← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11245

سوء الخلق

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (169 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

"وأسمع رجل ابن هبيرة فأعرض عنه، فقال: إياك أعني، فقال له: وعنك أعرض"١. ١٩ـ نسيان الأذية: وذلك بأن تنسى أذية من نالك بسوء؛ ليصفو قلبك له، ولا تستوحش منه٢؛ فمن تذكر إساءة إخوانه لم تصف له مودتهم، ومن تذكر إساءة الناس إليه لم يطب له العيش معهم؛ فانس ما استطعت النسيان"٣. ٢٠ـ العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالاحسان: فهذا سبب لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة، وفيه من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزها، وترفها عن تشفيها بالانتقام ـ ما ليس شيء في المقابلة والانتقام٤. قال النبي ﵊: "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" ٥. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجدة، والرفق بالعبدة"٦. "وعن داود بن الزبرقان قال: قال أيوب: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم"٧.

стр. 107

وقال الشافعي ﵀: لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من ظلم العداوات١. ومن جميل ما يذكر في هذا قول المقنع الكندي: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم ... قدحت لهم في كل مكرمة زندا وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقد٢. وقال محمد الأمين الشنقيطي ﵀: وإني لأكسو الخل حلة سندس ... إذا ما كساني من ثياب حِداده٣. وعن عبد الملك أو قيس بن عبد الملك قال: "قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته، وعرض له رجل بيده طومار٤، فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف أن يحبس دونه، فرماه بالطومار، فالتفت عمر، فوقع في وجهه فشجه. قال: فنظرت إلى الدماء تسيل على وجهه وهو قائم في الشمس، فلم يبرح حتى قرأ الطومار، وأمر له بحاجته، وخلى سبيله"٥.

стр. 108

وقال ابن القيم ﵀ متحدثا عن حسن الخلق والعفو، والإحسان إلى من أساء: "وما رأيت أحدا أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ـ وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له ـ فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام. فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه"١. فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل ـ كما قال ابن حبان ـ "توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها"٢. وقد يظن ظان أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه ـ موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء. وهذا خطأ؛ ذلك أن العفو والحلم لا يشتبه بالذلة بحال؛ فإن

стр. 109

الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب بالكرامة. أما الحلم فهو إغضاء الرجل عن المكروه، حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعة ومهابة. سياسة الحلم لا بطش يكدرها ... فهو المهيب ولا تخشى بوادره١. فالعفو إسقاط حقك جودا، وكرما، وإحسانا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك؛ رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذل؛ فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا، وخوفا، ومهانة نفس، فهذا غير محمود، بل لعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه٢. ٢١ـ السخاء: فالسخاء محبة ومحمدة، كما أن البخل مذمة ومبغضة، فالسخاء يجلب المودة، وينفي العداوة، ويكسب الذكر الجميل، ويخفي العيوب والمساوئ. وإن كثرت عيوبك في البرايا ... وسرك أن يكون لها غطاء تستر بالسخاء فكل عيب ... يغيطه كما قيل السخاء٣. فإذا ما اتصف الإنسان بالسخاء زكت نفسه، ولانت عريكته، وقاده ذلك إلى أن يترقى في مكارم الأخلاق ومدارج الفضيلة؛ فالسخي قريب من كل خير وبر. ولهذا كان الأكابر يبادرون إلى تلك الخلة، ويحرصون كل

стр. 110

الحرص على اكتسابها، ويوصون غيرهم بأن يتحلى بها. قال ابن عباس ﵄ "ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه من المشي إلي؛ إرادة التسليم علي. أما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله. قيل: من هو؟ قال: رجل نزل به أمر، فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي"١. وله ﵁ شعر في هذا المعنى يقول فيه: إذا طارقات لهمّ ضاجعت الفتى ... وأعمل فكر الليل والليل عاكر وباكرني في حاجة لم يجد بها ... سواي ولا من نكبة الدهر ناصر فرجت بمالي همه من مقامه ... وزايله همّ طروق مسامر وكان له فضل علي بظنه ... بي الخير إني للذي ظن شاكر٢ قال الرافعي ﵀: "فمن ألزم نفسه الجود والإنفاق راضها رياضة عملية كرياضة العضل بأثقال الحديد، ومعاناة القوة في الصراع ونحوه. أما الشح فلا يناقض تلك الطبيعة، ولكنه يدعها جامدة مستعصية، لا تلين، ولا تستجيب، ولا تتيسر"٣.

стр. 111

ومما تحسن الإشارة إليه أن السخاء سخاءان؛ سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عما في أيدي الناس. وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم، وأبرأ من الدنس، وأنزه من العيب. فإن هو جمعهما، فبذل وعف فقد استكمل الجود والكرم١. ٢٢ـ نسيان المعروف والإحسان إلى الناس: وهذه مرتبة عالية، ومنزلة رفيعة، وهي أن تنسى ما يصدر منك من إحسان، حتى كأنه لم يصدر٢. فمن أراد أن يرتقي في حسن الخلق فلينس ما قدم من إحسان ومعروف؛ حتى يسلم من المنة والترفع على الناس، ولأجل أن يتأهل لنيل مكارم أخرى أرفع وأرفع. قال ابن المقفع: "إذا كانت لك عند أحد صنيعة، أو كان لك عليه طول ـ فالتمس إحياء ذلك بإماتته، وتعظيمه بالتصغير له، ولا تقتصرن في قلة المن به على أن تقول: لا أذكره، ولا أصغي بسمعي إلى من يذكره؛ فإن هذا قد يستحيي منه بعض من لا يوصف بعقل ولا كرم. ولكن احذر أن يكون في مجالستك إياه، وما تكلمه به، أو تستعينه عليه، أو تجاريه فيه ـ شيء من الاستطالة؛ فإن الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف"٣.

