← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11247

طريقك الى الإخلاص والفقه في الدين

عبد الله الرحيلي

Полный текст (240 стр.). Показаны 211–240 · переход к 216.

стр. 211

الحديث -مثلاً- مشتملاً على وصفٍ ليس مقصوداً لذاته، فعند سماع الحديث أو قراءته، ومعرفةِ ما فيه من ثواب أو مدْحٍ -للعامل الذي ذَكَرَ الحديث، عَرَضاً، ذلك الوصف له- يظن السامع أو القارئ أن الثواب والمدح له إنما هو من أجل ذلك الوصف العَرَضيّ. في حين أن الأمر ليس كذلك.

стр. 212

أمثلةٌ للأوصاف العارضة في الأحاديث: قد جاءت الأوصاف المذكورة عَرَضاً في عدّة أحاديث، ومن الأمثلة لذلك الأحاديث التالية: الحديث الأول: ما يمكن أن يُفهم عليه حديث: "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ" "١"؛ فَيُظن أن هذه المنزلة بسبب الشعث والدفع بالأبواب، في حين أنّ الأمر ليس كذلك. الحديث الثاني: الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ؛ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ

стр. 213

يُشَفَّعْ" "١". فَيُظن أن هذا المدح له إنما هو بسبب شَعَث واغبرار القدمين، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، وإنما جاء هذا وصفاً عارضاً. الحديث الثالث: حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَيُبَاهِي الْمَلائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثاً غُبْراً""٢". فيُظن أن الشعث والغبرة أيضاً هما السبب في هذه المغفرة!. لكن الأمر ليس على هذا المعنى في جميع هذه الأحاديث. ومن ثم لم يطّرد هذا الفضل والثواب في حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ؛ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ! ""٣".

стр. 214

الحديث الرابع: ٢- ما فُهِم عليه حديث: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" "١". فقد ظن كثير من الناس أن هذا في الدنيا، وأن معناه أن الله تعالى يحب هذه الرائحة الكريهة، تقدَّس ربنا. وقد فهموا هذا الفهم من الحديث على الرغم من أن الحديث ليس فيه ذكرٌ لمحبة الله لها، بل إنني لم أقف على شيءٍ مِن هذا، إلا ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: "خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ، أَوْ قَالَ: أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" "٢". لكن هذه الرواية فيها ما يأتي: - ليس فيها التصريح بالرفع إلى النبي ﷺ . - جاءت بالشك في لفظة: "أحب إلى الله". والقاعدة أنه إذا جاءتنا روايةٌ على الشك، وجاءتنا روايات بالجزم، رَدَدْنا

стр. 215

التي على الشك إلى التي لا شكّ فيها. وكذلك إذا جاءتنا رواية موقوفة مخالفة للمرفوع حَكَمْنا بالمرفوعة على الموقوفة. فليس في الحديث نصٌ على أن هذا الخلوف أطيب عن الله في الدنيا، بل ذلك قد فُهِمَ منه خطأً، ويدل على الصواب الرواية الأخرى: "أطيب عند الله يوم القيامة" "١"، ويَدُل عليه كذلك الحديث عن دم الشهيد: "الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ" "٢"، وكذلك النصوص الأخرى في المعنى. وإنما ذُكِرَ الشعث والغبرة، وخلوف فم الصائم، للإشارة إلى علامةٍ من علامات الصدق، وذلك بتحمّل الأذى، والمشاق، والمكاره، في سبيل مرضاة الله تعالى. فليس المقصود في هذه الأحاديث: مدْح تلك المكروهات لذاتها. أو الحث عليها، أو الدعوة إليها. أو الدعوة لاتخاذها بمفردها علامة على إخلاص الإنسان وصدقه. كيف وقد جاءت الشريعة بالنظافة بمعانيها المتعددة الحسيّة والمعنوية، والدعوة إليها، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "إن الله جميل يحب الجمال" "٣". ولقد أراد بعض الصحابة أن يتأكد مِن النبي ﷺ مِن مفهوم الكِبْر؛ خوفاً مِن

стр. 216

أن يكون منه عناية الإنسان بمظهره؛ فأخبره أنّ ذلك ليس منه؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ". قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ، يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ" "١".

