ال مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﵌ تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن شأن الأخلاق عظيم، وإن منزلتها لعالية في الدين؛ فالدين هو الخلق، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، وأحسنهم أخلاقا أقربهم من النبي ﷺ يوم القيامة مجلسا.
ولقد تظاهرت نصوص الشرع في الحديث عن الأخلاق، فحثت، وحضت، ورغبت في محاسن الأخلاق، وحذرت، ونفرت، ورهبت من مساوئ الأخلاق.
بل إن الرسول ﷺ بين أن الغاية من بعثته إنما هي إتمام صالح الأخلاق.
قال ﵊: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" ١.
стр. 2
بل إن الناس على اختلاف مشاربهم يحبون محاسن الأخلاق، ويألفون أهلها، ويبغضون مساوئ الأخلاق، وينفرون من أهلها.
ومع عظم تلك المنزلة لحسن الخلق ـ إلا أن كثيرا من المسلمين قد فرطوا في هذا الجانب، فلم يلقوا له بالا، ولم يعيروه اهتماما، فساءت أخلاق كثير منهم، وشاعت مظاهر السوء في صفوفهم، فأصبحوا بذلك فتنة لغيرهم، خصوصا ممن يريد الدخول في دينهم؛ وذلك عندما يرى البعد السحيق، والبون الشاسع، بين حال المسلمين وبين ما يدعوهم إليه دينهم القويم.
ولهذا جاءت هذه الصفحات محذرة من مساوئ الأخلاق، مرغبة في محاسنها، وذلك إسهاما في هذا المجال، ومحاولة في الارتقاء بأخلاق المسلمين إلى الأمثل والأكمل.
أما عنوان هذا الكتاب فهو:
سوء الخلق
مظاهره ـ أسبابه ـ علاجه
وتحت هذا العنوان سيتم الحديث عن سوء الخلق من حيث تعريفه، وذمه، والوقوف على مظاهره، وأسبابه التي تبعثه وتحركه؛ فتشخيص الداء مفيد في وصف الدواء.
стр. 3
وبعد ذلك سينتقل الحديث عن زبدة هذا الكتاب، ألا وهي العلاج؛ فلا يكفي مجرد معرفة الداء فحسب، بل لا بد مع ذلك من وصف الدواء.
وعلاج سوء الخلق يكمن في معرفة حدود الأخلاق، وتمييز محاسنها من مساوئها، والوقوف على السبل والأسباب المعينة على اكتساب الأخلاق الرفيعة الفاضلة.
ولهذا جاءت خطة البحث بعد هذه المقدمة مشتملة على بابين وخاتمة، وإليك تفصيل الخطة:
الباب الأول
سوء الخلق مظاهره وأسبابه
وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تعريف سوء الخلق وذمه
الفصل الثاني: مظاهر سواء الخلق.
الفصل الثالث: أسباب سوء الخلق
الباب الثاني:
علاج سوء الخلق
تمهيد: هل يمكن تغيير الأخلاق أو لا؟
الفصل الأول: حسن الخلق وفضائله
الفصل الثاني: أسباب اكتساب حسن الخلق
الفصل الثالث: أمور تتعلق بالأخلاق
الخاتمة: وتحتوي على ملخص مجمل لأهم ما ورد في الكتاب.
стр. 4
فلعل في هذه الصفحات تذكيرا وتبصيرا، وعسى أن يكون فيها ترهيب من مساوئ الأخلاق، وترغيب في محاسنها، وإعانة على التخلي من الرذائل، والتحلي بالفضائل.
وأخيرا أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ـ أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
محمد بن إبراهيم الحمد
١٥/٤/١٤١٦هـ
الزلفي ١١٩٣٢ ص. ب ٤٦٠
стр. 5
الباب الأول
الفصل الأول: تعريف سوء الخلق وذمه
المبحث الأول: تعريف سوء الخلق
...
الباب الأول
سوء الخلق مظاهره وأسبابه
وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تعريف سوء الخلق وذمه
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: تعريف سوء الخلق
المبحث الثاني: ذم سوء الخلق
الفصل الثاني: مظاهر سوء الخلق
الفصل الثالث: أسباب سوء الخلق
стр. 6
الفصل الأول: تعريف سوء الخلق وذمه
المبحث الأول: تعريف سوء الخلق
أولا: تعريف كلمة: "سوء":
السوء مأخوذ من الفعل ساء يسوء سوءا.
ومعنى السوء: القبح، وهو ضد الحسن ونقيضه.
قال ابن منظور في مادة سوء: "ساءه، يسوءه، سَوءا، وسُوءا، وسواء، وسوائية، ومساءة، ومساية، ومساء، ومسائية، ـ فعل ما يكره"١.
وقال: "ويقول: ساء ما فعل فلان صنيعا يسوء: أي قبح صنيعه صنيعا"٢.
وقال: "والسوء: الفجور والمنكر"٣.
وقال ابن فارس: "تقول: رجل أسوأ: أي قبيح، وامرأة سوآء: أي قبيحة"٤.
وقال: "ولذلك سميت السيئة سيئة، وسميت النار سُوأى، لقبح منظرها".
стр. 7
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى﴾ [الروم: ١٠] "١.
ثانيا: تعريف كلمة "الخلق":
الخلُق، والخلْق: الطبيعة والسجية، وتجمع على أخلاق.
قال ابن منظور: "وفي التنزيل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] والجمع أخلاق لا يُكّسر٢ على غير ذلك، والخلْق والخلُق السجية"٣.
وقال: "الخلق بضم اللام وسكونها، وهو الدين، والطبع، والسجية"٤.
وقال الجاحظ: "الخلق: هو حال النفس بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار.
والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعا، وفي بعضهم لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد"٥.
стр. 8
ثالثا: تعريف سوء الخلق:
من خلال ما مضى يتبين أن سوء الخلق هو قبحه، ومساوئ الأخلاق: منكراتها، وقبائحها.
ومما يمكن أن يعرف به سوء الخلق أنه:
١ـ بذل القبيح، وكف الجميل١.
٢ـ أو أنه: التحلي بالرذائل، والتخلي من الفضائل٢.
стр. 9
المبحث الثاني: ذم سوء الخلق
سوء الخلق عمل مرذول، ومسلك دنيء، يمقته الله ويبغضه الرسول ﷺ .
بل إن الناس على اختلاف مشاربهم يبغضون سوء الخلق، وينفرون من أهله؛ فهو مما ينفر الناس، ويفرق الجماعات، ويصد عن الخير، ويصدف عن الهدى.
ثم إنه مجلبة للهم والغمّ، ومدعاة للكدر وضيق الصدر، سواء لأهله أو لمن يتعامل معهم.
فما أضيق عيش من ساء خلقه، ما أشد بلاء من ابتلي بسيئ الخلق.
قال النبي ﵊: "وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقا؛ الثرثارون، المتفيهقون، المتشدقون" ١.
قال الأحنف بن قيس: "ألا أخبركم بأدوأ الداء؟ قالوا: بلى،
стр. 10
قال: الخلق الدني، واللسان البذي"١.
وقال بعضهم: "من ساء خلقه ضاق رزقه"٢.
وقال الآخر: "الحسن الخلق من نفسه في راحة، والناس منه في سلامة، والسيء الخلق الناس منه في بلاء، وهو من نفسه في عناء"٣.
بل إن سوء الخلق من أسباب دمار الأمم، وانهيار الحضارات، وصدق شوقي إذ يقول:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مأتما وعويلا٤
هذا وسيتبين ذم سوء الخلق بصورة أجلى عند الحديث عن مظاهره كما سيأتي فيما بعد.
стр. 11
الفصل الثاني: مظاهر سوء الخلق
سوء الخلق يأخذ مظاهر عديدة، وصورا شتى، فمن ذلك ما يلي:
١ـ الغلظة والفظاظة:
فتجد من الناس من هو فظ غليظ، لا يتراخى، ولا يتألف، ولا يلذ إلا المهاترة والإقذاع، ولا يتكلم إلا بالعبارات النابية، التي تحمل في طياتها الخشونة والشدة، والغلظة والقسوة.
وذلك كله مدعاة للفرقة والعداوة، ونزغ الشيطان، وعدم قبول الحق.
فهذا النبي ﵊ مع أنه مرسل من الله، ومؤيد بالوحي، ومع أنه جاء بالهدى ودين الحق قال ربه في حقه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] .
٢ـ عبوس الوجه وتقطيب الجبين:
فكم من الناس من لا تراه إلا عابس الوجه، مقطب الجبين، لا يعرف التبسم واللباقة، ولا يوفق للبشر والطلاقة.
بل إنه ينظر إلى الناس شزرا، ويرمقهم غيظا وحنقا، لا لذنب
стр. 12
ارتكبوه، ولا لخطأ فعلوه، وإنما هكذا يوحي إليه طبعه، وتدعوه إليه نفسه.
وهذا الخلق مركب من الكبر، وغلط الطبع، فإن قلة البشاشة استهانة بالناس، والاستهانة بالناس تكون من الإعجاب والكبر.
وقلة التبسم ـ وخاصة عند لقاء الإخوان ـ تكون من غلظ الطبع، وهذا الخلق مستقبح وخاصة بالرؤساء والأفاضل١.
فالعبوس وما يستتبعه من كآبة، واضطراب نفس ـ دليل على صغر النفس.
أما النفوس الكبيرة فيكتنفها جو السكينة، والطمأنينة٢.
قيل لحكيم: "من أضيق الناس طريقا، وأقلهم صديقا؟
قال: من عاشر الناس بعبوس وجه، واستطال عليهم بنفسه"٣.
٣ـ سرعة الغضب:
وهذا مسلك مذموم في الشرع والعقل، وهو سبب لحدوث أمور لا تحمد عقباها؛ فكم حصل بسببه من قتل وطلاق، وفساد لذات البين، ونحو ذلك مما ينتج عن الغضب.
بل إن من الناس من إذا غضب حمله غضبه على التقطيب في
стр. 13
وجه غير من أغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، والعقوبة لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك.
ثم يبلغ به الأمر إذا رضي أن يتبرع بالأمر ذي الخطر لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطي من لم يكن يريد إعطاءه، ويكرم من لم يرد إكرامه١.
وهذا من الخرق المذموم، ومما ينافي الحكمة، والحزم، والمروءة، والاعتدال.
قال ﵊: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ٢.
فكمال قوة العبد أن يمتنع من أن تؤثر فيه قوة الغضب، فخير الناس من كانت شهوته وهواه تبعا لما جاء بالشرع، وكان غضبه ومدافعته في نصر الحق على الباطل.
وشر الناس من كان صريع شهوته وغضبه٣.
فمن وفق لترك الغضب أفلح وأنجح، وإلا فلن يصفو له عيش، ولن يهدأ له بال، ولن يرتقي في كمال.
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ... ولا ينال العلا من طبعه الغضب
стр. 14
٤ـ المبالغة في اللوم والتوبيخ:
وهذا يقع كثيرا ممن لهم سلطة وتمكن، كالرئيس، والمدير، والمعلم، والكفيل، والوالد ونحوهم.
فتجد الواحد منهم يزيد، ويرعد، ويطلق العبارات البذيئة، ويبالغ في اللوم والتوبيخ بمجرد خطأ يسير وقع من شخص تحت سلطته.
