الناس فيما اشتبه عليهم".
"قال الشيخ أبو عبد الله ابن بطة ﵀: قد اقتصرتُ يا أخي -صانَكَ اللهُ- من صفة الفقيه على ما أَوردتُ، وكففتُ عن أضعافِ ما أردتُ؛ فإني ما رأيت الإطالة بالرواية في هذا الباب متجاوزةً ما قصدْنا من جواب المسألة، نعم -أيضاً- وتهجينٌ لنا وسبّةٌ علينا، وغضاضةٌ على الموسومين بالعلم، والمتصدرين للفتوى من أهل عصرنا، مع عدم العالِمين لذلك والعاملين به، فأسأل الله أن لا يَمْقتنا، فإنا نَعُدُّ أنفسَنا من العلماء الربانيين، والفقهاء الفهماء العارفين، ونحسِبُ أنا أئمةٌ متصدرون عِلماً وفُتيا، وقادةُ أهل زمانِنَا، ولَعلَّنا عند الله من الفاجرين، ومن شرار الفاسقين!. فقد رُوي عن الفضيل بن عياض ﵀، قال: إنا نتكلم بكلامٍ أحسب أن الملائكة تستحسنه، ولعلّها تَلْعن عليه! ".
"وقال عيسى بن مريم ﷺ : يا معشر الحواريين الحقَّ أَقولُ لكم: إن الدنيا لا تَصْلح إلا بالمِلْحِ، والطعامَ لا يَطِيبُ إلا به، فإذا فَسَدَ المِلْح فَسَدَ الطعامُ وذهبت المنفعةُ به. وكذلك العلماء مِلْح الأرض لا تستقيم الأرض إلا بهم، وإذا فَسَدَ العلماء فَسَدَت الأرض".
"وقال سفيان بن عيينة: قَدِم عبيد الله بن عمر الكوفة فلمّا رأى اجتماعهم عليه، قال: نسيتم العِلْم، وأذهبتم نوره، لو أدركني وإياكم عمر لأوجعَنا ضرباً.
هذا -رحمكم الله- قول عبيد الله بن عمر ﵀ لِمَن اجتمع عليه من طلبة العلم، وهم: سفيان الثوري، وابن عيينة، وأبو إدريس الخَوْلاني،
стр. 142
وحَفْص بن غِياث، ونظراؤهم؛ فما ظنُّك بقوله لو رأى أهل عصرنا"١"، فنسأل الله صفحاً جميلاً، وعفواً كبيراً، فيا طوبى لنا إن كانت موجباتُ أفعالنا أن نوجَعَ ضرباً؛ فإني أحسِب كثيراً ممن يتصدر لهذا الشأن يرى نفسه فوقَ الذين قد مضى وصْفُهم، ويرى أنهم لو أدركوه لاحتاجوا إليه وأَمموه. ويرى أن هذه الأفعال منهم والأقوال المأثورة عنهم كانت من عَجْزهم، وقلّةِ عِلْمهم، وضَعْف نحائزهم. الله المستعان! فلقد عشنا لشرِّ زمان. فقد حدّثَنا أبو محمد السكري، حدثنا أبو يعلي الساجي، حدثنا الأصمعي، قال: سمعت سفيان بن عيينة قال: إذا كنتَ في زمانٍ يُرْضى فيه بالقول دون الفعل، والعِلْمِ دون العمل، فاعلم بأنك في شرِّ زمانٍ بَيْن شرِّ الناس.
ولقد رُوي عن حبرٍ من أحبار هذه الأُمّة وسيدٍ من سادات علمائها أنه قال: ما أرى أن يُعَذِّب الله هذا الخَلْق إلا بذنوب العلماء.
قال أبو عبد الله عبيد الله بن محمد"٢" -ومعنى ذاك، والله أعلم-: أن العالِمَ إذا زلَّ عن المحجة، وعَدَلَ عن الواضحة، وآثر ما يهواه على ما يَعْلمه، وسامحَ نفسه فيما تدعوه إليه، زلَّ الناس بزلَلِهِ، وانهمكوا مُسْرعين في أَثرِهِ، يَقْفون مَسْلَكَه، ويَسْلكون محجته؛ وكان ما يأتونه ويرتكبونه من الذنوب وحَوْبات المأثمِ بحُجّةٍ، وعلى اتّباعِ قدوةٍ؛ فلا تجري مجرى الذنوب التي تُمحى بالاستغفار، ومرتكبها بين الوجل والانكسار، فالمقتدون به فيها كالسفينةِ إذا
стр. 143
غَرِقت غَرِق بغرقِها خَلقٌ كثير، وجوهرٌ خطير، أضعافُ ثَمَنِها وقيمتِها وبأضعافٍ مضاعفةٍ. والله أعلم""١".
ولعله، بعد هذا البيان لصفات الفقيه وعلاماته، يتضح للمطلع على هذا أهمية الفقه في حياة الإنسان، ومعرفة جانبٍ من كيفية تحصيل المرء للفقه عن طريق الحرص على التحلي بتلك الصفات النفيسة، فما أجملَ، وما أحسنَ أن يأخذ الإنسان نفسه بهذه الأخلاق والصفات الحسنة؛ حتى يُصْبح من أهلها. والله المستعان.
стр. 144
الفصل الثالث: الطريقة المنهجية لتحصيل الفقه في الدِّين
عَرْضٌ عامٌّ للطريقة
*
...
الطريقة المنهجية لتحصيل الفقه في الدين
عَرْضٌ عامٌّ للطريقة
إذا كانَ تحصيل الفقه في الدين مطلباً مهمّاً، فإنه لا يكفي لتحصيله مجرّد الرغبة فيه، وإنما لابدّ مِن الأخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى للوصول إلى هذا المطلب العظيم.