стр. 217

المثال الثاني: مِن الفقه في الدِّين وفقه الدعوة إليه من الفقه في الدِّين وفقْه الدعوة إليه مراعاة الخصوصيات، ومِنْ ذلك أنني لم أَرَ حديثاً عن رسول الله ﷺ يصرّح في خطبةٍ عامة ببعض الأحكام الخاصة المتعلقة مثلاً ببعض موجِبات الغسل، وموجِبات إقامة حدّ الزنى، ولم أره مصرِّحاً بذلك إلا في أحد موضعين: - عند إقامة الحدّ وما يترتّب على ذلك من إزهاق نفسٍ مؤمنة. - عند بيان الحكم لمحتاج إليه، كسائلٍ أو مستفتٍ أو صاحبِ حالٍ واقعةٍ؛ فيبين له رسول الله ﷺ الحكم واضحاً وصريحاً بقدر ما يوضِّح له حكم الله تعالى. فقلت لنفسي أين كثير من الخطباء، والمعلمين الناسَ دروس الفقه، الذين يخطبون في الناس في هذه الموضوعات كما لو كان أحدهم يحقق في إقامة حدِّ الرجم على شخصٍ معيَّنٍ، أو يوضِّح لمستفتٍ في الموضوع لا يفهم إلا

стр. 218

بالتصريح، أين هم من هذا الهدي النبوي!. إننا في حاجة إلى وقفةٍ فاقهة للأسلوب الصحيح لتعليم ديننا، بحيث نُصْلح ولا نُفْسد، ونختار: إما الدرس وإمّا التلاميذ؛ فليس كل موضوع يَهُمُّ كل الناس، وليس كل درس يناسب كل الناس، وليس كل الناس يناسبهم كل درس. وبعض الذين يسلكون المسلك الآنف الذكر في التعليم والدعوة، لو قلتَ له مثْلَ هذا، لقال لك: إن تعليم أحكام الله واجب. أو: لا حياء في الدين. إلى آخر ما هنالك من العبارات الواردة على هذا النحو التي يَخْرج بها قائلها عن الموضوع الذي نحن بصدده كليّاً!!. نَعَمْ هناك أحاديث قد تدلُّ في ظاهرها على هذا المعنى الذي يَذهب إليه مَن يَسْلك هذا المسلك، مثل قول عائشة، ﵂: "نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ" "١". ومثله ما في الحديث أنه: "جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ؛ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ- تَعْنِي وَجْهَهَا-وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟. قَالَ: "نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ! فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا! ""٢". ونحو هذه الأحاديث. لكن الأمر ليس على هذا الفهم- الذي يَستدِل بمثل هذه الأحاديث على

стр. 219

ذلك المسلك-وذلك لأن هذه الأحاديث قد جاءت في دائرة مقامَيِ التصريح السابق ذكرهما اللذين يُصَرّح فيهما بمثل هذا. على أنّ النبيّ ﷺ ليس في كلامه هنا شيءٍ مِن التصريح الذي يَستدل له أصحاب هذا المسلك. وأما السائلة، فإنها تسألُ عن حكمٍ مِن أحكام الله لا يمكن لها أن تَعْرفه إلا بالتصريح بتلك العبارات، على أنها قد تأدبت في سؤالها، وقدّمتْ بين يدي سؤالها تلك العبارة المؤدّبة. فلا حجةَ على ذلك المسلك. فإلى الفقه والحكمة أيها الخطباء، ويا أيّها المعلمون والمدرسون، حَفِظَكم الله ورعاكم، وإلى الاقتداء بسيد الأنبياء ﷺ في الدعوة والتربية والتعليم.

