وقوله ﷺ : "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة".
وجَمْع النصوص في هذا المقام هو الذي يصحح الفهم، ومن ثمَّ يستقيم العمل. وقد أعجبتني مقولة أحدهم: لا تَقُلْ عن أمرٍ ما: أنه صعب، ولكن قلْ: يحتاج لجهد كبير.
وهذا التقرير فيه ردٌّ على مسلكٍ مخطئ يرتكبه البعض، وهو الكلام في بعض المسائل الشرعية، كالإخلاص، وطلب العلم، ونحوهما، مع تضمين الكلام القول بأنه صعب المنال، ولا يكاد يصفو لأحد، وقليل من الناس مَن يدركه، إلى آخر ما يقال، والأولى -والله أعلم- تيسير المطالب الشرعية للناس، مع دلالتهم على الطريق لتحصيلها؛ ليرغبوا فيها ويسْعوا إليها بعد ذلك كل بحسبه، "وكلٌّ ميسّرٌ لِمَا خُلِق له".
ومما يدل على خطأ هذا المسلك مع ما سبق: الواقع المشاهد، حيث أنه لو ذهبت لتقنع شخصاً بأمر ما، وتبين له أهميته، ووسائل تحصيله، ثم قلت له بعد ذلك، لكن هذا الأمر صعب إدراكه عزيز مناله، لَمَا أقبلت نفسه عليه رغم أهميته. والرسول ﷺ يقول: "يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا" "١"، وقد يكون الدافع مِن وراء هذا المسلك في طريقة العرض لقضايا الدين، كالإخلاص والتفقه في الدين، مثلاً، إنما هو الرغبة في تحريص الناس على الأخذ بهذا الأمر، وبيان نفاسته؛ ليَجِدُّوا في تحصيله، لكنَّ صحة هذه الغاية لا تستلزم صحة الوسيلة التي مارسها البعض للترغيب في تحصيلها.
стр. 177
والقاعدة أنه كلما عَظُم الأمر في الدين، كلما كان بيانه أوفى، والدعوة إليه، ووسائل تحصيله أكثر، والأخذ به أسهل، وذلك كأركان الإيمان، والإسلام، فهي يدركها الكبير والصغير، والجاهل والمتعلم.
وهذا المسلك المخطيء يناقض طبيعة الإسلام، وكَوْنَهُ يمكن تطبيقه في واقع الناس، الأمر الذي هو خصيصة من خصائص الإسلام الكبرى.
стр. 178
خامساً: العلم بما تَقُوم به دلالة الدليل
يتعيّنُ العلم بأنّه ليس لأحدٍ حجة في الرأي أو في الرواية إلا بشروط، فإذا توافرت هذه الشروط قامت الحجة وإلا فلا.
فالرواية لا تقوم بها الحجة إذا لم تَثْبُتْ.
والرواية لا تقوم بها الحجة إذا لم تُفهَمْ على وجهها، أو لم تُنزّل على معناها.
والرأي لا تقوم به الحجة في مخالفة الكتاب والسّنَّة.
والرأي لا تقوم به الحجة في القول بغير علم.
والرأي لا تقوم به الحجة، ولا اعتداد به، في الزيادة والنقص في الدين.
إِذَنْ قد تصحّ الرواية وقد لا تصحّ.
وفي حال صحتها قد يصح الاستدلال بها-في موضعٍ ما-وقد لا يصح، وذلك تبعاً لصحة فهمها وعدم صحته.
والرأي قد يصح وقد لا يصح.
стр. 179
فلكلٍ من الرأي والرواية ميزان شرعيّ ينبغي أن يُعْرف به مدى صحة الاستدلال بكلٍ منهما.
стр. 180
سادساً: هناك نوع من النقل لا يلزم فيه التثبت دائماً
على الرغم من وجوب التثبت، بصفةٍ عامّة، إلا أن هناك نوعاً من النقل لا يَلْزم فيه التثبت دائماً، وذلك كالمواعظ عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فإن الموعظة المقصود بها الوعظ - بغضّ النظر عن قائلها: صحابياً أو تابعياً أو شخصاً آخر- فلا ينبني، في الغالب، على ثبوتها عن فلان أو عدمه، فائدة كبيرة.
المهم أنْ تؤخذ الموعظة في ضوء هدْي الكتاب والسّنَّة.
وهذا بخلاف ما إذا كان الغرض هو النظر في ثبوت هذه الموعظة أو تلك عن فلان، على أن الموعظة عن صحابيّ من أصحاب رسول الله ﷺ ، أو عن إمام أحياناً أوقع في النفس منها عن غيره.
