مقدّمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده وخاتم رسله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو الإصدار الثامن من سلسلة: "دراسات في المنهج"، وقد جاء بعنوان: "طريقك إلى الإخلاص والفقه في الدِّين: المفهوم، والأهمية، والمقاييس والمظاهر"، وهو جزءٌ مِن موضوع كنت كتبتُه بعنوان: "الدعوة في الكتاب والسنة: الواجب والمنهج والوسيلة".
وقد جاء هذا الموضوع ثمرةَ معاناةٍ طويلة وسنوات غير قليلة، في مجال التدريس والمحاضرات وبعض الإسهامات الدعوية المتعددة في إطار الموضوع، وثمرةَ صحبةٍ متدبِّرة لآيات الكتاب العزيز، ولأحاديث النبي ﷺ ، واستفتائها في مشكلات المسلم في هذا العصر؛ ومِنها: ضعفُ الفقه في الدين، وضعْف الفقه في جانب الدعوة إليه؛ فأحببت إبراز معالم هذين الفقهين، وتأصيلهما تأصيلاً شرعياً في ضوء نصوص الوحي الإلهيّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خَلْفه -أعني كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ولا يُنْكر ما لثقافة الإنسان ومطالعاته السابقة، مِن الأثر المباشر أو غير المباشر في مثل هذا العمل، سواء شعر صاحبه أو لم يشعر، والله سميعٌ عليم،
стр. 2
﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يَرَهْ ... ﴾ ، وجزى الله كل مَن كان سبباً لشيءٍ مفيدٍ بأيّ صورةٍ: مباشرة أو غير مباشرة.
وقد اطّلع على مسوّدات الموضوع عدد من الإخوة الفضلاء، وطلاّبي الأعزاء؛ فاستفدتُ من ملحوظاتهم واقتراحاتهم القيّمة، وكان عدد منهم
-بعد ذلك- يُلحُّ على إخراجه، ويسأل عنه ما بين فينةٍ وأخرى؛ فكان هذا من أسباب توَجّهي لإخراجه.
ثم أشكر كلَّ أخٍ أعانني في إخراج هذه الأوراق، وأَخصُّ الأخ العزيز أبا عاصمٍ، الأستاذ: عبد الله المحمديّ؛ فقد بذَلَ جهداً مشكوراً في القراءة والتصحيح والرأي، جزاه الله خيراً. كما أشكر أخي العزيز المهندس أبا سهيل: محمد بن ناصر ابن محمود، على ما بذله مِن جهود مشكورة لمساعدتي في مجال الحاسب الآليّ "الكمبيوتر"، لا أستطيع مكافأته عليها، جزاه الله خيراً. كما أشكر للأخ العزيز د. سعيد صيني آراءه وملحوظاته القيّمة التي قدّمها لي. جزى الله الجميع خير الجزاء.
أسأله سبحانه أن يكون هذا عملاً نافعاً مفيداً، وأن يكون سهماً مقبولاً عند الله تعالى وعند عباده الصالحين، في مجال: التأصيل الشرعي، وفقْه الكتاب والسنّة، وفقْه الدعوة في ضوء نصوص الكتاب والسنة ومقاصدها.
والحمد لله أوّلاً وآخراً.
وصلى الله على خاتم الرسل والأنبياء، وأصحابه أجمعين.
عبد الله بن ضيف الله الرحيلي
المدينة المنورة
١٤/ محرّم/١٤١٩هـ
стр. 3
منهج البحث:
- اشترطت على نفسي ألا أعتمد في الاستدلال إلا على دليل صحيح من النقل أو العقل.
- عزوتُ الآيات إلى المصحف الشريف، واتّبعتُ في ذلك طريقةَ محمد فؤاد عبد الباقي، ﵀، بذكْر رقم الآية أو الآيات أوّلاً، فاسم السورة، فرقم السورة"١".
- خرّجت ما أوردته من الأحاديث تخريجاً مختصراً اقتصرتُ فيه على العزو إلى مصدرٍ صحيح، أو الاقتصار على الاعتماد على حديثٍ صحيحٍ.
