← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11245

سوء الخلق

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (169 стр.). Показаны 141–169 · переход к 146.

стр. 141

ولقد ورد عن الأسلاف من الحكم الجامعة، والوصايا النافعة ما يتعذر جمعه واستقصاؤه. وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك زيادة على ما ذكر في تضاعيف هذا الكتاب. ١- قالت عائشة ﵂: "خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه ولا في ابنه، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب: صدق الحديث، ومداراة الناس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمم للجار، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وقرى الضيف، والوفاء بالعهد، ورأسهن الحياء"١. ٢- قال الحسن ﵀: "مكارم الأخلاق للمؤمن قوة في لين، وحزم في دين، وإيمان في يقين، وحرص على العلم، واقتصاد في النفقة، وبذل في السعة، وقناعة في الفاقة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، وبر في استقامة"٢. ٣- قال مصقلة بن هبيرة الشيباني: "سمعت صعصة بن صوحان وقد سأله ابن عباس: ما السؤدد فيكم؟ قال: إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكف المرء نفسه عن السؤال، والتودد للصغير والكبير، وأن يكون الناس عندك في الحق شرعا٣"٤.

стр. 142

٤ - قال أبو عمرو بن العلاء: "كان أهل الجاهلية لا يسودون إلا من كانت فيه ست خصال، وتمامها في الإسلام سابعة: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والبيان، والحسب، وفي الإسلام زيادة العفاف"١. ٥ - وقال الشاعر أبو العميثل يمدح عبد الله بن طاهر، ويوصي مصعب بن عبد الله بن طاهر أن يسير على نول أبيه: يا من يحاول أن تكون خلاله ... حج الحجيج إليه فاقبل أودع إن كنت تطمع أن تحل محله ... في المجد والشرف الأشم الأرفع فاصدق وعف وبر وارفق واتئد ... واحلم ودار وكاف واصبر واشجع والطف ولِن وتأنّ وانصر واحتمل ... واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع هذا الطريق إلى المكارم مهيعا ... فاسلك فقد أبصرت قصد المهيع٢ قال علي بن عبد الرحمن بن هذيل عن هذه الأبيات: "وقد جمعت هذه الأبيات خلال المكارم، وموجبات السؤدد، وتفاريق المروءة"٣. ٦ـ وقيل لقيس بن عاصم: "بم سوّدك قومك؟ قال: بكف الأذى، وبذل الندى، ونصرى المولى"٤.

стр. 143

٧- وقيل في وصف المكارم: إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والصبر خامسها والصدق سادسها والشكر سابعها والجود ثامنها ... والرفق تاسعها واللين عاشرها١ ٨- وقيل في صف المروءة: "المروءة إنصاف الرجل من هو دونه، والسمو إلى من هو فوقه، والجزاء بما أوتي إليه"٢. ٩- وقيل: "مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات جيرانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه"٣. ١٠- وقيل: "المروءة إذا أعطيت شكرت، وإذا ابتليت صبرت، وإذا قدرت غفرت، وإذا وعدت أنجزت"٤. ١١- وقيل: "المروءة حسن العشرة، وحفظ الفرج واللسان، وترك المرء ما يعاب به"٥. ١٢- قال حكيم لحكيم: "ما السؤدد؟ فقال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة. قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى، وبذل الندى. قال: فما الثناء؟ قال: استعمال الأدب، ورعاية الحسب. قال: فما المجد؟

стр. 144

قال: احتمال المغارم، وابتناء المكارم. قال: فما المروءة؟ قال: عرفان الحق، وتعاهد الصنيعة. وقال: فما السماحة؟ فقال: حب السائل، وبذل النائل. قال: فما الكرم؟ فقال: صدق الإخاء في الشدة والرخاء"١. ٥٥ـ معرفة الأمثال السائرة: فالأمثال أقوال موجزة، تشبه حالا مشاهدة منظورة بأحوال سابقة، والذي يجمع بين الحال السابقة والحال القائمة هو المماثلة. هذا وللأمثال أثر في النفوس، وسيرورة في الناس؛ فهي تبعث على العمل، وتقوّم السلوك، وتضيء السبل، وتهدي في معترك الحياة. وذلك بسبب ما تتضمنه من توجيه أو تنبيه أو تعليم؛ فالعاقل يسترشد إذا سمع المثل، والغافل يتذكر بالمثل ما مضى من حوادث التاريخ، وهكذا ... وللأمثال أهداف تربوية وخلقية بما تدعو إليه من قيم نبيلة، ومثل عليا، وبما ترسمه للمرء في حياته من أنواع السلوك الحميد، والاحتياط للأمور، وحسن التصرف فيها، وبما تنهى عنه من السلوك السيء، والتصرفات الشائنة.