وإذا دخلت الموعظة فيما ليس للرأي فيه مجال شرعاً فإنها لا يُطبّق عليها هذا التسامح في النقل، بل لابدّ حينئذٍ من التثبت في النقل والعرض على هدْي الكتاب والسّنَّة.
وهكذا لو جاء حديثٌ ضعيف بمعنىً قد استقرَّ في الشريعة بحديث آخر صحيح أو أحاديث أو آية أو دليل آخر شرعيٍّ؛ فإنّ ضعْف ذلك الحديث
стр. 181
عندئذٍ لا يُبْطِل صحة ذلك المعنى الوارد في الحديث الضعيف.
على أنّ عدم التثبت في هذا النوع مِن الروايات، لا يَعني عدَمَ العناية بفهمها.
стр. 182
سابعاً: القناعة بأهميّة الاجتهاد في فهم النصوص
الحاجة قائمة إلى الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية في مجالاتٍ متعددة، ولاسيما في:
- محاولة الفهم لبعض النصوص التي ظاهرها التعارض.
- محاولة فهم نصٍ استُشكِل فهمه، ولو عند بعض الناس.
- محاولة تدبُّر النصوص بعامّةٍ، والاستنباط منها، واستجلاء هداياتها.
- محاولة تحكيم النصوص في مستجدات الإنسان من القضايا والمشكلات، أي محاولة تطبيق أحكام النصوص ومعانيها على الواقع.
فمما يلزم للقيام بهذا الواجب أن تتوافر القناعة بأهميّة الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية، والقناعة بأن كلاً من هذا الاجتهاد والفهم المطلوبين ممكِنٌ تحقيقهما في الواقع.
стр. 183
ثامناً: التنبه إلى دلالات اللغة، ودِقَّة التعريفات
- من أبواب الفهم والفقه المهمة، التي ينبغي لطالب معاني النصوص الشرعية أن يتنبه لها، مسألة دلالة اللغة، وتعريف الأشياء والمعاني والمصطلحات.
- ومن ذلك التنبه -في باب دلالة اللغة وتعريف الأشياء والمعاني- إلى التفريق بين التعريف على طريقة الحدّ، والتعريف بذكْر وصفٍ أو أكثر من أوصاف المعرَّف.
فتعريف المعرَّف على طريقة الحدّ من شأنه أن يَحُدّ المحدود بتعريف جامعٍ مانعٍ، يُدخِلُ المعرَّف ويُخرج غيره؛ فيكون التعريف مطّرداً.
- بخلاف التعريف بذكر شيء من الوصف، أو الجزء، أو النوع، أو المثال، فليس هو بتعريف لغويّ، ولا يكون بالضرورة مطّرداً. والتمييز بين هذا وذاك بابٌ مهم من أبواب الفقه السديد للنصوصِ ولكلامِ المتكلم بصفة عامّة.
стр. 184
تاسعاً: التنبّهُ إلى التفريق بين كلٍّ من الرأي والرواية
ينبغي للمتدبر للنصوص الشرعية، والقارئ في تفسيرها وشرحها أن يتنبه -في أثناء ذلك- إلى ما يأتي:
- التفريق بين الرأي والرواية؛ فلا يَضَعُ أحدهما في مكان الآخر.
- التفريق بين الثابت وغير الثابت من الروايات؛ فلا يُنزّل ما لم يَثْبُت منزلة الثابت.
- التفريق بين ما يصح وما لا يصح من الآراء.
- التفريق بين ما لا يُقبَلُ من الموضوعات والآراء إلا عن طريق الرواية، وما يُمكن معرفته بالرأي.
- التنبه إلى أهمية أخْذ النصوص الشرعية كلها، وعدمِ الاقتصار على ما يوافق هواه منها، ويدَعُ ما سوى ذلك، كحال مَن يميل إلى التشديد، وكحال مَن يميل إلى التساهل، مثلاً ... إذ الغالب أنّ كلاًّ منهما يميل إلى ما يوافق طبعه، وقد يتخير مِن الدِّين ونصوصه ما يوافق طبعَهُ كذلك.
- وعليه أن يتدرّب على هذا تحت إشرافِ مُلِمٍّ به -نظرياً وعملياً- ناصحٍ.
- وإذا ما أدرك الإنسان حقيقةَ هذا الموضوع فإنه يكون قد أتقن باباً واسعاً من أبواب الفقه وتحصيل العلم وفهْم النصوص الشرعية فهماً سديداً.
стр. 185
عاشراً: القناعة بعدم تعارُضِ النصوص الشرعية
- الاختلاف بين النصوص الشرعية الثابتة إنما يحصل في الظاهر لا في الحقيقة؛ إذْ لا تعارُضَ بين النصوص الشرعية أصلاً، لكنه قد يحْصل التعارض في الذهن. وما كتبه العلماء في هذا الباب إنما هو لحلِّ ذلك التعارض في الظاهر.