- إذا كان الحديث في الصحيحين فإنني لم أُلْزم نفسي إلا بإحالته إلى أحدهما، أياً كان: البخاري أو مسلماً؛ لأن هذا هو الذي يحقق الغرض من عزو الحديث هنا، وهو بيان أنه صحيح. وعزوت الأحاديث إلى مصادرها بذكر رقم الحديث، ولا سيما إذا كان في الصحيحين.
واتّبعت في عزو الأحاديث الإحالة على رقم الحديث بحسب عددٍ مِن الطبعات المتوافقة مع ترقيم كتاب "مفتاح كنوز السنّة"، وكتاب "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي".
فاعتمدت في العزو إلى صحيح البخاري على نُسْخة "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، لابن حجر العسقلاني، القاهرة، ط. المكتبة السلفية ومطبعتها، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. فإذا ذكرت رقم الحديث في
стр. 4
صحيح البخاري فالمقصود رقْمه في هذه الطبعة وإلا بيّنتُ الطبعة المقصودة.
واعتمدت ترقيمَ محمد فؤاد عبد الباقي في عزوي الأحاديث إلى صحيح مسلم؛ بذكْر الرقم الخاصّ، ثم ذكْر الرقم العامّ بين قوسين.
هذا كله ما لم أَنصَّ على طبعة أُخرى للكتاب الذي أخرجت الحديث منه.
стр. 5
الفصل الأول: الإخلاص
أولاً: الإخلاص والفقه في الدين معاً
...
أولاً: الإخلاص والفقه في الدين معاً
بالإخلاص والفقه في الدين تُحَلُّ مشكلات المسلمين. هذه حقيقة ينبغي لنا، نحن المسلمين، اليوم الإيمان بها، ومحاسبة أنفسنا عليها.
وذلك لأن الإخلاص يَدْفع المرء إلى ما يلي:
- إلى العمل.
- وإلى اختيار العمل النافع.
- وإلى تَمْحِيص النية الصالحة من وراء العمل.
- وإلى إتقان العمل، وإعطائه ما يستحقه من عناية.
والفقه في الدين يدفع المرء إلى ما يلي:
- إلى وجْه الصواب في العمل.
- وإلى التفريق بين الخطأ والصواب في الأعمال.
- وإلى التفريق بين المنكر والمعروف.
- وإلى التمييز بين الأفضل والمفضول.
- وإلى المقبول والمردود من الأعمال، في ضوء أدلة الشرع على مراد الشارع.
والفقه في الدين يُبَصِّر الإنسان -في ضوء الأدلة الشرعية، ومقاصد الدين- بأنواع الواجب في الحياة الإسلامية: مِن فرْض عين، وفرض كفاية، وواجب موسع، وواجب مُضَيَّق.
والفقه في الدين يُسْهِم في التوصّل إلى ترتيب الأولويات.
стр. 6
والفقه في الدين يَدْفع الإنسان إلى العناية بما يتعدى العامل نفعه من أعمال الخير.
وما إلى ذلك مما يتوصل إليه الإنسان، ويحققه، بالفقه في الدين، لنفسه ولأمته، ولحياته الدنيا ولحياته الأخرى، كل ذلك بدافع من الإخلاص والفقه في الدين.
ومما يدل على هذه الحقيقة أمران:
الأول: تَتَبُّعُ ما يراه الإنسان من مشكلاتِ المسلم أو المسلمين، والنظر في أسبابها، آخذاً في الاعتبار هذين السببين الرئيسين، أعني عدمَ توافر الإخلاص وعدَمَ توافر الفقه في الدين؛ هل يعود إليهما شيء من تلك المشكلات؛ أو هل يَخرج عنهما شيءٌ من تلك المشكلات؟. وسيكون الواقع أنه لا يَخرج عنهما شيء منها.
الثاني: التسليم لما قرره النبي ﷺ مِن ميزانٍ لاستقامة أعمال الإنسان ظاهراً وباطناً؛ وذلك في الحديثين التاليين:
١- "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" "١".
٢- "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ" "٢". وفي رواية عند الإمام مسلم: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" "٣". وعلق البخاري
стр. 7
هذه الرواية في موضعين من صحيحه"١". فهذا هو الميزان: الإخلاص، أي إرادة وجْه الله وحده، والفقه في الدين، أيْ إصابة الحكم الشرعيّ.