стр. 145

ذلك أن الأمثال خفيفة الظل، سريعة الحفظ، تمزج الهزل بالجد، وتشير إلى ما تريد بطرف خفي، فتعالج كثيرا من الأمور بكلام يسير يصل إلى أعماق النفس. وما من موقف يمر به الإنسان في حياته إلا ويجد من الأمثال ما يعبر عنه، ويهون عليه بلاءه، أو يخفف من غلوائه، أو يوجهه الوجهة الصحيحة التي تقوم سلوكه، فتحببه في الجميل، وتنفرده من القبيح١. قال علي بن عبد الرحمن بن هذيل: "وليس يكمل أدب المرء حتى يعرف المثل السائر، والبيت النادر، وما يحكى عن أهل العصور من الأخبار العجيبة، وما وقع لهم من الألفاظ البليغة، والمعاني الغريبة. ففي ذلك العلم بالأمور، والعقل المكتسب، والأدب الصادر عن ذي المروءة والحسب"٢. وهذا وعند العرب رصيد ضخم من الأمثال لا يحويه كتاب، ولا يستوفيه مصنف. ومما ورد عنهم من الأمثال مما يعين على مكارم الأخلاق ما يلي: ١- إياك وأن يضرب لسانك عنقك أي إياك أن تلفظ بما فيه هلاكك٣.

стр. 146

٢- إياك وما يعتذر منه. أي لا ترتكب أمرا تحتاج فيه إلى الاعتذار١. ٣- تعجيل العقباب سفه. أي أن الحليم لا يعجل بالعقوبة٢ ٤ـ خير الناس هذا النمط الأوسط. يعني بين المقصر والغالي٣. ٥ـ تقطع أعناق الرجال المطامع. يضرب في ذم الجشع٤. ٦ـ الخطأ زاد العجول. يعني قل من عجل في أمر إلا أخطأ قصد السبيل٥. ٧ـ خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع٦. ٨ ـ ضرب وجه الأمر وعينه. يضرب لمن يداور الأمور، ويقلبها ظهرا لبطن؛ من حسن التدبير٧.

стр. 147

٩ـ المشاورة قبل المثاورة١. ١٠ـ المداراة ملاك قوام المعاشرة، وملاك المعاشرة٢. ١١ـ سبك من بلّغك السب. أي من واجهك بما قفاك به غيره فهو الشاتم٣. ١٢ـ إذا أراد أحدكم أمرا فعليه بالتؤدة٤. ١٣ـ إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون٥. ١٤ـ الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء٦. ١٥ـ إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر٧. ١٦ـ ليس من العدل سرعة العذل٨. هذا ما تيسر جمعه وتقييده من الأسباب والأمور المعينة على اكتساب حسن الخلق.

стр. 148

الفصل الثالث: أمور تتعلق بالأخلاق المبحث الأول: بين المدارة والمداهنة مدخل ... الفصل الثالث أمور تتعلق بالأخلاق المبحث الأول: بين المدارة والمداهنة "حدود الفضائل تقع بمقربة من أخلاق مكروهة، وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية، إلا أن تمييز ما يدخل فيها مما هو خارج عنها يحتاج إلى صفاء فطرة، أو تربية تساس بها النفس شيئا فشيئا. وكثيرا ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمور، فلا يدري أهي داخلة في الفضيلة أم هي خارجة عن حدودها. وربما سبق ظنه إلى غير صواب، فيخال ما هو من قبيل الفضيلة مكروها فيدعه، أو يعيب غيره به، أو يخال ما هو من قبيل المكروه فضيلة فيرتكبه، أو يمدح غيره عليه"١. وهذا الشأن يجري في كثير من الأخلاق، ومن ذلك خلق المداراة؛ إذ يشتبه عند كثير من الناس بخلق المداهنة مع أنه يمتاز عنه امتياز الصبح من الدجى. وبما أن الحديث في هذا الكتاب عن الأخلاق، وبما أن المداراة خلق فاضل يحتاجه العاقل في حياته، وبما أن المداهنة خلق دنيء يزري بصاحبه، وينزل به إلى درك وسقوط ـ فإن معرفة المداراة وتمييزها عن المداهنة من الأهمية بمكان؛ حتى يسلك العاقل طريق المداراة، وينأى بنفسه عن طريق المداهنة.