وهذا الصنيع مما تكرهه النفوس، وتنفر منه القلوب؛ فالناس يكرهون من يؤنب في غير مواطن التأنيب، وينفرون ممن يبالغ فيه دون ترو أو تؤدة؛ فلربما استبان له فيما بعد أن ليس على حق، أو أن هناك اجتهادا صحيحا.
ومن الأمثلة على ذلك ما يقع من بعض المعلمين مع طلابهم، حيث يبالغ في تقريع الطالب عند أدنى خطأ، وربما كان ذلك الخطأ غير مقصود أصلا، مما يسبب النفرة من المعلم، والحرج للطالب، فلربما أصيب بسبب ذلك بخيبة أمل، وفقد للثقة بنفسه، وربما ترك الدراسة، فأصبح عالة على أهله ومجتمعه.
وقل مثل ذلك فيما يقع بين الأصحاب والأقارب؛ فقد يمضي على أحدهم زمن طويل لم ير صاحبه، فإذا ما رآه ابتدره باللوم، وأمطر عليه وابلا من القريع على غيابه، وقلة اتصاله.
وهذا الأمر ـ وإن كان دليلا على المحبة ـ إلا أنه سبب للقطيعة والمفارقة؛ لأن الناس لا يحبون أن يحملوا كل شيء، وأكثر الناس لا يتحمل أدنى عتب أو لوم.
стр. 15
ثم إن هذا الذي يلوم ينسى أن يمكن أن يوجه إليه ذلك!.
قال منصور بن الزرقان النمري:
لعل له عذرا وأنت تلوم ... ورب امرئ قد لام وهو مليم١
٥ـ الكبر:
فهناك من يتكبر في نفسه، ويتعالى على بني جنسه، فلا يرى لأحد قدرا، ولا يقبل من أحد عدلا ولا صرفا.
والكبر خصلة ممقوتة في الشرع، والفطر، والعقول، والمتكبر ممقوت عند الله، وعند خلق الله.
قال ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر".
قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة.
قال: "إن الله جميل يحب الجمال؛ الكبر بطر الحق، وغمط الناس" ٢.
فبطر الحق: رده، وغمط الناس: احتقارهم.
٦ـ السخرية بالآخرين:
كحال من يسخر بفلان لفقره، أو لجهله، أو لخرقه، أو لرثاثة ثيابه، أو لدمامة خلقته، أو نحو ذلك.
стр. 16
فهذا العمل مظهر قبيح من مظاهر سوء الخلق، ويكفي في التنفير منه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] .
٧ـ التنابز بالألقاب:
وهذا مما نهانا الله عنه، وأدبنا بتركه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١] .
ومع هذا النهي إلا أننا نجد أن غالبية الناس لا يعرفون إلا بألقابهم السيئة.
وهذه الألقاب مما يثير العداوة، ويسبب الشحناء في الغالب؛ لأن الناس يحبون من يناديهم بأسمائهم، أو بكناهم الطيبة، وينفرون من يناديهم بألقابهم السيئة.
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقب
٨ ـ الغيبة:
تلك الخصلة الذميمة، التي لا تصدر إلا من نفس ضعيفة وضيعة دنيئة.
والغيبة هي ـ كما أخبر بذلك النبي ﷺ : "ذكرك أخاك بما يكره" ١.
стр. 17
والمغتاب يريد التسلق على أكتاف الآخرين، وذلك بالحط من أقدارهم، وتزهيد الناس بهم.
وما علم هذا المغتاب أن الرافع الخافض هو الله وأنه بصنيعه يهدي حسناته ـ وهي أعز ما يملك ـ لمن يقع في عرضه.
فأين هذا المغتاب من قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] .
بل أين هو من أهل الجاهلية التي أشرافها يتمدحون بترك الغيبة.
قال المثقب العبدي:
لا تراني راتعا في مجلس ... في لحوم الناس كالسبع الضرم١
والغيبة لا تقتصر على اللسان فحسب، بل قد تكون بالإشارة بالعين، أو اليد، أو نحو ذلك.
أما أسبابها فكثيرة، منها التشفي من الآخرين، ومجاملة الأقران والرفقاء، والحسد، وكثرة الفراغ، والتقرب لدى أصحاب الأعمال والمسؤولين عن طريق ذم العاملين.
ومن أسبابها الإعجاب بالنفس، والغفلة عن التفكر في عيوبها.
وأعظم أسبابها قلة الخوف من الله ٢.
стр. 18
٩ـ النميمة:
وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الفساد.
فكم فسد بسببها من صداقة، وكم تقطعت من أواصر، وكم تحاصت من أرحام.
والنميمة كالغيبة من حيث إنها لا تصدر من نفس كريمة، وإنما تصدر من نفس مهينة ذليلة دنيئة.
أما الكرام فإنهم يترفعون عن مثل هذه الترهات.
وإن مما يزيد الطين بلة أن تجد النميمة آذانا مصيخة، وأفئدة مصغية، فمن أصاخ السمع وأصغى الفؤاد لمن ينم ـ فإنه مشارك له في الإثم، ومن أطاع الوشاة وصدقهم فلن يبقى له صديق أو قريب.
ومن يطع الواشين لا يتركوا له ... صديقا ولو كان الحبيب المقربا١
قال الشافعي ﵀ "قبول السعاية شر من السعاية؛ لأن السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز"٢.
١٠ـ سماع كلام الناس بعضهم ببعض، وقبول ذلك دون تمحيص وتثبت:
فكم جر ذلك من ويلات، وكم أفسد من مودات، وكم أغرى من عداوات.