стр. 112

٢٣ـ الرضا بالقليل من الناس، وترك مطالبتهم بالمثل: وذلك بأن يأخذ منهم ما سهل عليهم، وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارا، وألا يحملهم على العنت والمشقة١. قال ـ تعالى ـ ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . قال عبد الله بن الزبير ﵄ في هذه الآية: "أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس"٢. وقال مجاهد: "يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل قبول الأعذار، والعفو، والمساهمة وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم"٣. قال المقنع الكندي واصفا حاله مع قومه: وأعطيهم مالي إذا كنت واجدا ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا٤. وقال الآخر: خذ العفو واصفح عن أمور كثيرة ... ودع كدر الأخلاق واعمد لما صفا٥. "ولما قدم حاتم الأصم إلى أحمد بن حنبل قال له: أحمد بعد بشاشته به: أخبرني كيف التخلص إلى السلامة؟ فقال له حاتم: بثلاثة أشياء.

стр. 113

فقال أحمد: ما هي؟ قال: تعطيهم مالك ولا تأخذ مالهم، وتقضي حقوقهم ولا تطالبهم بقضاء حقوقك، وتصبر على أذاهم ولا تؤذهم. فقال أحمد: إنها لصعبة!. قال حاتم: وليتك تسلم"١. قال الرافعي ﵀ "إن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وإن الزائفة هي الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق"٢. ٢٤ـ احتساب الأجر عند الله : فهذا الأمر من أعظم ما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، فهو مما يعين على الصبر، والمجاهدة، وتحمل أذى الناس؛ فإذا أيقن المسلم أن الله سيجزيه على حسن خلقه ومجاهدته لنفسه ـ فإنه سيحرص على اكتساب محاسن الأخلاق، وسيهون عليه ما يلقاه في ذلك السبيل. ٢٥ـ تجنب الغضب: لأن الغضب جمرة تتقد في القلب، وتدعو إلى السطوة والانتقام والتشفي. فإذا ما ضبط الإنسان نفسه عند الغضب، وكبح جماحها عند

стр. 114

اشتداد سورته ـ فإن يحفظ على نفسه عزتها وكرامتها، وينأى بها عن ذل الاعتذار، ومغبة الندم، ومذمة الانتقام. عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل فقال: يا رسول الله، أوصني، فقال: "لا تغضب"، ثم ردد مرارا، قال: "لا تغضب" ١. قال الماوردي: "فينبغي لذي اللب السوي، والحزم القوي أن يتلقى قوة الغضب بحلمه فيصدها، ويقابل دواعي شرته بحزمه فيردها؛ ليحظى بأجل الخبرة٢، ويسعد بحميد العاقبة"٣. هذا ولتسكين الغضب إذا ثارت ثائرته أسباب عديدة منها٤. أـ ذكر الله : فإن ذلك يدعوه إلى الخوف منه، ويبعثه الخوف منه على الطاعة له، فيرجع إلى أدبه، ويأخذ بندبه، فعند ذلك يزول الغضب قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] . "قال عكرمة: يعني إذا غضبت"٥. ب ـ أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها: فإن الغضب يزول بتغير الأحوال، والتنقل من حال إلى حال.

стр. 115

جـ ـ تذكر الآثار السيئة المترتبة على الغضب. د ـ تذكر ثواب العفو، وجزاء الصفح. فيقهر بذلك نفسه على الغضب؛ رغبة في الجزاء والثواب، وحذرا من استحقاق الذم والعقاب. هـ ـ تذكر انعطاف القلوب عليه، وميل النفوس إليه: فذلك يبعثه إلى التألف، والعفو. وـ توطين النفس على ما يصيب من أذى الخلق: سواء من الأذى الفعلي أو القلي، فإذا وفق العبد لذلك، وورد عليه وارد الغضب احتمله بحسن خلقه، وتلقاه بحلمه وصبره، ومعرفته بحسن عواقبه. ز ـ ألا ينفذ غضبه بعد أن يغضب: فإن الغضب ـ غالبا ـ لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من ترك تنفيذه، فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال، والأفعال المحرمة التي يقتضيها الغضب، فمتى منع نفسه من فعل آثار الغضب الضارة فكأنه في الحقيقة لم يغضب، وبهذا يكون العبد كامل القوة العقلية، والقوة القلبية. "عن أبي عبلة قال: غضب عمر بن عبد العزيز يوما غضبا شديدا على رجل فأمر به، فأحضر، وجرد، وشد في الحبال، وجيء بالسياط. فقال: خلوا سبيله، أما أني لولا أن أكون غضبانا لسؤتك.

стр. 116

وتلا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ١. ٢٦ـ تجنب الجدال: لأن الجدال يذكي العداوة، ويورث الشقاق، ويقود إلى الكذب، ويدعو إلى التشفي من الآخرين. فإذا تجنبه المرء سلم من اللجاج، وحافظ على صفاء قلبه، وأمن من كشف عيوبه، وإطلاق لسانه في بذئ الألفاظ، وساقط القول. ثم إن اضطر إلى الجدال فليكن جدالا هادئا يراد به الوصول إلى الحق، وليكن بالتي هي أحسن وأرفق. قال ـ تعالى ـ ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . أما إذا لجّ الخصم في الجدال، وعلا صوته في المجلس فإن السكوت أولى، وإن أفضل طريقة لكسب الجدال ـ حينئذ ـ هي تركه. قال ﵊: "أنا زعيم ببيت في ربض٢الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه" ٣.