- وإزالةُ التعارض في الظاهر بين النصوص، إنما يكون بالرجوع إلى القواعد الصحيحة المعتمدة في فهم نصوص الكتاب والسّنَّة.
- وإزالةُ التعارض وحلّ الإشكال هذان يجب أن لا يكونا زيادةً أو نقصاً، وإنما هو محاولةٌ للفهم الصحيح للنص. وإنما يزول استشكال فهْم النصوص بإنزالها على مراد الله ومراد رسوله ﷺ .
стр. 186
الحادي عشر: إعْمالُ عمومات أَلفاظ الكتاب والسنّة
إذا أردت أن تفهم الكتاب والسّنَّة، فهماً صحيحاً، فعليك بأمور، منها: أن تُعْمِل عمومات نصوص الكتاب والسنّة في مواضعها المرادة؛ فلا تُقَيِّدْ نصوص القرآن والحديث المطْلقة إلا بأمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولا تُخَصِّصْ عامّها إلا بأمر الله ورسوله، أي بمقتضى آيةٍ أو حديثٍ ثابت عن رسول الله ﷺ ، ولا عكْس ذلك أيضاً؛ فما يدل الدليل على تخصيصه، فليس لأحدٍ مِن دون الله ورسوله أن يجعله عامّاً-ويُدْرَكُ تخصيص النصوص هذا عن طريق
стр. 187
النص أو الاجتهاد، ولكنه الاجتهاد في فهم النص، وليس الاجتهاد مع النص- فما كان فيهما من مقيَّد أو خاصّ فلا تجعلْه مطْلقاً ولا عامّاً. بل انْزِلْ أنت على حُكم الله ورسوله ولا تتجاوزْه، ولا تختلط عليك وظيفة الفهم ووظيفة التغيير والتبديل!! ولا وظيفة الاختراع!!
стр. 188
الثاني عشر: أنواع الاختلاف
الاختلاف نوعان:
١- اختلاف تنوُّع لا اختلاف تضادّ.
٢- اختلاف تضادّ. وهذا هو الذي يحتاج إلى الترجيح. أما اختلاف التنوّع فلا يحتاج إلى الترجيح؛ لأنه من قبيل اختلاف العبارات لا اختلاف الاعتبارات"١".
وطالب العلم الفقيه، والداعية الفقيه، يُفرّقان بين هذين النوعين من الخلاف، ولا يخلطان بينهما.
ولكلٍّ من النوعين من الخلاف في موضعهما فوائد يُقدّرها طالب
العلم الفقيه"٢".
стр. 189
الثالث عشر: التعارض بين النقل والعقل
إذا تعارض العقل مع النقل فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أمور:
١- إما أن يكون النص غير صحيح.
٢- أو يكون العقل غير سليم. بأن يكون مجنوناً، أو معتوهاً.
٣- أو يكون الفهم غير سليم.
وذلك لأن الله تعالى قد أناط التكليف بالعقل؛ فالنقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم.
وإنما نعني بدليل العقل: استدلالَ العقل المؤمن السليم.
هذا من الناحية النظرية التي ينبغي أن يتطلّبها الراغب في الحق والصواب. أمّا من الناحية التطبيقية، فَجُلُّ الناس يدّعي ذلك، أو يستطيعه، ولكنّ العبرة بالمصداقية، وبمراعاة المعايير المطلوبة لهذا العقل السليم، وهي سلامته من الانحراف عن الفطرة التي فطره الله عليها بأيّ مؤثّرٍ من المؤثرات الخارجية: مِنْ هوى، أو اعتقاد، أو وسَطٍ يعيش فيه الإنسان يَصْرفه عن الجادة.
стр. 190
الرابع عشر: إدراك المراد بالحجة العقلية
ينبغي التأكيد على ملحوظة هامّة في باب الدعوة إلى الأخذ بحُكم العقل والنقل، وهي: إن المراد بالدعوة إلى الأخذ بحكم العقل هو: إعمال العقل في موضعه المأذون له شرعاً بالعمل فيه.
ومعنى ذلك أننا لا نُعْمل العقل في ما لا مجال له فيه إلا بالتسليم، ولا قُدْرة له فيه إلا التلقّي، وهو أمران:
- مجال الغيب؛ "لأن الواجب فيه التسليم لما ثبت منه عن الله ورسوله بأي درجةٍ من درجات الثبوت وفق منهج المحدثين".
- ما لا يُعْلم إلا عن طريق الرسول ﷺ . "ويثبت بأي درجة من درجات الثبوت، كذلك، وفق منهج المحدِّثين".