стр. 19
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ "من الغلط الفاحش الخطر قبول قول الناس بعضهم ببعض، ثم يبنى عليه السامع حبا أو بغضا، ومدحا وذما؛ فكم حصل بهذا الغلط من أمور صار عاقبتها الندامة، وكم أشاع الناس عن الناس أمورا لا حقائق لها بالكلية، أو لها بعض الحقيقة فنميت بالكذب والزور، وخصوصا ممن عرفوا بعدم المبالاة بالنقل، أو عرف منهم الهوى.
فالواجب على العاقل التثبت والتحرز، وعدم التسرع.
وبهذا يعرف دين المرء ورزانته وعقله"١.
١١ـ التجسس والتحسس:
أصل التجسس: تعرف الشيء عن طريق الجس أي الاختبار باليد، والتحسس: تعرفه عن طريق الحواس، ثم استعملا في البحث عن عيوب الناس.
وقيل: إن الأول البحث عن العورات، والثاني الاستماع لحديث القوم.
وقيل: إن الأول البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في الشر، والثاني: ما يدرك بحاسة العين والأذن.
وقيل: التجسس تتبع العورات لأجل غيره، والتحسس تتبعها لنفسه٢.
والحاصل أن التجسس والتحسس مما لا ينبغي، بل نكتفي
стр. 20
بالظاهر، ونكل أمر الباطن إلى العليم الخبير، إلا إذا كان التجسس طريقا لدرء مفسدة كبيرة، أو جلب مصلحة عظيمة، كما لو علمنا أن أناسا عزموا على ارتكاب جريمة قتل أو سرقة أو نحو ذلك، فتجسسنا عليهم؛ لنحول بينهم وبين ما يشتهون ـ فلا حرج حينذ.
أما إذا قصد بذلك تتبع العثرات، والفرح بالزلات ـ فهذا هو المحذور الذي لا ينبغي فعله، ولا الإقدام عليه.
وهذا ـ مع بالغ الأسف ـ دأب كثير من الناس، حيث تجده متتبعا لعثرات إخوانه، متناسيا حسناتهم، فإذا سمع قبيحا فرح به ونشر، وإذا سمع حسنا ساءه ذلك وستره.
إن يسمعوا سيئا طاروا به فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا١.
وكما قال الآخر:
يمشون في الناس يبغون العيوب لمن ... لا عيب فيه لكي يستشرف العطب
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا٢
فمن هذا دأبه وديدنه فهو من أحقر الناس، وأسفلهم.
شر الورى بعيوب الناس مشتغل ... مثل الذباب يراعي موطن العلل
قال ابن حبان ﵀: "فمن اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه؛
стр. 21
فإن أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه"١.
ويقال لمن فرح بزلات إخوانه: لا تفرج؛ فلا بد أن تقع في الخطأ في يوم ما، وحينئذ:
فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها ... وأول راض سيرة من يسيرها
١٢ـ مقابلة الناس بوجهين:
فتجد من الناس من يظهر لجليسه الموافقة والمودة، ويلقاه بالبشر والترحاب.
فإذا ما توارى عنه سلقه بلسان حاد، وشتمه وأقذع في سبه!
وهذه الصفة من أحط الصفات وأخسها، وصاحبها من شر الناس، وأوضعهم.
قال النبي ﷺ : "تجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" ٢.
قال إبراهيم بن محمد:
وكم من صديق وده بلسانه ... خؤون بظهر الغيب لا يتذمم
يضاحكني عجبا إذا ما لقيته ... ويصدفني منه إذا غبت أسهم
كذلك ذو الوجهين يرضيك شاهدا ... وفي غيبه إن غاب صاب٣ وعلقم٤.
стр. 22
بل إن أهل الجاهلية ينكرون مثل هذه الصفات القبيحة، قال المثقب العبدي:
إن شر الناس من يكشر١ لي ... حين يلقاني وإن غبت شتم٢.
١٣ـ إساءة الظن:
فإساءة الظن من الأخلاق الذميمة، التي تجلب الضغائنن وتفسد المودة، وتجلب الهم والكدر.
ولهذا حذرنا الله من إساءة الظن كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات١٣] .
وقال ﵊: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ٣.
فتجد من الناس من هو سيء الظن، يحسب أن كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصد إليه، وأن الناس لا هم لهم إلا الكيد له، والتربص به.
ومن صور سوء الظن عند بعض الناس ما يلي:
أ - إذا رأى اثنين يتناجيان ظن أنه هو المقصود بالنجوى.
ب - إذا سمع ذما عاما لخصلة من الخصال ظن أنه هو المقصود بالذم.
стр. 23
ج- إذا كان هناك وليمة عند أحد من أقاربه أو أصدقائه، فنسي صاحب الوليمة أن يدعوه ـ أساء الظن به، واتهمه باحتقاره، وازدرائه، وعدم المبالاة به.
د- إذا نصحه أحد ظن أن الناصح متغرض له، متعال عليه، متتبع لهفواته، فلا يقبل منه عدلا ولا صرفا، فيستمر بذلك على عيوبه، ويبتعد عنه كل من أراد نصحه.
هـ إذا رأى أحدا يمشي حوله ظن أنه يراقبه ويترصد له.
هذه بعض سوء الظن، وهو في الغالب لا يصدر إلا عن شخص فارغ، لا شغل له، ولا هم عنده، أو شخص سيء الفعال، ذي نفس مضطربة؛ لذلك فهو ينظر إلى الناس نظرة المرتاب، كما قال أبو الطيب المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه لقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم١
وسوء الظن كذلك من الشيطان؛ حيث يلقى في روع الإنسان الظنون السيئة، والأوهام الكاذبة؛ ليفسد ما بينه وبين إخوانه.
