← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11244

شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد

ابن دقيق العيد

Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

منها ما يعلم الإنسان أنه حرام ثم يشك فيه هل زال تحريمه أم لا، كالذى يحرم على المرء أكله قبل الذكاة إذا شك في ذكاته لم يزل التحريم إلا بيقين الذكاة والأصل في ذلك حديث عدي المتقدم ذكره. وعكس ذلك أن يكون الشيء حلالاً١ فيشك في تحريمه كرجل له زوجة فشك في طلاقها أو أمة فيشك في عتقها. فما كان من هذا القسم فهو على الإباحة حتى يعلم تحريمه والأصل في هذا الحديث عبد الله بن زيد فيمن شك في الحدث بعد أن تيقن الطهارة٢. القسم الثالث: أن يشك في شيء فلا يدري أحلال أم حرام ويحتمل الأمرين جميعاً ولا دلالة على أحدهما فالأحسن التنزه كما فعل النبي ﷺ في التمرة الساقطة حين وجدها في بيته فقال: "لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" ٣. وأما إن جوز نقيض ما ترجح عنده بأمر موهوم لا أصل له كترك استعمال ماء باق على أوصافه مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه أو كترك الصلاة في موضع لا أثر فيه مخافة أن يكون فيه بول قد جف أو كغسل ثوب مخافة إصابة نجاسة لم يشاهدها ونحو ذلك فهذا يجب أن لا يلتفت إليه فإن التوقف لأجل التجويز هوس والورع منه وسوسة شيطان إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء والله أعلم.

стр. 37

وقوله ﷺ : "لا يعلمهن كثير من الناس" أي لا يعلم حكمهن من التحليل والتحريم وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة لترددها بين أمور محتملة فإذا علم بأي أصل يلتحق زال كونها شبهة وكانت إما من الحلال أو من الحرام وفيه دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها يدل عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس. وقوله: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" مما يشتبه. وأما قوله: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" فذلك يكون بوجهين أحدهما: أن من لم يتق الله وتجرأ على الشبهات أفضت به إلى المحرمات ويحمله التساهل في أمرها على الجرأة على الحرام كما قال بعضهم: الصغيرة تجر الكبيرة والكبيرة تجر الكفر وكما روي "المعاصي بريد الكفر". الوجه الثاني: أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه لفقدان نور العلم ونور الورع فيقع في الحرام وهو لا يشعر به وقد يأثم بذلك إذا تسبب منه إلى تقصير. وقوله ﷺ : "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" هذا مثل ضربه لمحارم الله ، وأصله أن العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها وتخرج بالتوعد بالعقوبة لمن قربها فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته عن ذلك الحمى لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع فيه لأنه قد تنفرد الفاذة١ وتشذ الشاذة ولا ينضبط فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة يأمن فيها وقوع ذلك وهكذا محارم الله من القتل والربا والسرقة وشرب

стр. 38

الخمر والقذف والغيبة والنميمة ونحو ذلك لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها. "ويوشك" بكسر الشين مضارع "أوشك" بفتحها وهي من أفعال المقاربة، و "يرتع" بفتح التاء معناها: أكل الماشية من المرعى وأصله إقامتها فيه وبسطها في الأكل. وقوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" الحديث. المضغة: القطعة من اللحم وهي قدر ما يمضغه الماضغ يعني بذلك صغر جرمها وعظيم قدرها و "صلحت" وريناه بفتح اللام و "القلب" في الأصل مصدر وسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الأعضاء لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه. وأنشد بعضهم في هذا المعنى: ما سمي القلب إلى من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل وخص الله تعالى جنس الحيوان بهذا العضو وأودع فيه تنظيم المصالح المقصودة فتجد البهائم على اختلاف أنواعها تدرك به مصالحها وتميز به مضارها من منافعها ثم خص الله نوع الإنسان من سائر الحيوان بالعقل وأضافه إلى القلب فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ .١ وقد جعل الله الجوارح مسخرة له ومطيعة فما استقر فيه ظهر عليها وعملت على معناه: إن خيراً فخير وإن شراً فشر. فإذا فهمت هذا ظهر لك قوله ﷺ

стр. 39

"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" نسأل الله العظيم أن يصلح فساد قلوبنا، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.