- ويلتحق بهذين نظرُ العقل حينما يزيغ بسببٍ عارضٍ محرّم، كما لو تأثر العقل بالهوى مثلاً. وإن كان نظرُ العقل بالهوى قد يصادف الحق من حيث لا يريده؛ فيكون الحق عندئذٍ مقبولاً، وتصرُّف العقل مردوداً، لكنه قد يبقى عندئذٍ غيباً بالنسبة للآخرين ما لم تدل عليه قرائن.
стр. 191
الخامس عشر: مؤدَّى إبطال دليل العقل
إنّ إبطال دليل العقل إبطالٌ لدليل القرآن، وإبطالٌ لمعجزة القرآن؛ لأن أدلة القرآن معظمها عقليّة، ومعجزته معظمها عقليّ!
стр. 192
السادس عشر: خطأُ ذمِّ الرأي مطلقاً
قد يعمُد بعض الناس إلى ذمّ الرأي والتقليل من شأن العقل سداً للذرائع إلى مخالفة الكتاب والسّنَّة! وهذه نظرة مخطئة؛ لأن سدّ الذرائع ينبغي أن لا يُفْضي إلى إبطال الشرائع. والشرعُ قد أَمَرنا أن نُفكّر بالعقل، لا أن نُلْغيه سدّاً للذرائع!!
ويضاف إلى هذا أن النقل لا يَثبت إلا بإعمال العقل؛ وإلا فإنّ علينا أن نقبل كثيراً من الأحاديث الموضوعة المنسوبة إلى الرسول ﷺ "١".
стр. 193
السابع عشر: المقصود بذَمِّ السلف للرأي
قد جاء عن بعض السلف أقوال في ذمّ الرأي، ويبدو من ظاهِر تلك الأقوال عنهم ذمُّ الرأي مطلقاً. وليس الأمر كذلك؛ إذْ لو كان هذا صحيحاً وكان هذا هو مرادهم من ذمّ الرأي، لكان معناه قفْلَ باب الاجتهاد، وإلغاء إعمال العقل. والأدلةُ الشرعية قائمة على عكس هذا!
وإنما مرادهم من ذلك، والله أعلم، ذمه في حال الاقتصار عليه، أو ترجيح كفته على النقل الثابت؛ ويتحدد وجْه ذمهم للرأي فيما يلي:
١- ذمّ الرأي إن كان مخالفاً للكتاب والسّنَّة.
٢- أو ذمّ الرأي في أمر مخصوص، وهو:
أ- في حال استخدامه في القول على الله بغير علم.
ب- في حال استخدامه للزيادة والنقص في الدين.
هذا هو توجيه كلامهم، رحمهم الله تعالى، على ما تقتضيه النصوص، ولو صح -فرَضاً- عن أحدٍ من السلف النهيُ عن استخدام العقل مطلقاً، لوجب علينا ردُّه والأخذ بحُكم نصوص الكتاب والسّنَّة المؤكِّدة على استخدام الرأي والعقل!
لقد دلت أدلة الكتاب والسنّة على وجوب التسليم للحق، والصدق، وعلى قبول الخبر الثابت عن الله ورسوله، وعلى وجوب إعمال العقل والأخذ بمقتضى حكم ذلك، وهذه كلها، في الجملة، يَعْتمِد الأخذ بها
стр. 194
ومراعاتها على إعمال العقل. وقد ورد في الكتاب العزيز كثير من الآيات التي تأمر بهذا، ومنها، على سبيل المثال:
- قوله تعالى: ﴿ ... لعلكم تتفكرون﴾ "١"، وقوله تعالى: ﴿..أفلا تتفكرون﴾ "٢". ووردت لفظة: "يتفكرون" في آيات من القرآن مكررة: ١١مرة.
- ووردت لفظة: "يعقلون"، و"لا يعقلون" في القرآن: ٢٢ مرة.
- ووردت لفظة: "تعقلون"، و"لا تعقلون" في القرآن: ٢٤ مرة.
- ووردت لفظة: "تذكّرون"، و"لا تتذكرون" في القرآن: ٢٠ مرة.
- ووردت لفظة: "يتذكرون"، و"لا يتذكرون" في القرآن: ٧ مرات.
وكلُّ ذلك دعوةٌ إلى استخدام العقل والتعقل والتذكر، وبيانٌ لعاقبة ذلك وعاقبة ضدِّه، وبيانٌ لأهميّة الاستناد إلى الدليل الصحيح، واحترامه.
فهل بعد هذا يصح أن يقال شيء من الذمّ المطلق للعقل والرأي باسم الشرع أو الكتاب والسنّة؟!.