فما أحرى بالمسلم أن يستعيذ بالله من الشيطان، وأن يمضي لسبيله، ويحسن ظنه بإخوانه المسلمين، وأن يحملهم على أحسن المحامل، وإلا فلن يريح ولن يستريح.
ما يستريح المسيء ظنا ... من طول غم وما يريح٢
стр. 24
ولا يدخل في سوء الظن المذموم ـ الظن بمن أورد نفسه موارد الريب.
ولا يدخل فيه ـ أيضا ـ من أساء الظن بعدوه الذي يخاف منه، ولا يأمن مكره، بل يلزمه سوء الظن به، وبمكائدة ومكره، لئلا يصادف منه غرة فيصيبه من خلالها؛ فهذا من تمام الاحتراز وأخذ الحيطة، وهو محمود على كل حال.
كما أنه ليس من الحزم ولا الكياسة في شيء أن يحسن المرء ظنه بكل أحد، ويثق به ثقة مطلقة، فيبيح له بمكنونه، ويطلعه على كل صغيرة وكبيرة من أمره.
بل إن هذا سذاجة، وبلاهة، وجهل، وغلفة.
١٤ـ إفشاء الأسرار:
فبعض الناس ما أن يسمع سرا إلا ويضيق به ذرعا، فتراه يبحث عمن يخبره بسره، ويفضي إليه بمكنونه.
وربما ترتب على إفشاء السر عداوة وفسادا عريضا.
وبعض الناس يثق بكل أحد، فيفضي إليه بسره، فإذا انتشر الخبر وذاع لام من أذاعه وأفشاه، وما علم أنه هو الملوم؛ لأنه هو أول من نشره.
قال عمرو بن العاص ﵁: "ما وضعت سري عند أحد فلمته على أن يفشيه؛ كيف ألومه وقد ضقت به؟! "١.
стр. 25
وقال الشافعي ﵀:
إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق١.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: كن حافظا للسر، معروفا عند الناس بحفظه، فإنهم إذا عرفوا منك هذه الحال أفضوا إليك بأسرارهم، وعذروك إذا طويت عنهم سر غيرك الذي هم عليه مشفقون، وخصوصا إذا كان لك اتصال بكل واحد من المتعادين؛ فإن الوسائل لاستخراج ما عندك تكثر وتتعدد من كل من الطرفين، فإياك إياك أن يظفر أحد منهم بشيء من ذلك تصريحا أو تعريضا، واعلم أن للناس في استخراج ما عند الإنسان طرقا دقيقة، ومسالك خفيفة؛ فاجعل كل احتمال ـ وإن بعد ـ على بالك، ولا تؤت من جهة من جهاتك؛ فإن هذا من الحزم.
واجزم بأنك لا تندم على الكتمان، وإنما الضرر والندم في العجلة والتسرع، والوثوق بالناس ثقة تحملك على ما يضر"٢.
وإن من حفظ الأسرار، بل مما يدل على صدق الوفاء، وكرم العشيرة ـ أن يحفظ المرء سر صاحبه بعد أن تتصرم حبال المودة بينهما؛ ذلك أن دواعي الإفشاء تقوى في تلك الحالة، فإذا كتم المرء سر صاحبه، وحفظ ما كان له من ود ـ دل ذلك كرم نفسه، ورسوخ قدمه في الفضيلة.
стр. 26
ليس الكريم الذي إن زل صاحبه ... بث الذي كان من أسراره علما
بل الكريم الذي تبقى مودته ... ويحفظ السر إن صافى وإن صرما١
وإن مما يقع فيه اللبس في هذا الباب كتم السر عن الأصدقاء؛ فمن المعروف أن الإنسان لا يكتم عن أصدقائه سرا يخشى من إفشائه ضررا.
ويجد الرجل في نفسه شيئا متى شعر بأن صديقه قد كتم عنه بعض ما يعلم من الشؤون.
وإلى هذا المعنى أشار بعضهم فقال:
والخل كالماء يبدي في ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
وهناك من ذهب في النصح بكتم السر الذي يخشى من إذاعته ضرر إلى حد أن نصح بكتمه حتى عن الأصدقاء.
ووجه هذا الرأي إنما هو الخوف من أن يكون لصديقك صديق لا يكتم عنه حديثا، وإذا انتقل السر إلى صديق آخر لم يؤمن عليه أن يصبح خبرا مذاعا، قال محمد بن عبشون:
إذا ما كتمت السر عمن أوده ... توهم أن الود غير حقيقي
ولم أخف عنه السر من ظنه به ... ولكنني أخشى صديق صديقي٢
"والقول الفصل في هذا الأمر يرجع إلى قوة ثقتك بصديق الفضيلة، وذكائه، وفهمه قصدك لأن يكون هذا السر في صدره لا يتجاوزه إلى غيره.
стр. 27
فإن كان صديقك على هذا المثال فأطلعه على ما في نفسك؛ فإنما أنت وهو روح واحدة ولكنها في بدنين.
فإن كان مع صداقته الخالصة لا تأمن أن يجري على لسانه بعض ما أفضيت به إليه ـ فذلك موضع قول الشاعر:
ولكنني أخشى صديق صديقي
ومن الأذكياء من يحرص على كتم سر صديقه، فلا يفضي به إلى صديق له آخر، ولا سيما صديقا ليس بينه وبين الذي أودع السر صلة صداقة.
قال مسكين الدارمي:
أؤاخي رجالا لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها
يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها١
٥ـ المؤاخذة بالزلة:
فهناك من الناس من إذا صدر في حقه زلة من صديق، أو بدرت هفوة من قريب ـ زهد به، وتنكر له، وآخذه بزلته.