стр. 40

الدين النصيحة ٧ - عن أبي رقية تميم بن أوس الداري - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة", قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" رواه مسلم. ــ ليس لتميم الداري ﵁ غير هذا الحديث. و"النصيحة" كلمة جامعة معناها إرادة جملة الخير حيازة لحظ المنصوح له، وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، وكما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منها. ومعنى قوله: "الدين النصيحة" أي عماد الدين وقوامه: النصيحة كقوله "الحج عرفة" ١ أي عماده ومعظمه وأما تفسير النصيحة وأنواعها فقال الخطابي وغيره من العلماء: النصيحة لله تعالى معناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه عن جميع النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته والحب فيه

стр. 41

والبغض فيه وجهاد من كفر به والاعتراف بنعمته والشكر عليها والإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف بالناس. قال الخطابي: وحقيقة هذه الأوصاف راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فإن الله سبحانه غني عن نصح الناصح، وأما النصيحة لكتابه فبالإيمان أنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الناس، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين، والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواضعه والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته. وأما النصيحة لرسوله ﷺ : فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وإجابة دعوته ونشر سنته، ونفي التهمة عنها واستئثار علومها والتفقه في معانيها، والدعاء إليها والتلطف في تعليمها وإعظامها، وإجلالها والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته، وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك. وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، وتبليغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم بالسيف، وتأليف قلوب

стр. 42

الناس لطاعتهم والصلاة خلفهم والجهاد معهم وأن يدعو لهم بالصلاح. وأما نصيحة عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة الأمر، فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وإعانتهم عليها، وستر عوراتهم وسد خلاتهم١، ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم٢ بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب٣ عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة. والله أعلم. والنصيحة فرض كفاية إذا قام بها من يكفى سقط عن غيره وهي لازمة على قدر الطاقة. والنصيحة في اللغة: الإخلاص يقال: نصحت العسل إذا صفيته وقيل غير ذلك. والله أعلم.

стр. 43

حرمة المسلم . ٨ - عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى" رواه البخاري ومسلم. ــ هذا حديث عظيم وقاعدة من قواعد الدين وقد روى هذا الحديث أنس وقال: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ١. وجاء في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به" وذلك موافق لرواية عمر في المعنى. وأما معاني هذا الحديث فقال العلماء بالسير: لما توفي رسول الله ﷺ واستُخلف أبو بكر الصديق ﵁ بعده وكفر

стр. 44

من كفر من العرب عزم أبو بكر على قتالهم، وكان منهم من منع الزكاة ولم يكفر وتأول في ذلك فقال له عمر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلى الله وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلى الله"؟ إلى آخر الحديث فقال الصديق: إن الزكاة حق المال وقال: والله لو منعوني عناقا - وفي رواية: عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعه فتابعه عمر على قتال القوم١. قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله". قال الخطابي وغيره: المراد بهذا أهل الأوثان ومشركو العرب ومن لا يؤمن دون أهل الكتاب، ومن يقر بالتوحيد فلا يكفي في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده وكذلك جاء في الحديث الآخر: "وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". وقال الشيخ محي الدين النووي: ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" ٢. ومعنى قوله: "وحسابهم على الله" أي فيما يسترونه ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة ذكر ذلك الخطابي. قال: وفيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر أهل العلم وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل وهي رواية عن الإمام أحمد.

стр. 45

وفي قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه كفاه ذلك ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها خلافاً لمن أوجب ذلك وجعله شرطاً في نحو أهل القبلة وهذا خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل لأن النبي ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيح يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي والله أعلم.