وتتلخص الأدلة، التي يُعْتمد عليها في النفي أو الإثبات، إلى الأنواع التالية:
١- أدلة منقولة ثابتة عن الله ورسوله.
٢- أدلة عقلية تعتمِد على الاستقراء والاستنباط.
٣- أدلة محسوسة، كالقول بأن هذا ذَكَرٌ أو أنثى- لإنسان أمامنا، أو لطفلٍ، أو لِجَنين-.
وقد جاء الشرع والعقل بالتسليم لهذه الأدلة وعَدَمِ مكابرتها أو تجاهلها.
стр. 195
الثامن عشر: مراعاة مقاصد الشريعة وهداياتها
نحن في حاجة إلى المنهجية السديدة المطّردة في فقه نصوص الوحي الإلهي، ولابدّ أن يكون من سِمات هذه المنهجية مراعاة مقاصد النصوص وهداياتها، إلى جانب مراعاة ألفاظها. يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإذا عُلِم مقصود الشرع سُلِك أوصلُ الطرق إليه"١"!.
وهذه نظرة منهجية صحيحة فريدة، ولا تجتمع هذه النظرة والظاهرية بحالٍ، ولا تجتمع مع النظرة التجزيئية "عكس النظرة الكلية" بحالٍ.
стр. 196
التاسع عشر: إدراك عاقبة الصواب والخطأِ في منهج الدعوة
إن الذي يدعو إلى هُدى الله ونوره وَفق منهج سليم وخُلُق فاضل، إنسانٌ يؤيده في دعوته نصوص الكتاب والسّنَّة وهدْيهما، والعقل والفطرة، ومثْلُ هذا سعيه مشكور مقبول عند الله وعند عباده، ولاسيما الصالحين. ومثْل هذا الداعية لا يدعو في الحقيقة وحده، وإنما يُسانده الكتاب والسّنَّة والعقل والفطرة، وقد جعل الله تعالى هذه كلها شواهد الحق في الخلْق؛ فحريٌّ بهذا أن ينجح ويُفلح! هذا على الرغم من أنه قد يخْطيء
стр. 197
المحكِّم للكتاب والسنّة اجتهاداً، كما يدل عليه حديث: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" "١".
وأما من يدعو إلى الله وفق منهج غير شرعيّ:
- كالذي يدعو بخُلُقٍ سيّئٍ.- أو يتجه إلى التهجم على الناس.
- أو يتجرَّأ على الحُكم على نيّات الناس وما تخفيه صدورهم.
- أو ينتهج ضِيْقاً في النظرة.
أو أيّ ابتعادٍ عن مقاصدِ الدعوة الشرعية، وأحكامِها.
مَن يَفعل ذلك، فإنه بخروجه هذا يُعاكِس: الكتاب، والسّنَّة، والعقل، والفطرة؛ فتصبح هذه كلها جنوداً ضده! فكيف يُفْلح مَنْ هذا حاله؟! حريٌّ بهذا أن لا يكون مشكوراً ولا مقبولاً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا عند الله ولا عند الناس!
стр. 198
العشرون: ضرورةُ العقل إلى الرسالة المحمّدية
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ""فبمحمد ﷺ تبين الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، والنجاة من الوبال، والغيّ من الرشاد، والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقون من الفجّار، وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، من سبيل المغضوب عليهم والضالين.
стр. 199
فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتّباعه منها إلى الطعام والشراب؛ فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا، وذاك إذا فات حصل العذاب!
فحقٌ على كل أحدٍ بذْل جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته، إذْ هذا طريق النجاة من العذاب الأليم، والسعادةِ في دار النعيم.
والطريقُ إلى ذلك الرواية والنقل؛ إذْ لا يكفي مجرّد العقل.
بل كما أن نور العين لا يَرى إلا مع ظهورِ نورٍ قدّامه، فكذلك نور العقل لا يهتدِي إلا إذا طلعتْ عليه شمس الرسالة!.
فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر اللهُ به ورسولُهُ واجباً على جميع الأنام"""١".
стр. 200
الفصل الخامس: أمثلةٌ تطبيقية على موضوع الفقه في الدِّين
*
...
لعلَّ مِن المناسب، أن أسوق، فيما يلي عدداً مِن الأمثلة التطبيقية لبعض المفاهيم التي تقررت في موضوع: الفقه في الدين وفي الدعوة؛ إذْ مِن المعلوم أنه بالمثال يتّضِحُ المقال.
وفي هذه الأمثلة الآتية مناقشةٌ لفهْم بعض الأحاديث على غير وجهها، أو مناقشةٌ لبعض المفاهيم المخطئة في هذا الباب، وتقريرٌ للفهم الصائب بحسب ما سبق تقريره مِن المنهجية في هذا الموضوع.
