← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11245

سوء الخلق

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (169 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالعقوبة، فيخشى أن تنزل به عقوبة تلوث وجه كرامته"١. ٢٢ـ البخل: فالبخل من مساوئ الأخلاق، ومن المخلات بالدين والمروءة، وهو مما يجلب الشقاء لص في الدنيا والآخرة. والبخيل بعيد من الله، بعيد من خلق الله، بعيد من الجنة، قريب من النار. والبخيل ضيق الصدر، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم والغم، لا يكاد يقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب٢. فتجد من الناس من يبخل بفضل ماله، مع أن لديه من المال ما يكفيه وذريته آلاف السنين لو عاشوها. ومن الناس من يبخل بجاهه، فلا يبذله في سبيل الخير من إعانة لمظلوم، أو شفاعة حسنة لمستحقها، أو نحو ذلك. ومن الناس من يبخل بنصحه، فلا ينصح أحدا، بل ربما لو استنصح لبخل بالنصيحة. هذا وللبخل أبواب كثيرة، والغامض من تلك الأبواب أكثر وأكثر. ٢٣ـ المنة في العطية ونحوها: فمن الناس من إذا أعطى عطاء، أو بذل نصيحة، أو أسدى

стр. 37

معروفا ـ أتبعه بالمن والأذى، والإدلال علىمن أحسن إليه. وذلك الصنيع خلق ساقط، لا يليق بأولي الفضل، ولا يحسن بأهل النبل، فالمنة تصدع قناة العزة، فلا يحتملها ذوو المروءات إلا حال ضرورة، ولا سيما منة تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة:١٤] . وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" قال: فقرأها رسول الله ﷺ ، ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: "المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" ١. قال رجل لبنيه: "إذا اتخذتم عند رجل يدا فانسوها"٢. وقالوا: "المنة تهدم الصنيعة"٣. وقال ابن عباس ﵄: "لا يتم المعروف إلا بثلاث، بتعجيله، وتصغيره، وستره؛ فإذا أعجله هنأه، وإذا صغره عظمه، وإذا ستره تممه"٤.

стр. 38

وقال الشاعر: أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنان١. ومع أن المنة وتعداد الأيادي ليس من صفات الكرام ـ إلا أن ذلك يحسن ويسوغ في حال المعاتبة والاعتذار. قال ابن حزم ﵀: "حالان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما، وهم المعاتبة، والاعتذار، فإنه يحسن فيهما تعديد الأيادي، وذكر الإحسان، وذلك غاية القبح فيما عدا هاتين الحالتين"٢. ٢٤ـ إخلاف الوعد: فإخلاف الوعد من الصفات الذميمة، ومن الخصال المرذولة؛ فهو شعبة من شعب النفاق، وآية من آيات المنافقين. قال ﵊: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف" ٣. وكرام الناس ينفرون من هذه الخصلة، ويأنفون من الاتصاف بها. قال المثنى بن حارثة الشيباني: "لأن أموت عطشا أحب إلي من أن أخلف موعدا"٤.

стр. 39

وقال بعض الحكماء: "وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف"١. ولقد ابتلي بهذه الخصلة كثير من المسلمين، فما أقل الوفاء بالوعد، وما أكثر الخلف فيه، حتى خيل لكثير من المنهزمين، وممن يحملون الإسلام خطأ المنتسبين إليه ـ أن الخلف من صفات المسلمين، وأن الوفاء بالوعد وإنجازه من صفات الكافرين! حتى إن بعضهم إذا أراد تأكيد الموعد قال: أعطني وعدا إنجليزيا! ومن مظاهر إخلاف الوعد الشائعة بين الناس ما يلي: أـ الخلف مع الأولاد: فكثير من الوالدين إذا أراد إسكات طفله، أو أراد التخلص منه إذا تعلق به عند الخروج من المنزل أو نحو ذلك ـ تجده يعده بهدية، أو حلوى أو نحو ذلك، ثم يخلف ما وعد به. فهذا مما يعود الطفل إخلاف الوعد، فينشأ وقد ألف هذه الخصلة السيئة. ب ـ المزاح الثقيل، أو ما يسمى بـ"المقالب": فيحصل أن يقوم شخص بدعوة أصحابه في مكان محدد، وفي زمان محدد، وربما كان المكان بعيدا، فيخبرهم بأنه سيحضر لهم الطعام في ذلك المكان والزمان المحددين، مع أنه قد بيت النية بالخلف.

стр. 40

فإذا ما جاءوا لذلك المكان لم يجدوا ما وعدوا به، وربما طال بهم الانتظار، فإذا أيسوا عادوا أدراجهم. فهذا الرجل جمع بصنيعه هذا عددا من الأعمال القبيحة، فجمع بين الكذب، وقلة الحياء، وإخلاف الوعد، وأذية المسلمين. جـ التأخر عن الموعد المحدد المرتبطة بأعمال معينة: فما أكثر وقوع هذا الأمر، وما أقل من يضبط مواعيده، وما أكثر الآثار المترتبة على ذلك؛ فتأخر دقائق عن موعد البدء المحدد معناه ضياع دقائق من وقت العمل، وذلك يؤدي إلى نتيجتين: إما الإسراع في العمل وعدم الدقة فيه؛ لتعويض الزمن الفائت، وإما التعدي على أوقات خصصت لواجبات أخرى. دـ التأخر في المجيء للمضيف: فكثيرا ما يعد أحد الناس أضيافه بموعد محدد ليأتوه به، ثم يتأخر الأضياف أو بعضهم مدة طويلة عن الموعد المحدد، وقد يكون التأخر بلا عذر، مما يربك المضيف، ويوقعه في الحرج، كما يتسبب في إضاعة الوقت للمضيف ولمن جاء في الوقت المحدد. هـ التأخر في إرجاع الكتب المستعارة: فيحصل كثيرا أن يأتي أحد لصاحب مكتبة، أو طالب علم لديه مكتبة، فيطلب منه أن يعيره كتابا، ويعده بأن يرجعه في أقرب وقت. فإذا ما أخذ الكتاب، وحصل منه على الفائدة التي يرجوها ـ تأخر في إرجاع الكتاب، وماطل في ذلك كثيرا، بل ربما أضاعه، حتى إن صاحب الكتاب ليستحيي من كثرة التودد إليه، والتردد عليه؛ كي يرجع الكتاب.

