهاد لا يقاومه شيء من الأعمال، كما روى أبو هريرة قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد. قال: "لا أجده"، قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ ", قال: "ومن يستطيع ذلك؟ " ١.
وقوله: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله قال: فأخذ بلسانه ثم قال: "كف عليك هذا" إلى آخره. حضه أولا على جهاد الكفر، ثم نقله إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس وقمعها عن الكلام فيما يؤذيها ويرديها فإنه جعل أكثر دخول الناس النار بسبب ألسنتهم حيث قال: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟ " وقد تقدم في الحديث المتفق عليه "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" وفي حديث آخر: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" ٢.
стр. 92
حقوق الله تعالى
٣٠ - عن أبي ثعلبة الخشبي - جرثوم بن ناشر - رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.
ــ
قوله: "فرض" أي أوجب وألزم.
وقوله: "فلا تنتهكوها" أي فلا تدخلوا فيها وأما النهي عن البحث عما سكت الله عنه فهو موافق لقوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" ١ قال بعض العلماء كانت بنو إسرائيل يسألون فيجابون ويعطون ما طلبوا حتى كان ذلك فتنة لهم وأدى ذلك إلى هلاكهم.
وكان الصحابة ﵃ قد فهموا ذلك وكفوا عن السؤال إلا فيما لا بد منه، وكان يعجبهم أن يجيء الأعراب يسألون رسول الله ﷺ فيسمعون ويعون.
стр. 93
وقد بالغ قوم حتى قالوا: لا يجوز السؤال في النوازل للعلماء حتى تقع وقد كان السلف يقولون في مثلها: دعوها حتى تنزل إلا أن العلماء لما خافوا ذهاب العلم: أصّلوا وفرّعوا ومهّدوا وسطّروا.
واختلف العلماء في الأشياء قبل ورود الشرع بحكمها: أهل هي على الحظر أو على الإباحة أو الوقف؟ على ثلاث مذاهب وذلك مذكور في كتب الأصول.
стр. 94
الزهد الحقيقي .
٣١ - عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس: فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة.
ــ
اعلم أنّ رسول الله ﷺ قد حث على التقلل من الدنيا والزهد فيها، وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" ١ وقال: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ٢ وفي حديث آخر: "إن الزاهد في الدنيا
стр. 95
يريح قلبه في الدنيا والآخرة والراغب في الدنيا يتعب قلبه في الدنيا والآخرة" ١.
واعلم أن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية وأن الضيف مرتحل والعارية مردودة "والدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر"٢ وهي مبغضة لأولياء الله محببة لأهلها، فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه.
وقد أرشد رسول الله ﷺ السائل إلى تركها بالزهد فيها ووعد على ذلك حب الله تعالى وهو رضاه عنه فإن حب الله تعالى لعباده رضاه عنهم، وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبة الناس له، والمال حب الدنيا فإنه ليس في أيدي الناس شيء يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا الدنيا.
وقال ﷺ : "من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه شتت الله شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على بالية لا ينفد عذابها" ٣.
стр. 96
لا ضرر ولا ضرار
٣٢ - عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار" حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسنداً، ورواه مالك في الموطإ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضاً".
ــ
اعلم أن من أضر بأخيه فقد ظلمه والظلم حرام كما تقدم في حديث أبي ذر "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا" ١ وقال النبي ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" ٢.
وأما قوله: "لا ضرر ولا ضرار" فقال بعضهم: هما لفظان بمعنى واحد تكلم بهما جميعاً على وجه التأكيد، وقال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية الاسم والضرار الفعل: فمعنى "لا ضرار" أي لا يدخل
стр. 97
أحد على أحد ضرراً لم يدخله على نفسه. ومعنى "لا ضرار" لا يضار أحد بأحد. وقال المحسني: الضرر هو الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وهذا وجه حسن المعنى. وقال بعضهم: الضرر والضرار مثل القتل والقتال فالضرر أن تضر من لا يضرك: والضرار: أن تضر من أضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق وهذا نحو قوله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" ١ وهذا معناه عند بعض العلماء: لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك كأن النهي إنما وقع على الابتداء وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن، وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له.