стр. 149

معالم المداراة فيما يلي ذكر لبعض المعالم التي تميز المداراة عن المداهنة١. ١ـ المداراة صدقة وفضيلة، والمداهنة خطيئة ورذيلة. ٢ـ المداراة ترجع إلى حسن اللقاء، وطيب الكلام، والتودد للناس، وتجنب ما يشعر بغضب أو سخط أو ملالة، كل ذلك من غير ثلم للدين في جهة من الجهات. قال ابن بطال ﵀: "المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة"٢. ٣ـ من المداراة أن يلاقيك ذو لسان أو قلم عرف بنهش الأعراض، ولمز الأبرياء، فتطلق له جبينك، وتحييه في حفاوة؛ لعلك تحمي جانبك من قذفه، أو تجعل لدغاته خفيفة الوقع على عرضك. نقرأ في الصحيح عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أخبرته: "أنه استأذن على النبي ﷺ رجل فقال:

стр. 150

"ائذنوا له فبئس ابن العشيرة"، أو "بئس أخو العسيرة". فلما دخل ألان له الكلام، وفي رواية "فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه، وانبسط إليه، فقلت: يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له القول. فقال: "أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه" ١. فلقاء رسول الله ﷺ لهذا الرجل المعروف بالبذاء ـ من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقاه بوجه طلق، أو رفق به في الخطاب. وقد سبق إلى ذهن عائشة ﵂ أن الذي بلغ أن يقال فيه "بئس ابن العشيرة" لا يستحق هذا اللقاء، ويجب أن يكون نصيبه قسوة الخطاب، وعبوس الجبين. ولكن نظر رسول الله ﷺ أبعد مدى، وأناته أطول أمدا؛ فهو يريد تعليم الناس كيف يملكون ما في أنفسهم، فلا يظهر إلا في مكان أو زمان يليق فيه إظهاره. ويريد تعليمهم أدبا من آداب الاجتماع، وهو رفق الإنسان بمن يقصد إلى زيارته في منزله، ولو كان شره في الناس فاشيا. على أن إطلاقك جبينك لمثل هذا الزائر لا يمنعك من أن تشعر بطريق سائغ أنك غير راض عما يشيعه في الناس من أذى،

стр. 151

ولا يعوقك عن أن تعالجه بالموعظة الحسنة إلا أن يكون شيطانا مريدا. ٤ـ من المداراة أن تلقى ذا يد باطشة، فتمنحه جبينا طلقا، وتتجنب في حديثك ما لا يكون له أثر في نفسه إلا أن يثير القصد إلى أذيتك. وهذا محمل قول أبي الدرداء ﵁ "إنا لنكشر١في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم"٢. وفي هذا الأثر شاهد على أن التبسم في وجه الظالم اتقاء بأسه ـ ضرب من المداراة، ولا يتعداه إلى أن يكون مداهنة. "قال محمد بن أبي الفضل: قلت لأبي: لم نجلس إلى فلان، وقد عرفت عداوته؟ قال: أخبي نارا، وأقدح عن ود"٣. وقال المهاجر بن عبد الله: وإني لأقصي المرء من غير بغضة ... وأدنى أخا البغضاء مني على عمد ليحدث ودا بعد بغضاء أو أرى ... له مصرعا يردي به الله من يردي. "وقال عقال بن شبة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه.

стр. 152

فلما مضى قلت: أبعدما قال لنا ما قال؟ قال أبي: أفأوسع جرحي؟ "١. ٥ـ ومن المداراة التلطف في الاعتذار: وذلك أن يكون الرجل على حالة تقتضي صرفه عن بغية أو عمل، وتعرف أن في الاعتذار له بهذا الحال ما يثير في نفسه ألما، فتعرض عن ذكر ما يؤلم، وتذكر له وجها غيره مما هو واقع فيه؛ حتى لا تجمع له بين الحرمان من بغيته وإيلامه بما لا يحب أن يعتذر له به. ٦ـ من المداراة أن تخالط الناس، فتسايرهم بالخير، وتعاشرهم بالمعروف، وتزايلهم بالشر، وتفارقهم بالمنكر. وقد جاء في المثل السائر الذي ورد من السلف: "خالطوا الناس وزايلوهم". أي عاشروهم في الأفعال الصالحة، وزايلوهم في الأفعال المذمومة٢. ٧ـ من المداراة أن ترميك الغربة في بلد ما، فتجد أن خلائق أهلها وعاداتهم على غير ما تعرف، فتترك كثيرا مما كنت تعرف، وتأخذ بما يعرفون؛ فإن ذلك من حسن المداراة. فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم٣ وكل هذا مشروط بألا يكون فيما تأتي أو تذر محذور شرعي؛