стр. 220

المثال الثالث: مناقشةُ مسألة الاجتهاد في وسائل الدعوة قد ذهب ببعضِ الناسِ الفهمُ إلى أنّ وسائل الدعوة توقيفية؛ مستدلين بأنّ الدعوة عبادةٌ، والعبادة توقيفية، وأن الدِّين قد كَمُل، وأنّ النبي ﷺ بيّنَ البيان المبين"١". لكن هذا الفهم يحتاج إلى مناقشةٍ، وبيانٍ للصواب الذي تَدُلُّ عليه النصوص الشرعية ومقاصدها معاً. وفيما يلي وقفاتٌ مختصرة عند هذا الرأي: - قد يَختلط أمران على القائلين بأنّ وسائل الدعوة توقيفية، هما: الأول: كون المنهج في الدعوة توقيفياً.

стр. 221

الثاني: القول بأن وسائل الدعوة توقيفية-بمعنى اشتراط الدليل الخاص لكل وسيلة، وعدم الاكتفاء بدلالة عموم النصوص الشرعية، وسائر الأدلة-!. وشتان بين الأمرين؛ فالقول الأول معناه الاتّباع في الدعوة وعدم الابتداع. والقول الثاني معناه قفْلُ باب الاجتهاد في أمْرٍ شَرَع الله فيه الاجتهاد، وهو وسائل الدعوة؛ ولا يَصِحّ أن يُقْفل باب الاجتهاد الذي شَرَعه الله تعالى بحجة الاتّباع، كما لا يَصِح إلغاء الاتّباع بحجة القول بالاجتهاد. - مما يُرَدُّ به على القول بأن وسائل الدعوة توقيفية، المطالبة بالدليل في موضعِ البحث والنظر؛ فهل مِن دليلٍ يَنُصُّ على هذا الفهم؟ أو هو فهم يَدَّعي صاحبه أنه حُكْم الشرع فقط؟. إنه ليس مِن دليلٍ سوى نصوصٍ عامّة قد يستدل صاحب هذا القول بعمومها، نَعَمْ عمومها فقط، العموم الذي لا يتعارض مع القول بالإطلاق في وسائل الدعوة- في دائرة الضوابط الشرعية- وذلك لقيام الدليل على تخصيص هذا العموم في هذه الناحية من الموضوع. - إننا قد نَعْجب من الاتجاه إلى القول بأن وسائل الدعوة توقيفية، في حين أننا لم نر دليلاً واحداً من الكتاب أو السنة يأمر بأن ندعو إلى الله تعالى بوسيلة محدّدة، وإنما جاءت الأدلة بالأمر بالدعوة مطلقاً، أو الأمر بالدعوة مقروناً بالنصِّ على منهج الدعوة المطلوب، أو أسلوبها المطلوب، أو غايتها. وأما ما سوى ذلك فلم نَرَ دليلاً واحداً يأمر به، أو يحدده، أو ينص أن الدعوة فيه توقيفية؛ فلماذا نذهب إلى هذا التوقيف في غير موضعه الشرعي؟! لماذا ندّعي أن الحكم الشرعيّ هنا توقيفيٌّ مع عدم قيام الدليل الشرعيّ؟! بل إنّه يعارض الدليل الشرعيّ!.