стр. 41

بل ربما اضطر إلى أن يشتري نسخة أخرى بدلا من النسخة التي أخذت. وربما كان ذلك الكتاب جزءا من عدة أجزاء ولا يمكن شراؤه إلا بشراء الأجزاء كاملة. وـ التأخر في سداد الدين: وقد مر عند الحديث عن قلة الحياء. زـ الخلف في العطاء: وهذا يقع كثيرا، فتجد من الناس من يعد غيره بهديه، أو عطاء، أو نحو ذلك فلا يفي. وتجد من يعد غيره بعطاء؛ رجاء خدمة يقوم بها، فإذا حصل على بغيته أخلف موعده، وتناسى صاحبه. وتجد من يعد؛ تخلصا من الإحراج مع أنه قد عزم على عدم الوفاء. هذه بعض مظاهر الخلف في الوعد التي انتشر في أوساط الناس، والتي تسود بسببها الفرقة، وتحل القطيعة، وتفقد الثقة، فإخلاف الوعد من مساوئ الأخلاق، وهو مما يزري بصاحبه. قال زياد الأعجم: لله درك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول لا خير في كذب الجوا ... د وحبذا صدق البخيل١. وقال الآخر: وإن جمع الأفات فالبخل شرها ... وشر من البخيل المواعيد والمطل٢

стр. 42

وقال ابن حازم: إذا قلت عن شيء نعم فأتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب وإلا فقل: لا، تسترح وترح بها ... لئلا يظن الناس أنك كاذب١. ٢٥ـ الكذب: فالكذب من الأخلاق المرذولة، والصفات القبيحة؛ فهو خصلة من خصال النفاق، وشعبة من شعب الكفر، وهو عنوان سفه العقل، وآية سقوط الهمة، وخبث الطوية. والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة. قال الماوردي: "والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذم؛ لسوء عواقبه، وخب نتائجه؛ لأنه ينتج النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة؛ ولذلك قيل: من قل صدقه قل صديقه"٢. ولقد انتشر الكذب خصوصا في هذه الأزمان المتأخرة، فما أكثر من يكذب في علاقاته ومعاملاته، وما أقل من يصدق في ذلك، مع أن نصوص الشرع جاءت حاثة على الصدق، محذرة من الكذب. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] . وقال ﵊: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق

стр. 43

يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب؛ فإن يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" ١. ومن مظاهر الكذب المنتشرة بين الناس ـ الكذب على الله ورسوله ﷺ والكذب لإفساد ذات البين، والكذب لإضحاك السامعين، والكذب في المطالبات والخصومات، والكذب للتخلص من المواقف المحرجة. ومن مظاهر الكذب ـ أيضاـ نقل الأخبار الكاذبة، وحذف بعض الحقيقة، والتوسع في باب المصلحة، والمبالغة في المعاريض، والتملق لأرباب الثراء والجاه، والكذب على الأولاد، ونحو ذلك٢. ٢٦ـ كثرة المزاح والإسفاف فيه: فالمزاح يسقط الهيبة، ويخل بالمروءة، ويجرئ السفهاء والأنذال. قيل في بعض منثور الحكم: "المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب"٣. وقال بعض الحكماء: "من كثر مزاحه زالت هيبته"٤.

стр. 44

وقال ابن عبد البر ﵀ "وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح؛ لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء"١. وكان يقال: "لكل شيء بدء، وبدء العداوة المزاح". وكان يقال: "لو كان المزاح فحلا ما ألقح إلا الشر"٢. وقال سعيد بن العاص: "لا تمازح الشريف فيحقد، ولا الدنيء فيجترئ عليك"٣. وقال ميمون بن مهران: "إذا كان المزاح أمام الكلام فآخره الشتم واللطام"٤. وقال أبو هفان: مازح صديقك ما أحب مزاحا ... وتوق منه في المزاح جماحا فلربما مزح الصديق بمزحة ... كانت لباب عداوة مفتاحا٥ وقال الآخر: لا تمزحن وإذا مزحت فلا يكن ... مزحا تضاف به إلى سوء الأدب واحذر ممازحة تعود عداوة ... إن المزاح على مقدمة الغضب٦ وقال آخر: فإياك إياك المزاح فإنه ... يجري عليك الطفل والدنس النذلا ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذلا٧.

стр. 45

والمقصود أن المزاح لا ينبغي الإكثار منه، ولا الإسفاف فيه. أما ما عدا ذلك فيحسن؛ لما فيه من إيناس الجليس وإزالة الوحشة، ونفي الملل والسآمة. وإنما المزاح في الكلام كالملح في الطعام، إن عدم أو زاد على الحد فهو مذموم١. أفد طبعك المكدود بالجد راحة ... يجم وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح٢. ٢٧ـ الفخر بالنسب: فالفخر بالنسب خلق جاهلي، ذمه الإسلام، ومقت أهله، وحذر من صنيعهم. والفخر بالنسب عنوان سفه العقل، وآية دنو الهمة فهل للإنسان الخيرة في اختيار نسبه؟ وهل النسب مما يرفع عند الله؟ إنما الفخر كل الفخر بتقوى الله وبالترقي في مراتب الكمال، ومدارج الفضيلة. لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... كما وضع الكفر الشريف أبا لهب فكم من الناس ـ مع بالغ الأسف ـ من يفاخر بنسبه، ويترفع على من سواه، ويعقد الولاء والبراء للنسب، مع أن الله يقول في محكم التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى

стр. 46

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ ثم بين الحكمة من ذلك قال: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لا لتفاخروا، ثم بين معيار التفاضل بين الناس فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] . فليس التفاضل بالجنس، أو اللون، أو العرق، وإنما هو بالتقوى. قال ابن حزم ﵀ بعد أن تحدث عن العجب وذكر شيئا من ضروبه: "وإن أعجبت بنسبك فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا؛ لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلا في دنيا ولا آخرة، وانظر هل يدفع عنك جوعة؟ أو يستر لك عورة؟ أو ينفعك في آخرتك؟. ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك، وربما فيما هو أعلى منك ممن نالته ولادة الأنبياء ﵈ ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء، ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة، وسائر ملوك الإسلام، فتأمل غبراتهم وبقاياهم، ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك، تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلفهم في غاية السقوط، والرذالة، والتبذل، والتحلي بالصفات المذمومة، فلا تغتبط بمنزلة هم فيها نظراؤك أو فوك"١. ثم قال ﵀ "ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقا، وشربة خمور، ولاطة، ومتعبثين، ونوكى، أطلقت الأيام

стр. 47

أيديهم بالظلم والجور، فأنتجوا ظلما وآثارا قبيحة تبقي عارهم بذلك الأيام، ويعظم أثمهم والندم عليها يوم الحساب. فإن كان كذلك فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب، والخزي، والعار، والشنار، لا في الإعجاب. وإن أعجبت بولادة الفضلاء إياك فما أخل يدك من فضلهم إن لم تكن أنت فاضلا، وما أقل عناهم عنك في الدنيا والآخرة إن لم تكن محسنا. والناس كلهم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته ولكن ما أقل نفعه لهم"١. ثم قال: "وإذا فكر العاقل في أن فضل آبائه لا يقربه من ربه ـ تعالى ـ ولا يكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده أو بفضله في نفسه، ولا مالا ـ فأي معنى للإعجاب بما لا منفعة فيه؟ ! وهل المعجب بذلك إلا كالمعجب بمال جاره؟ وبجاه غيره؟ وبفرس لغيره سبق كان على رأسه لجامه؟ وكما تقول العامة في أمثالها: كالغبي يزهى بذكاء أبيه"٢. وقال: "وقد كان ابن نوح، وأبو إبراهيم، وأبو لهب عم النبي ﷺ أقرب الناس من فضل خلق الله ـ تعالى ـ وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك"٣. وقال ابن حبان ﵀ "ما رأيت أحدا أخسر صفقة ولا أظهر حسرة، ولا أخيب قصدا، ولا أقل رشدا، ولا أحمق شعارا، ولا

стр. 48

أدنس وثارا من المفتخر بالآباء الكرام، وأخلاقهم الجسام، مع تعريه عن سلوك أمثالهم، وقصد أشباههم، متوهما أنهم ارتفعوا بمن قبلهم، وسادوا بمن تقدمهم. هيهات أنى يسود المرء على الحقيقة إلا بنفسه، وأنى ينبل في الدارين إلا بكده"١. قال أحد الشعراء: أيها الطالب فخرا بالنسب ... إنما الناس لأم ولأب هل تراهم خلقوا من فضة؟ ... أو حديد أو نحاس أو ذهب أو ترى فضلهم في خلقهم ... هل سوى لحم وعظم وعصب إنما الفضل بحلم ارجح ... وبأخلاق كرام وأدب ذاك من فاخر في الناس به ... فاق من فاخر منهم وغلب٢ وقال الآخر: إن لم تكن بفعال نفسك ساميا ... لم يغن عنك سمو من تسمو به ليس القديم على الجديد براجع ... إن لم تجده آخذا بنصيبه٣ وقال الآخر: ليس الكريم بمن يدنس عرضه ... ويرى مروءته تكون بمن مضى

стр. 49

حتى يشيد بناءه ببنائه ... ويزين صالح ما أتوه بما أتى١. ٢٨ـ قلة المراعاة لأدب المحادثة: فللمحادثة آداب يحسن مراعاتها والتحلي بها، ويقبح التفريط فيها، والإخلال في شأنها. والتقصير في هذا الجانب يعد ضربا من ضروب سوء الخلق. ومن المظاهر لقلة المراعاة لأدب المحادثة مقاطعة المتحدث، والاستخفاف بحديثه، وترك الإصغاء إليه، والمبادرة إلى تخطئته أو تكذيبه، ورفع اليدين في وجهه، والقيام عنه قبل أن يكمل حديثه. ومنها الثرثرة، وحب الاستئثار بالحديث، وكثرة امتداح النفس. ومنها قلة المراعاة لمشاعر الآخرين، ومواجهتهم بما يكرهون، والحديث بما لا يناسب المقام والحال. ومنها بذاءة اللسان، والتفحش بالقول، واستعمال العبارات المستكرهة صراحة دون تكنية. ومنها رفع الصوت بلا داع، والغلظة في الخطاب، والشدة في العتاب. ومنها التقعير في الكلام، والخوض فيما لا طائل تحته، والكلف في المعارضة والخلاف. ومنها الجدال والمراء، والخصومة، واللداد٢.