стр. 46

التكليف بما يستطاع . ٩ - عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مانهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" رواه البخاري ومسلم. ــ لفظ هذا الحديث في كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس قد فرض الله الحج عليكم فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال النبي ﷺ : "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" والرجل الذي سأله هو الأقرع بن حابس: كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية. واختلف الأصوليون في الأمر هل يقتضي التكرار؟ فاختار أكثر الفقهاء والمتكلمين أنه لا يقتضي التكرار وقال آخرون: لا يحكم باقتضائه ولا منعه بل يتوقف فيما زاد على مرة على البيان وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف: فإنه سأل فقال: أكل عام؟ ولو

стр. 47

كانت مطلقة يقتضي التكرار أو عدمه لم يقل له النبي ﷺ : "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" بل ولم يكن حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا. وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع. وأما قوله: "ذروني ما تركتكم" فهو ظاهر في أن الأمر لا يقتضي التكرار ويدل هذا اللفظ أيضاً على أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل ورود الشرع وهو الصحيح عند كثير من الأصوليين. وقوله: "لو قلت نعم لوجبت" دليل للمذهب الصحيح في أنه ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام وأنه لا يشترط في حكمه أن يكون بوحي. وقوله ﷺ : "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" هذا من قواعد الإسلام المهمة ومما أوتيه ﷺ من جوامع الكلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة إذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء غسل الممكن وكذلك إذا وجبت فطرة جماعة ممن يلزمه نفقتهم وكذلك أيضاً في إزالة المنكرات إذا لم يمكنه إزالة جميعها فعل الممكن وأشباه ذلك مما لا ينحصر وهو مشهور في كتب الفقه. وهذا الحديث كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١. وأما قوله تعالى: ﴿يا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٢. فقيل منسوخة بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . قال بعضهم: والصحيح أنها ليست

стр. 48

منسوخة بها، بل هي مفسرة لها، ومبينة للمراد منها قالوا: وحق تقاته هو امتثال أمره واجتناب نواهيه، والله سبحانه لم يأمر إلا بالمستطاع، فإن الله تعالى قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢. وأما قوله ﵊: "وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" فهذا على إطلاقه لكن إن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة ونحوه فهذا لا يكون منهياً عنه في هذا الحال. وأما في غير حال العذر فلا يكون ممتثلاً لمقتضى النهي حتى يترك كل ما نهى عنه ولا يخرج عنه بترك فعل واحد بخلاف الأمر. وهذا الأصل إذا فهم فهو مسألة مطلق الأمر: هل يحمل على الفور أو على التراخى على المرة الواحدة أو التكرار، ففي هذا الحديث أبواب من الفقه والله أعلم. وقوله: "فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" وذكر ذلك بعد قوله: "ذرونى ما تركتكم" أراد: لا تكثروا السؤال فربما يكثر الجواب عليه فيضاهي ذلك قصة بني إسرائيل لما قيل لهم: "اذبحوا بقرة" فإنهم لو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ وبادروا إلى ذبح أي بقرة كانت أجزأت عنهم لكن لما أكثروا السؤال وشددوا شدد عليهم وذموا على ذلك فخاف النبي ﷺ مثل ذلك على أمته.

стр. 49

الاقتصار على الحلال الطيب ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى طيب ١ لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ . فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ . ثم ذكر: "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له" رواه مسلم. ــ وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام ومباني الأحكام، وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهى عن الإنفاق من غيره وأن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالاً خالصاً لا شبهة فيه وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره، وفيه أن العبد إذا أنفق نفقة طيبة فهي التي تزكو وتنمو وأن الطعام اللذيذ غير المباح يكون وبالاً على آكله ولا يقبل الله عمله.