والمرجوّ أن يكون في هذا تذكيرٌ ونفعٌ، بإذنه تعالى.
стр. 201
المثال الأول: وقفةٌ عند حديثٍ لفقْهه
من أسباب الخطأ في فهم النصوص: أن تُفهم فهاً ظاهرياً، في حين أنه غير مقصودٍ فيها. ومن الأمثلة على هذا:
- ما يمكن أن يُفْهَمَ عليه حديث: "من رأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ.." "١".
فبعض الناس يَفْهم هذا الحديث فهماً ظاهرياً بعيداً عن المراد به، بل يتعارض مع أصل المعنى المراد بالحديث، أو المسوق له الحديث، ويتعارض مع هَدْي الإسلام ومع نصوصه الأخرى، ومع العقل.
هذا الفهم الظاهري الخطأ هو: حَمْل الحديث على ظاهره غير المراد، وهو أن المسلم مطلوب منه تغيير المنكر في أُولى المراتب باليد، فإن لم يستطع
стр. 202
فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه.
وعلى الرغم من أهمية التغيير باليد في الموضع الذي يُحْتاج فيه عقلاً وشرعاً إلى التغيير بها، إلا أن هذا التغيير باليد على ذلك الفهم ليس هو المراد بالحديث.
стр. 203
الأدلة على أنّ هذا فهْمٌ للحديث غير صحيح:
ومما يدلّ على أن هذا الفهم ليس هو المراد بالحديث ما يأتي:
١- لأن الله تعالى قد أمر بالدعوة إليه بالحكمة -كما دعانا إلى الحكمة في كل شيء على مقتضى ما جاء به هذا الدين من أحكام وتوجيهات-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . ﴿إِذَهَبَا إِلَى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَولاً لَيِّناً ... ﴾ .
وليس من الحكمة التغيير دائماً باليد، بل قد يترتب عليه مفاسد أكبر.
ولو استعرض المرء النصوص في أدب الدعوة، وتغيير المنكر، وطُرُق ذلك، لأدرك -بيقين- أن فَهْم الحديث على هذا المعنى خروج عما تقضي به تلك النصوص.
٢- ولأن حمْل الحديث على هذا المعنى الخطأ يتعارض مع أصل المعنى الذي جاء من أجله الحديث، وهو تغيير المنكر: " من رأى منكم منكراً فليغيره ... "، فالمقصود هو تغيير المنكر، وهذا يقتضي أن يترسم الإنسان هَدْي الإسلام في تغيير المنكر، وأن يراعي الغاية الشرعية من هذا، وذلك يوجب على من يتولى هذا التغيير أن يأخذ بالأسباب، والطرق، والوسائل، اللازمة لتحقيق هذه الغاية.
فالمقصود من الأمر بالتغيير إزالة المنكر، لا إبقاء المنكر، ولا تثبيته بأي
стр. 204
سبب، أو إحداث منكر أكبر منه.
ومن المعلوم أن التغيير باليد مباشرة، مع عدم الحاجة لها، كثيراً ما يُحْدِث: فتنة، أو إصراراً من صاحب المنكر على منكره، أو يُحْدِث منكراً أكبر منه؛ فإذا كان التغيير باليد ينتج عنه مثل هذه المنكرات التي هي أعظم من المنكر المأمور بإزالته؛ فكيف يُتصوّر أن يأمر الرسول به ﷺ في تلك الأحوال؟! كيف يُتصوّر أن يأمر بعمل المنكر وهو ينهى عن إقرار المنكر؟! لقد فُهِم الحديث خطأ، ونسي بهذا الفهم ما ينبغي مراعاته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقد قيل: "ليكن أمرك بالمعروف، بالمعروف، ونهيك عن المنكر غيرَ منكر" "١".
٣- ولأن من المعلوم عقلاً أن الإقدام على إزالة المنكر باليد دائماً في كل الأحوال، مع عدم الحاجة لها ممجوج في العقول والفِطَر، فَيَستغرب العاقل من الإقدام على إِعمال اليد لمنعه من خطأ ارتكبه مع عدم الحاجة لها. ومثل هذا لا يأمر به الدين، ولا يدعو إليه سيد المرسلين.