стр. 50

٢٩ـ قلة المراعاة لأدب المجالس: ومن مظاهر ذلك دخول المجلس والخروج منه دون إذن، وترك السلام حال الدخول وحال الخروج. ومنها التصدر للمجالس لمن ليس أهلا لذلك. ومنها قلة التفسح في المجالس، والتفريق بين اثنين متجالسين دون إذنهما، والجلوس في مجلس الرجل إذا قام منه وهو يريد الرجوع إليه. ومنها الجلوس في الطرقات دون أداء حقها، والجلوس على هيئة تشعر بقلة الأدب كالاضطجاع، ورفع الرجل في وجه المتكلم ونحو ذلك. ومنها القيام بما ينافي الذوق في المجالس كالتجشؤ، والتمخط، والتثاؤب، والقهقهة، ونحو ذلك. ومنها تناجي الجماعة دون الواحد، ومنها التقصير في السنن الواردة في المجلس كتشميت العاطس، والاستغفار في آخره. ومنها مزاولة المكرات في المجالس كالغيبة والنميمة والتدخين ونحو ذلك، ومنها مداهنة أهل المجلس وترك الإنكار عليهم١. ٣٠ـ سوء التعامل مع الوالدين٢: وهذا الأمر يأخذ صورا كثيرة، فمن ذلك نهرهما، وزجرهما، ورفع الصوت عليهما، والتأفف والتضجر من أوامرهما.

стр. 51

ومن ذلك العبوس وتقطيب الجبين أمامهما. ومن ذلك احتقارهما، وتسفيه أحلامهما، ووصفهما بالجهل، والحمق، والغباء. ومن ذلك الأمر عليهما، وترك مساعدتهما. ومن ذلك ذمهما، وعيبهما أمام الناس، فمن الناس من إذا أخفق في دراسته أو نحو ذلك ألقى باللائمة والتبعة على والديه، وزعم أنهما سبب إخفاقه؛ لأنهما لم يحسنا تربيته. ومن ذلك سبهما، وشتمهما إما مباشرة وإما بالتسبب. ومن ذلك البراءة منهما، والاستحياء من الانتساب إليهما، وطردهما من المنزل، أو الذهاب بهما إلى دور العجزة. وأقبح ما في ذلك قتلهما، والتخلص منهما؛ رغبة في الميراث أو نحو ذلك عياذا بالله. ٣١ـ سوء العشرة مع الزوجة: فهناك من يتعامل مع سائر الناس بأدب، ورقة، وأريحية. فتراه في المجالس بشوشا، حسن الخلق، ينتقي من الكلام أطايبه، ومن الحديث أعذبه. فإذا ما دخل المنزل تبدلت حاله، وذهبت وداعته، وتولت سماحته، وحلت غلظته، وبذاءته، وفظاظته، فانقلب أسدا هصورا على زوجته الضعيفة المسكينة. فتراه يسيء الأدب مع زوجته، ويحملها مسؤولية كل شيء،

стр. 52

ويغلظ في عتابها عند أدنى خطأ، ويهددها بالطلاق عند كل صغيرة وكبيرة، وربما قصر عليها في النفقة الواجبة. ولا ريب أن هذا الصنيع دليل على ضعة النفس، وحقارة الشأن، وضعف الإيمان. وإلا فإن الحازم العاقل ذا الدين والمروءة يتودد لأهله، ويتعطف عليهم، ويحسن معاشرتهم. قال ﵊: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، وخياركم خياركم لنسائهم" ١. ٣٢ـ سوء الخلق من بعض الزوجات: ففي مقابل ما مضى نجد أن بعض الزوجات لا تحسن التبعل لزوجها، ولا تقوم بحقوقه كما أراد الله منها. بل تراها تسيء الأدب معه، وترفع صوتها عليه، وتثقل كاهله بكثرة الطلبات، وتستنزف ماله بكثرة الإغراق بالكماليات. بل ربما عوقته وخذلته عن بره بوالديه، وأعانته على القطيعة والعقوق. ٣٣ـ سوء معاملة الخدم والعمال: فما أكثر من يسيء الأدب مع الخدم والعمال، فتراه يحتقرهم،

стр. 53

وينتقصهم، ولا يراهم إلا هملا مضاعا، أو لقى مزدرى، فلا يسلم عليهم إذا مر بهم، ولا يرد ﵈ إذا سلموا، بل ربما مد أحد العمال يده؛ ليسلم عليه، فيشيح بوجهه عنه، ويتركه مادا يده بلا رد. فكم في هذا العمل من كسر لنفس هذا المسكين. ومن الناس من يحملهم ما لا يطيقون، ويؤخر رواتبهم لمدة طويلة، ويحسم من رواتبهم عند أدنى هفوة أو زلة. وهذا الأمر لا يصدر من ذي خلق ودين ومروءة. قال ابن حزم ﵀ "واعلم أن التعسف، وسوء الملكة لمن خولك الله ـ تعالى ـ أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس، ودناءة الهمة، وضعف العقل؛ لأن العاقل الرفيع النفس، العالي الهمة إنما يغلب أكفاءه في القوة، ونظراءه في المنعة. وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة فسقوط في الطبع، ورذالة في النفس والخلق، وعجز ومهانة. ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ، أو بقتل برغوث، أو بفرك قملة، وحسبك بهذا ضعة وخساسة"١. ٣٤ـ سوء الأدب من بعض الخدم والعمال: فكما أن هناك تقصيرا في حق الخدم والعمال ـ كما مر ذكره ـ فكذلك هناك تقصير من بعض الخدم والعمال. فمنهم من إذا أكرمه رئيسه أو كفيله، فرق لحاله، وأحسن إليه،

стр. 54

وسهل مهمته، ولم يكلفه ما لا يطيق ـ قابل الإحسان بالإساءة، والمعروف بالجحود والنكران. فتجده يتمرد على رئيسه أو كفيله، فيخل بالأمانة، ويقصر في العمل. ولو أن كلا الطرفين راقب الله ـ جل وعلا ـ وحرص على أداء ما له وما عليه ـ لاسترحا جميعا، ولقلت المشكلات بينهما، ولنزلت الخيرات والبركات في ساحتهما. ٣٥ـ التقصير في حقوق الإخوان: فالإخوان لهم حقوق كثيرة، يحسن بالمرء مراعاتها والقيام بها، ويقبح به التفريط فيها والتهاون في أدائها. ومع ذلك فكثير من الناس لا يبالي بتلك الحقوق، ولا يبالي في التقصير فيها. ومن مظاهر التقصير في هذا الشأن ما يلي: أـ قلة تعاهد الإخوان: فمن الناس من لا يتعاهد إخوانه، ولا يسأل عن أحوالهم، ولا يحرص على زيارتهم وصلتهم، ولا يسعى في تجديد المودة وتقوية العلاقة معهم. وهذا لا يليق بالعاقل. قال ابن حبان ﵀ "الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امرئ مسلم صحيح الوداد محافظ عليه ـ أن يتمسك به، ثم يوطن نفسه على صلته به إن صرمه، وعلى الإقبال عليه إن صد عنه، وعلى