стр. 50

وقوله: ثم ذكر "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر" إلى آخره: معناه - والله أعلم - يطيل السفر في وجوه الطاعات: الحج وجهاد وغير ذلك من وجوه البر ومع هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه ومشربه وملبسه حراماً فكيف هو بمن هو منهمك في الدنيا أو في مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخير. وقوله: "يمد يديه" أي يرفعهما بالدعاء لله مع مخالفته وعصيانه، قوله: "وغُذي بالحرام" هو بضم الغين المعجمة وتخفيف الذال المكسورة. وقوله: "فأنى يستجاب له؟ " وفي رواية: "فأنى يستجاب لذلك؟ " يعني من أين يستجاب لمن هذه صفته، فإنه ليس أهلاً للإجابة، لكن يجوز أن يستجيب الله تعالى له تفضلا ولطفاً وكرماً والله أعلم.

стр. 51

التورع عن الشبهات ١١ - عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب- سبط رسول الله ﷺ وريحانته ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ــ قوله: "يريبك" بفتح الياء وضمها والفتح أفصح وأشهر ويجوز الضم يقال: رابني الشيء وأرابني، ومعناه: أترك ما شككت فيه واعدل إلى ما لا تشك فيه وهذا راجع إلى معنى الحديث السادس وهو قوله: "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" وقد جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس" ١. وهذه درجة أعلى من ذلك.

стр. 52

ترك ما لا يعني المسلم ١٢ - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" حديث حسن رواه الترمذي وغيره وهكذا. ــ وقد رواه قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وصحح طرقه ثم قال في الحديث: هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة ونحو ذلك قول أبي ذر في بعض حديثه: "ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه" ١. وذكر مالك أنه بلغه أنه قيل للقمان: "ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل" فقال: "صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني"٢. وروي عن الحسن قال: "من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه". وقال: قال أبو داود: أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث وذكر منها هذا الحديث.

стр. 53

كمال الإيمان ١٣ - عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه - خادم رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ ، قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" رواه البخاري ومسلم. ــ هكذا جاء في صحيح البخاري "لأخيه" من غير شك وجاء في صحيح مسلم "حتى يحب لأخيه - أو - لجاره" على الشك. قال العلماء: يعني لا يؤمن من الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة. والمراد: يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي: "حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه". قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ معناه: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شيء من النعمة، وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل١ عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين.

стр. 54

وقال أبو الزناد: ظاهر هذا الحديث التساوي وحقيقته التفضيل لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين ألا ترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته؟ فإن أكمل إيمانه وكان لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة. ويحكى أن الفضيل بن عياض قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك فما أديت الله الكريم النصيحة فكيف وأنت تود أنهم دونك؟ وقال بعض العلماء: في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة فينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من حيث إنهما نفس واحدة كما جاء في الحديث الآخر: "المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ١.

стр. 55

حرمة دم المسلم وأسباب إهداره ١٤ - عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". رواه البخاري ومسلم. ــ وفي بعض الروايات المتفق عليها: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث" فقوله: "يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" كالتفسير لقوله: "مسلم" وكذا قوله: "المفارق للجماعة" كالتفسير لقوله: "التارك لدينه" وهؤلاء الثلاثة مباحو الدم بالنص. والمراد بالجماعة: "المسلمون" وإنما فراقهم بالردة عن الدين وهي سبب لإباحة دمه. وقوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام. قال العلماء: ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما والله أعلم. والظاهر أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه، فيباح قتله في دفع أذاه، وقد يجاب عن هذا: بأنه داخل في المفارق للجماعة ويكون المراد: لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هؤلاء الثلاثة والله أعلم.