стр. 117

٢٧ـ التواصي بحسن الخلق: وذلك ببث فضائل حسن الخلق، وبالتحذير من مساوئ الأخلاق، وبنصح المبتلين بسوء الخلق، وبتشجيع حسني الأخلاق. فحسن الخلق من الحق، والله ﵎ يقول: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] . ٢٨ـ قبول النصح الهادف، والنقد البناء: فهذا مما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، ومما يبعث على التخلي عن الأخلاق الساقطة. فعلى من نصح أن يتقبل النصح، وأن يأخذ به؛ حتى يكمل سؤدده، وتتم مروءته، ويتناهى فضله. بل ينبغي لمتطلب الكمال ـ خصوصا إذا كان رأسا مطاعا ـ أن يتقدم إلى خواصه، وثقاته، ومن كان يسكن إلى عقله من خدمه وحاشيته ـ فيأمرهم أن يتفقدوا عيوبه ونقائصه، ويطلعوه عليها، ويعلموه بها؛ فهذا مما يبعثه التنزه من العيوب، والتطهر من دنسها. بل ينبغي له أن يتلقى من يهدي إليه شيئا من عيوبه بالبشر والقبول، ويظهر له الفرح والسرور بما أطلعه عليه. بل المستحسن أن يجيز الذي يوقفه على عيوبه أكثر مما يجيز المادح على المدح والثناء الجميل، ويشكر من ينبهه على نفصه، ويتحمل لومته بفعل؛ فإنه إذا لزم هذه الطريقة، وعرف بها ـ أسرع أصحابه وخواصه إلى تنبيهه على عيوبه. وإذا نبه على ما فيه من النقص أنف منه، واستشعر أن أولئك

стр. 118

سيعيّرونه به، ويصغرونه من أجله؛ فيلزمه حينئذ أن يأخذ نفسه بالتنزه من العيوب، ويقهرها على التخلص منها١؛ فإصلاح النفس لا يتم بتجاهل عيوبها، ولا بإلقاء الستار عليها٢. ٢٩ـ قيام المرء بما يسند إليه من عمل على أتم وجه: حتى يسلم بذلك من التوبيخ، والتقريع، ومن ذل الاعتذار، ومن تكدر النفس، واعتلال الأخلاق. ٣٠ـ التسليم بالخطأ إذا وقع، والحذر من تسويغه: فذلك آية حسن الخلق، وعنوان علو الهمة، ثم إن فيه سلامة من الكذب، ومن الشقاق؛ فالتسليم بالخطأ فضيلة ترفع من قدر صاحبها. ٣١ـ لزوم الرفق: فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه كما قال ﵊ وقال "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" ٣. وقال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله". "فمن أعطي الرفق والخلق فقد أعطي الخير كله والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته.

стр. 119

ومن حرم الرفق والخلق كان ذلك سبيلا إلى شر وبلية إلا من عصمه الله"١. ٣٢ـ لزوم التواضع: فالتواضع ـ في حقيقته ـ هو بذل الاحترام، والعطف، والمجاملة لمن يستحق ذلك٢. فالتواضع دليل على كبر النفس، وعلو الهمة، وهو سبيل لاكتساب المعالي، والترقي في الكمالات، فهو خلق يرفع من قدر صاحبه، ويكسبه رضا أهل الفضل ومودتهم، ويبعثه على الاستفادة من كل أحد، وينأى به عن الكبر والتعالي. ٣٣ـ استعمال المداراة: فالناس خلقوا للاجتماع لا للعزلة، وللتعارف لا للتناكر، وللتعاون لا لينفرد كل واحد بمرافق حياته. وللإنسان عوارض نفسه كالحب، والبغض، والرضا، والغضب، والاستحسان والاستهجان. فلو سار على أن يكاشف الناس بكل ما يعرض له من هذه الشؤون في كل وقت وعلى أي حال ـ لاختل الاجتماع، ولم يحصل التعارف، وانقبضت الأيدي عن التعاون. فكان من حكمة الله في خلقه أن هيأ الإنسان لأدب يتحامى به

стр. 120

ما يحدث تقاطعا، أو يدعو إلى تخاذل، ذلك الأدب هو المداراة١. فالمداراة مما يزرع المودة والألفة، ويجمع الآراء المشتبة، والقلوب المتنافرة. "والمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، ولين الكلام، وتجنب ما يشعر ببغض أو غضب، أو استنكار إلا في أحوال يكون الإشعار به خيرا من كتمانه. فمن المداراة أن يجمعك بالرجل يضمر لك العداوة مجلس، فتقابله بوجه طلق، وتقضيه حق التحية، وترفق به في الخطاب"٢. قال أحد الحكماء: وأمنحه مالي وودي ونصرتي ... وإن كان محني الضلوع على بغضي وقال الشافعي ﵀: إني أحيي عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عن بالتحيات وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنه قد حشا قلبي محبات٣. بل إن المداراة قد تبلغ إلى إطفاء العداوة، وقلبها إلى صداقة. فما أحوج المرء إلى هذه الخصلة الحميدة، خصوصا مع من لابد له من معاشرته، أو ممن يتوقع الأذى منه. قال ابن الحنفية: "ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لم