стр. 55

البذل له إن حرمه، وعلى الدنو منه إن باعده"١. ب ـ التنكر وقلة الوفاء: فمن الناس من لا يعرف إخوانه إلا في الرخاء، وفي حال اليسار. فإذا وقع أحد إخوانه في شدة أو ضائقة، واحتاج لمعروفه ومساعدته ـ تنكر له، وخذله، ونسي ما كان بينهما من مودة. ويصدق على هؤلاء قول القائل: وإن من الإخوان إخوان كشرة ... وإخوان حياك الإله ومرحبا وإخوان كيف الحال والأهل كله ... وذلك لا يسوي نقيرا مترّبا جواد إذا استغنيت عنه بماله ... يقول: إلى القرض والقرض فاطلبا وإن أنت حاولت الذي خلف ظهره ... وجدت الثريا منه في البعد أقربا٢ ومن التنكر وقلة الوفاء ما تجده عند بعض الناس، فما أن ينال عرضا من أعراض الدنيا ـ كمال، أو جاه، أو منصب ـ إلا ويتنكر لأصحابه القدامى، وينساهم، أو يتناساهم. وما هذا من أخلاق الكرام. إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن ج ـ إيذاؤهم في السفر: فكثير من الناس لا تظهر خلائقه، ولا تتميز طرائقه إلا في السفر؛ فالسفر يسفر عن أخلاق الرجال.

стр. 56

فإذا سافر مع أصحابه آذاهم، وأكثر الخلاف معهم، وسعى فيما يكدر عليهم، ويعكر صفوهم. ومن الناس من لا يتكلم ولا يقترح، وربما إذا استشير لم يشر، بل يترك الأمر لصحبه، فإذا أصابوا سكت، وإذا اجتهدوا في أمر ما فأخطأوا ـ كأن يضلوا الطريق أو نحو ذلك ـ أمطر عليهم وابلا من اللوم والتقريع، وأصبح يكرر من أمثاله قوله: لو فعلتم كذا وكذا لكان أنفع وأجدى، ولو أنكم سلكتم الطريق الفلاني لما حصل ما حصل، وهكذا ... ٣٦ـ سوء الأدب مع الجيران: فالجار له حق عظيم، ومكانة عالية، وقد بين الله في محكم تنزيله عظم حق الجار، وكذلك النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النسا:٣٦] . وقال ﵊: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ١. ومع عظم تلك المكانة للجار في الإسلام ـ إلا أن هناك تفريطا كبيرا يقع في هذا الجانب؛ وذلك أن كثيرا من الناس لا يرعى حق الجار، ولا يقدره قدره، بل يسيء إليه، ويؤذيه بأنواع من الأذى.

стр. 57

فمن الناس من لا يعرف جاره الملاصق لبابه، وربما دامت الجيرة سنوات عديدة وهم لم يتعارفوا. ومن الناس من يضايق جيرانه بإلقاء الزبل أمام أبوابهم، أو بإيقاف سيارته بمحاذاة باب الجيران مما يشق معه دخولهم إلى المنزل وخروجهم منه. ومن الناس من يريق الماء الكثير أمام بيت الجيران. ومنهم من يؤذيهم بالروائح الكريهة، ورفع الأصوات، وإزعاجهم وقت راحتهم. ومنهم من يقوم أبناؤه بإثارة المشكلات مع أبناء الجيران. ومع ذلك لا يكف أذاهم عن الجيران، بل ربما دافع عنهم. وأقبح ما في ذلك تتبع عورات الجار والنظر إلى محارمه عبر سطح المنزل، أو عبر النوافذ المطلة عليه. فذلك العمل يعد من أقبح الخصال وأسوئها، والعرب كانت تأنف هذه الخصلة، وتفاخر بمحاماتها عن الجار ورعايتها لحقه. قال مسكين الدارمي: ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر ما ضر جار لي أجاوره ... ألا يكون لبيته ستر١.

стр. 58

بل إن أهل الجاهلية يترفعون عن النظر إلى محارم الجيران، ويرون ذلك الترفع من المحامد التي يفاخرون بها. قال عنترة: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها١. هذا ما تيسر تقييده من مظاهر سوء الخلق.

стр. 59

الفصل الثالث أسباب سوء الخلق سوء الخلق كغيره من الأدواء؛ فله أسباب تجلبه، وبواعث تحركه. فمن ذلك ما يلي: ١ـ طبيعة الإنسان: فهناك من الناس من جبل على القحة، والبذاءة، وسوء الخلق، فتغلب عليه هذه الطبيعة، ويؤثر فيه، وتوجهه إلى مساوئ الأخلاق، وتصرفه عن محاسنها. خصوصا إذا استرسل مع طبيعته، ولم يسع إلى إصلاح نفسه. ٢ـ سوء التربية المنزلية: فالتربية المنزلية لها دور عظيم في توجيه الأولاد سلبا أو إيجابا؛ فالبيت هو المدرسة الأولى للأولاد، والولد قبل أن تربيه المدرسة والمجتمع يربيه البيت والأسرة. والولد مدين لوالديه في سلوكه المستقيم، كما أن والديه مسؤولان إلى حد كبير عن فساده وانحرافه. فإذا تربى الولد في المنزل على مساوئ الأخلاق، وسفاسف الأمور، وتربى على الميوعة، والترف ـ نشأ ساقط الهمة، قليل