стр. 56

وقد استدل بعضهم على أن تارك الصلاة يقتل لتركها لأن تركها يسمى من هذه الثلاثة وفي المسألة خلاف بين العلماء: منهم من يكفر تارك الصلاة ومنهم من لا يكفره واستدل بعض من يكفره بالحديث الآخر وهو قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" ١ قال: فوجه الدليل أنه وقف العصمة على مجموع الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والمرتب على أشياء لا يحصل إلا بمجموعها وينتفي بانتفائها وهذا إن قصد به الاستدلال بالمنطوق وهو قوله: "أمرت أن أقاتل الناس ... " الخ، فإنه يقتضي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية - فقد ذهل وسها لأنه فرق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه فإن المقاتلة مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين، ولا يلزم من وجوب المقاتلة على الصلاة وجوب القتل عليها إذا تركها من غير أن يقاتلنا والله أعلم. وقوله: "الثيب الزاني" هو المحصن ويدخل فيه الذكر والأنثى وهو حجة على ما اتفق عليه المسلمون من أن حكم الزاني الرجم بشروطه المذكورة في أبواب الفقه. وقوله: "النفس بالنفس" موافق لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٢. ويعني به النفوس المكتافئة في الإسلام والحرية بدليل قوله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" ٣ وكذلك الحرية شرط في المكافأة عند مالك، والشافعي، وأحمد. وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، وأن الحر يقتل بالعبد، وقد يستدلون بهذا الحديث، والجمهور على خلاف ذلك.

стр. 57

آداب إسلامية ١٥ - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". رواه البخاري ومسلم. ــ قوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" يعني من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوان الله "فليقل خيراً أو ليصمت" لأنّ من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده ورجا ثوابه واجتهد في فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه وأهم ما عليه من ذلك: ضبط جوارحه التي هي رعاياه وهو مسئول عنها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٢. وآفات اللسان كثيرة، ولذلك قال النبي ﷺ : "هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا

стр. 58

حصائد ألسنتهم" ١. وقال: "كل كلام ابن آدم عليه إلا ذكر الله تعالى وأمر بمعروف ونهي عن منكر" ٢. فمن علم ذلك وآمن به حق إيمانه اتقى الله في لسانه فلا يتكلم إلا بخير أو يسكت. قال بعض العلماء: جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث: ذكر منها قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". قال أهل اللغة: يقال صمت يصمت بضم الميم صمتاً وصموتاً وصماتاً. وقال بعضهم في معنى هذا الحديث: إذا أراد الإنسان أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيراً محققاً يثاب عليه فليتكلم وإلا فليمسك عن الكلام سواء ظهر أنه حرام أو مكروه أو مباح، فعلى هذا يكون الكلام المباح مأموراً بتركه مندوباً إلى الإمساك عنه مخافة أن ينجر إلى المحرم أو المكروه وقد يقع ذلك كثيراً قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٣. واختلف العلماء في أنه هل يكتب على الإنسان جميع ما يلفظ به وإن كان مباحاً أو لا يُكتب عليه إلا ما فيه الجزاء من ثواب أو عقاب. وإلى القول الثاني ذهب ابن عباس وغيره، فعلى هذا تكون الآية الكريمة مخصوصة أي: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ يترتب عليه جزاء.

стр. 59

وقوله ﷺ : "فليكرم جاره - فليكرم ضيفه" فيه تعريف لحق الجار والضيف وبرهما وحث على حفظ الجوارح وقد أوصى الله تعالى في كتابه بالإحسان إلى الجار وقال ﷺ : "ما زال جبريل ﵇ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ١. والضيافة من الإسلام وخلق النبيين والصالحين. وقد أوجبها بعض العلماء وأكثرهم على أنها من مكارم الأخلاق. وقال صاحب الإفصاح: في هذا الحديث من الفقه أن يعتقد الإنسان أن إكرام الضيف عبادة لا ينقصها أن يضيف غنياً ولا يغيرها أن يقدم إلى ضيفه اليسير مما عنده، فإكرامه أن يسارع إلى البشاشة في وجهه ويطيب الحديث له، وعماد أمر الضيافة إطعام الطعام فينبغي أن يبادر بما فتح الله من غير كلفة، وذكر كلاماً في الضيافة، ثم قال: وأما قوله: "فليقل خيراً أو ليصمت" فإنه يدل على أن قول الخير خير من الصمت والصمت خير من قول الشر، وذلك أنه أمره بلام الأمر لقول الخير وبدأ به على الصمت، ومن قول الخير: الإبلاغ عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ وتعليم المسلمين والأمر بالمعروف عن علم وإنكار المنكر عن علم والإصلاح بين الناس، وأن يقول للناس حسنا، ومن أفضل الكلمات كلمة حق عند من يخاف ويرجى في ثبات وسداد.