стр. 8
ثانياً: تعريف الإخلاص لله تعالى
ليس المقصود بالتعريف هنا مجرّد التعريف الاصطلاحي واللغويّ، وإنما المقصود تناول هذا الجانب بالإيضاح لمفهوم الإخلاص، والتفصيل فيه بما يكفي لتحقيق الهدف من التعرض له هنا.
الإخلاص: مَصْدرٌ مِن "أَخْلَصَ"، ومثله خَلُصَ الشيء، إذا صفا وتمحّض عن غيره. والمقصود به هنا: إخلاص الاعتقاد والتوجه والقول والعمل لله تعالى وحده؛ وذلك بتمحيص النيات والأقوال والأعمال لله تعالى؛ بأنْ تكون صادرةً عن نِيّةٍ يُراد بها وجه الله تعالى.
وواضحٌ، مِن هذا، أنه بحَسبِ إضافة هذا المَصْدر يتحدد المُخْلَصُ له ويتحدد معنى الإخلاص، ويتبين كذلك مدى أهميته.
حقيقة الإخلاص:
وحقيقة الإخلاص صدقٌ في النيَّة والقول والعمل، فيما يتعلق بحقوق الله تعالى، وفيما يتعلق بحقوق المخلوقين
стр. 9
حقيقته، أيضاً، جمْع الهم نحو عبادة الله، ونحو الدار الآخرة مع الصدق في ذلك، فإن القلب لا يملك أن يكون مملوءاً بحب الدنيا وهمّها والتوجه إليها ومملوءاً بحب الله والإقبال عليه وعلى إرادة الدار الآخرة والهم بذلك في آنٍ واحد.
وليس معنى هذا تحريم التفكير في الدنيا وأعمالها، فإن ذلك واجب شرعيّ، ولكنَّ شرطه أن لا يكون على حساب الإقبال على الله والدار الآخرة، بحيث يقطعه عن هذا التوجه. ولا يتم هذا للمرء إلا إذا كانت عمارته للدنيا، وتفكيره فيها، واشتغاله بها، إنما هو مِن أجْل عمارةِ الآخرة وعبادةِ الله تعالى، وفي الحدود الشرعية أيضاً.
وهذا المقياس، من مقاييس الإخلاص، جدُّ مُهِمٌّ وحسّاس، والمرء مفتقر لاستخدامه بصفة مستمرة طوال حياته بحيث يراقب نفسه على مقتضاه، فمتى ما رأى همّه وهواه وشغله بالدنيا على حساب عبادة الله وحبّ الله تعالى عَلِمَ أن إخلاصه لله قد اختلّ أو فُقِدَ، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ "١"، فليس للإنسان قلبان، ولا يمكن أن تكون زوجته التي يظاهر منها أُمّاً له، ولا يمكن أن يكون الابن الدّعيّ ابناً في الحقيقة.
فاعلم يا أخي أن لك قلباً واحداً فمتى رأيته مال مع الدنيا وانشغل بها، فاعلم أنه لا يسعه أن ينشغل أيضاً في الوقت نفسه بعبادة الله تعالى وبحبه
стр. 10
وبهمّ الآخرة، وليس لك قلب آخر يتوجه بك إلى عبادة الله وإلى الدار الآخرة، فانتبه يا أخي، وكنْ بصيراً بنفسك ناصحاً لها"١".
غاية الإخلاص:
إنّ غاية الإخلاص:
*أن تُخْلِصَ لله أعمالك على مقتضى ما ادّعيتَه بلسانك بمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أي: أن تشهد بأعمالك بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كما شهدتَ ذلك في اعتقادك وكما نطقتَ به بلسانك.
*وأن تُخْلِص لله الأعمال لتتطابق أحوالك كلها على الإخلاص والصدق في القول وفي القصد وفي العمل.
والقَدْر المطلوب مِن الإخلاص هو: ما تَبْلُغُ به رضا الله تعالى، وتجتنب به سخط الله تعالى.
مقتضيات الإخلاص:
إنّ مِن مقتضيات الإخلاص أن يَتحقق في حياة الإنسان ما يلي:
*أن يكون الإخلاص رقيباً على الإنسان، وهو خير شرطيّ -من داخل الإنسان- يمنعه من المخالفات، ويدفعه إلى فعل الطاعات.