وهذا المسلك مسلك خاطئ، والذي يقوم به، ويطرد هذه القاعدة لن يصفو له بال، ولن يرضى عن أحد، بل سيعيش وحيدا طريدا، فأي الرجال المهذب؟!.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه٢
стр. 28
فالعاقل لا يزهد بأحد بسبب هفوة، ولا يؤاخذ بسبب زلة، خصوصا إذا كانت يسيرة، أو كانت صادرة من شخص له فضل، كما قيل:
لا يزهدنك من أخ ... لك أن تراه زل زلة١
وكما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع٢
وكما قيل:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللائي سررن ألوف٣
١٦ـ عدم قبول الأعذار:
فتجد من يقع في خطأ في حق أخ له، ثم يعتذر من خطئه، ويلتمس من أخيه مسامحته، ثم يفاجأ بعد ذلك بأن عذره لم يقبل، وبأن عثرته لم تقل.
وهذا مناف لمكارم الأخلاق؛ "فالواجب على العاقل إذا اعتذر إليه أخوه لجرم مضى، أو لتقصير سبق أن يقبل عذره، ويجعله كمن لم يذنب"٤.
стр. 29
قال ابن المبارك ﵀: "المؤمن طالب عذر أخوانه، والمنافق طالب عثراتهم"١.
وقال الشافعي ﵀:
قيل لي قد أسا إليك فلان ... ومقام الفتى على الذل عار
قلت: قد أتى وأحدث عذرا ... دية الذنب عندنا الاعتذار٢
فقبول الأعذار من صفات الكرام، حتى ولو كان المعتذر كاذبا.
قال ابن حبان ﵀: "ولا يخلو المعتذر في اعتذاره من أحد رجلين: إما أن يكون صادقا في اعتذاره أو كاذبا، فإن صادقا فقد استحق العفو؛ لأن شر الناس من لم يُقِل العثرات، ولا يستر الزلات.
وإن كان كاذبا فالواجب على المرء إذا علم من المعتذر إثم الكذب، وريبته، وخضوع الاعتذار وذلته ـ أن لا يعاقبه على الذنب السالف، بل يشكر له الإحسان المحدث، الذي جاء به في اعتذاره، وليس يعيب المعتذر إن ذل وخضع في اعتذاره إلى أخيه"٣.
قال الشافعي ﵀:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا
стр. 30
لقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا١
١٧ـ التهاجر والتدابر:
وما أكثر وقوع هذا الأمر بين المسلمين، فبمجرد اختلاف يسير، لا يترتب عليه فساد في الدين ـ تجد من يهجر أخاه، ويعطيه ظهره، ويقطع شواجر المحبة والرحمة والأخوة.
قال ﵊: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" ٢.
وإذا كان هذا الأمر مرفوضا وقوعه بين عامة الناس ـ فإن المصيبة تعظم، وإن الخطب ليجل إذا وقع ذلك بين أهل العلم والفضل والعبادة، فذلك هو الداء العياء، والطعنة النجلاء.
فمما يدمي الفؤاد، ويدل على استحكام الغفلة، وتمكن الشيطان أن تجد اثنين من أهل العبادة، وممن يتسابق للمجيء إلى المسجد، وقد يكونان ممن بلغ من الكبر عتيا، ومع ذلك كله تجدهما متهاجرين متقاطعين، لا يكلم أحدهما الآخر، ولا يسلم عليه بلا سبب يذكر، أو بسبب يسير جدا!.
ومثل ذلك ـ أو أشد ـ ما يقع بين بعض طلبة العلم من تدابر، وتقاطع، ونفرة بسبب حسد، أو اختلاف في رأي لا يوجب اختلاف القلوب؛ مما يسبب الفرقة وشيوع العداوة والبغضاء، وتألب بعضهم
стр. 31
على بعض؛ مما يجعلهم يفشلون، وتذهب ريحهم، ويصبحون شماتة للأعداء، فيصطلي بنار تلك الفرقة أهل الخير، والحريصون على جمع الكلمة، ويسر بذلك إبليس وأعوانه من شياطين الإنس والجن، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
فبدلا من أن يجمعوا أمرهم، ويلموا شعثهم، تجدهم شذر مذر والله المستعان.
فكيف ـ إذا ـ يصلحون الناس وهم لما يصلحوا ذات بينهم؟!
يا معشر القرآء يا ملح البلد ... من يصلح الملح فسد
١٨ـ الحسد:
وهو تمني زوال نعمة المحسود، أو هو البغض والكراهية لما يراه من حسن حال المحسود١.
والحسد داء عضال، وسم قتال، لا يسلم منه إلا من سلمه الكبير المتعال.
ولهذا قيل: "ما خلا جسد من حسد، ولكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه"٢.
فما أكثر وقوع الحسد بين الناس، فهذا يحسد لعلمه، وهذا يحسد لماله، وهذا لجاهه، وهذا لمنزلته بين الناس.
وأكثر ما يقع بين النظراء، والمتشاركين، وأكثر ما يكون في صفوف النساء.
والحسد خلق ذميم، ومسلك شائن، فهو مضر بالبدن والدين،
стр. 32
وهو من أعظم الأسباب الموجبة للفرقة والاختلاف.
قال بعض السلف: "الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء"١ يعني حسد إبليس لآدم ﵇.
والحسد ـ في الحقيقة ـ اعتراض على قضاء الله وحكمته؛ ولهذا قيل: "من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد"٢.
ثم إن الحاسد هو أول متضرر من حسده، فالضرر لاحق به لا محالة.
قال بعضهم: "ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحسود؛ نفس دائم، وهو لازم، وقلب هائم"٣.