стр. 153

فإن كان ثم محذور شرعي تعين تقديم الأمر الشرعي على كل عادة وعرف. هذا وقد علم بالتتبع والاستقراء أن كل عرف خالف الشرع فإنه ناقص مختل، وهذه قاعدة مطردة لا تنتقض١. ٨ـ من المداراة أن تسعى لتطلاب حقك، أو إدراك حاجتك، فلا تقدر على ذلك بالغلبة والاستعلاء، فلتلجأ إلى الترفق، وحسن المداراة، والعرب تقول: "إذا لم تغلب فاخلب"٢. ٩ـ المداراة يبتغى بها رضا الناس، وتأليفهم في حدود ما ينبغي أن يكون، فلا يبعدك عنها قضاء بالقسط، أو إلقاء للنصيحة في رفق. ١٠ـ المداراة ترجع إلى ذكاء الشخص وحكمته؛ فهو الذي يراعي في مقدارها وطريقتها ما ينبغي أن يكون؛ ذلك أن لأسباب العداوة مدخلا في تفاوت مقادير المداراة واختلاف طرقها. فإذا ساغ لك أن تبالغ في مداراة من ينحرف عنك لخطأ في ظن يظنه بك، أو لعدم ارتياحه لنعمة يسوقها الله إليك ـ فلمداراة من يحارب الحق والفضيلة ـ إن صادفك، واقتضى الحال مداراته ـ حد قريب، ومسحة من التلطف خفيفة. كما ينبغي أن تكون مداراتك لمن ترجو العود منه إلى الرشد، وتأنس من فطرته شيئا من الطيب ـ فوق مداراتك لمن شاب على عوج العقل، ولؤم الخلق، حتى انقطع أملك من أن يصير ذا عقل سليم، أو خلق كريم.

стр. 154

ثم إن لك مع من فيه بقية من العقل ضربا من المداراة لا تسلكه مع من يعد مداراتك له أثر الخوف من سلاطة لسانهن فيزداد فحشا، ليزداد الناس رهبة، فيزيدوه خضوعا. ١١ـ من المداراة أن تثني على الرجل بما فيه إذا قصدت من ذلك أن تحمله إلى ما هو أرفع، أو أن تقصره عما هو فيه من القبيح. ١٢ـ ومن المداراة أن تذكر المرء بسالف مجد آبائه، حتى تبعثه إلى اتباعهم، والسير على نولهم. ١٣ـ ومن المداراة أن تحرك في الشخص نخوته، وشيمته، ومروءته. ١٤ـ من المداراة أن تسعى بالصلح بين اثنين، فتنمي ما قاله كل واحد منهما في صاحبه من خير، وتغض الطرف عما قالاه في بعض من سوء. ١٥ـ من المداراة أن تعمد إلى إلقاء النصيحة على قوم حادوا عن الرشد، أو وقعوا في مخالفة ما، فلا تستهل حديثك بمواجهتهم بما يكرهون، خشية نفورهم أو إعراضهم. وإنما تبتدئ بما يخف على المخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم تعبر عن المعنى المراد بلفظ مجمل، ثم تدنو من إيضاحه شيئا فشيئا؛ حتى لا تفصح عنه إلا وقد ألفته نفوسهم، وهدأت إليه خواطرهم؛ فذلك التدرج من حسن السياسة، وجميل المداراة. ١٦ـ من المداراة أن تعرّض بالشيء وأنت تريد غيره، من باب