стр. 222

إن الذين يريدون أن يجعلوا وسائل الدعوة توقيفة يريدون -من حيث يشعرون أو لا يشعرون- أن تتوقف الدعوة!. إنهم بهذا الفهم يعارضون دليل الشرع!. كما أنهم يعارضون سنة الله الكونيّة، فيُعارضون سنة الله المتجددة المطّردة في الخَلْق. إنهم يعارضون الفطرة التي فطر الله عليها عباده، من الرغبة في مواكبة الجديد والتطور، حتى إن النفوس تميل مع الجديد غالباً، فتحب أن تطّلع عليه، وأن تجارِيَهُ في كثيرٍ مِن الأحيان، ولو كان مُضِرّاً أو مشتملاً على شيء من الضرر. لكن الشرع جاء بالميزان الصحيح؛ فلم يُحَرِّم هذه الفطرة، ولم يُلْغها، كما أنه لم يَنْسَقْ معها، ولم يجعلها وحدها هي الدليل على حكم الشرع. - إن الذين يزعمون بأن وسائل الدعوة توقيفية، يُشارِكون، مِن حيث لا يشعرون، في هزيمة الدعوة، وفي القعود بها عن التأثير المطلوب أن يكون على مستوى العصر، وعلى مستوى إمكانات العصر، وعلى مستوى ما جعله الله تعالى مِن جديدٍ مفيدٍ في باب الوسائل يُسْرِع بالداعية إلى التأثير السريع والفعال في المدعوّ، فيوفّر عليه في الوقت والجهد، وبه يتحقق له الهدف والنتيجة المطلوبة. - إن هؤلاء الذين يزعمون بأن وسائل الدعوة توقيفية يُضْعِفون الدعوة أمام الدعوات إلى الأديان والمبادئ الأخرى، التي اسْتَخْدَمَتْ مستجداتِ العصر في عالم الاتصال؛ فَنَفَذَتْ بباطلها إلى القلوب والعقول. وهذه الملاحظات، كلها، تجتمع في هذا الرأي المُحَجِّرِ واسعاً، ومع ذلك يَتَّجه إليه البعض، بدعوى تحكيم الكتاب والسنّة، على الرغم مِن أنه تَبيّن أنه

стр. 223

لا دليلَ عليه مِن الكتاب والسنّة، بل أدلة الكتاب والسنّة تردّه. فَتَبَيّن بهذا أهمية الفقه، وأهمية إصابة الحق والصواب في النظر والاجتهاد.

стр. 224

المثال الرابع: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد جعله الله واجباً مِن أهم الواجبات، لكن للقيام به صفةٌ شرعية، إذا لم تتوافر فإن الإتيان به على غير وجْهها لا يكون أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر"١". وقد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على درجات، حسب استطاعة الآمر الناهي، فهو يكون: تارةً بالقلب، وتارةً باللسان، وتارةً باليد. فأما القلبُ فيجب بكل حال، إذ لا ضَرَر في فعله، ومَنْ لم يفعله فليس هو بمؤمن، كما قال النبي ﷺ : "وذلك أضعف الإيمان""٢"، وقال: "ليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل""٣".

стр. 225

وقيل لابن مسعود ﵁: "مَنْ ميّتُ الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفاً ولا يُنكر مُنكراً". وهذا هو المفتون، الموصوفُ بأنّ قلبه كالكوز مجخِّياً، في حديث حُذيفة ابن اليمان، ﵄، في الصحيحين: "تُعْرَضُ الفِتنُ على القلوب عرضَ الحصير ... " الحديث"١".

стр. 226

مسالك الناس في تَنَكُّب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقد انقسم الناس، الذين أخطأوا تجاه القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى فريقين: الفريق الأول: مَن يترك ما يجب عليه مِن الأمر والنهي؛ تأويلاً لهذه الآية: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ "١". الفريق الثاني: مَنْ يريد أن يأمر وينهى- إما بلسانه وإمّا بيده- مُطْلقاً، من غير فِقْهٍ، ولا حلمٍ، ولا صَبْرٍ، ولا نظرٍ فيما يَصْلح من ذلك وما لا يَصْلحُ، وما يَقْدر عليه وما لا يَقْدر، كما في حديث أبي ثَعْلَبَة الخُشَني: سألتُ عنها