стр. 121

يجد من معاشرته بدا حتى يأتيه الله منه بالفرج أو المخرج"١. وقال العتابي: "المداراة سياسة لطيفة، لا يستغني عنها ملك ولا سوقة، يجتلبون بها المنافع، ويدفعون بها المضار، فمن كثرت مداراته كان في ذمة الحمد والسلامة"٢. وقال بعضهم: "ينبغي للعاقل أن يداري زمانه مداراة السابح في الماء الجاري"٣. وقال الحسن: "حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة"٤. وقال ابن حبان: "من التمس رضا جميع الناس التمس ما لا يدرك، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بدا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها، أو استقباح أشياء كان يستحسنها ما لم يكن مأثما؛ فإن ذلك من المداراة، وما أكثر من دارى فلم يسلم، فكيف توجد السلامة لمن لا يداري؟ "٥. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: يقول لك العقل الذي زين الورى ... إذا أنت لم تقدر عدوا فداره٦.

стр. 122

هذا وسيأتي مزيد حديث عن المداراة فيما بعد؛ حتى تتضح معالمها أكثر وأكثر. ٣٤ـ لزوم الصدق: فإن للصدق آثارا حميدة، وعوائد عديدة، فالصدق حسنة تنساق بصاحبها إلى الحسنات، فهو دليل على حسن السير، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل. فبالصدق يشرف قدر المرء، وتعلو منزلته، ويصفو باله، ويطيب عيشه؛ فهو ينجي صاحبه من رجس الكذب، ووخز الضمير، وذل الاعتذار، ويحميه من إساءة الناس إليه، ونزع الثقة منه، كما أنه يكسبه عزة وشجاعة، وثقة في النفس، فيظل موفور الكرامة، عزيز النفس، مهيب الجناب. ولا يمكن أن يستقيم لأحد سؤدد، ولا تعلو له مكانة، ولا يحرز قبولا في القلوب، ما لم يرزق لسان صدق. ثم إن الصدق يهدي إلى البر، وحسن الخلق من جملة ذلك البر١. قال بعض البلغاء: "الصادق مصان خليل، والكاذب مهان ذليل"٢.

стр. 123

وقال بعض الشعراء: وإذا الأمور تزاوجت ... فالصدق أكرمها نتاجا والصدق يعقد فوق رأ ... س حليفه بالصدق تاجا والصدق يقدح زنده ... في كل ناحية سراجا١. وقال الآخر: كم من حسيب كريم كان ذا شرف ... قد شانه الكذب وسط الحي إن عمدا وآخر كان صعلوكا فشرفه ... صدق الحديث وقول جانب الفندا فصار هذا شريفا فوق صاحبه ... وصار هذا وضيعا تحته أبدا٢. ٣٥ـ تجنب كثرة اللوم والتعنيف على من أساء: فلا يحسن بالعاقل أن يسرف في لوم من أساء، خصوصا إذا كان المسيء جاهلا، أو كان ممن يندر وقوع الإساءة منه؛ فكثرة اللوم مدعاة للغضب، وغلظ الطبع ثم إنها موجبة للعداوة، ومجلبة لسماع ما يؤذي. قال البحتري: متى أحرجت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أخلاق اللئيم٣. وقال الآخر: فدع العتاب؛ فرب شر ... ر هاج أوله العتاب٤.

стр. 124

وإذا كان الصفح عن الزلات من أفضل خصال الحمد ـ فإن أحق الناس بأن تتغاضى عن هفواتهم، وتتجنب لومهم وتعنيفهم ـ رجال عرفت منهم المودة، ولم يقم لديك شاهد على أنهم صرفوا قلوبهم عنها. فلو أخذت تعنف من إخوانك كل من صدرت منه هفوة لم تلبث أن تفقدهم جميعا، ولم يبق لك على ظهر الأرض صديق غير نفسك التي بين جنبيك. والحاصل أن ما يصدر من الصديق إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو كان خطأ في اجتهاد في الرأي ـ فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولا ينبغي أن يكون له في نقص الصداقة أثر كثير أو قليل. وأما إن كان عن زهد في الصحبة، أو انصرافا عن الصداقة فلك أن تزهد به، وتقطع النظر عن صداقته، وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكميت: وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي ... إذا صد عني ذو المودة يقرب ولكنه إن دام دمت وإن يكن ... له مذهب عني فلي فيه مذهب ألا إن خير الود ود تطوعت ... له النفس لا ود أتى وهو متعب والفرق بين عثرة قد تصدر من ذي صداقة وبين جفاء لا يكون إلا من زاهد في الصداقة ـ يرجع فيه الرجل إلى الدلائل التي لا يبقى معها ريب. والتفريط في جانب الصديق ليس بالأمر الذي يستهان به؛ فلا

стр. 125

ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بينة واضحة؛ ذلك أن المرء لا يخلو ـ وهو معرض للغفلة والخطأ ـ أن يخل بشيء من واجبات الصداقة. فإن كنت على ثقة من صفاء مودة صديقك ـ أقمت له من نفسك عذرا، وسرت في معاملته على أحسن ما تقتضيه الصداقة. فإذا حام في قلبك شبهة أن يكون هذا الإخلال ناشئا عن التهاون بحق الصداقة ـ فهذا موضع العتاب؛ فالعتاب يستدعي جوابا، فإن اشتمل الجواب على عذر أو اعتراف بالتقصير ـ فاقبل العذر، وقابل التقصير بصفاء خاطر، وسماحة نفس. وعلى هذا الوجه يحمل قول الشاعر: أعاتب ذا المودة من صديق ... إذا ما رابني منه اغتراب إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب١. ومما يدلك على أن صداقة صاحبك قد نبتت في صدر سليم أن يجد في نفسه ما يدعوه إلى عتابك، حتى إذا لقيته بقلبك النقي وجبينك الطلق ـ ذهب كل ما في نفسه، ولم يجد للعتاب داعيا. كما قال أحدهم: أزور محمدا وإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضمير٢.