стр. 155

قول العرب في المثل المشهور: "إياك أعني واسمعي يا جارة"١. مثال ذلك أن تتعمد رجلا بالنصيحة، فتخشى باردة غضبه، إن أنت كاشفته بخطئه، فتسلك في نصحه سبلا أخرى، دون أن تثير غضبه، أو تمس كبرياءه، أو أن تخجله لكونك اطلعت على خطئه. فبدلا من مواجهته مباشرة بإمكانك أن تداريه، وتوصل له ما تريد بعدة طرق لا يشعر معها أنك تريد نصحه. منها أن تذكر له حالة أخرى مشابهة لحالته، وقد حدثت لشخص آخر وقع فيما وقع به صاحبك من خطأ، ثم تخلص من ذلك إلى ذم ذلك الخطأ، وتقبيحه، والتنفير منه، والتحذير من الوقوع فيه. ومنها أن تستحثه على نصح فلان من الناس؛ وقع في ذلك الخطأ، ثم تبين له وجه ذلك الخطأ وسبل علاجه. ومنها أن تستشيره في علاج ذلك الخطأ؛ لفشوه في الناس، ثم تنفذ من خلال ذلك إلى بيان خطئه، وإشعاره بخطره وضرره. أو نحو ذلك من الطرق المناسبة، التي لا تريد من خلالها سوى لفت نظر صاحبك، وإشعاره بخطئه من طرف خفي. ١٧ـ من المداراة أن تعرف أن أناسا بأعيانهم قد وقعوا في مخالفة ما، فترغب أن ترشدهم إلى الصواب، وتلفت أنظارهم إلى ما هم فيه من الخطأ، فتتحامى ذكر أسمائهم بأعيانهم؛ خشية نفورهم وإعراضهم، فتلجأ إلى التعريض بهم من باب "ما بال أقوام". فتشير أن هناك ملاحظة حول أمر ما، وهي كذا وكذا، أو

стр. 156

تقول: إن أناسا يعملون كذا وكذا وهم مجانبون للصواب في عملهم هذا. ويومئ إلى هذا الأسلوب ما كان يفعله النبي ﷺ عند ما يبلغه من بعض أصحابه أنهم وقعوا في خطا، فيسلك ﵊ أحيانا هذه الطريقة في علاج الخطأ. جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال:" ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة" ١. وقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله" ٢. وقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية" ٣. وقال: "ما بال العامل نبعثه، فيأتي فيقول: هذا لك وهذا ... " ٤. ١٨ـ ومن المداراة استعمال المعاريض إذا دعت الحاجة، واقتضت الحكمة؛ فقد يلاقي الإنسان حالا ترغمه على أن ينطق بما يكره، ويسلك في القول ما لم يألف. فلو عرضت على وجه الندرة حال يكون حديث الرجل فيها على نحو ما يعلم جالبا عليه أو على غيره ضررا فاحشا ـ لوجد في نظام الأخلاق مرونة تسمح له أن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضررا. فإذا وقع الإنسان في حال لا يليق معها التصريح بأمر واقع، ولم يكن بد من أن يقول في شأنه شيئا ـ فها هنا يفسح له أن يأخذ

стр. 157

وهي ألفاظ محتملة لمعنيين؛ يفهم السامع منها معنى، ويريد المتكلم منها معنى آخر. وإن شئت فقل: هي ألفاظ ذات وجهين: أحدهما غير حقيقة، وهو ما يسبق إلى فهم المخاطب. وثانيهما حقيقة، وهو ما يقصده المتكلم. وهذا ما يفعله الذين أشربوا صدق اللهجة، متى عرفوا أن في القول الصريح حرجا أو خطرا. ١٩ـ من المداراة أن يوجه الداعي أو الناصح الإنكار إلى نفسه وهو يعني السامع. قال ـ تعالى ـ فيما يقصه عن مؤمن آل ياسين حين أراد دعوة قومه إلى عبادة الله ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢] . فإنه إن أراد تقريع المخاطبين؛ إذ أعرضوا عن عبادة خالقهم، وعكفوا على عبادة ما لا يغني عنهم شيئا، فأورد الكلام في صورة الإنكار على نفسه؛ تلطفا في الخطاب، وإظهارا للخلوص في النصيحة؛ حيث اختار لهم ما يختاره لنفسه. ٢٠ـ وبالجملة فالمداراة خصلة كريمة، يحكمها الأذكياء، ولا يتعدى حدودها الفضلاء؛ فالنفوس المطبوعة على المداراة نفوس أدركت أن الناس خلقوا ليكونوا في الائتلاف كالجسد الواحد، وشأن الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمة على قدر ما فيها من حياة، ولا تنكر عضوا ركب معها في جسد إلا أن يصاب بعلة يعجز الأطباء أن يصفوا له بعد دواء.