стр. 60

المروءة، فهذه التربية تقضي على شجاعته، وتقتل استقامته ومروءته١. أضف إلى ذلك أن الأولاد يرثون طباع والديهم كما يرثون أشكالهم؛ ولذلك قيل: إذا أردت ولدا صحيحا فتخير له آباء أصحاء أقوياء. ويقول الشاعر العربي في وصف ابنه: أعرف منه قلة النعاسي ... وخفة في رأسه من راسي فإذا كان الوالد سيئ الخلق، عديم المروءة ـ فإن ذلك الأثر سيلحق بالأبناء في الغالب٢. ٣ـ البيئة والمجتمع: فلهذين الأمرين أهمية كبرى في حسن الخلق وسوئه؛ فإذا نشأ المرء في بيئة صالحة، من بيت طيب، ومدرسة تعنى بدين الطلاب وأخلاقهم، وكان في مجتمع تشيع فيه الفضيلة ومحاسن الأخلاق ـ نبت خير منبت، وتربى خير تربية، وإلا فما أحراه أن يكون سافل القدر شريرا لا خير فيه. قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨] .

стр. 61

٤ـ الظلم: فالظلم يحمل صاحبه على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضى، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويبذل في موضع البخل، ويحجم في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع١. ٥ـ الشهوة: فهي تحمل على الحرص، والشح، والبخل، وعدم العفة، والنهمة، والجشع والذل، والدناءات٢. رب مستور سبته شهوة ... فتعرى ستره فانهتكا صاحب الشهوة عبد فإذا ... غلب الشهوة أضحى ملكا٣. ثم إنه سهل على الإنسان أن يدرك معنى الفضيلة في صورة مجملة، بل سهل عليه أن يتعرف ما هي الفضائل بتفصيل. وإنما العسر في أخذ النفس بها، والسير في معاملة الناس على قانونها، وعسر العمل على الفضيلة مع تصور مفهومها، والشعور بحسن أثرها ـ يجيء من ناحية الشهوات التي قد تطغى فتنطمس على

стр. 62

البصائر وتكاد تحول معرفتها للخير إلى جهالة عمياء١. ٦ـ الغضب: فهو يحمل على الكبر، والحقد، والحسد، والعدوان، والسفه٢. وهذه الأوصاف تتنافى مع حسن الخلق. ٧ـ الجهل: فالجهل يورد صاحبه المهالك، وينزع به إلى الشرور والبلايا. والجاهل عدو لنفسه، يسعى في دمارها من حيث لا يشعر. ولهذا قيل: لا يبلغ الأعداء من جاهل ... كمبلغ الجاهل من نفسه فالجهل بعواقب الأمور، وبمحاسن الأخلاق ومساوئها ـ يؤدي إلى فساد عريض، وشر مستطير، ويحمل صاحبه على ارتكاب مالا ينبغي. ٨ـ الولاية: فالولاية قد تحدث في الأخلاق تغيرا، وعلى الخلطاء تنكرا، إما من لؤم طبع، وإما من ضيق صدر؛ ولهذا قيل: "من تاه في ولايته ذل في عزله"٣.

стр. 63

وقال سالم بن قتيبة: "ما تكبر في ولايته إلا من كبرت عنه، ولا تواضع فيها إلا من كبر عنها"١. وقد كان للشافعي صديق تولى إمرة بعض البلاد، فتغيرت عاداته عما كانت عليه، فكتب إليه الشافعي يقول: اذهب فودك من فؤادي طالق ... أبدا وليس طلاق ذات البين فإذا ارعويت فإنها تطليقة ... ويدوم ودك لي على ثنتين وإذا رجعت شفعتها بمثلها ... فتكون تطليقتين في حيضين وإذا الثلاث أتتك مني بتة ... لم تغن عنك ولاية السيبين٢ قال يحيى بن الحكم: "والله لقد ولي الحجاج، وما عربي أحسن أدبا منه، فطالت ولايته، فكان لا يسمع إلا ما يحب، فمات وإنه لأحمق سيئ الأدب"٣. ٩ـ العزل: فكما أن الولاية تحدث في الأخلاق تغيرا فكذلك العزل؛ فقد يسوء به الخلق، ويضيق به الصدر، إما لشدة أسف، أو لقلة صبر٤. ولهذا فمن من مقومات صاحب المروءة ألا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.

стр. 64

١٠ـ الغنى: فقد تتغير به أخلاق اللئيم بطرا، وتسوء طرائقه أشرا، وقد قيل: من نال استطال، وقال بعضهم: فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر لقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر١. وقد أحمد بن إبراهيم يخاطب بعض أهله: أظنك أطغاك الغنى فنسيتني ... ونفسك والدنيا الدنية قد تنسي فإن كنت تعلو عند نفسك بالغنى ... فإن سيعليني عليك غنى نفسي٢. ١١ـ الشهرة وبعد الصيت: فهناك من إذا ذاعت شهرته، وبعد صيته إما بسبب علمه، أو ماله، أو نحو ذلك ـ تغير أحواله، وتبدلت أخلاقه وطباعه، فازدرى من حوله، وتنكر لمن كان معه في بداية طريقه. قال البارودي: وكذا اللئيم إذا أصاب كرامة ... عادى الصديق ومال بالإخوان٣. ١٢ـ كثرة الهموم: التي تذهل اللب، وتشغل القلب، فلا تتبع الاحتمال، ولا

стр. 65

تقوى على صبر، وقد قيل: الهم كالسم١. ١٣ـ الأمراض: التي يتغير بها الطبع، كما يتغير بها الجسم، فلا تبقى الأخلاق على اعتدال، ولا يقدر معها على احتمال٢ قال المتنبي: آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولّى وإذا الشيخ قال: أف فما ملـ ... ل حياة وإنما الضعف ملا٣. ١٤ـ كبر السن: فلذلك تأثيره على الجسم والنفس معا، فكما يضعف الجسد عن احتمال ما كان يطيقه من أثقال ـ فكذلك تعجز النفس عن أثقال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الهوى، والصبر على الأذى. ١٥ـ ضيق العطن: فهناك من الناس من هو ضيق العطن، لا يريد من أحد أن يخطئ، ولا يتحمل أدنى إساءة أو خطأ، فتجد أن نفسه تضيق عند أدنى زلة أو هفوة. ١٦ـ الغفلة عن عيوب النفس: فكثيرا ما نغفل عن عيوب أنفسنا، ونتعامى عن معايبنا ونقائصنا، وقليلا ما نتفقد أحوالنا، وننظر في مواطن الخلل فينا.