стр. 126

فإن أكثر صاحبك من الإجحاف بحق الصداقة، ولم تجد له في هذا الإجحاف الكثير عذرا يزيل من نفسك الارتياب في صدق موته ـ فذلك موضع قول القائل: أقلل عتاب من استربت بوده ... ليست تنال مودة بعتاب١. ٣٦ـ تجنب الوقيعة في الناس: فالوقيعة في الناس، والتعرض لعيوبهم ومغامزهم مما يورث العداوة، ويشوش على القلب، فتسوء الأخلاق تبعا لذلك. بل إن ذلك مدعاة لأن يبحث الناس عن معايب ذلك الشخص. من دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل٢. قالت أعرابية توصي ولدها: "إياك والتعرض للعيوب؛ فتتخذ غرضا، وخليق ألا يثبت الغرض على كثرة السهام. وقلما اعتورت السهام غرضا حتى يهي ما اشتد من قوته"٣. وقال الأحنف ﵁:"من أسرع في الناس فيما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون"٤.

стр. 127

٣٧ـ أن يضع المرء نفسه موضع خصمه: فهذا يدعو لالتماس المعاذير، والكف عن إنفاذ الغضب، والبعد عن إساءة الظن. فالواحد منا ـ على سبيل المثال ـ ينزعج كثيرا إذا كان خلفه في السيارة شخص يطلق الأبواق، ونحن قد نقع موقعه ونفعل ما فعله، إما حرصا على اللحاق بموعد مهم، أو أن يكون مع بعضنا مريض، أو نحو ذلك. فإذا وضعنا أنفسنا موضع الخصم وجدنا ما يسوغ فعله، فنقصر بذلك عن الإساءة والجهل، ونحتفظ بهدوئنا وحلمنا. قال ابن المقفع: "أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك؛ فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك"١. قال ابن حزم ﵀: "من أراد الانصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه؛ فإنه يلوح له وجه تعسفه"٢. وقال الخطابي ﵀: ارض للناس جميعا ... مثل ما ترضى لنفسك إنما الناس جميعا ... كلهم أبناء جنسك فلهم نفس كنفسك ... ولهم حسن كحسك٣

стр. 128

٣٨ـ أن يتخذ الناس مرآة لنفسه: فهذا مما يحسن بالمرء فعله، والأخذ به، "فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول، أو فعل، أو خلق ـ فليتجنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله"١. قال الشاعر: إذا أعجبتك خصال امرئ ... فكنه تكن مثل ما يعجبك فليس على المجد والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك٢ ٣٩ـ مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة: فهذا الأمر من أعظم ما يربي على مكارم الأخلاق، وعلى رسوخها في النفس؛ فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه. والصداقة الشريفة تشبه سائر الفضائل من حيث رسوخها في النفس، وإيتاؤها ثمرا طيبا في كل حين؛ فهي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل سخاء. فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر ليحمي صديقه من نكبة. والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبا من ماله؛ لإنقاذ صديقه من شدة.

стр. 129

فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة. فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئا من كظم الغيظ، فيجلس إلى أصدقائه في حلم وأناة، وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعد ذلك متواضعا حليما١. فإذا ما وفق المرء لصحبة الأجلاء العقلاء من ذوي الدين والمروءة فإن ذلك من علامات توفيقه وهدايته. فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان الثقات؛ حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر. قال ابن حزم: "من طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة، والبر، والصدق، وكرم العشيرة، والصبر، والوفاء، والأمانة، والحلم، وصفاء الضمائر، وصحة المودة. ومن طلب الجاه، والمال واللذات لم يساير إلا أمثال الكلاب الكلبة٢، والثعالب الخلبة٣، ولم يرافق في تلك الطريق إلا كل عدو المعتقد، وخبيث الطبيعة"٤.

стр. 130

٤٠ـ الاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات: فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم ـ ولو لم يصاحبهم باستمرار ـ تخلق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ودلهم. يروى أن الأحنف بن قيس قال: "كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه"١. ولا يلزم أن يكون هؤلاء الذين يختلف إليهم من أهل العلم، بل قد يوجد من العوام من جبل على كريم الخلال وحميد الخصال. قال ابن حزم: "وقد رأيت من غمار العامة من يجري في الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جدا"٢. ٤١ـ وبالجملة أن ينتفع الإنسان بكل من خالطه وصاحبه: فصاحب البصيرة النافذة، والهمة العالية، "ينتفع بكل من خالطه وصاحبه، من كامل، وناقص، وسيء الخلق وحسنه، وعديم المروءة، وغزيرها. وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها، كما روي عن بعض الأكابر أنه كان له مملوك سيء الخلق، فظ، غليظ، لا يناسبه. فسئل عن ذلك فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق.