وهذه الأسباب تُمثِّل جانباً مِن سُننِ الله سبحانه في الخَلْق. ويمكن تلخيص أسباب الوصول للفقه فيما يلي:
١- الرغبة الصادقة لدى الإنسان في تحصيل الفقه في الدين، رغبةً يَحْدوها الإخلاص لله وحده لا شريك له؛ فإخلاص النية لله تعالى في طلب العلم، ولاسيما هذا النوع من العلم الذي هو خاص بطريق هداية الإنسان إلى الله تعالى، وليس إلى أمور المعاش في الحياة الدنيا الفانية
= أمرٌ لا يُغْنِي عنه شيءٌ آخر.
وينبغي للراغب في تحصيل الفقه، أن يُدرِك خطورة انحراف النية عن هذا القصد في طلب هذا النوع من العلم.
وينبغي للراغب في تحصيل الفقه، أن يُدرِك أهمية هذا النوع من العلم وقدْرَهُ؛ فلا يَنْحرف به عن غايته.
стр. 145
٢- تحديد مفهوم الفقه في الدين تحديداً صحيحاً، وذلك حسب ما مضى في تعريفه في هذا البحث"١".
٣- تحديد الطرق الصحيحة لتحصيل الفقه في الدين، المتمثلة في تصحيح المنهج في تلقي العلم؛ كي لا ينحرف الدارس بإفراط أو تفريط. ومما يؤكَّد عليه في هذا الباب:
* أن ندرك منذ البداية أن العلم منهجٌ، قبل أن يكون مسائل متفرقة.
*وأن ندرك أن العلم فقهٌ، قبل أن يكون حفظاً، أو سعة اطّلاعٍ؛ قال تعالى: ﴿والذين إِذا ذُكِّرُوا بآياتِ ربِّهِمْ لَمْ يَخِرِّوْا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ "٢"، وقال ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
* وأن ندرك أن العلم عملٌ وتطبيقٌ، قبل أن يكون فكراً وثقافة ...
* ويجب أن يكون أساس المنهج هو تحكيم الكتاب والسنة، واتخاذهما ميزاناً يَصْدر عنه طالب العلم في علمه ومنهجه في طلب العلم، وفي فهمه ...
* ولابد من سلامة المنهج في فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما، وإلا فكم من الفِرَق المنتسبة إلى الإسلام قد انحرفت عن هدايات كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ودلالاتهما، مع زعمها، أو حرصها، على تحكيمهما، ولكنها لم تَظْفر بذلك؛ لأحد سببين أساسيين في تقديري، أو لهما معاً:
- الأول: عدم استقامة منهج الفهم عند الطائفة أو الجماعة.
стр. 146
- الثاني: عدم السلامة من الهوى، أو وجود شيء من الهوى ... على درجات فيما بين تلك الفِرق وأصحابها.
* والتثبت أمرٌ مهمٌّ، يُمَثِّل جانباً أساسيّاً في معالم المنهجية السليمة في طلب العلم، والتثبت يشمل جانبين-كما سبق-:
أ - التثبت مِن صحة النقل وفي الروايات التي تنبني عليها الأحكام.
ب - التثبت مِن الفهم، بمعنى تدقيق الفهم ونقده بحيث يستقيم له صحة فهمه واستدلاله.
٤- السعي الجادّ في تحصيل الفقه في الدين وفْق تلك الطرق الصحيحة، وذلك ببذل الجهد الكافي لتحصيل العلم، ويَنْبغي أن ندرك قدر الجهد الذي يتطلبه هذا العلم، وأن نَعِيَ أن العلم لا يدرك بالأماني والراحة؛ "لا يُدْرَك العلم براحة الجسم"؛ بل لابد من المجاهدة، ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ "١".
فهل نُدْرِك-بعد هذا- نتائج الوفاء بهذه الأمور الأربعة، ونتائج الإخلال بها أو بواحد منها!.
إنّ مِن المؤكَّد أنّ مَن لم يَسِر على هذا المنهج؛ فليس له سبيلٌ إلى تحصيل الفقه في الدين بصورةٍ صحيحةٍ شاملةٍ متكاملةٍ؛ لأنّ مِن سُننِ الله في الخَلْق أنه قضى، سبحانه، أن تحصيل الأمور مرهون بـ:
- الأخذ بأسبابها، وقد قال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ
стр. 147
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "١"؛ فلا تكفي الرغبة وحدها لتحصيل أمرٍ مِن الأمور، حتى ينضمّ إليها السعيُ.
- ولا يكفي ذلك حتّى يكون السعي منضبطاً بالتوجّه الصحيح لتحصيل ذلك الأمر؛ قال تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ "٢".
ومما يَلْزم الإنسانُ لتحقيق هذا المطلب:
١- النية الصالحة.
٢- القناعة.
٣- الإرادة القوية التي لا تردد فيها؛ بحيث لا يشغلك شاغلٌ عن الهدف وألا تُؤْثِرَ الراحة على تحصيل العلم، ولا تؤجل الواجب لغير وقته.
٤- تخصيص الوقت الكافي.
стр. 148
قواعد عامّةٌ لتطبيق الطريقة المطلوبة
فيما يلي أَذكرُ بعض القواعد العامة التي ينبغي مراعاتها لتطبيق تلك الطريقة المطلوبة في تحصيل العلم والفقه في الدين تطبيقاً فرعيّاً في مختلف العلوم:
ينبغي-منذ البداية-إدراك التلازم الذي ينبغي أن يكون بين تحصيل العلم
стр. 149
* وتحصيل الفقه؛ إذ العلم هو الطريق الطبيعية لتحصيل الفقه، والعلم-بمختلف طرقه وأساليبه ومجالاته-مِن أهمّ ثمراته، والغاية منه، أن يكون طريقاً للوصول للفقه المطلوب.
* الاتّجاه أوّلاً إلى قراءة المتون الصغيرة المنتقاة في مختلف العلوم، وحفظها لتكون بدايةً مؤَسِّسةً له في كل علمٍ يتّجه إلى تحصيله. مع العناية بالفهم إلى جانب الحفظ.