٤- ومن المعلوم أن الواجب على الداعي والمحتسب، أنه إنما يَلجأ إلى الشدّة في موضعها وعند الحاجة لها، وإذا لم تكن لها حاجة فمن الخطأ ومن المنكر أن يلجأ الداعية لاستخدامها، ويُتصوّر هذا حتى في حق منْ له ولايةٌ أو سلطان، فمثلاً لو أخطأ ابنك فهل من المقبول أن تبدأ مباشرة بضربه ليقلع عن الخطأ في حين أنك لم تَنْهه، ولم تَقُلْ له بخصوص هذا الخطأ شيئاً، وكان
стр. 205
بالإمكان أن تمنعه بكلمة. على أنه لا يكفي دائماً المنعُ، بل لابدّ من التوجيه والبيان، فهل التغيير باليد مقبول أو معقول في هذه الحال؟!.
والحديث قد رتّب التغيير حسب الاستطاعة، فقال: "فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ... ". وقد تبين لنا الآن أنه حتى المستطيع الذي له سلطان أو ولاية لا يصح في حقه اللجوء إلى التغيير باليد مباشرة دائماً.
إذا كان الأمر على ما ذكرتُ؛ فما معنى هذا الحديث؟ وما الفهم الصحيح إِذَنْ؟ ولماذا جاء هذا الترتيب في الحديث؟.
стр. 206
معنى الحديث:
يتلخص الجواب عن هذا التساؤل في أَحدِ معنيين:
الأول: هو أن الحديث مسوق لبيان وجوب تغيير المنكر، ولَمّا كان هذا هو المقصود، وهو التغيير، بَيْنَ وسائل التغيير، ورتّب تلك الوسائل حسب قوّتها في إزالة المنكر، ولَمّا كان المقصود بيان ما يُغيّر المنكر بدأ بأقواها ثم بما بعدها ... وأبان الحديث -إلى جانب بيان هذه الوسائل- أن الأمر مرتبط بالاستطاعة، فلا ينبغي أن يُلجأ إلى هذه الوسائل إلا حسب الاستطاعة، وليس معنى ذلك أن كل من توافرت له الاستطاعة لاستخدام وسيلةٍ منها فله أن يُقْدم عليها، كلاّ، لأن الاستطاعة شرط للتغيير، وليست هي كل الشروط، إضافةً إلى أن الاستطاعة عامّة، لا تقتصر على القدرة البدنية، وإلا فكل الناس لهم أيدٍ!!.
يتبين بهذا أن الحديث قد جاء لترتيب وسائل التغيير حسب القوّة، ولم يأت لترتيب مراحل التغيير، أو لترتيب خطوات من يريد التغيير.
стр. 207
والخَلْط بين هذين الأمرين، مِن أهم أسباب الخطأ في فهم هذا الحديث، وعدم إدراك هذه الحقيقة.
الثاني: هو أن المقصود باليد في الحديث هنا ليس هو الظاهر- وهو إعمال اليد- وإنما المقصود التغيير الفعليّ، سواءٌ كان باليد أو باللسان، ولكن عبَّر باليد للدلالة على التغيير الفعليّ، وهذا على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ "١"، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ "٢"، فكثيراً ما يأتي التعبير بنسبة الكسب والفعل إلى اليد، وإن لم تعمله اليد، والمعنى أنه من عمل الإنسان، ويؤيد هذا المعنى واقِعُ الحال بالنسبة للمنكرات والأخطاء؛ إذْ ليست كلها مما يَقْبل إعمال اليد؛ لأن بعضها قوليٌّ، وبعضها قلبيٌّ ...
ونظير هذا ما جاءت به النصوص من التعبير بالأكل عن أخذ المال بالباطل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ... ﴾ "٣"، ومعلوم أن صرف هذا المال الحرام، في الأكل، أو في غيره سواءٌ في الحكم، وإنما جاء التعبير بالأكل لكثرته أو للكناية عن أَخْذه بأي صورةٍ من الصور.
стр. 208
جوابٌ آخر عن هذا التساؤل في معنى الحديث:
ويُمْكن أن يقال: الجواب هو أن هذا الترتيب الوارد في الحديث غير مرادٍ، على أيِّ حالٍ؛ وقد ورَد في اللغة العربية، وفي استعمالات الشرع، كذلك، ومِن ذلك استعمال لفظة "ثمّ"، في غير الترتيب، مع أنها موضوعةٌ في أصل معناها في اللغة للترتيب.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في فقه الأحاديث الواردة في المفاضلة بين الأعمال -بعد أن ذكر عدداً من الآراء-: ""فإن قيل: فقد جاء في بعض هذه الروايات أفضلها كذا، ثم كذا. بحرف "ثم"، وهي موضوعة للترتيب. فالجواب: أن "ثم" هنا للترتيب في الذِّكر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ"١٢"فَكُّ رَقَبَةٍ"١٣"أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ"١٤"يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ"١٥"أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ"١٦"ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ"١٧"﴾ "١". ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا ... ﴾ ، إلى قوله ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ "٢"، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ
стр. 209
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ﴾ "١". ونظائر ذلك كثيرة وأنشدوا فيه:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده"""٢".