وقيل ـ أيضا ـ:
لله در الحسد ما أعدله ... بدا بصاحبه فقتله
وقال ابن المعتز:
اصبر على كيد الحسو ... د فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
قال ابن المقفع: "ليكن ما تصرف به الأذى عن نفسك ألا تكون حسودا؛ فإن الحسد خلق لئيم.
ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والمعارف، والخلطاء، والإخوان"٤.
стр. 33
١٩ـ الحقد:
فتجد من الناس من يحمل قلبا أسود، لا يعرف للعفو طريقا، ولا للصفح سبيلا؛ فإذا ما أسيء في حقه من أي أحد فإنه يحفظ تلك الإساءة، ولا يكاد ينساها، مهما تقادم العهد عليها.
فتجده يتربص بصاحبه الدوائر، وينتظر منه غرة؛ لينفذ من خلالها، فيروي غليله، ويشفي غيظه.
٢٠ـ مجاراة السفهاء:
فهناك من إذا ابتلي بسفيه ساقط، لا خلاق له، ولا مروءة فيه أخذ يجاريه في سفهه وقيله وقاله، مما يجعله عرضة لسماع ما لا يرضيه من ساقط القول ومرذوله، فيصبح بذلك مساويا للسفيه؛ إذ نزل إليه وانحط إلى رتبته.
إذا جاريت في خلق دنيئا ... فأنت ومن تجاريه سواء
قال الأحنف بن قيس: "من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، ورب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه"١.
٢١ـ قلة الحياء:
فالحياء خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح، فإذا عري الإنسان منه، وعطل من التحلي به فلا تسل عما سيقترفه من رذائل، ولا تعجب مما سيرتكبه من حماقات؛ فقليل الحياء لا يأبه بدنو
стр. 34
همته، ولا يبالي بسفول قدره، ولا يجد ما يبعثه للفضائل، ولا ما يقصره عن الرذائل.
هذا ولقلة الحياء صور عديدة منها:
أـ المجاهرة بالمعاصي عموما.
ب ـ التدخين خصوصا في الأماكن العامة:
فالتدخين شر وبلاء بإجماع العقلاء، وهو محرم كما بين ذلك العلماء.
ولكن البلية تعظم عندما يتعاطاه شاربه أمام ملأ من الناس، أو في مكان عام، إما بمستشفى، أو طائرة، أو قطار، أو في مكان انتظار أو نحو ذلك.
فكم في مثل هذا العمل من التمادي في القحة؟ وكم فيه من قلة المبالاة بالآخرين؟.
ثم كيف تطيب نفس هذا المدخن وهو يؤذي من حوله بأنفاسه الكريهة المنتنة؟!
ثم كيف يستسيغ إلحاق الضرر بغيره؛ فقد يكون من بين الحاضرين من هو مصاب بالربو، أو ممن يتأذى برائحة الدخان؟
جـ المماطلة بالدين:
فتجد من الناس من يأتي إلى رجل ميسور الحال، فيبدي له حاجته، ويلتمس منه إعانته بتقديم سلفة له إلى وقت قريب.
وما هي إلا أن يظفر بإربه، ثم يتنكر لصاحبه، ويقلب له ظهر المجن، فيبدأ بالمماطلة، ويسوف بالسداد.
стр. 35
وهذا دليل على ضعة النفس، وسوء الخلق، وقلة الحياء.
دـ المعاكسات الهاتفية:
فهناك من يؤذي بيوت المسلمين بالاتصالات الهاتفية، والتي يبتغي من ورائها أن يظفر بمكالمة غادرة، يستجر بها إحدى المحارم بكلامه المعسول، وبعباراته الرقيقة.
وربما وجد من يجاريه في سفالته وغيه، وربما وقع الهاتف في يد بريئة لا تعرف تلك الألاعيب، فاستدرجها هذا الغادر بالحديث، وربما سجلها في جهاز التسجيل ثم جعل تلك المكالمة إدانة لتلك المسكينة، يهددها بها إن لم تستجب لمطالبه.
وهذا الصنيع دليل على رقة الدين، وقلة الحياء، ودنو الهمة، والتمادي في السفالة.
قال الشيخ بكر أبو زيد ـ حفظه الله ـ عن تلك العادة القبيحة: "كنت أظنها مرضا تخطاه الزمن، وإذا بالشكوى تتوالى من فعلات السفهاء في تتبع محارم المسلمين في عقر دورهن، فيستجرونهن بالمكالمة والمعاكسة السافلة.
ومن السفلة من يتصل على البيوت مستغلا غيبة الراعي، ليتخذها فرصة عله يجد من يستدرجه إلى سفالته.
وهذا نوع من الخلوة، أو سبيل إليها، وقد قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم ـ: "إياكم والدخول على النساء". أي الأجانب عنكم.
فهذا وأيم الله حرام حرام، وإثم وجناح، وفاعله حري
стр. 36
بالعقوبة، فيخشى أن تنزل به عقوبة تلوث وجه كرامته"١.
٢٢ـ البخل:
فالبخل من مساوئ الأخلاق، ومن المخلات بالدين والمروءة، وهو مما يجلب الشقاء لص في الدنيا والآخرة.
والبخيل بعيد من الله، بعيد من خلق الله، بعيد من الجنة، قريب من النار.
والبخيل ضيق الصدر، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم والغم، لا يكاد يقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب٢.
فتجد من الناس من يبخل بفضل ماله، مع أن لديه من المال ما يكفيه وذريته آلاف السنين لو عاشوها.
ومن الناس من يبخل بجاهه، فلا يبذله في سبيل الخير من إعانة لمظلوم، أو شفاعة حسنة لمستحقها، أو نحو ذلك.