* ثم التوسّع في كل علمٍ بحسب الحاجة، وَفْق برنامجٍ انتقائيّ دقيق، لاختيار الكتاب الذي يُحَقّق الغاية المرتجاة مِن وراء دراسة هذا العلم، وهنا يتعيّن الإفادة مِن المتخصِّصين المتقنين.
* العناية بتحصيل مداخل مختلف العلوم ابتداءً، وتَصُّور ما فيها مِن نظراتٍ تقويمية للمناهج والكتب، والإفادة مِن ذلك في طلب العلم وفقهه.
* العناية بتحصيل مفاتيح العلم الثلاثة، وهي: القراءة، والكتابة، والفهم. وسيأتي الكلام عليها قريباً.
* العنايةُ بكلٍّ مِن الفهم والحفظ، مع تقديم الفهم على الحفظ.
* إعمال العقل، وفهم قاعدة: "لا اجتهاد مع النص" على وجهها؛ إذ أنها لا تمنع من الاجتهاد في فهْم النص، الأمر الذي ظنَّهُ بعض الناس كذلك؛ فصرفهم عن إصابة بابٍ مِن أهم أبواب الفقه السديد.
* تأويل النصوص يجب أن يكون المنهج فيه على الاعتدال؛ فلا يذهب إلى التكلف في تفسير النصوص وتأويلها، ولا يذهب إلى الظاهرية البحتة.
стр. 150
* العناية بالتزكية وتهذيب النفس بالعلم الذي يُحَصّله الإنسان.
* العناية بالعمل والتطبيق للأحكام التي يتفقه فيها مَن يَدْرُسُ آيات الله وأحاديث رسوله ﷺ .
* أن تنطلق في طلبك للعلم مِن معرفة الضوابط التي يقوم عليها عامة مسائل العلم.
* أن تجتهد في تحرير هذه القواعد والأصول التي تنطلق منها لفهم النصوص.
* هذه نقاطٌ مهمةٌ يتعيّن مراعاتها لتحصيل العلم، واجتناء ثمرته في الدنيا والآخرة.
* وفي إطار هذا الاهتمام، فإنّ مِن اللازم، للراغب في تحصيل العلم والفقه السديدين، أن يُعْنى بالتعرُّف على القواعد الفرعية التطبيقيّة، المطلوبة لتحصيل الفقه في مختلف العلوم؛ بحيث يَقِف على تلك القواعد فيما يَخُصُّ كلَّ علْمٍ مستقِلاًّ، ويُراعيها في طلبه للعلم. وعلى سبيل المثال أُورِدُ فيما يلي بعض القواعد المطلوبة لدراسة الحديث وفقهه.
стр. 151
قواعد تطبيقية لازِمةٌ لدراسةِ الحديث وفقهه "١":
أَذكرُ فيما يلي أَهمَّ القواعد والأُسس اللازمة لفقه حديث رسول الله ﷺ والعمل به، فمِن أهمها:
* التأكد مِن صحة الحديث عن رسول الله ﷺ .
* التأكد مِن صحة فهم النص، وفقهه.
стр. 152
* ومما يعين في فهم النصوص:
- مراعاة سبب ورود الحديث؛ لأن له دخلاً في تحديد المراد بالنص.
- الوقوف على النص بتمامه، وبلفظه إن كان متاحاً.
- الاطلاع على الروايات في الحديث.
- جمع النصوص الواردة في المسألة الواحدة.
- ربط الشرح بمواضع استنباطه مِن النص؛ فإنه مُعينٌ على الفهم.
* استعذاب النص، وذلك بالنظر إلى من تكلم به؛ علماً بأن هذا الاستعذاب هو الذي يقود إلى فقه النص وحفْظه.
* أن لا تأخذ النصوص على وجه السرد، بل على سبيل الدراسة المنهجية.
* إيقانك أن الحق في كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
* أن تنطلق من الثقة في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وهذه الثقة يجب أن تسبق الدراسة، وتُتَرجَم هذه الثقةُ في أمرين يجب أن يظهرا فيه، هما:
١- الاعتقاد بأن الحق في كلام الله وكلام رسوله ﷺ والصواب فيهما، وأنه ليس فيهما ما يضادُّ ذلك.
٢- تحكيم الكتاب والسنة في فهمنا وفي أفعالنا وسلوكنا، وهذا نتيجةٌ للقناعة بالأمر الأول.
وتطبيق هذا المعنى في باب الخلاف:
أن تستشعر أن هذا الحديث والكلام هو حديث النبي ﵊؛ فمهما وضعنا بجانبه من كلام فلن يَرْقى إلى مستوى كلامه ﷺ وما يجب له مِن الثقة، واعتقاد الحق المطلق، والاحترام.
стр. 153
وأنْ نُحَكِّمَ نصوص الكتاب والسنة في المسائل الخلافية وفي كلام أئمّتنا، لا العكس؛ لأنّ الصحيح أن نأخذ أقوالهم-رحمهم الله تعالى في ضوء نصوص الكتاب والسنّة. هذا مع التسليم بأنهم إنما كان قصْدهم التماس الحق في هدايات القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ ، لكن لم يَكتب الله لهم العصمة.
على أنه يجب علينا التأدّب مع هؤلاء الأئمة الفضلاء على كل حال.
وبهذا التطبيق السليم نَسْلم من داء التعصب، الذي أضلّ أقواماً مِن الناس عن الحق.
* أن تستشعر المنة والنعمة من الله عليك أَنْ صحّ لك الحديث عن رسول الله ﷺ .
ويَتْبع هذه المنهجية مراعاة منهجية تحصيل العلم في مختلف جوانبها الأخرى، وفيا يلي حديثٌ عن روافد تحصيل العلم والفقه، وعن القراءة باعتبارها الطريق لتحصيل العلم.
стр. 154
روافد تحصيل العلم والفقه
لتحصيل العلم والفقه في الدين روافدُ. ومِن أهمّها ما يلي:
- الانصراف للعلم بالقدر الكافي لتحصيل مهمّاته، وذلك مِن حيث الوقت والجهد والتفكير.