*وأن يراقب الإنسان نفسه، ويُحاسبها في الغيب والشهادة، أي عندما
стр. 11
يكون مع الناس وعندما يكون خالياً، ويُحاكمَها في ضوء حقائق الإيمان ومقتضياته.
*وأن يستجيب العبد لداعي الإيمان بالغيب، كاستجابته لداعي الإيمان بالشهادة " أي المشاهد المحسوس "، أو أشد، ويَستجيب لحقائق الإيمان بالغيب، ويُقدِّمَ مقتضيات الإيمان به على المصالح المادية، أو الصوارف المادية الأخرى.
ومِن الأمثلة لتطبيقات هذا المعنى ما يلي:
-إن من مقتضى الإخلاص أن يكون حديث المتحدّث عن الإخلاص بإخلاص، وإلا فما قيمة الحديث عن الإخلاص بغير إخلاص؟!.
وماذا يُجْدي في تحصيل الإخلاص الكلامُ عنه على غير إخلاص؟!.
-كما أن من مقتضيات الفقه أن يكون الحديث عن موضوع الفقه بفقه، أو عن فقهٍ، وإلا فما قيمة كلام المتكلم عن الفقه بغير فقه؟!.
وماذا يُجْدي في تحصيل الفقه الكلام عنه على غير فقه؟!.
وهل قَتَلَ الإخلاصَ شيء كما قتله الكلام عنه على غير إخلاص؟!.
وهل قَتَلَ الفقه شيء كما قتله الكلام عنه على غير فقه؟!.
ولهذا ربما كان حديثُ غير المُخْلِص عن الإخلاص نفاقاً ورياء!.
ولهذا ربما كان حديثُ غير الفقيه عن الفقه نوعاً من البَلَهِ!.
-وهل يستقيم أن يُمْدَحَ الإخلاص رياءً؟!.
-وأن يُمْدح الصدق كذباً؟!
стр. 12
-أو أن ندعو إلى اللغة العربية بالعامية، أو بكلام خارجٍ عن الالتزام
باللغة العربية؟!.
-إنّ مِن مقتضيات الإخلاص، ومفهومه، مراعاة التعامل مع المقاصد والغايات، والنظر في التعامل إلى حقائق الأشياء.
-ومِن ذلك أن يكون تَوَجُّهُ المعلِّم والمتعلِّم في علمهما-مثلاً- إلى حقائق العلم وليس إلى صُوَرِهْ فقط.
قال الإمام أحمد بن محمد المقدسيّ ﵀: ""فأمّا عِلْم المعاملة، وهو علم أحوال القلب: كالخوف، والرجاء، والرضا، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم به ارتفع العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم، كسفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
وإنما انحطت رتبة المسمَّين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات، لتشاغلهم بصُوَرِ العلم من غير أخذٍ على النفس أنْ تَبْلُغَ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه. وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظهار، واللعان، والسبق، والرمي، ويفرِّع التفريعات التي تمضي الدهور فيها ولا يحتاج إلى مسألة منها؛ ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين؛ لأن في إهماله هلاكَهُ، والأول فرض كفاية.
ولو أنه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن
له جواب.
ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمي، لقال: هذا فرضُ كفاية.
ولقد صدق، ولكن خفي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضاً، فهلاّ تشاغل به. وإنما تُبَهْرِجُ عليه النفسُ؛ لأن مقصودها من الرياء والسمعة يحصل
стр. 13
بالمناظرة، لا بالحساب"""١".
وقال أيضاً:
"فكن أحد رجلين: إما مشغولاً بنفسك، وإما متفرغاً لغيرك بعد الفراغ من نفسك. وإياك أن تشتغل بما يُصْلِح غيرَك قبل إصلاح نفسك"٢"، واشتغلْ بإصلاح باطنك وتطهيره من الصفات الذميمة: كالحرص، والحسد، والرياء، والعُجْب، قبل إصلاح ظاهرك ... ، فإنْ لم تفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات؛ فإن في الخلق كثيراً يقومون بذلك، فإنّ مُهْلِكَ نفسه في طلب إصلاح غيره سفيهٌ، ومَثَلُه مثل من دخلت العقاربُ تحت ثيابه، وهو يَذُبُّ الذباب عن غيره.