стр. 158

معالم المداهنة وبعد اتضحت بعض معالم المداراة يحسن أن توضح بعض معالم المداهنة؛ لأن الأشياء إنما تتميز بضدها، فإليك أيها القارئ بعض تلك المعالم. ١ـ المداهنة هي إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل، أو عمل مكروه، فهي بلادة في النفس، واستكانة للهوى، وقبول ما لا يرضى به ذو دين، أو عقل، أو مروءة. وأصل المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء، ويستر باطنه. ٢ـ المداهنة خلق قذر، لا ينحط فيه إلا من قل في العلم وزنه، أو من نشأ نشأة صغار ومهانة. ٣ـ تضم المداهنة بين جناحيها الكذب، وإخلاف الوعد. أما الكذب فلأن المداهن يصف الرجل بغير ما يعرفه منه، ومن دخل الكذب من باب سهل عليه أن يأتيه من أبواب متفرقة. وأما أخلاف الوعد فلأن المداهن يقصد إلى إرضاء صاحبه في الحال، فلا يبالي أن يعده بشيء وهو عازم على أن لا يصدق في وعده. ٤ـ ليس من الصعب على المداهن وقد مرد على الكذب أن يخلف الوعد، ويختلق لإخلافه عذرا، وهذا الاختلاف لا يرتكبه الراسخ في كرم وإن كلفه الوفاء بالوعد أمرا جللا.

стр. 159

قال المثقب العبدي: حسن قول نعم من بعد لا ... وقبيح قول لا بعد نعم إن لا بعد نعم فاحشة ... فبـ"لا" فابدأ إذا خفت الندم وإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح القول إن الخلف ذم واعلم أن الذم نقص للفتى ... ومتى لا يتق الذم يذم١. ٥ـ المداهن لا يتريث في أن يعد؛ لأنه لا يتألم من أن يخلف، ولا يصعب عليه أن يصور من غير الواقع عذرا. أما الراسخ في الفضل فلا يعد إلا عند العزم على أن يصدق فيما وعد، فإن وقف أمامه عائق كشف لك عن وجهه الحق، فإذا لم يساعده الحال على إنجاز الوعد لم يفته الصدق فيما يلقيه إليك من عذر. ٦ـ من المداهنة أن تثني على الرجل في وجهه، فإذا انصرفت عنه أطلقت لسانك في ذمه. ٧ـ من المداهنة أن يدخل الرجل على من يضطره الحال إلى الثناء عليه مع استغنائه عن الدخول عليه، ثم يبدأ بالثناء عليه وإطرائه. أما إذا اضطر إلى الدخول على ذي قوة لا يخلص من بأسه إلا أن يسمعه شيئا من الإطراء ـ فهو في سعة أن يطريه بمقدار ما يخلص من بأسه، ولا تلحقه هذه الحالة بزمرة المداهنين.

стр. 160

٨ـ من المداهنة ـ بل من أسوأ المداهنة ـ أن يلاقي المداهن الرجلين بينهما عداوة، فيغري بعضهما ببعض، ويظهر لكل واحد منها الرضا عن معاداته لصاحبه، ويوافقه على دعوى أنه المحق، وأن صاحبه المبطل. ٩ـ من المداهنة أن يجعل المداهن لسانه طوع بغية الوجيه: فتراه يسبق هوى الوجيه، ويعجل إلى قول ما يشتهيه الوجيه، فيمدح ما يراه الوجيه حسنا، ويذم ما يراه الوجيه سيئا، بغض النظر عن قناعة هذا المداهن من عدمها. قال شوقي في إحدى حكاياته الشعرية قصيدة عنوانها "نديم الباذنجان" قال فيها: كان لسلطان نديم واف ... يعيد ما قال بلا اختلاف وقد يزيد في الثناء عليه ... إذا رأى شيئا حلا لديه وكان مولاه يرى ويعلم ... ويسمع التمليق لكن يكتم فجلسا يوما على الخوان١ ... وجيء في الأكل بباذنجان فأكل السلطان منه ما أكل ... فقال: هذا في المذاق كالعسل قال النديم: صدق السلطان ... لا يستوي شهد٢ وباذنجان هذا الذي غنى به الرئيس٣ ... وقال فيه الشعر جالينوس يذهب ألف علة وعلة ... ويبرد الصدر ويشفي الغلة قال٤: ولكن عنده مراره ... وما حمدت مرة آثاره