- الأخذ عن متخصص متقنٍ، ممن تَوَجَّه في تحصيله للعلم إلى الفقه وتحرير مسائل التخصص وقواعده ومناهجه على الفهم السديد، لا إلى
стр. 155
مجرّد الاطّلاع أو الحفظ؛ لأن فاقد الشيء لا يُعْطيه.
- القراءة الواعية بضوابطها المطلوبة فيها. وهذا الرافد مِن أهم روافد تحصيل العلم والفقه، وهي لا تَقِلُّ أهمّيةً عِن الأخذ على الشيخ أو المتخصص، وإن كانت لا تُغني عن ذلك.
إلى آخر ما هنالك مِن روافد تحصيل العلم والفقه في الدين.
стр. 156
القراءةُ رافِداً مِن روافد العلم والفقه
نظراً لأهميّة هذا الرافد مِن روافد تحصيل العلم والفقه، تَعَيَّن هنا أن تُخَصَّ ببيان شيءٍ مِن ضوابطها وقواعدها؛ كي تؤتي ثمارها؛ فمِن ذلك ما يلي:
* الانقطاع للقراءة، واتّخاذها واجباً لازماً طوال العمر.
* أن تقرأ وأنت على علمٍ بقدْر ما تقرأ، وتتقرب إلى الله بهذه القراءة.
* أن تقرأ لتفهم، لا لتنتهي، ولا لتحفظ، فقط، وليكن الحفظ بعد الفهم، إذ ليست العبرة بأن تحفظ، أو تفهم فقط، ولكن أن تفهم وتحتفظ بما تفهم.
* أن تعمل بما تقرأ. وهذا نتيجةٌ للإخلاص.
* أن تُهَيِّئ نفسك للقراءة الأُولى؛ وذلك لأن مراعاة الجانب النفسي أمرٌ مهم في القراءة، ويتم لك هذا الأمر بمراعاة ما يلي:
- أن تستشعر أنّ ما تقرؤه جديد عليك.
стр. 157
- أن تستثمر أول قراءة لك؛ لأن هناك فرقاً بين القراءة الأولى والقراءة الثانية، وما بعدها، فأنت بالقراءة الأولى ُتعبِّد الطريق لك في هذا المجال.
- ينبغي أن لا تكون أولُ قراءة لك سريعةً أو سطحية.
* ينبغي أن يكون معك ورقة وقلم حينما تقرأ؛ لِتسجِّل ما يَلْزَم تسجيله.
* في حال قراءتك ينبغي أن تُرَشِّح معلوماتٍ مما تقرؤه، للاسترجاع في الوقت الضيق.
* ينبغي أن تُحدِّد عناصر الموضوع الذي تقرؤه، ثم تَرْبط العناصرَ ببعضها.
* أن تجتهد في أن تكونَ قراءتك قراءةً سليمةً موصلةً للعلم والفقه السديدين؛ وهذا يتطلب منك التعرف على مفاتيح العلم الثلاثة، وطريقة تحصيلها. وفيما يلي حديثٌ عن هذه المفاتيح، وعن طريقة تحصيلها.
стр. 158
مفاتيح العِلْمِ الثلاثة "١"
ليست مشكلةُ كثير من الناس أنهم لا يَطْلبون العلم، لكن المشكلة عندهم أنهم لا يأتون الأمْرَ مِن بابه، ومِن ذلك أنهم قد يبدأون بما ينبغي أن يؤخروه، أو يؤخرون ما ينبغي أن يُقدِّموه. ومِن هذا أن يتّجه أحدهم لطلب العلم بالدرس والقراءة وتَلَقِّي العلم مع أنه لم يُحَصِّل مفاتيح العلم الثلاثة التي
стр. 159
هي شَرْط تحصيل العلم، وهي:
المفتاح الأول: أن تقرأ قراءةً صحيحةً.
المفتاح الثاني: أن تكتب كتابةً صحيحةً.
المفتاح الثالث: أن تَفْهم فهماً صحيحاً.
ومَن لم يُحصِّل هذه المفاتيح الثلاثة أَوّلاً فإنه لا يمكنه تحصيل العلم بحالٍ.
فهل يُدْرِك هذا الأمر المعلّمون والمربون والمتعلِّمون؛ فيتجهون إليه أوّلاً؛ فيُقَدِّمون المقدَّمَ أوّلاً ويؤخرون المؤخَّر؛ فينجحون في مهمتهم!.
стр. 160
الطريقة المثلى لتحصيل مفاتيح العلم الثلاثة "١":
لتحصيل مفاتيح العلم الثلاثة -السابق ذكْرها- طريقةٌ، مَن لم يأخذ نفسه بها فإنه لن يُحَصّلها، وتتلخص هذه الطريقة فيما يلي:
الطريق إلى تحصيل المفتاح الأول-وهو: أن تقرأ قراءةً صحيحةً:
إنّ الطريق لتحصيل هذا المفتاح هو أن تتعرف على صورة كل حرفٍ وتتدرب على قراءته مفرداً ومجموعاً مع بقية حروف الكلمة بشكلٍ صحيحٍ، لكنّ ذلك لا يكفي لأَنْ تقرأ القراءة الصحيحة؛ ولا يَتِم لك ذلك حتى تُلِمّ -فيما بعد- بالأساس مِن اللغة العربية نحواً وصَرْفاً-نظرياً وعملياً-بأنْ تتعرف على ذلك مِن كتاب جيدٍ مختار، وتدْرسه على يدِ شخص متقنٍ، بشرط أن تَجمع بين الإلمام النظريّ والتدريب العمليّ؛ فتقرأ بين يديه، ويتولّى توجيهك في نطق الكلمات-مِن حيث صفات الحروف ومخارجها، وضبطها الإعرابي-ويوَقّفك عند القراءة،
стр. 161
ويسألك عن سبب الرفع والنصب والجر للكلمة؛ حتى يُصبح الطابع لقراءتك رفْعَ المرفوع ونصْبَ المنصوب وجرَّ المجرور، وهذا هو المفتاح الأول تماماً.