стр. 131

وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه، ويكون بتمرين النفس على مصاحبته، ومعاشرته، والصبر عليه"١. قال ابن حزم: " ولكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، وهي أنه توقد طبعي، واحتدم خاطري، وحمي فكري، وتهيج نشاطي فكان ذلك سببا إلى تواليف لي عظيمة. ولولا استثارتهم نشاطي، واقتداحهم كامني ـ ما انبعثت لتلك التواليف"٢. بل إن كثيرا من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورا تنفعه في معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره. قيل لرجل: من علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به؟ قال: من علم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها، لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض. وقيل لآخر: من علمك السكون، والتحفظ، والتماوت حتى تظفر بإربك، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته؟ قال: الذي علم الهرة أن ترصد جحر الفأرة، فلا تتحرك، ولا تتلوي، ولا تختلج، حتى كأنها ميتة، حتى إذا برزت الفأرة وثبت عليها كالأسد. وقيل لآخر: من علمك حسن الإيثار والبذل والسماحة؟ قال:

стр. 132

من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها ولا يأكلها، بل يستدعي الدجاج، ويطلبهن طلبا حثيثا حتى تجيء الواحدة منهن، فتلتقطها وهو مسرور بذلك، طيب النفس به. وإذا وضعت له الحب الكثير فرقه ههنا، وههنا، وإن لم يكن له دجاج؛ لأن طبعه قد ألف البذل والجود، فهو يرى أنه من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام! ١. ٤٢ـ توطين النفس على الاعتدال حال السراء والضراء: فلقد مر بنا أن من أسباب سوء الخلق ـ الغنى، والمرض، والكبر، والولاية، والعزل. ولهذا فإنه يحسن بالعاقل الذي يروم نيل المعالي، واكتساب الفضائل أن يوطن نفسه على الاعتدال حال السراء والضراء؛ لأن من أدب صاحب المروءة أن يقف موقف الاعتدال في حالي الضراء والسراء. ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب٢. ومن هنا نرى أن صاحب المروءة لا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة، ولا يحمله الغنى على الأشر والبطر، ولا ينحط به الفقر إلى الذلة والخنوع٣.

стр. 133

قال الحكيم العربي: خلقان لا أرضى اختلافهما ... تيه الغنى ومذلة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدهر واصبر فلست بواجد خلقا ... أدنى إلى فرج من الصبر١. وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: كلا بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشعت من لأوائها جزعا٢. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: " أصبحت والسراء والضراء مطيتان على بابي، لا أبالي على أيهما ركبت"٣. وبهذا تستقيم أخلاق المرء، وتعتدل أفعاله وأحواله، فيسلم بذلك من التقلب واختلاف الأخلاق٤. ٤٣ـ معرفة أحوال الناس ومراعاة عقولهم، ومعاملتهم بمقتضى ذلك: فهذا الأمر دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، وعلى حسن التصرف في تقدير وسائل الخير، وهو مما يعين على اكتساب الأخلاق الرفيعة، وعلى استبقاء المودة في قلوب الناس. فالرجل العاقل الحكيم الحازم يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه، "يزن عقول من يلاقونه، ويحس ما

стр. 134

تكن صدورهم، وتنزع إليه نفوسهم، فيصاحب الناس، ويشهد مجالسهم، وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقول، وسرائر، وعواطف. فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق. ومراعاة عقول الناس وطباعهم ونزعاتهم فيما لا يقعد حقا، ولا يقيم باطلا ـ مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة"١. وكما أن هذا الأمر عائد إلى الألمعية ـ وهي في أصلها موهبة إلهية ـ فهو كذلك يأتي بالدربة، والممارسة، وتدبر سير أعاظم الرجال، والنظر في مجاري الحوادث باعتبار، فهذا مما يقوي هذه الخصلة، ويرفع من شأنها. ٤٤ـ المحافظة على الصلاة: فهو سبب عظيم لحسن الخلق، وطلاقة الوجه، وطيب النفس، وسموها، وترفعها عن الدنايا. كما أنها في مقابل ذلك تنهى عن الفحشاء والمنكر. وسوء الخلق من جملة ما تنهى عن الصلاة. ثم إنها سبب لعلاج أدواء النفس الكثيرة كالبخل، والشح، والحسد، والهلع، والجزع، وغيرها. ٤٥ـ الصيام: فبالصيام تزكو النفس، ويستقيم السلوك، وتنشأ الأخلاق

стр. 135

الرفيعة من رحمة، وكرم، وبر، وصلة، وبشاشة، وطلاقة، ونحو ذلك. وبالصيام تعلو الهمة، وتقوى الإرادة، ويتحقق الاطمئنان. فهذه الأمور وغيرها من أعظم ما يعين على اكتساب حسن الخلق. ٤٦ـ قراءة القرآن بتدبر وتعقل: فهو كتاب الهدى والنور، وهو كتاب الأخلاق الأول، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وحسن الخلق من جملة ما يهدي إليه القرآن الكريم. اقرأ على سبيل المثال سورة الإسراء، أو سورة النور، أو سورة الحجرات أو غيرها ـ تجد من الوصايا العظيمة الجامعة التي لا توجد في أي كتاب آخر، والتي لو أخذت بها البشرية لتغير مسارها، ولاستنارت سبلها، ولعاشت عيشة الهناءة والعز. بل إن آية واحدة في القرآن جمعت مكارم الأخلاق، وهي قوله تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . ثم إن القرآن يدفع النفوس إلى الكمالات، ويملؤها بعظم الهمة. "وإذا رأينا من بعض قرائه همما ضيئلة، ونفوسا خاملة فلأنهم لم يتدبروا آياته ولم يتفقهوا في حكمه"١.