стр. 227

-أي الآية السابقة- رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المُنْكَر، حتى إذا رأيتَ شُحّاً مُطاعاً، وهوىً متَّبعاً، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، ورأيتَ أمراً لا يَدَان لك به، فعليك بنفسك، ودَعْ عنك أمر العوام؛ فإن من ورائِك أيّامَ الصبرِ، الصَبْرُ فيهِنّ مثل قبْضٍ على الجمر، للعامل فيهنّ كأجْرِ خمسين رجلاً يَعْملون مثل عمله" "١". فيأتي بالأمر والنهي معتقداً أنه مطيع لله ولرسوله، وهو مُعْتَدٍ في حدوده، كما نصب كثير من أهل البدع والأهواء نفسه للأمر والنهي، كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم، ممن غَلِط فيما آتاه الله من الأمر والنهي والجهاد وغير ذلك، وكان فساده أعظمَ من صلاحه. وكلٌّ مِن الفريقين مخطيءٌ؛ وذلك لما يأتي: - لأن الله تعالى قد أوجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما استدلَّ به الفريق الأول استدلالٌ غير صحيح؛ لِما فيه مِن اقتصارٍ على بعض النصوص الشرعية عن البعض الآخر، ولِما فيه مِن تأويلٍ غير صحيح. ولقد خَطب أبوبكر في الناس؛ لتصحيح هذا التوهّم، كما جاء في الحديث فقال في خطبته: "أيّها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ "٢"، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإنّي سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إنّ الناس إذا

стр. 228

رأوا المنكرَ فلم يُغيّروه، أوشك أن يَعُمهم اللهُ بعِقابٍ منه" "١". - ولأن الله تعالى، الذي أوجب القيام بهذا الواجب، قد أَمر أن تُراعى فيه صفاتٌ أو شرائط؛ فمَن لم يأتِ بها لا يكون أتى به حقيقةً، وإنما صورةً. ومِن ذلك مراعاة العِلم والدليل، والحكمة، والرفق واللين، ورعاية المصالح ودفع المفاسد المعتبرة شرعاً، والصبر على الأذى.

стр. 229

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ولا يكون عمله صالحاً إنْ لم يكن بعلمٍ وفقه، كما قال عمر بن عبد العزيز ﵁: "مَنْ عَبَد الله بغير علم كان يُفسد أكثر مما يُصْلح"، وكما في حديث مُعاذ بن جبل ﵁: "العلم إمامُ العمل، والعمل تابِعُهُ". وهذا ظاهر؛ فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلمٍ كان جهلاً، وضلالاً، واتّباعاً للهوى -كما تقدم-. وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام. فلابد من العلم بالمعروف والمنكر. والتمييز بينهما. ولابد من العلم بحال المأمور وحال المنهي. ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم، والصراط المستقيم أقربُ الطرق، وهو الموصل إلى حصول القصد. - ولابد في ذلك من الرفق، كما قال النبي ﷺ : "ما كان الرفق في شيء إلا

стр. 230

ذ زانه، ولا كان العُنْف في شيءٍ إلا شانه" "١"، وقال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العُنْف" "٢". - ولابد أيضاً أن يكون حليماً، صبوراً على الأذى؛ فإنّه لابد أن يَحْصل له أذىً، فإن لم يَحْلم ويصبر فإنه يُفسد أكثر مما يُصْلِح، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ "٣". ولهذا أمر الله الرُسُل -وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بالصبر، كقوله لخاتم الرسل ﷺ ، بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة، فإنّه أول ما أُرسل أُنزلت عليه سورةُ: ﴿يا أيّها المدّثّر﴾ ، بعد أن أُنزلت سورة: ﴿اقرأ﴾ ، التي بها نُبّئ. - فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ "١" قُمْ فَأَنذِرْ "٢" وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ "٣" وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ "٤" وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ "٥" وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ"٦" وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ "٧"﴾ "٤". - فافتتح آيات الإرسال إلى الخَلْق بالأمر بالإنذار، وختمها بالصبر. - ونفْس الإنذار أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر؛ فعُلم أنه يجب بعده الصبر. - وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ "٥". - وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ "٦".

стр. 231

- وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ "١". - وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ "٢". - وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ﴾ "٣". - وقال: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ "٤". فلابد من هذه الثلاثة: العلمُ، والرفق، والصبر. - العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه. - والصبر بعده. - وإن كان كلٌّ من الثلاثة لابد أن يكون مستصْحَباً في هذه الأحوال. وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السَلَف، ورووه مرفوعاً، ذكره القاضي أبو يعلى في "المعتمد": "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا مَنْ كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمرُ به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه" "٥". "وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبّات لابُدّ أن تكون المصلحةُ فيها راجحة على المفسدة. إذْ بهذا بُعثتِ الرُسُل، ونَزَلت الكتب، والله لا يحبّ الفساد، بل كلُّ ما أَمَرَ الله به هو صلاح.