стр. 66

بل كثيرا ما نحسن الظن بأنفسنا؛ فنزكيها بالأقوال لا بالأفعال، وندعي لها الكمالات، ونبرؤها من النقائص. فإذا سمعنا بخلق حسن نسبناه إلى أنفسنا، وكأننا أحق الناس به وأهله. وإذا سمعنا بخلق سيئ عزوناه إلى غيرنا، وخيل إلينا أننا بمنجى منه ومنأى عنه. فهذا المسلك لا يحسن بذوي المروءات، ومتطلبي الكمالات، فهذا مما يورث الإعجاب بالنفس، والرضا بما هي عليه من تقصير، وترك السعي في علاجها وإصلاحها. وهذا عين الخطأ، وعنوان الغفلة والجهل؛ فإصلاح النفس، والترقي بها قدما في درج المكارم ـ لا يتأتى بتجاهل العيوب، ولا بالغفلة عن تفقد النفس. قال ابن المقفع: "من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه؛ فإن من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره. ومن خفي عليه عيب نفسه، ومحاسن غيره ـ فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصر أبدا"١. قال محمود الوراق: أتم الناس أعرفهم بنقصه ... وأقمعهم لشهوته وحرصه٢.

стр. 67

وقال الماوردي: "هذب أيها الإنسان نفسك فافتكار عيوبك؛ فإن من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ"١. ١٧ـ اليأس من إصلاح النفس: فهناك من يعرف من نفسه سوء الخلق، فيحاول إصلاح نفسه مرة إثر أخرى، فإذا ما رأى منها نفورا أو جماحا أيس من إصلاحها، وترك مجاهدتها، وظن أن سوء الخلق ضربة لازب لا تزول، ووصمة عار لا تنمحي. ١٨ـ دنو الهمة: فمن دنت همته، وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل، فالنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع كما يقع الذباب على الأقذار٢. قال الإمام الشوكاني ﵀: قبح الله همة تتسامى ... عن كبار الأقدار دون الصغار هي أهل لما عراها من الذل ... ل وما مسها من الإحتقار٣ ١٩ـ التقصير في أداء الحقوق: فهذا الأمر يشعر المرء بوخز الضمير، ويقوده إلى التماس

стр. 68

المسوغات والمعاذير، تارة بالكذب والتملق، وتارة بإلقاء اللائمة والتبعة على الآخرين وهكذا ... فإذا ألف هذا الأمر واستساغه ساء خلقه، وقل حياؤه. ٢٠ـ قلة التناصح والتواصي بحسن الخلق: فهذا مما يقود إلى التمادي بسوء الخلق وإلفه، وترك المحاولة في اكتساب حسن الخلق والتحلي به. ٢١ـ التكبر عن قبول النصيحة الهادفة والنقد البناء: فقد توجد النصيحة الهادفة والنقد البناء، وقد تصدر وتبذل من ناصح أمين وناقد بصير. ولكن قد لا تجد أفئدة مصغية، ولا آذانا مصيخة، بل قد يتكبر المنصوح، ويتعاظم في نفسه، ويستنكف من قبول النصيحة، فيستمر على خطئه، ويعز علاجه واستصلاحه. ٢٢ـ قلة التفكير في أمر الآخرة: وما أعده الله ـ جل وعلا ـ من عظيم الثواب لمن حسن خلقه. ولهذا كان من وصف الأنبياء ﵈ أنهم يكثرون من ذكر الآخرة. قال ـ تعالى ـ عنهم: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦] . ٢٣ـ مصاحبة الأشراء: فللصحبة أبلغ الأثر في سلوك المرء، فالصاحب ساحب، والطبع استراق، فمن جالس الأشرار وعاشرهم فلا بد أن يتأثر بهم،

стр. 69

ويقبس من أخلاقهم؛ فمجالستهم تنساق بصاحبها إلى الحضيض، فكلما هم بالنهوض والتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن مساوئها ـ عوقوه، وثنوه، فعاد إلى غيه، واستمر على جهله وسفهه. ٢٤ـ قلة الحياء: فقلة الحياء مظهر من مظاهر سوء الخلق، وهي في الوقت نفسه سبب من أسباب سوء الخلق؛ ذلك أن الحياء خصلة حميدة، تبعث على فعل الجميل وترك القبيح، فإذا قل حياء المرء لم يعد يبالي بسفول قدره، وسوء خلقه، ولم يجد ما يبعثه للنهوض إلى اكتساب الفضائل، ولا ما يرفعه عما هو مستغرق فيه من الرذائل. يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء ٢٥ـ الطمع والجشع: فهما من موجبات الذلة والحقارة، ومن أسباب سقوط الجاه والمنزلة؛ فحب المال هو الذي ينزع من فؤاد الرجل الرأفة، ويجعل مكانها القسوة والفظاظة. وإذا غلب طمع أو جشع على قلب فإنه يستشعر ذلة، ويتدثر صغارا، وتعلوه مهانة، وتكسوه حقارة. ٢٦ـ وجماع ذلك كله ـ ضعف الإيمان: ذلك أن الإيمان جماع كل خير، فإذا ما ضعف أو فقد، فإن صاحبه لن يبالي بالمكرمات، ولن يأنف من النزول في حضيض الدركات. فهذه بعض الأسباب الحاملة على سوء الخلق.