стр. 136

٤٧ـ تزكية النفس بالطاعة: وبالجملة فإن تزكية النفس بطاعة الله من أعظم ما يكسب الأخلاق الفاضلة إن لم يكن أعظمه. قال ـ تعالى ـ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] . وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] . ٤٨ـ لزوم الحياء: فالحياء خلق سَني، يبعث على فعل الجميل وترك القبيح. فإذا تحلى المرء به انبعث إلى الفضائل، وأقصر عن الرذائل. والحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء خلق الإسلام، وهو شعبة من شعب الإيمان. قال ﵊: "الحياء لا يأتي إلا بخير" ١. وقال: "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء" ٢. وقال: "الحياء شعبة من شعب الإيمان" ٣. وقال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ـ إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" ٤. قال ابن حبان: "فالواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل

стр. 137

العقل، وبذر الخير، وتركه أصل الجهل، وبذر الشر"١. قال الأصمعي: "سمعت أعرابيا يقول: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه"٢. ٤٩ـ إفشاء السلام: فالسلام مدعاة للمحبة، ومجلبة للمودة، فإذا ما أفشى الناس السلام توادوا، وتحابوا، وإذا توادوا وتحابوا زكت نفوسهم، وزالت الوحشة فيما بينهم، فتحسن أخلاقهم تبعا لذلك. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" ٣. قال عمر بن الخطاب ﵁: "إن مما يصفي لك ودّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس"٤. ٥٠ـ إدامة النظر في السير النبوية: فالسيرة النبوية تضع بين يدي قارئها أعظم صورة عرفتها الإنسانية، وأكمل هدي وخلق في حياة البشرية.

стр. 138

قال ابن حزم ﵀: "من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها ـ فليقتد بمحمد رسول الله ﷺ وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به بمنه آمين"١. ٥١ـ النظر في سير الصحابة الكرام ﵃: فهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله ﷺ هديه، وسمته، وخلقه. فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم ـ يبعث على التآسي بهم، والاهتداء بهديهم. ٥٢ـ قراءة سيرة أهل الفضل والحلم: فإن قراءة سيرهم، والنظر في تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم. وكثيرا ما بعث الناس إلى محاسن الأخلاق حكاية قرؤوها عن رجل فاضل، أو حادثة رويت عنه. ٥٣ـ قراءة كتب الشمائل والكتب في الأخلاق: فإنها تنبه الإنسان على مكارم الأخلاق، وتذكره بفضائلها، وتعينه على اكتسابها.

стр. 139

كما أنها تحذره من مساوئ الأخلاق، وتبين له سوء عواقبها، وطرق التخلص منها. قال علي بن عبد الرحمن بن هذيل: "اعلم أن الحكايات والأخبار سلوة للنفس، وآداب نافعة للرئيس والمرؤوس، والقلوب ترتاح إليها من شجونها، والآذان تصغي لسماع طرفها وفنونها، والوحيد يأنس بمطالعتها، والجليس ينبسط بمذاكرتها ومحاضرتها، والطباع تجم بها من مللها، ويذهب عنها قلة نشاطها وكثرة كسلها"١. وقال عمر ﵁: "عليكم بطرائف الأخبار؛ فإنها من علم الملوك والسادة، وبها تنال المنزلة والحظوة منهم"٢. وقال بعض ملوك الهند لبنيه: "أكثروا من النظر في الكتب، وازدادوا كل يوم حرفا؛ فإن ثلاثة لا يستوحشون في غربة: الفقيه العالم، والبطل الشجاع، والحلو للسان الكثير مخارج الرأي"٣. وقيل للمأمون: "ما ألذّ الأشياء؟ قال: التنزه في عقول الناس. يعني قراءة أقوالهم"٤. والكتب في هذا الباب كثيرة جدا ومنها: أـ كتاب الشمائل المحمدية للترمذي ب ـ كتب الأدب من الصحاح والسنن جـ ـ أدب الدنيا والدين للماوردي. دـ روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان.

стр. 140

هـ بهجة المجالس وأنس المجالس، وشحذ الذاهن والهاجس لابن عبد البر. وـ عيون الأخبار لابن قتيبة. زـ الأخلاق والسير في مداواة النفوس لابن حزم. ح ـ الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح. ط ـ عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل. ي ـ جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب للقاسمي. ك ـ رسائل الإصلاح لمحمد الخضر حسين. ٥٤ـ الاطلاع على الحكم المأثورة: فالحكم أقوال مأثورة، وكلمات موجزة مؤثرة، تشتمل على رأي سديد، وحكم صائب، وقول ناتج عن تجربة، وخبرة، ودراية بالأمور ومجرياتها. والحكم لا تصدر في الغالب إلا من عاقل حكيم، قد حنكته التجارب، وعركته الأيام، ووسمته بميسمها. والحكم لها الأثر البالغ في النفوس؛ فهي تغري بالفضائل، وتبين معالمها، وترشد إلى المكارم والمعالي، وتدعو إلى اكتسابها، وتعين على التحلي بها. ذلك أن الحكم وليدة التعقل، وثمرة التجربة، وعصارة الفكر١. والحكمة توجد في الشعر والنثر على حد سواء.