стр. 232

وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذمَّ الفساد والمفسدين في غير موضع. فحيثُ كانت مفسدةُ الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجبٌ وفُعل مُحرّم؛ إذ المؤمنُ عليه أن يتّقي الله في عباد الله، وليس عليه هُداهم. وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ "١". والاهتداء إنما يتمّ بأداء الواجب؛ فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات، لم يضرّه ضلال الضالّ""٢".

стр. 233

موقف الناس من هذه الشروط: ولْيُعلمْ أن اشتراط هذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يوجب الصعوبةَ على كثيرٍ من النفوس؛ فيظنّ أنه بذلك يَسْقط عنه؛ فَيَدَعه. وذلك مما يضرّه، أكثرَ مما يضرّه الأمرُ بدون هذه الخصال، أو أقلّ. فإن ترْك الأمرِ الواجبِ معصيةٌ. وفِعْل ما نهى الله عنه في الأمر معصية. فالمنتقل من معصية إلى معصية كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو كالمنتقل من دِيْنٍ باطلٍ إلى دِيْنٍ باطلٍ.

стр. 234

قد يكون الثاني شراً من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء. فهكذا تجد المقصِّر في الأمر والنهي، والمعتدي فيه؛ قد يكون ذنْبُ هذا أعظمَ، وقد يكون ذنْبُ ذاك أعظمَ، وقد يكونان سواء.

стр. 235

المعاصي سبب المصائب، والطاعة سبب النعمة: ومن المعلوم -بما أرانا الله من آياته في الآفاق، وفي أنفسنا، وبما شهد به في كتابه -أنّ المعاصي سبب المصائب. - فسيئات المصائب والجزاء: هي من سيئات الأعمال. - وأنّ الطاعة سببُ النعمة. - فإحسان العبد العمل سببٌ لإحسان الله. - قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ "١". - وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ "٢". - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ "٣". - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ "٤".

стр. 236

- وقال: ﴿أوْ يوبِقْهُنّ بما كسبوا، ويَعْفُ عن كثير﴾ "١". - وقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ "٢". - وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ "٣".

стр. 237

مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد إذا تعارضت: وجماعُ ذلك داخل في القاعدة العامّة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيّئات، أو تزاحمت، فإنّه يجب ترجيحُ الراجح منها؛ فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارَضت المصالح والمفاسد. فإن الأمر والنهْيَ -إنْ كان مَتَضمِّناً لتحصيل مصلحة ودَفْع مفسدة -فيُنظَرُ في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرَّماً، إذا كانت مفسدتُه أكثرَ من مصلحته. ميزان تقدير المصالح والمفاسد هو ميزان الشرع: لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قَدِرَ الإنسانُ على اتِّباع النصوص لم يَعْدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تُعْوِزَ النصوصُ مَنْ يكون خبيراً بها، وبدلالتها على الأحكام.

стр. 238

مثال للموازنة بين المصالح والمفاسد: وعلى هذا إذا كان الشخص والطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرّقون بينهما، بل إمّا أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً = لم يَجُزْ أن يؤمروا بمعروف، ولا أن يُنهوا عن مُنْكر، بل يُنظر: - فإنْ كان المعروف أكثر أُمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. - ولم يُنْهَ عن مُنكرٍ يستلزم تفويت معروفٍ أعظمَ منه، بل يكون النهي حينئذٍ من باب الصَدّ عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وزوال فعل الحسنات. - وإن كان المنكر أغلب، نُهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف، المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمراً بمنكرٍ، وسعياً في معصية الله ورسوله. - وإنْ تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان؛ لم يؤمر بهما ولم يُنْهَ عنهما. فتارةً يَصْلح الأمرُ. وتارةً يصلح النهي. وتارة لا يصلح أمرٌ ولا نهيٌ حيث كان المعروف والمنكر متلازمين. وذلك في الأمور المعيَّنة الواقعة. وأما مِن جهةِ النوع: فيؤْمر بالمعروف مطلقاً، ويُنهى عن المنكر مطلقاً. وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمَرُ بمعروفها ويُنهى عن منكرها، ويُحمد محمودُها، ويُذمُّ مذمومها- بحيث لا يتضمّن الأمر بمعروفٍ فواتَ معروفٍ أكبرَ منه، أو حصولَ منْكَر فوقه، ولا يتضمّن النهْيُ عن المنكر حصول ما هو أَنْكرُ منه، أو فواتَ معروفٍ أرجح منه-.