стр. 70

الباب الثاني تمهيد ... الباب الثاني علاج سوء الخلق وتحته تمهيد وثلاثة فصول: تمهيد: هل يمكن تغيير الأخلاق أو لا؟ الفصل الأول: حسن الخلق وفضائله وتحته مبحثان: المبحث الأول: تعريف حسن الخلق المبحث الثاني: فضائل حسن الخلق الفصل الثاني: أسباب حسن الخلق الفصل الثالث: أمور تتعلق بالأخلاق وتحته مبحثان: المبحث الأول: بين المداراة والمداهنة المبحث الثاني: مقتطفات من أخلاق النبوة

стр. 71

تمهيد هل يمكن تغيير الأخلاق أو لا؟ وبعد أن استبانت لنا بعض المعالم لسوء الخلق يحسن الوقوف ههنا حول سؤال يرد كثيرا مفاده: هل يمكن تغيير الأخلاق أم لا؟ والجواب عن ذلك قد اختلف فيه؛ فهناك من يرى أن الأخلاق ثابتة في الإنسان لا يمكن أن تتغير؛ لأنها غرائز فطر عليها، وطبائع جبل على التحلي بها؛ فلا يمكنه تغييرها، ولا يتصور فكاكه عنها. وهناك من يرى أن تغيير الأخلاق وارد ممكن؛ فليس متعذا ولا مستحيلا، خلافا لمن رأى غير ذلك. والرأي الثاني هو الصواب المقطوع فيه؛ ذلك أن الأخلاق على ضربين، فمنها ما هو غريزي فطري جبلي، ومنها ما هو اكتسابي يأتي بالدربة، والممارسة، والرياضة، والمجاهدة. ولو كانت الأخلاق لا تتغير لبطلت الوصايا، والمواعظ، والتأديبات. بل كيف ينكر هذا وتغيير خلق الحيوان البهيم ممكن؟ إذ أن البازي ينقل من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك عن التخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد. وكل ذلك تغيير في الأخلاق.

стр. 72

فإذا كان هو الشأن مع الحيوان البهيم فأجدر بالإنسان أن يتغير خلقه، ويتبدل طبعه إلى حد الاعتدال، وذلك إن أخذ برياضة نفسه، وسياستها، وحملها على المكارم١. وهذا الأمر هو الذي تسنده أدلة الشرع والواقع. أما أدلة الشرع فكثيرة جدا، فهي تحث على التحلي بالفضائل، والتخلي من الرذائل. ولو كان ذلك غير ممكن لما أمر به. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] . وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] . ففي هاتين الآيتين دليل على أن الأخلاق تتغير، وأن الطباع تتبدل؛ ذلك أن حسن الخلق من الفلاح، والفلاح ينال بالتزكية. وقال النبي ﷺ : "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه" ٢.

стр. 73

ففي هذا الحديث دليل على أن الأخلاق قابلة للتغيير؛ ذلك أن الحلم من الأخلاق بل هو سيدها، وهو مع ذلك ينال ويكتسب بالتحلم، والمجاهدة، وحمل النفس على ذلك. لعمرك إن الحلم زين لأهله ... وما الحلم إلا عادة وتحلم١ أما دلالة الواقع فنرى، ونسمع أن أناسا يتصفون بالشره، والنزق، وسوء الخلق.

стр. 74

فإذا ما راض الواحد منهم نفسه، وساسها، وجاهدها، وأخذ بالأسباب المعينة على محاسن الأخلاق ـ تبدلت طباعه، وحسنت أخلاقه. وخير دليل على ذلك ما كان من أمر الصحابة ﵃ قبل البعثة، فلقد كانوا كسائر كثير من العرب ممن يتصفون بالشدة، والقسوة، والغلظة. فلما دخلوا في الإسلام، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم ـ رقت طباعهم، وحسنت أخلاقهم. بل إنهم أصبحوا مثالا يحتذى، ونهجا يقتفى، في الإيثار، والسماحة، والكرم، والحلم، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق. وبعد أن تبين أن الأخلاق قابلة للتغيير نصل إلى مربط الفرس، وبيت القصيد، ألا وهو علاج سوء الخلق؛ ذلك أن غالبية الناس لا يخفى عليهم سوء الخلق، ولا يجهلون ضرره وقبحه، بل يعلمون ذلك ويتمنون الخلاص منه إن كانوا متصفين به. وإنما الذي يحتاجه أغلب الناس هو كيفية التخلي من سوء الخلق، والتحلي بحسن الخلق. وهذا ما سيتبين ـ إن شاء الله ـ من خلال الصفحات التالية عند الحديث عن حسن الخلق من حيث تعريفه، وفضائله، وأسباب اكتسابه، والسبل المعينة على ذلك. فالأشياء تتميز بضدها، والضد يظهر حسنه الضد.

стр. 75

الفصل الأول حسن الخلق وفضائله المبحث الأول: تعريف حسن الخلق تعريف كلمة "حسن": قال ابن منظور: "الحسن ضد القبح ونقيضه"١. وقال عن الأزهري: "الحسن نعت لما حسن. حَسُنَ، وحَسَن يحسن حسنا فيهما فهو حاسن وحسن"٢. وقال عن الجوهري: "والجمع محاسن على غير قياس كأنه جمع محسن"٣. وقال: "والمحاسن في الأعمال ضد المساوئ"٤. تعريف حسن الخلق: عرف حسن الخلق بتعريفات عديدة متقاربة، ومنها ما يلي: ١ـ قيل: إن حسن الخلق هو: بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الأذى٥. ٢ـ قيل: حسن الخلق بذل الجميل، وكف القبيح٦. ٣ـ وقيل: التخلي من الرذائل، والتحلي بالفضائل٧.
следующие страницы →