стр. 60

النهي عن الغضب ١٦ - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني, قال: "لا تغضب", فردد مراراً قال: "لا تغضب". رواه البخاري. ــ قال صاحب الإفصاح: من الجائز أن النبي ﷺ علم من هذا الرجل كثرة الغضب فخصه بهذه الوصية وقد مدح النبي ﷺ الذي يملك نفسه عند الغضب فقال: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الشدائد" ١. ومدح الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ٢. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كظم غيظه وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره من الحور ما شاء" ٣. وقد جاء في الحديث: "إن الغضب من الشيطان" ٤. ولهذا يخرج

стр. 61

به الإنسان من اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويرتكب المذموم وينوي الحقد والبغضاء وغير ذلك من القبائح المحرمة، كل ذلك من الغضب أعاذنا الله منه. وقد جاء في حديث سليمان بن صُرد "أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تذهب الغضب" ١ وذلك أن الشيطان هو الذي يزين الغضب وكل من حرص على ما تحمد عاقبته فإنه الشيطان يغويه ويبعده من رضي الله فالاستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع كيده.

стр. 62

الأمر بإحسان الذبح والقتل ١٧ - عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته". رواه مسلم. ــ "القتلة" بكسر القاف: وهي الهيئة والحالة، و "الذبحة" بكسر الذال ويضم وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث "فأحسنوا الذبح" بغير هاء، وهو بالفتح: مصدر وبالهاء والكسر: الهيئة والحالة وقوله: "وليحد أحدكم شفرته" هو بضم الياء من أحد يقال: أحد السكين وحدها واستحدها. قوله: "فأحسنوا القتلة" عام في القتل من الذبائح والقتل قصاصاً أو في حد ونحو ذلك. وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة ومعنى إحسان القتل: أن يجتهد في ذلك ولا يقصد التعذيب. وإحسان الذبح في البهائم: أن يرفق بالبهيمة ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع وأن يوجهها إلى القبلة ويسمي ويحمد ويقطع الحلقوم والودجين ويتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمنة والشكر على نعمه فإنه سبحانه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا.

стр. 63

حسن الخلق ١٨ - عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله ﷺ قال: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسن صحيح. ــ مناقب أبي ذر كثيرة أسلم ورسول الله ﷺ بمكة وأمره أن يلحق بقومه فلما رأى حرصه على المقام معه بمكة وعلم أنه لا يقدر على ذلك قال له رسول الله ﷺ : "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها" وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ١. وقوله: "وخالق الناس بخلق حسن". معناه: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به واعلم: "أن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن" ٢. وقال رسول الله ﷺ : "إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة

стр. 64

أحاسنكم أخلاقا" ١ وحسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين: لا يجزون بالسيئة السيئة بل يعفون ويصفحون ويحسنون مع الإساءة إليهم.

стр. 65

احفظ الله يحفظك ١٩ - عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي "احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً".