واختلف الفقهاء في الذي يجحد حقا عليه ثم يظفر المجحود بمال للجاحد قد ائتمنه عليه أو نحو ذلك فقال بعضهم: ليس له أن يأخذ حقه في ذلك لظاهر قوله: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" وقال آخرون: له أن ينتصر منه ويأخذ حقه من تحت يده واحتجوا بحديث عائشة في قصة هند مع أبي سفيان٢ وللفقهاء في هذه المسألة وجوه واعتلالات ليس هذا موضوع ذكرها. والذي يصح في النظر: أنه ليس لأحد يضر بأخيه سواء ضره أم لا إلا أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له بالحق وليس ذلك ظلماً ولا ضراراً إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة.
стр. 98
وقال الشيخ أبو عمرو بن صلاح ﵀: أسند الدارقطني هذا الحديث من وجوه مجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد نقله جماهير أهل العلم واحتجوا به فعن أبي داود قال: الفقه يدور على خمسة أحاديث وعد هذا الحديث منها. قال الشيخ: فعد أبي داود له من الخمسة وقوله فيه: يشعر بكونه عنده غير ضعيف، وقال فيه: هو على مثال ضرار وقتال وهو على ألسنة كثير من الفقهاء والمحدثين "لاضرر ولا إضرار" بهمزة مكسورة قبل الضاد ولا صحة لذلك.
стр. 99
البينة على المدعي واليمين على من أنكر
٣٣ - عن ابن عباس ﵄، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر". حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا وبعضه في الصحيحين.
ــ
الذي في الصحيحين من هذا الحديث: قال ابن أبي مليكة: كتب ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه" وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه" ١. قال صاحب الأربعين: روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما مرفوعاَ من رواية ابن عباس وهكذا رواه أصحاب كتب السنن وغيرهم وقال الأصيلي: لا يصح رفعه إنما هو من قول ابن عباس، قال المصنف: إذا صح رفعه بشهادة الإمامين فلا يضر من وقفه ولا يكون ذلك تعارضاً ولا اضطراباً.
وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام وأعظم مرجع عند التنازع والخصام ويقتضي أن لا يحكم لأحد بدعواه.
стр. 100
قوله: "لادعى رجال دماء رجال وأموالهم" استدل به بعض الناس على إبطال قول مالك في سماع قول القتيل فلان قتلني أو دمي عند فلان. لأنه إذا لم يسمع قول المريض: له عند فلان دينار أو درهم، فلأن لا يسمع: دمي عند فلان بطريق الأولى، ولا حجة لهم على مالك في ذلك لأنه لم يسند القصاص أو الدية إلى قول المدعي بل إلى القسامة على القتل ولكنه يجعل قول القتيل دمي عند فلان لوثاً١ يقوى بينة المدعين حتى يبرؤوا بالأيمان كسائر أنواع اللوث.
قوله: "ولكن اليمين على المدعى عليه" أجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في الأموال واختلفوا في غير ذلك: فذهب بعضهم إلى وجوبها على كل مدعى عليه في حق أو طلاق أو نكاح أو عتق أخذاً بظاهر عموم الحديث فإن نكل حلف المدعي وثبتت دعواه. وقال أبو حنيفة ﵀: يحلف على الطلاق والنكاح والعتق وإن نكل لزمه ذلك كله قال: ولا يستحلف في الحدود.
стр. 101
النهي عن المنكر من الإيمان
٣٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم.
ــ
أورد مسلم هذا الحديث عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: قد ترك ما هناك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره" إلى آخره. وفي هذا الحديث دليل على أنه لم يعمل بذلك أحد قبل مروان. فإن قيل: كيف تأخر أبو سعيد عن تغيير هذا المنكر حتى أنكره هذا الرجل. قيل: يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضراً أول ما شرع مروان في تقديم الخطبة وأن الرجل أنكره عليه ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام. ويحتمل أنه كان حاضراً لكنه خاف على نفسه إن غيّر حصول فتنة بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار ويحتمل أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد والله أعلم، وقد جاء في الحديث الآخر الذي اتفق عليه البخاري ومسلم وأخرجاه في باب صلاة العيدين: أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان حين أراد أن
стр. 102
يصعد المنبر وكانا جميعا فردّ عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل فيحتمل أنهما قضيتان.