ومن الناس من يبخل بنصحه، فلا ينصح أحدا، بل ربما لو استنصح لبخل بالنصيحة.
هذا وللبخل أبواب كثيرة، والغامض من تلك الأبواب أكثر وأكثر.
٢٣ـ المنة في العطية ونحوها:
فمن الناس من إذا أعطى عطاء، أو بذل نصيحة، أو أسدى
стр. 37
معروفا ـ أتبعه بالمن والأذى، والإدلال علىمن أحسن إليه.
وذلك الصنيع خلق ساقط، لا يليق بأولي الفضل، ولا يحسن بأهل النبل، فالمنة تصدع قناة العزة، فلا يحتملها ذوو المروءات إلا حال ضرورة، ولا سيما منة تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع.
قال ـ تعالى ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة:١٤] .
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" قال: فقرأها رسول الله ﷺ ، ثلاث مرات.
قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟
قال: "المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" ١.
قال رجل لبنيه: "إذا اتخذتم عند رجل يدا فانسوها"٢.
وقالوا: "المنة تهدم الصنيعة"٣.
وقال ابن عباس ﵄: "لا يتم المعروف إلا بثلاث، بتعجيله، وتصغيره، وستره؛ فإذا أعجله هنأه، وإذا صغره عظمه، وإذا ستره تممه"٤.
стр. 38
وقال الشاعر:
أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنان١.
ومع أن المنة وتعداد الأيادي ليس من صفات الكرام ـ إلا أن ذلك يحسن ويسوغ في حال المعاتبة والاعتذار.
قال ابن حزم ﵀: "حالان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما، وهم المعاتبة، والاعتذار، فإنه يحسن فيهما تعديد الأيادي، وذكر الإحسان، وذلك غاية القبح فيما عدا هاتين الحالتين"٢.
٢٤ـ إخلاف الوعد:
فإخلاف الوعد من الصفات الذميمة، ومن الخصال المرذولة؛ فهو شعبة من شعب النفاق، وآية من آيات المنافقين.
قال ﵊: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف" ٣.
وكرام الناس ينفرون من هذه الخصلة، ويأنفون من الاتصاف بها.
قال المثنى بن حارثة الشيباني: "لأن أموت عطشا أحب إلي من أن أخلف موعدا"٤.
стр. 39
وقال بعض الحكماء: "وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف"١.
ولقد ابتلي بهذه الخصلة كثير من المسلمين، فما أقل الوفاء بالوعد، وما أكثر الخلف فيه، حتى خيل لكثير من المنهزمين، وممن يحملون الإسلام خطأ المنتسبين إليه ـ أن الخلف من صفات المسلمين، وأن الوفاء بالوعد وإنجازه من صفات الكافرين!
حتى إن بعضهم إذا أراد تأكيد الموعد قال: أعطني وعدا إنجليزيا!
ومن مظاهر إخلاف الوعد الشائعة بين الناس ما يلي:
أـ الخلف مع الأولاد:
فكثير من الوالدين إذا أراد إسكات طفله، أو أراد التخلص منه إذا تعلق به عند الخروج من المنزل أو نحو ذلك ـ تجده يعده بهدية، أو حلوى أو نحو ذلك، ثم يخلف ما وعد به.
فهذا مما يعود الطفل إخلاف الوعد، فينشأ وقد ألف هذه الخصلة السيئة.
ب ـ المزاح الثقيل، أو ما يسمى بـ"المقالب":
فيحصل أن يقوم شخص بدعوة أصحابه في مكان محدد، وفي زمان محدد، وربما كان المكان بعيدا، فيخبرهم بأنه سيحضر لهم الطعام في ذلك المكان والزمان المحددين، مع أنه قد بيت النية بالخلف.
стр. 40
فإذا ما جاءوا لذلك المكان لم يجدوا ما وعدوا به، وربما طال بهم الانتظار، فإذا أيسوا عادوا أدراجهم.
فهذا الرجل جمع بصنيعه هذا عددا من الأعمال القبيحة، فجمع بين الكذب، وقلة الحياء، وإخلاف الوعد، وأذية المسلمين.
جـ التأخر عن الموعد المحدد المرتبطة بأعمال معينة:
فما أكثر وقوع هذا الأمر، وما أقل من يضبط مواعيده، وما أكثر الآثار المترتبة على ذلك؛ فتأخر دقائق عن موعد البدء المحدد معناه ضياع دقائق من وقت العمل، وذلك يؤدي إلى نتيجتين: إما الإسراع في العمل وعدم الدقة فيه؛ لتعويض الزمن الفائت، وإما التعدي على أوقات خصصت لواجبات أخرى.
دـ التأخر في المجيء للمضيف:
فكثيرا ما يعد أحد الناس أضيافه بموعد محدد ليأتوه به، ثم يتأخر الأضياف أو بعضهم مدة طويلة عن الموعد المحدد، وقد يكون التأخر بلا عذر، مما يربك المضيف، ويوقعه في الحرج، كما يتسبب في إضاعة الوقت للمضيف ولمن جاء في الوقت المحدد.
هـ التأخر في إرجاع الكتب المستعارة:
فيحصل كثيرا أن يأتي أحد لصاحب مكتبة، أو طالب علم لديه مكتبة، فيطلب منه أن يعيره كتابا، ويعده بأن يرجعه في أقرب وقت.
فإذا ما أخذ الكتاب، وحصل منه على الفائدة التي يرجوها ـ تأخر في إرجاع الكتاب، وماطل في ذلك كثيرا، بل ربما أضاعه، حتى إن صاحب الكتاب ليستحيي من كثرة التودد إليه، والتردد عليه؛ كي يرجع الكتاب.