الطريق إلى تحصيل المفتاح الثاني- وهو: أن تكتب كتابةً صحيحةً-:
إنّ الإتقان لطريقة القراءة الصحيحة-نظرياً وعملياً-يُعَدُّ الشطر الأول للقيام بواجب الكتابة كتابة صحيحةً، ومعنى ذلك أنك إذا عرفت وتدربت كيف تقرأ قراءةً صحيحةً فقد خطوتَ نصفَ الخطوةِ لتكتب كتابةً صحيحةً.
إنّ الطريق لتحصيل هذا المفتاح هو أن تتعرف على صورة كل حرفٍ وتتدرب على كتابته بشكلٍ صحيحٍ، ثم تتعرف على ربط الحروف مع بعضها بطريقةٍ صحيحةٍ، ثم تتعرف على قواعد الإملاء السليم نظرياً، وتتدرب على تطبيقها عملياً، ثم تتدرب على شيء مِن أنواع الخط وطُرق وضوحه وجماله؛ بحيث يؤدي كلُّ ذلك إلى أن تكتب كتابةً صحيحةً وواضحةً وجميلةً في الوقت نفسه.
والشرط في التعرف على كل ذلك أن تعتمد على:
- كتابٍ جيدٍ محرَّرٍ في الإملاء، وكتابٍ كذلك في الخط.
- التدرب على يدِ شخصٍ متقنٍ للإملاء، وشخص متقنٍ للخط.
الطريق إلى تحصيل المفتاح الثالث-وهو: أن تَفْهم فهماً صحيحاً-:
إنّ تحصيل المفتاحين: الأول والثاني بإتقان يعني أنك قد خطوت نصف الخطوة لكي تفهم فهماً صحيحاً، لكنّ ذلك لا يكفي لأَنْ تفهم فهماً صحيحاً؛ وإنما عليك أن تخطُوَ النصف الباقي لتحصيل هذا المفتاح، وهو أن تُعنى بالفهم، ويُساعدك عليه العناية بما يلي:
стр. 162
- الإلمام ببعض تراكيب اللغة وأساليبها، مِن الحقيقة والمجاز، والظاهر المراد والظاهر غير المراد، والأمثال في اللغة، وكل ما يَلزم مِن مباحث علم البلاغة.
- الإلمام بالأساس مِن القواعد في أصول الفقه، والقواعد الفقهية.
- الإلمام بالأساس في أصول التفسير.
- الإلمام بالأساس في أصول الحديث.
فإذا فعلتَ ذلك فقد أصبحت عارفاً بمدلولات الألفاظ والتراكيب، وعارفاً بعلوم الآلة-كما يُسمّونها-وبالعلوم المنهجية للفهم والتحقيق العلمي، وتستطيع، عندئذٍ، المشاركة في العلم والفهم، ويَسْهل عليك تحصيل العلم مِن بابه، وتُميّز بين الصحيح وغير الصحيح روايةً ورأياً. والموفق مَن وفقه الله تعالى، ومَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
وبهذا يتضح أن كل مفتاح مِن هذه المفاتيح شرطٌ لتحصيل المفتاح الآخَر، على الترتيب المذكور.
وكم من إنسانٍ وقع في اللحن أو الخطأ وهو لا يشعر، ويأتيه الخطأ من أربعة أمور، هي
١-الخطأ في حركة إعراب الكلمة.
٢- الخطأ بإبدال حرف في الكلمة بغيره.
٣- الخطأ بإبدال كلمة بكلمة.
٤- الخطأ في المعنى بسبب الوقف والابتداء بما يحيل المعنى.
وهو لا يستطيع أن يعرف خطأه ما لم يكن عنده إلمامٌ بالصواب في مجالاتِ الخطأِ هذه كلها، ولا يستطيع أن يُلِمَّ بتلك المجالات إلا بالعناية بتحصيل تلك المفاتيح الثلاثة اللازمة لطلب العلم.
стр. 163
وربما قالت للإنسان نفسه: إن هذا طريق طويل لتحصيل العلم.
والجواب كلاّ ليس هذا طريقاً طويلاً، بل الأطول منه طريق الجهل، والأطول منه كذلك إتيان العلم مِن غير بابه؛ فيُفْسد الإنسان، عندئذٍ، أكثر مما يُصْلح، ويَضِل ويُضِل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "١".
ولا شكّ في أنّ تحصيل العلم بهذه الطريقة، يختصر كثيراً مِن الوقت على المتعلم والمعلم، إضافةً إلى الإتقان والضبط؛ فيحْصُلَ على ما يُريد بالضبط؛ فَدَعْكَ مِن أهل الظن والخلط والخبط!.
стр. 164
الخاتمه
...
وختاماً:
* ينبغي أن يَعْلم الإنسان أنّ "الهمّ - البرنامج - العمل"،كلُّ هذه أمور لابدَّ منها لتحصيل العلم، وللسير في طريق التوفيق والفقه السديد.
* وأن يَعْلم أنّ الثواني والدقائق والساعات تسير بالإنسان إلى أجله، وإن لم يَسِرْ بها أو معها!.
ونسأله تعالى أن يَجْعل هذه النقاط الواردة في هذا الفصل عن طرق المنهجية لتحصيل الفقه في الدين طريقاً عمليّاً مثمراً يتحقق به المطلوب. والله ولي التوفيق والسداد.
стр. 165
الفصل الرابع: نقاط في منهجيّة فِقْهِ الدِّين
نقاط أساسية في منهجيّة فقْه الدِّين
*
...
نقاط أساسية في منهجيّة فقْه الدِّين
فيما يلي أُوردُ عدداً من المنطلقات التي أعتقد أنها من الأهمية بمكانٍ للإلمام بموضوع الفقه في الدين فقهاً صحيحاً، وذلك في عددٍ من النقاط:
стр. 166
أوّلاً: يَلزمنا للوقوف على الحق والأخذ به أمور أهمها
١- صحة النيّة وصحة الغاية، ومن ذلك: صِدْقُ الرغبة في معرفة الحق، وإرادتِهِ.