стр. 66

مناقب عبد الله بن عباس ﵄ أكثر من أن تحصر وقد دعا له النبي ﷺ فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ١ "ودعا له بأن يؤتى الحكمة مرتين" ٢ وثبت عنه: "أنه رأى جبريل مرتين"٣ وهو بحر هذه الأمة وحبرها: وقد رآه رسول الله ﷺ أهلاً للوصية مع صغره فقال له: "احفظ الله يحفظك" ومعناه: كن مطيعا لربك مؤتمراً بأوامره منتهياً عن نواهيه. وقوله: "احفظ الله تجده تجاهك" أي: اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته فإنك تجده تجاهك في الشدائد كما جرى للثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى غار فانحدرت صخرة فانطبقت عليهم فقالوا: انظروا ما عملتم من الأعمال الصالحة فاسألوا الله تعالى بها فإنه ينجيكم فذكر كل واحد منهم سابقة سبقت له مع ربه فانحدرت عنهم الصخرة فخرجوا يمشون وقصتهم مشهورة في الصحيح٤. وقوله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" أرشده إلى التوكل على مولاه وأن لا يتخذ إليها سواه ولا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قل منها وما كثر وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ

стр. 67

عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ١. فبقدر ما يركن الشخص إلى غير الله تعالى بطلبه أوبقلبه أو بأمله فقد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه وكذلك الخوف من غير الله وقد أكد النبي ﷺ ذلك فقال: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعونك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك" وكذلك في الضر وهذا هو الإيمان بالقدر والإيمان به واجب خيره وشره وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به؟ وكذلك إجابة الخليل ﵊ جبريل ﵇ حين سأله وهو في الهواء: "ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا"٢. وقوله: "رفعت الأقلام وجفت الصحف" هذا تأكيد أيضاً لما تقدم: أي لا يكون خلاف ما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل. ثم قال: "واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً" فنبهه على أن الإنسان في الدنيا ولا سيما الصالحون معرضون للمصائب لقوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤.

стр. 68

الحياء من الإيمان ٢٠ - عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" رواه البخاري. ــ معنى قوله: "من كلام النبوة الأولى" إن الحياء لم يزل ممدوحاً مستحسناً مأموراً به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين. وقوله: "فاصنع ما شئت" فيه وجهان أحدهما: أن يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهديد ولم يرد به الأمر كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ١. فإنه وعيد لأنه قد بين لهم ما يأتونه وما يتركون. وكقول النبي ﷺ : "من باع الخمر فليشقص الخنازير" ٢، لم يكن في هذا

стр. 69

إباحة تشقيص الخنازير. الوجه الثاني: أن معناه: ائت كل ما لم يستحيا منه إذا ظهر فاعله، ونحو هذا قوله ﷺ : "الحياء من الإيمان" ١ معناه: أنه لما كان يمنع صاحبه من الفواحش ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من ذلك ويحمله على الطاعات صار بمنزلة الإيمان لمساواته له في ذلك. والله أعلم.

стр. 70

قل آمنت بالله ثم استقم ٢١ - عن أبي عمرو - وقيل أبي عمرة - سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسال عنه أحداً غيرك. قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" رواه مسلم. ــ معنى قوله: "قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا غيرك" أي علمني قولاً جامعاً لمعاني الإسلام واضحاً في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك أعمل عليه وأتقي به فأجابه ﷺ بقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم". هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ فإنه جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها فإنه أمره أن يجدد إيمانه بلسانه متذكراً بقلبه وأمره أن يستقيم على أعمال الطاعات والانتهاء عن جميع المخالفات: إذ لا تأتي الاستقامة مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ١. الآية. أي آمنوا بالله وحده، ثم استقاموا على ذلك، وعلى الطاعة إلى

стр. 71

أن توفاهم الله عليها. قال عمر بن الخطاب ﵁: "استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب" ومعناه: اعتدلوا على أكثر طاعة الله عقداً وقولاً وفعلاً. وداموا على ذلك، وهذا معنى قوله أكثر المفسرين، وهي معنى الحديث إن شاء الله تعالى. وكذلك قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ١. قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشق عليه من هذه الآية. ولذلك قال ﷺ : "شيبتني هود وأخواتها" ٢. قال الأستاذ أبو القاسم القشيرى رحمه الله تعالى: "الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيماً في حال سعيه ضاع سعيه وخاب جده" قال وقيل: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال النبى ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" ٣. وقال الواسطي: الخصلة التي بها كملت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن، والله أعلم.