стр. 239

وإذا اشتبه الأمرُ، استبانَ المؤمنُ حتى يتبيّن له الحق، فلا يُقْدِم على الطاعة إلا بعلمٍ ونيّة، وإذا تركها كان عاصياً. فتَرْكُ الواجب معصية. وفعلُ ما نُهي عنه من الأمر معصيةٌ. وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. مثال آخر للنظر للمصالح والمفاسد: ومن هذا الباب تَرْك النبي ﷺ لعبد الله بن أبيّ بن سَلول وأمثاله من أئمةِ النفاق والفجور؛ لِما لهم من أعوان؛ فإزالةُ المنكر بنوعٍ من عقابه مستلزمةٌ إزالة معروف أكبر من ذلك بغضبٍ قومه وحميّتهم، وبنفورِ الناس إذا سمعوا أنّ رسول الله ﷺ يقتل أصحابه، ولهذا لما خطبَ الناسَ في قضيّة الإفك بما خَطَبَهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن مُعاذ قوله الذي أحسنَ فيه = حمي له سعد بن عبادة -مع حُسْن إيمانه وصدقه- وتعصَّب لكلٍّ منهم قبيلَةٌ، حتى كادت تكون فتنة""١". وبهذا يُعْلم أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعِظَمُ شأنه، كما يُعْلَمُ أهمية الإتيان به على وجْهه، ومراعاة الصفات المطلوبة في القيام به، وأنه لم يُحْسِن كلٌّ ممن تركه ومن قام به متنكباً الهدْي المطلوب فيه شرعاً. وأنه يجب الأخذ بجميع النصوص وجميع الأحكام الشرعية.

стр. 240

الخَاتمَة ختاماً أحمد الله وأشكره، حمداً وشكراً يليقان بجلاله وعظيم إحسانه، وأحمد الله وأشكره على أسمائه وصفاته، وأحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله. أما بعد: فإنّ مثل هذين الموضوعين في غاية الأهميّة-على ما سبق بيانه-وهما، كذلك، متجدِّدان مع الإنسان بتجدّد قضايا الحياة وأحوالها. والإنسان بحاجةٍ إلى أنْ يكون ملازماً في جميع أحواله لكلٍّ مِن الإخلاص والفقه؛ وبهذا يَسعد ويُسْعِد، وبهذا ينجو في الدنيا وفي الآخرة، بإذن الله تعالى. وأمّا بدون هذين الأمرين فإنّ الإنسان يلتمس توفيقاً ونجاةً وسعادةً لا وجود لها في الواقع!. وإنّ مما أرجوه أن تكون هذه الدراسة زاداً لِمَن يرغب في إسعاد نفسه ونجاتها في الدنيا وفي الآخرة، ولِمَن يرغب في إسعاد الآخرين ونجاتهم. ولعله لا يخفى أن مثل هذه الموضوعات تحتاج إلى المعاودة عليها مرةً بعد مرة، بالقراءة المتكررة، والتطبيق، ومحاسبة النفس عليها؛ شأنها شأن غالب موضوعات المنهج والتربية. ورحِمَ الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي؛ فنبهني على وهمٍ أو خطأٍ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وكَتَبَ: عبد الله بن ضيف الله الرّحيليّ