٢- الفهم، وأعني به القدرة على الفهم بدرجة كافيةٍ لإدراك معنى الكلام السليم، والتلقي عن رب العالمين ورسوله سيد المرسلين ﷺ .
٣- موافقة كلٍ من الفهم والعمل للشرع. وهذا يستلزم: صحةَ الطريق، والمنهجَ السديد - وهذا يتوقف على: صحة النية والقدرة على الفهم.
٤- بذْل الجهد المطلوب والكافي للوصول إلى الحق والصواب.
يقول ابن الوزير ﵀ في أثناء تعداده لأوصاف من صُنّفت لهم التصانيف، وعُنيتْ بهدايتهم العلماء: " ... وهم من جَمَعَ خمسة أوصاف، معظمها:
- الإخلاص.
- والفهم.
- والإنصاف.
- ورابعها.
-وهو أقلها وجوداً في هذه الأعصار-: الحرص على معرفة
стр. 167
الحق من أقوال المختلفين، وشدة الداعي إلى ذلك، والحامل على الصبر والطلب كثيراً، وبذْل الجهد في النظر -على الإنصاف ومفارقة العوائد، وطلب الأوابد- فإن الحق في مثل هذه الأعصار قلما يعرفه إلا واحد بعد واحد! وإذا عظم المطلوب قل المساعد! فإن البدع قد كثرت، وكثُرت الدعاة إليها والتعويل عليها.
وطالبُ الحق اليوم شبيه بطلاّبه في أيام الفترة"١"، وهم: سلمان الفارسيّ، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأضرابهما -رحمهما الله تعالى- فإنهم قدوة الطالب للحق، وفيهم له أعظم أُسوة؛ فإنهم: لمّا حرصوا على الحق، وبذلوا الجهد في طلبه، بلّغهم الله إليه، وأوقفهم عليه، وفازوا [به] من بين العوالم الجَمّة، فكم أدرك الحقَّ طالبُهُ في زمن الفترة! وكم عميَ عنه المطلوب له في زمن النبوّة!
فاعتبرْ بذلك، واقتدِ بأولئك؛ فإن الحق ما زال مصوناً عزيزاً نفيساً كريماً؛ لا يُنال مع الإضراب عن طلبه، وعدم التشوّف والتشوّق إلى سببه! ولا يهجم على المبطلين المعرضين! ولا يُفاجِئ أشباه الأنعام الغافلين! ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل، ولا بطّال ولا غافل! وقد أخبر الله تعالى أنَّ ذرْء جهنم هم الغافلون، فإنا لله، وإنا إليه راجعون! ما أعظم المصاب بالغفلة، والمغْتَرَّ"٢" بطول المهلة!! """٣".
стр. 168
ثم قال ابن الوزير مستكمِلاً أوصاف المذكورين:
- "خامسها -وهو أصعبها-: المشاركة في العلم أو في التمييز والفهم لأهل الطبقة الوسطى"١" ومن يقاربهم في المنزلة""٢".
ولابدّ من الاستعانة بالله تعالى فنِعْمَ المعين. يقول ابن الوزير-رحمه الله تعالى-: "مع الدعاء واللّجَئِ إلى الله تعالى، وما أقرب نفْع هذا مع خلْق القلوب على الفطرة، وكثْرة موادّ هدايته! كما ذكره في آية النور"٣"، وقال تعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ "٤" فأكّد ذلك بمؤكِّدين اثنين، كما تقول: إنّ زيداً لقائم. وقال ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيل﴾ "٥" هذا للخلْق عموماً. وللمؤمنين خصوصاً: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَه﴾ "٦"، إلى غير ذلك.
стр. 169
وإنما يؤتى أكثر الخلْق من كفرهم بآيات الله البينة، وبطلبهم غيرها، كما قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِن آيِةٍ بِيِّنَةٍ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةِ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ "١"؛ فلْيُحذر كل الحذر من عدم القنوع بما قنع به السلف من حجج الله تعالى، ويا له من تخويف شديد ووعيد عظيم! ""٢".
стр. 170
ثانياً: العِلْم
وهو إمّا نقْلٌ صحيح"١" عن النبيّ المعصوم ﷺ ، وهذا هو دليل الرواية والنص.
وإمّا فهْمٌ صحيح، وهذا هو دليل العقل، أو الدليل العقليّ، الذي جاءت النصوص الشرعية بالأخذ به والاعتداد به. والرأي والفكرة إمّا أن يقوم عليهما دليل نصيٌّ، أو دليل عقليٌّ، أو يقوم عليهما الدليلان. والقاعدة المطّردة في هذا هي أنْ لا تَعَارُضَ، بحالٍ، بين كلٍ من دليل النقل والعقل؛ فمتى ما ثبت دليل النقل فدليل العقل يؤيده، إن كان له فيه مجال، وإلا سَلّمَ العقل للنقل الصحيح عن المعصوم!.
ومتى ما ثبت دليل العقل، فدليل النقل الصحيح يؤيده!.
стр. 171
ولا معاداة بين العقل والنقل؛ وإنّ الذين يُقيمون عِداءً أو تعارضاً موهوماً بينهما يَنْقصهم الدليلُ، فإن كانوا ممن يتخذ العقل أصلاً في الاستدلال فإن أصلهم يردُّ عليهم! وإن كانوا ممن يتخذ النقل أصلاً في الاستدلال فإن أصلهم يردُّ عليهم أَيضاً!.