стр. 161

قال: نعم مر وهذا عيبه ... مذ كنت يا مولاي لا أحبه هذا الذي مات به بقراط ... وسم في الكأس به سقراط فالتفت السلطان فيمن حوله ... وقال: كيف تجدون قوله قال لنديم: يا مليك الناس ... عذرا فما في فعلتي من باس جعلت كي أنادم السلطانا ... ولم أنادم قط باذنجانا١. هذه هي حال أهل المداهنة، يراوغون، ويخاتلون، ويخادعون، ويكذبون، ويسترون وجه الحقيقة الأبلج، ولا يبالون بما يترتب على ذلك من عواقب. أما الذين يعرفون ما في المداهنة من شر، ويحزنهم أن يظهر الشر على من في استطاعته الخير ـ فيربأون بألسنتهم أن تساير في غير حق، ويؤثرون نصح الوجيه على أن يزينوا له ما ليس بزين؛ لعلمهم بأن المداهنة خيانة، وتفريط في أداء الأمانة، وأنها ضرر محض على أصحابها، وعلى من يسايرونه في باطله. ثم إن الوجيه الحازم يكره المداهنة، ويملأ عينيه باحترام من يوقظه لوجه الخير إذا كان في غفلة منه، ولوجه الشر إذا اشتبه عليه. كذلك من عظماء الرجال من يبغض المداهنة، ولا يقبل من جليسه مبالغة في مدح، أو مسايرة في باطل. والأجلاء من علماء الدين، الذين كانوا يداخلون رجال السياسة، فينعقد بينهم التئام او صداقة ـ كانوا يأخذون بسنة

стр. 162

المداراة، ولم يكونوا فيما نقرأ عنهم يتلطخون برجس المداهنة. وما شاعت المداهنة في جماعة إلا تقلصت الكرامة في ديارهم، وكانت الاستكانة شعارهم ودثارهم. ومن ضاعت كرامتهم، وداخلت الاستكانة نفوسهم ـ جالت أيدي البغاة في حقوقهم، وكان الموت أقرب إليهم من حبال أوردتهم. وإذا كان الأمر كذلك فإن من واجب أساتذة التربية وعادة الإصلاح أن يعنوا بجهاد هذا الخلق المشؤوم حتى ينفوه من أرضنا، وتكون أوطننا ومدارسنا منابت نشء يميزون المداهنة من المداراة، فيخاطبون الناس في رقة، وأدب، وشجاعة، ويحترمون من لا يلوث أسماعهم بالملق، ولا يكتمهم الحقائق، متى اتسع المقام لأن يحدثهم بصراحة.

стр. 163

المبحث الثاني: مقتطفات من أخلاق النبوة نبينا محمد ﷺ هو خير البرية، وأزكى البشرية، وأعلاها رتبة، وأجلها قدرا، وأحسنها خلقا وأكرمها على الله ﵎. اختاره الله على علم، وأكرمه بالرسالة، وأيده بالوحي. جبله على حميد الخلال، وفطره على كريم الخصال، ثم أدبه فأحسن تأديبه، ورباه فأحسن تربيته، فكان خلقه القرآن، كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ عند ما سئلت عن خلقه١. وإنما أدبه القرآن بمثل قوله ـ تعالى ـ ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] وقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:١٣] وقوله: ﴿فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ الشورى:٤٣] ، وقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ

стр. 164

عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ، وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، وقوله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢] . وأمثال هذه التأديبات في القرآن كثير لا يكاد يحصر. وهو ﵊ هو المقصود الأول بالتأديب والتهذيب، ثم منه يشرق النور على كافة الخلق؛ فإنه أدب بالقرآن، وأدب الخلق به، ثم لما أكمل الله له خلقه أثنى عليه فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] . فسبحانه ما أعظم شأنه، وأتم امتنانه، انظر إلى عظيم فضله، وعميم لطفه؛ كيف أعطى ثم أثنى؟ ! ١. ولقد كتب العلماء ﵏ في شمائل النبي ﷺ وأخلاقه، فتحدثوا عن حلمه، وعفوه، ورحمته، وشفقته، وإيثاره، وتواضعه، ولين جانبه، وكرم معشره، ونحو ذلك. فمن تأسى به، وتخلق بخلقه كان في أعز جوار، وأمنع ذمار. فبحسب متابعته تكون العزة، والكفاية، والنصرة، كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة؛ فالله ـ سبحانه ـ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته. فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح، والعزة، والكفاية،