وأما قوله: "فليغيره" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق الكتاب والسنة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين. وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١. فليس مخالفاً لما ذكرنا لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية الكريمة أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم مثل قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢. وإذا كان كذلك فمما كلف به المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم.
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر.
ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر ويقصر.
قال العلماء: ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يقبل في ظنه بل يجب عليه فعله قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. وقد تقدم أن عليه أن يأمر وينهى، وليس عليه
стр. 103
القبول، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ ١. قال العلماء: ولا يشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به. مجتنباً ما ينهى عنه بل عليه الأمر. وإن كان مرتكباً خلاف ذلك لأنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها. وأن يأمر غيره وينهاها. فإذا أخذ بأحدهما لا يسقط عنه الآخر.
قالوا: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولاية بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين وإنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه فإن كان من الأمور الظاهرة مثل: الصلاة والصوم والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، فكل المسلمين علماء بها وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وما يتعلق بالاجتهاد ولم يكن للعوام فيه مدخل فليس لهم إنكاره بل ذلك للعلماء.
والعلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن على أحد المذهبين: أن كل مجتهد مصيب وهو المختار عند كثير من المحققين. وعلى المذهب الآخر: أن المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم موضوع عنه لكن على جهة النصيحة للخروج من الخلاف فهو حسن مندوب إلى فعله برفق.
قال الشيخ محي الدين ﵀: واعلم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدّاً وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح وإذا لم يأخذوا على يد
стр. 104
الظالم أوشك أن يعمهم الله بعذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضى الله أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم لاسيما وقد ذهب معظمه ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ ٢. واعلم أن الأجر على قدر النصب ولا يتركه أيضاً لصداقته ومودته: فإن الصديق للإنسان هو الذي يسعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه وعدوه من يسعى في ذهاب آخرته أو نقصها وإن حصل بسببه نفع في دنياه.
وينبغى للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون من ذلك برفق ليكون أقرب إلى تحصيل المقصود فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وعابه.
ومما يتساهل الناس فيه من هذا الباب: ما إذا رأوا إنساناً يبيع متاعاً أو حيواناً فيه عيب ولا يُبيُّنه فلا ينكرون ذلك ولا يعرفون المشتري بعيبه وهم مسئولون عن ذلك فإن الدين النصيحة، ومن لم ينصح فقد غش.
وقوله ﷺ : "فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" معناه: فلينكره بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير لكنه هو الذي في وسعه.
стр. 105
وقوله: "وذلك أضعف الإيمان" معناه - والله أعلم - أقله ثمرة. وليس للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر البحث والتفتيش والتجسس واقتحام الدور بالظنون بل إن عثر على منكر غيّره، وقال الماوردى: ليس له أن يقتحم ويتجسس إلا أن يخبره من يثق بقوله أن رجلاً خلا برجل ليقتله أو امرأة ليزنى بها. فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدركه.
وقوله: "وذلك أضعف الإيمان" قد ذكر أن معناه أقله ثمرة. وقد جاء في رواية أخرى١: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" أي لم يبق وراء ذلك مرتبة أخرى والإيمان في هذا الحديث بمعنى الإسلام.
وفي هذا الحديث دليل على أن من خاف القتل أو الضرب سقط عنه التغيير وهو مذهب المحققين سلفاً وخلفاً وذهبت طائفة من الغلاة إلى أنه لا يسقط وإن خاف ذلك.
стр. 106
أخوة الإسلام
٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى ههنا - ويشير إلى صدور ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه " رواه مسلم.
ــ
قوله: "لا تحاسدوا" الحسد: تمني زوال النعمة وهو حرام وفي حديث آخر: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو الخشب" ١ فأما الغبطة فهي تمني حال المغبوط من غير أن يريد زوالها. عنه وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما كما قال النبى ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" ٢ أي لا غبطة.