إن هؤلاء الذين يُعادون نصوص الكتاب والسّنَّة بدعوى الاستمساك بأحكام العقل السليم، وهؤلاء الذين يُعادون العقل بدعوى الاستمساك بنصوص الكتاب والسّنَّة، إنّ هؤلاء وهؤلاء جميعاً يُعْييهم أن يُقيموا دليلاً صحيحاً من نصوص الكتاب والسّنَّة أو استدلالٍ عقليّ سليم، يُثبت صحة دعواهم هذه أو مسلكِهم هذا، فأين يذهبون؟!.
ويرى بعض الفضلاء أنّ هذا الذي ذكرته في هذه الجزئية ليس على إطلاقه، ولكن في أمور، وأما في أمورٍ أخرى فينظر إلى القواعد الأساسية: منهج المحدِّثين، والمؤرخين؛ فهناك أشياء نقلية-في رأيه-لا يمكن التدليل مباشرة على صحتها، وهناك أشياء عقلية لا نصوص فيها"١".
стр. 172
ثالثاً: عدّتنا في فهم الكتاب والسنّة
إن عدّتنا في فهم الكتاب والسّنَّة ثلاثة أُمور أساسيّة، هي:
١- نصوص الكتاب والسّنَّة.
٢- فقْه اللغة العربية"١".
٣- الفهم، والعقل، وما يقتضيه هذا من وضوحِ منهج التدبر والنظر والبحث.
فعلى الإنسان أن يدرك أنه قادرٌ على الفهم مطلقاً، متى ما سلك الطرق الموصلة إليه، المتنوّعة بحسب تنوِّع المراد فهمه.
ولعل في قوله ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ... " "٢"، دليلٌ وشاهدٌ، حيث جعل شيخ الإسلام ابن تيمية التفقهَ في الدين-أي فهْمه- فرضاً، ولا يمكن أن يُفْرض شيء وهو مستحيل.
стр. 173
والعموم في قوله: "مَنْ"، دليلٌ على أنّ كل أَحدٍ قابلٌ لأن يكون ممن
أراد الله به الخير، طالما وُجِدتْ القابلية لدى كل إنسانٍ بحسبه -من حيث القسمة الإلهية للقُدُرَات العقلية، التي يكون عليها الحساب يوم القيامة-.
ويبقى بعد ذلك رغبةُ الإنسان المطلوبة لتحصيل الفهم هي التي تُحَدِّد مقدار ما يُحَصِّله مِن الفهم عن الله ورسوله ﷺ ، ولن يُحصِّل بعد ذلك إلا ما كتبه الله له، وسيسره الله لما خلقه له.
مِن أهم الجوانب التطبيقية في مجال فقْه الدّين، العناية بطُرُق التدبر للنصوص؛ وذلك لأن التدبر للنصوص هو السبيل للفقه السديد، وهناك أمران مهمّان، مِن هذه الطرق التطبيقية في هذا المجال، هما:
- الأوّل: التأمل طويلاً في الموضوع، وأن يَتَذَكر الآيات والأحاديث ذات العلاقة به، وأن يتأمله في ضوئها كلما مرّ بها، أو طرقتْ سمعه في أوقات ومناسبات متعددة، فإنّ من شأن ذلك أن يفتح له أبواباً من الفقه للنصوص تلك، وأبواباً لفقه الموضوع قد تخفى عليه لو لم يسلك هذا المسلك.
- الآخَرُ: النظر في الموضوع عن طريق حصر ما ورد فيه من نصوص قرآنية ونبوية، بطرق الاستخراج الصحيحة للنصوص في الموضوع، فإن من شأن هذه الطريقة أن تعود على المرء بأمور مهمة من الفقه للنصوص وفقْه طبيعتها، وفقْه الموضوع، أيضاً، في ضوء النصوص.
стр. 174
رابعاً: تيسير الله معرفة الحق، والعمل به
ومِن يُسْر هذا الدين أن الله تعالى إذا أوجب أمراً على عباده، فإنه يُيسر معرفته ومعرفة وجوبه لكل من أراده بإخلاص وسعى إلى معرفته"١".
والمنهج الصحيح لطلب العلم، أو التوصل إلى معرفة ذلك الواجب، والالتزامِ به، يتحقق باتّباع الأسس الآتية:
١- التثبت من الرواية.
٢-التثبت من الرأي.
٣- العمل بالثابت منهما.
٤- اتّخاذ الكتاب والسّنَّة مُحتَكَماً يُصْدَرُ عنه في كلٍ مِن: المقاصد، والأحكام، والآراء، والأفعال، والأقوال.
وقد يَرِد -بعد هذا- استشكالٌ"٢" فيما إذا تعددت الصوَرُ المقبولة، أو تعارضت؛ فأيها نأخذ؟. والذي يبدو في هذه الحال أنه لا إشكال، طالما أن الصوَر كلها مقبولة، حتى ولو تعارضت؛ لأن ذلك مِن قبيل تعارُضِ المصالح؛ فتكون مِن قضايا الاجتهاد التي لا حرج فيها بحسب المنهج الشرعي.
ودليل هذا الأصل-أعني تيسير الله معرفة الحق والعمل به، لكلّ راغبٍ
стр. 175
فيه- ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّف اللهُ نَفْساً إلا وُسْعَها﴾ ، فهي تقرر أن كل ما يقع تحت دائرة التكليف الشرعيّ؛ فإنّ في وسع الإنسان فعله والأخذ به، ومن التكليف الأمر بالإخلاص، والتواضع، وطلب العلم إلى آخر ما هنالك.
٢- قوله ﷺ : "الدين يُسْرٌ، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه ... ". فتأمل قوله ﷺ : "الدين يُسْرٌ" فـ"أل" هنا للاستغراق؛ لتشمل الدين كله "الأقوال، والأعمال: عمل القلوب، والجوارح".
وتأمل التنكير في " يُسْرٌ"، ولم يحدد نوع اليسر؛ ليشمل اليسر كله فهو:
- يُسْرٌ في التعرف عليه وإدراكه
- يُسْرٌ في العمل به.
- يُسْرٌ في الدعوة إليه.