стр. 72

الاقتصار على الفرائض يدخل الجنة . ٢٢ - عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: "نعم". رواه مسلم. ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته. ومعنى أحللت الحلال: فعلته معتقداً حله. ــ هذا الرجل السائل هو النعمان بن قوقل - بقافين مفتوحتين - قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: الظاهر أنه أراد بقوله: "وحرمت الحرام" أمرين أحدهما: أن يعتقد كونه حراما. والثاني: أن لا يفعله. بخلاف تحليل الحلال فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاده حلالاً. قال صاحب المفهم: لم يذكر النبي ﷺ للسائل في هذا الحديث شيئاً من التطوعات على الجملة وهذا يدل على جواز ترك التطوعات على الجملة لكن من تركها ولم يفعل شيئاً فقد فوت على نفسه ربحاً عظيماً وثواباً جسيماً، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان ذلك نقصاً في دينه وقدحاً في عدالته، فإن كان تركه تهاوناً ورغبة عنها كان ذلك فسقاً يستحق به ذماً. قال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواطئوا على ترك

стр. 73

سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا. ولقد كان صدر الصحابة ﵃ ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابها. وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وإنما ترك النبي ﷺ تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلاً وتيسيراً لقرب عهده بالإسلام لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيراً، له وعلم أنه إذا تمكن في الإسلام وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره أو لئلاَ يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة فتركه لذلك. وكذلك في الحديث الآخر: أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الصلاة فأخبر أنها خمس, فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع", ثم سأله عن الصوم والحج والشرائع فأجابه. ثم قال في آخر ذلك: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال: "أفلح إن صدق". وفي رواية: "إن تمسك بما أمر به دخل الجنة" ١. وإنما شرعت لتتميم الفرائض فهذا السائل والذي قبله إنما تركهما النبي ﷺ تسهيلاً عليهما إلى أن تنشرح صدورهما بالفهم عنه، والحرص على تحصيل المندوبات فيسهل عليهما. وهذا يسمى بمحافظته على فرائضه وإقامتها والإتيان بها في أوقاتها من غير إخلال بها - فلاحاً كثير الفلاح والنجاح - وليتنا وفقنا - كذلك ومن أتى بالفرائض وأتبعها النوافل كان أكثر فلاحاً منه.

стр. 74

الإسراع في الخير ٢٣ - عن أبي مالك - الحارث بن عاصم - الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ - ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" رواه مسلم. ــ هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والدين. أما الطهور فالمراد به هنا الفعل - وهو بضم الطاء - على المختار، واختلف في معناه فقيل: إن الأجر فيه ينتهي إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ١. والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً. وقيل غير ذلك.

стр. 75

وأما قوله: "والحمد لله تملأ الميزان" فمعناه: أنها لعظم أجرها تملأ ميزان الحامد لله تعالى، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها. وكذلك قوله: "وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض" وسبب عظم فضلها ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى والافتقار إليه. وقوله: "تملآن أو تملأ" ضبطه بعضهم بالتاء المثناة فوق وهو صحيح فالأول ضمير مثنى والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام. وقال بعضهم: يجوز "يملآن" بالتذكير والتأنيث أما التأنيث فعلى ما تقدم وأما التذكير فعلى إرادة النوعين من الكلام وأما "تملأ" فيذكر على إرادة الذكر. وأما قوله ﷺ : "والصلاة نور" فمعناه أنها تمنع من المعاصي وتنهي عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه أن يكون آخرها نوراً لصاحبها يوم القيامة، وقيل: إنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضاً على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل، والله أعلم. وأما قوله ﷺ : "الصدقة برهان" فقال صاحب التجريد: معناه أنه يفزع إليها كما يفزع للبراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت له صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول: تصدقت به. وقال غيره: معناه أن الصدقة حجة على إيمان فاعلها لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق استدل بصدقته على قوة إيمانه، والله أعلم.
следующие страницы →