стр. 107
قوله: "ولا تناجشوا" أصل النجش الختل: وهو الخداع ومنه قيل للصائد ناجش - لأنه يختل الصيد ويحتال له.
قوله: "ولا تباغضوا" أي لا تتعاطوا أسباب التباغض لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها كما قال النبي ﷺ : "هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" ١ يعني القلب.
والتدابر: المعاداة وقيل المقاطعة لأن كل واحد يؤتى صاحبه دبره.
قوله: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" معناه: أن يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله أو أجود بثمنه أو يكون المتبايعان قد تقرر الثمن بينهما وتراضيا به ولم يبق إلا العقد فيزيد عليه أو يعطيه بأنقص وهذا حرام بعد استقرار الثمن وأما قبل الرضى فليس بحرام.
ومعنى "وكونوا عباد الله إخواناً" أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال.
قوله: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره" والخذلان: ترك الإعانة والنصرة ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم أو نحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي.
قوله: "ولا يحقره" هو بالحاء المهملة والقاف: أي لا يتكبر عليه
стр. 108
ويستصغره قال القاضي عياض: ورواه بعضهم بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء: أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أيمانه والصواب المعروف هو الأول.
قوله ﷺ : "التقوى ها هنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات وفي رواية: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" ١ معناه أن الأعمال الظاهرة لا تُحصّل التقوى وإنما تقع التقوى بما في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته ونظر الله تعالى - أي رؤيته محيطة بكل شيء. ومعنى الحديث - والله أعلم: مجازاته ومحاسبته وأن الاعتبار في هذا كله بالقلب.
قوله: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" فيه تحذير عظيم من ذلك لأن الله تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه ثم أحسن تقويم خلقه وسخر ما في السموات وما في الأرض جميعاً لأجله وإن كان له ولغيره فله من ذلك حصة ثم إن الله سبحانه سماه مسلماً ومؤمناً وعبداً وبلغ من أمره إلى أن جعل الرسول منه إليه محمداً ﷺ فمن حقر مسلماً من المسلمين فقد حقر ما عظم الله وكافيه ذلك، فإن من احتقار المسلم للمسلم: أن لا يسلم عليه إذا مر، ولا يرد ﵇ إذا بدأه به، ومنها أن يراه دون أن يدخله الله الجنة أو يبعده من النار.
وأما ما ينقمه العاقل على الجاهل والعدل على الفاسق فليس ذلك احتقاراً يعنى المسلم بل لما اتصف به الجاهل من الجهل والفاسق من الفسق فمتى فارق ذلك راجعه إلى احتفاله به ورفع قدره.
стр. 109
فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر .
٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" رواه مسلم بهذا اللفظ.
ــ
هذا الحديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك. ومعنى تنفيس الكربة إزلتها.
قوله: "من ستر مسلماً" الستر عليه أن يستر زلاته والمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفاً بالفساد وهذا في ستر
стр. 110
معصية وقعت وانقضت أما إذا علم معصيته وهو متلبس بها فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة فالمعروف بذلك لا يستر عليه لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل ذلك بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يخف من ذلك مفسدة وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب تجريحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة.
قوله: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" هذا الإجمال لا يسع تفسيره إلا أن منه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه ينبغي أن لا يجبن عن إنفاذ قول أو صدع بحق إيماناً بأن الله تعالى في عونه، وفي الحديث: فضل التيسير على المعسر وفضل السعي في طلب العلم ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم والمراد العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى وإن كان شرطاً في كل عبادة.
قوله ﷺ : "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم" هذا دليل على فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد. و"السكينة" ها هنا قيل: المراد بها الرحمة وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها وقال بعضهم: السكينة الطمأنينة والوقار وهذا أحسن، وفي قوله: "وما اجتمع قوم" هذا نكرة شائعة في جنسها كأنه يقول: أي قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ما ذكره من الفضل كله فإنه لم يشترط ﷺ هنا فيهم أن يكونوا علماء ولا زهاداً ولا ذوي مقامات