٣- والكلام هنا مبناه -أيضاً- على سنةٍ من سنن الله، وهي أن الإنسان إذا رغب في أمرٍ وسعى لتحصيله من بابه، وبَذَل الجهدَ الواجب لتحصيله، أدركه بعد توفيق الله له.
٤- دلالة الواقع، حيث إن أهل الفترة لَمّا أرادوا الحق بصدق وُفِّقوا لمعرفته والعمل به، وصحابة رسول الله ﷺ لَمّا أرادوا الحق، وسعوا في طلبه، وُفِّقوا لمعرفته والعمل به.
ولكن ينبغي أن لا يَغْتَرّنّ مُغْتَرٌّ بهذا اليسر؛ فيقعد ولا يقدم الجهد المطلوب شرعاً، إذ أنه رغم يسر معرفة الحق والعمل به، لمن أراده بصدق؛ ينبغي ألا ننسى مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُوْلُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ .
стр. 176
وقوله ﷺ : "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة".
وجَمْع النصوص في هذا المقام هو الذي يصحح الفهم، ومن ثمَّ يستقيم العمل. وقد أعجبتني مقولة أحدهم: لا تَقُلْ عن أمرٍ ما: أنه صعب، ولكن قلْ: يحتاج لجهد كبير.
وهذا التقرير فيه ردٌّ على مسلكٍ مخطئ يرتكبه البعض، وهو الكلام في بعض المسائل الشرعية، كالإخلاص، وطلب العلم، ونحوهما، مع تضمين الكلام القول بأنه صعب المنال، ولا يكاد يصفو لأحد، وقليل من الناس مَن يدركه، إلى آخر ما يقال، والأولى -والله أعلم- تيسير المطالب الشرعية للناس، مع دلالتهم على الطريق لتحصيلها؛ ليرغبوا فيها ويسْعوا إليها بعد ذلك كل بحسبه، "وكلٌّ ميسّرٌ لِمَا خُلِق له".
ومما يدل على خطأ هذا المسلك مع ما سبق: الواقع المشاهد، حيث أنه لو ذهبت لتقنع شخصاً بأمر ما، وتبين له أهميته، ووسائل تحصيله، ثم قلت له بعد ذلك، لكن هذا الأمر صعب إدراكه عزيز مناله، لَمَا أقبلت نفسه عليه رغم أهميته. والرسول ﷺ يقول: "يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا" "١"، وقد يكون الدافع مِن وراء هذا المسلك في طريقة العرض لقضايا الدين، كالإخلاص والتفقه في الدين، مثلاً، إنما هو الرغبة في تحريص الناس على الأخذ بهذا الأمر، وبيان نفاسته؛ ليَجِدُّوا في تحصيله، لكنَّ صحة هذه الغاية لا تستلزم صحة الوسيلة التي مارسها البعض للترغيب في تحصيلها.
стр. 177
والقاعدة أنه كلما عَظُم الأمر في الدين، كلما كان بيانه أوفى، والدعوة إليه، ووسائل تحصيله أكثر، والأخذ به أسهل، وذلك كأركان الإيمان، والإسلام، فهي يدركها الكبير والصغير، والجاهل والمتعلم.
وهذا المسلك المخطيء يناقض طبيعة الإسلام، وكَوْنَهُ يمكن تطبيقه في واقع الناس، الأمر الذي هو خصيصة من خصائص الإسلام الكبرى.
стр. 178
خامساً: العلم بما تَقُوم به دلالة الدليل
يتعيّنُ العلم بأنّه ليس لأحدٍ حجة في الرأي أو في الرواية إلا بشروط، فإذا توافرت هذه الشروط قامت الحجة وإلا فلا.
فالرواية لا تقوم بها الحجة إذا لم تَثْبُتْ.
والرواية لا تقوم بها الحجة إذا لم تُفهَمْ على وجهها، أو لم تُنزّل على معناها.
والرأي لا تقوم به الحجة في مخالفة الكتاب والسّنَّة.
والرأي لا تقوم به الحجة في القول بغير علم.
والرأي لا تقوم به الحجة، ولا اعتداد به، في الزيادة والنقص في الدين.
إِذَنْ قد تصحّ الرواية وقد لا تصحّ.
وفي حال صحتها قد يصح الاستدلال بها-في موضعٍ ما-وقد لا يصح، وذلك تبعاً لصحة فهمها وعدم صحته.
والرأي قد يصح وقد لا يصح.
стр. 179
فلكلٍ من الرأي والرواية ميزان شرعيّ ينبغي أن يُعْرف به مدى صحة الاستدلال بكلٍ منهما.
стр. 180
سادساً: هناك نوع من النقل لا يلزم فيه التثبت دائماً
على الرغم من وجوب التثبت، بصفةٍ عامّة، إلا أن هناك نوعاً من النقل لا يَلْزم فيه التثبت دائماً، وذلك كالمواعظ عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فإن الموعظة المقصود بها الوعظ - بغضّ النظر عن قائلها: صحابياً أو تابعياً أو شخصاً آخر- فلا ينبني، في الغالب، على ثبوتها عن فلان أو عدمه، فائدة كبيرة.
المهم أنْ تؤخذ الموعظة في ضوء هدْي الكتاب والسّنَّة.
وهذا بخلاف ما إذا كان الغرض هو النظر في ثبوت هذه الموعظة أو تلك عن فلان، على أن الموعظة عن صحابيّ من أصحاب رسول الله ﷺ ، أو عن إمام أحياناً أوقع في النفس منها عن غيره.
وإذا دخلت الموعظة فيما ليس للرأي فيه مجال شرعاً فإنها لا يُطبّق عليها هذا التسامح في النقل، بل لابدّ حينئذٍ من التثبت في النقل والعرض على هدْي الكتاب والسّنَّة.
وهكذا لو جاء حديثٌ ضعيف بمعنىً قد استقرَّ في الشريعة بحديث آخر صحيح أو أحاديث أو آية أو دليل آخر شرعيٍّ؛ فإنّ ضعْف ذلك الحديث