стр. 210
أَسباب الخطأِ في فهم النصوص:
للخطأِ في فهم النصوص أسباب، لعل مِن أهمها ما يلي:
- عدمُ إدراكِ المقصود بلفظةٍ فيه:
إنّ مِن أهمّ أسباب الخطأ في فهم النصوص عدَمُ إدراك المعنى المقصود بلفظةٍ فيه، كما هو الشأن في هذا الحديث في تغيير المنكر؛ إذْ لم يَفهم بعضهم المقصود باليد فيه.
الذهول عن المراد بالوصف العارض:
ومن أسباب الخطأ في فهم النص التي ينبغي التنبه لها، كذلك، كون
стр. 211
الحديث -مثلاً- مشتملاً على وصفٍ ليس مقصوداً لذاته، فعند سماع الحديث أو قراءته، ومعرفةِ ما فيه من ثواب أو مدْحٍ -للعامل الذي ذَكَرَ الحديث، عَرَضاً، ذلك الوصف له- يظن السامع أو القارئ أن الثواب والمدح له إنما هو من أجل ذلك الوصف العَرَضيّ. في حين أن الأمر ليس كذلك.
стр. 212
أمثلةٌ للأوصاف العارضة في الأحاديث:
قد جاءت الأوصاف المذكورة عَرَضاً في عدّة أحاديث، ومن الأمثلة لذلك الأحاديث التالية:
الحديث الأول:
ما يمكن أن يُفهم عليه حديث: "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ" "١"؛ فَيُظن أن هذه المنزلة بسبب الشعث والدفع بالأبواب، في حين أنّ الأمر ليس كذلك.
الحديث الثاني:
الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ؛ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ
стр. 213
يُشَفَّعْ" "١". فَيُظن أن هذا المدح له إنما هو بسبب شَعَث واغبرار القدمين، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، وإنما جاء هذا وصفاً عارضاً.
الحديث الثالث:
حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَيُبَاهِي الْمَلائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثاً غُبْراً""٢". فيُظن أن الشعث والغبرة أيضاً هما السبب في هذه المغفرة!.
لكن الأمر ليس على هذا المعنى في جميع هذه الأحاديث. ومن ثم لم يطّرد هذا الفضل والثواب في حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ؛ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ! ""٣".
стр. 214
الحديث الرابع:
٢- ما فُهِم عليه حديث: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" "١".
فقد ظن كثير من الناس أن هذا في الدنيا، وأن معناه أن الله تعالى يحب هذه الرائحة الكريهة، تقدَّس ربنا.
وقد فهموا هذا الفهم من الحديث على الرغم من أن الحديث ليس فيه ذكرٌ لمحبة الله لها، بل إنني لم أقف على شيءٍ مِن هذا، إلا ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: "خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ، أَوْ قَالَ: أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" "٢".
لكن هذه الرواية فيها ما يأتي:
- ليس فيها التصريح بالرفع إلى النبي ﷺ .
- جاءت بالشك في لفظة: "أحب إلى الله".
والقاعدة أنه إذا جاءتنا روايةٌ على الشك، وجاءتنا روايات بالجزم، رَدَدْنا
стр. 215
التي على الشك إلى التي لا شكّ فيها. وكذلك إذا جاءتنا رواية موقوفة مخالفة للمرفوع حَكَمْنا بالمرفوعة على الموقوفة.
فليس في الحديث نصٌ على أن هذا الخلوف أطيب عن الله في الدنيا، بل ذلك قد فُهِمَ منه خطأً، ويدل على الصواب الرواية الأخرى: "أطيب عند الله يوم القيامة" "١"، ويَدُل عليه كذلك الحديث عن دم الشهيد: "الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ" "٢"، وكذلك النصوص الأخرى في المعنى.
وإنما ذُكِرَ الشعث والغبرة، وخلوف فم الصائم، للإشارة إلى علامةٍ
من علامات الصدق، وذلك بتحمّل الأذى، والمشاق، والمكاره، في سبيل
مرضاة الله تعالى.
فليس المقصود في هذه الأحاديث: مدْح تلك المكروهات لذاتها.
أو الحث عليها، أو الدعوة إليها.
أو الدعوة لاتخاذها بمفردها علامة على إخلاص الإنسان وصدقه.
كيف وقد جاءت الشريعة بالنظافة بمعانيها المتعددة الحسيّة والمعنوية، والدعوة إليها، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "إن الله جميل يحب الجمال" "٣".
ولقد أراد بعض الصحابة أن يتأكد مِن النبي ﷺ مِن مفهوم الكِبْر؛ خوفاً مِن