стр. 141

ولقد ورد عن الأسلاف من الحكم الجامعة، والوصايا النافعة ما يتعذر جمعه واستقصاؤه. وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك زيادة على ما ذكر في تضاعيف هذا الكتاب. ١- قالت عائشة ﵂: "خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه ولا في ابنه، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب: صدق الحديث، ومداراة الناس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمم للجار، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وقرى الضيف، والوفاء بالعهد، ورأسهن الحياء"١. ٢- قال الحسن ﵀: "مكارم الأخلاق للمؤمن قوة في لين، وحزم في دين، وإيمان في يقين، وحرص على العلم، واقتصاد في النفقة، وبذل في السعة، وقناعة في الفاقة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، وبر في استقامة"٢. ٣- قال مصقلة بن هبيرة الشيباني: "سمعت صعصة بن صوحان وقد سأله ابن عباس: ما السؤدد فيكم؟ قال: إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكف المرء نفسه عن السؤال، والتودد للصغير والكبير، وأن يكون الناس عندك في الحق شرعا٣"٤.

стр. 142

٤ - قال أبو عمرو بن العلاء: "كان أهل الجاهلية لا يسودون إلا من كانت فيه ست خصال، وتمامها في الإسلام سابعة: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والبيان، والحسب، وفي الإسلام زيادة العفاف"١. ٥ - وقال الشاعر أبو العميثل يمدح عبد الله بن طاهر، ويوصي مصعب بن عبد الله بن طاهر أن يسير على نول أبيه: يا من يحاول أن تكون خلاله ... حج الحجيج إليه فاقبل أودع إن كنت تطمع أن تحل محله ... في المجد والشرف الأشم الأرفع فاصدق وعف وبر وارفق واتئد ... واحلم ودار وكاف واصبر واشجع والطف ولِن وتأنّ وانصر واحتمل ... واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع هذا الطريق إلى المكارم مهيعا ... فاسلك فقد أبصرت قصد المهيع٢ قال علي بن عبد الرحمن بن هذيل عن هذه الأبيات: "وقد جمعت هذه الأبيات خلال المكارم، وموجبات السؤدد، وتفاريق المروءة"٣. ٦ـ وقيل لقيس بن عاصم: "بم سوّدك قومك؟ قال: بكف الأذى، وبذل الندى، ونصرى المولى"٤.

стр. 143

٧- وقيل في وصف المكارم: إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والصبر خامسها والصدق سادسها والشكر سابعها والجود ثامنها ... والرفق تاسعها واللين عاشرها١ ٨- وقيل في صف المروءة: "المروءة إنصاف الرجل من هو دونه، والسمو إلى من هو فوقه، والجزاء بما أوتي إليه"٢. ٩- وقيل: "مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات جيرانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه"٣. ١٠- وقيل: "المروءة إذا أعطيت شكرت، وإذا ابتليت صبرت، وإذا قدرت غفرت، وإذا وعدت أنجزت"٤. ١١- وقيل: "المروءة حسن العشرة، وحفظ الفرج واللسان، وترك المرء ما يعاب به"٥. ١٢- قال حكيم لحكيم: "ما السؤدد؟ فقال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة. قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى، وبذل الندى. قال: فما الثناء؟ قال: استعمال الأدب، ورعاية الحسب. قال: فما المجد؟

стр. 144

قال: احتمال المغارم، وابتناء المكارم. قال: فما المروءة؟ قال: عرفان الحق، وتعاهد الصنيعة. وقال: فما السماحة؟ فقال: حب السائل، وبذل النائل. قال: فما الكرم؟ فقال: صدق الإخاء في الشدة والرخاء"١. ٥٥ـ معرفة الأمثال السائرة: فالأمثال أقوال موجزة، تشبه حالا مشاهدة منظورة بأحوال سابقة، والذي يجمع بين الحال السابقة والحال القائمة هو المماثلة. هذا وللأمثال أثر في النفوس، وسيرورة في الناس؛ فهي تبعث على العمل، وتقوّم السلوك، وتضيء السبل، وتهدي في معترك الحياة. وذلك بسبب ما تتضمنه من توجيه أو تنبيه أو تعليم؛ فالعاقل يسترشد إذا سمع المثل، والغافل يتذكر بالمثل ما مضى من حوادث التاريخ، وهكذا ... وللأمثال أهداف تربوية وخلقية بما تدعو إليه من قيم نبيلة، ومثل عليا، وبما ترسمه للمرء في حياته من أنواع السلوك الحميد، والاحتياط للأمور، وحسن التصرف فيها، وبما تنهى عنه من السلوك السيء، والتصرفات الشائنة.

стр. 145

ذلك أن الأمثال خفيفة الظل، سريعة الحفظ، تمزج الهزل بالجد، وتشير إلى ما تريد بطرف خفي، فتعالج كثيرا من الأمور بكلام يسير يصل إلى أعماق النفس. وما من موقف يمر به الإنسان في حياته إلا ويجد من الأمثال ما يعبر عنه، ويهون عليه بلاءه، أو يخفف من غلوائه، أو يوجهه الوجهة الصحيحة التي تقوم سلوكه، فتحببه في الجميل، وتنفرده من القبيح١. قال علي بن عبد الرحمن بن هذيل: "وليس يكمل أدب المرء حتى يعرف المثل السائر، والبيت النادر، وما يحكى عن أهل العصور من الأخبار العجيبة، وما وقع لهم من الألفاظ البليغة، والمعاني الغريبة. ففي ذلك العلم بالأمور، والعقل المكتسب، والأدب الصادر عن ذي المروءة والحسب"٢. وهذا وعند العرب رصيد ضخم من الأمثال لا يحويه كتاب، ولا يستوفيه مصنف. ومما ورد عنهم من الأمثال مما يعين على مكارم الأخلاق ما يلي: ١- إياك وأن يضرب لسانك عنقك أي إياك أن تلفظ بما فيه هلاكك٣.
следующие страницы →