стр. 165

والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة. ولمخالفيه الذلة، والصغار، والخوف، والضلال، والخذلان، والشقاء في الدنيا والآخرة١. فبسط شمائله الحميدة، ونشر أخلاقه الكريمة ـ من أمثل الطرق، وأقوم السبل لحسم الفساد، وكسر شوكة الباطل، بل إن ذلك مرقى العز، وسلم السعادة، وسبيل التأسي. وفيما يلي من أسطر ذكر لبعض ما رقمته أقلام العلماء في أخلاق النبي ﷺ وذلك على سبيل الاختصار والاختزال، ودون ذكر للأسانيد، أو إكثار من الإحالات؛ إذ المقام ليس مقام إطالة وإسهاب. فمما قيل في أخلاقه ﵊ ما يلي٢: كان ﷺ أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس. وكان أسخى الناس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل

стр. 166

شيء ولم يجد من يعطيه وفاجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه. وكان لا يأخذ مما أتاه الله إلا قوت عامه فقط، وكان ذلك من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع ذلك في سبيل الله، ولا يسأل شيئا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه، فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن، وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد. وكان يجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها، ويأكلها، ولا يأكل الصدقة، ولا يستكبر عن إجابة دعوة الأمة والمسكين. يغضب لربه، ولا يغضب لنفسه، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ومرة يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد، ولا يتورع عن مطعم حلال، وإن وجد تمرا دون خبز أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد حلوا أو عسلا أكله، وإن وجد لبنا دون خبز اكتفى به، ويشهد الجنائز، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس. وكان أشد الناس تواضعا، وأسكنهم من غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمور الدنيا.

стр. 167

يلبس ما وجد، فمرة شملة، ومرة برد حبرة يمانيا، ومرة جبة صوف، فما وجد من المباح لبس. يركب ما أمكنه، مرة فرسا، ومرة بعيرا، ومرة بغلة شهباء، ومرة حمارا، ومرة يمشي راجلا حافيا. يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم. لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه، يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك من غير قهقهة، يسابق أهله، ترفع الأصوات عليه فيصبر. وكان لا يمضي له وقت في غير عمل لله ـ تعالى ـ أو فيما لا بد له منه من صلاح نفسه. لا يحتقر مسكينا لفقره وزمانته، ولا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا، قد جمع الله ـ تعالى ـ له السيرة الفاضلة، والسياسة التامة، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. نشأ في بلاد الجهل والصحارى في فقره، وفي رعاية الغنم يتيما لا أب له، فعلمه الله ـ تعالى ـ جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة، وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا، ولزوم الفضل، وترك الفضول. ما شتم أحدا من المؤمنين بشتيمة إلا جعل لها كفارة ورحمة، وما لعن امرأة قط ولا خادما بلعنة.

стр. 168

وما ضرب بيده أحدا قط، إلا أن يضرب بها في سبيل الله ـ تعالى ـ وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله، وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس من ذلك. وما يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته. ولم يكن فظا ولا غليظا، ولا صخابا في الأسواق، وما كان يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح. وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام، ومن قادمه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف. وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، وكان إذا لقي أحد من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضه عليها. وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة، ولم يكن يعرف مجلسه من مجلس أصحابه؛ لأنه كان يجلس حيث انتهى به المجلس، وما رؤي قط مادا رجليه بين أصحابه؛ حتى لا يضيق بهما على أحد إلا أن يكون المكان واسعا لا ضيق فيه. وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليس بينه وبينه قرابة ولا رضاع يجلسه عليه. وكان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل.

стр. 169

وما استصفاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه، وكان يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه، وسمعه، وحديثه، ولطيف محاسنه وتوجهه. ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة. ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم؛ إكراما لهم، واستمالة لقلوبهم، وكان يكني من لم تكن له كنية، فكان يدعى بما كناه به، وكان ـ أيضا ـ يكني النساء اللاتي لهن الأولاد، واللاتي لم يلدن يبتدئ لهن الكنى، ويكني الصبيان، فيتسلين به قلوبهم. وكان أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا، وكان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس، وأنفع الناس للناس، وكان لا يشافه أحد بما يكرهه. هذه بعض أخلاقه وشمائله، ورزقنا الله حسن اتباعه، والاتساء به، والاهتداء بهديه.