فإن تفرغتَ من نفسك وتطهيرها -وما أبعد ذلك- فاشتغل بفروض الكفايات، وراعِ التدريج في ذلك.
فابتدئ بكتاب الله ، ثم بسنة رسوله ﷺ ، ثم بعلوم القرآن: من التفسير، ومن ناسخ ومنسوخ، ومحكَمٍ ومتشابه، إلى غير ذلك.
وكذلك في السنّة، ثم اشتغل بالفروع، وأصول الفقه، وهكذا بقية العلوم، على ما يتسع له العمر، ويساعِد فيه الوقت.
ولا تستغرق عُمُرَك في فَنٍّ واحدٍ منها؛ طلباً للاستقصاء؛ فإن العلم كثير،
стр. 14
والعمر قصير. وهذه العلوم آلاتٌ يراد بها غيرها، وكل شيء يُطْلَبُ لغيره فلا ينبغي أن يُنْسى فيه المطلوب"""١".
وينبغي التنبه هنا إلى أن كلام الإمام المقدسي السابق فيما يتعلق بالنُصْحِ بعدم الاشتغال بما يصلح الآخرين، قبل إصلاح النفس، كلامٌ فيه نظرٌ، وذلك أن الإنسان لا يمكن أن يَفْرُغ من إصلاح نفسِه مادامت أنفاسه تتردد، ولو أُخِذَ بهذا الكلام على إطلاقه لبطلت الدعوة والأمر بالخير، والسعي في إصلاح الآخرين. وهذا الظاهر ليس هو مراده-﵀-وإنما أراد التأكيد على إصلاح النفس، والبعد بها عن حال المنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون.
ولكن نقول: اعملْ على إصلاح نفسكَ، وإصلاح غيركَ في خطّين متوازيين مع التركيز على نفسك، أكثر.
علماً بأن الاشتغال بإصلاح الآخرين فيه إصلاح للنفس.
стр. 15
مفهوم الإخلاص والتجرد الكامل:
قد يأتي هنا تساؤلٌ مهم، وهو: هل مِن لازِم الإخلاص التجرد الكامل، بمعنى أنه يُشترط لتحقيق الإخلاص أن لا يكون للإنسان مصلحةٌ مادّيّة، أو دنيويّة إطلاقاً؟.
والجواب هو: لا، لا يقتضي تحقيق الإخلاص في واقع حياة الإنسان، هذا التجرد الكامل، إلى الحدّ الذي يَخْرج فيه الإنسان عن منهج الله في جانبٍ
стр. 16
آخر مِن الفهم والسلوك؛ بأنْ يُحَرِّم ما أباحه الله مِن أوجه الانتفاع الدنيويّ، التي يُمْكن له شرعاً أن يجنيها في الدنيا مِن وراء أعماله؛ بأن ينال مكافأةً أو عِوَضاً من الناس مادّيّاً أو معنويّاً- بما فيها بعض أنواعٍ من الطاعات الوارد فيها شرعاً مثل هذه المشروعية-.
أما الفوائد التي ينالها العبد من الله في الدنيا جزاءً لعمله فهذه مِن ثواب الله، والأصل في العبادات أن يَجْني العبد نفْعها من الله في الدنيا وفي الآخرة، وعلى هذا جاءت نصوص الوعد الإلهيّ؛ إذ جاءت أحياناً بالوعد بالثواب في الآخرة، وأحياناً بالثواب في الدنيا والآخرة، ومرّةً مطْلقةً. والله سبحانه قد شرع العِبادةَ لِعِبادِهِ لينتفعوا هم بها في الدنيا وفي الآخرة، والله غنيٌّ عن العالمين.
فالإخلاص لله؛ إذَنْ، لا يوجب، أو لا يُبيح لصاحبه الخروج عن منهج الله وشرعه. والمقياس في مفهوم التجرد لله هو مقياس الشرع، وليس مجرد الرغبة الإيمانية في التجرد.
وفي النصوص الشرعيّة أمثلةٌ وأدلةٌ تَدُل على صوابِ هذه الملحوظة في معنى الإخلاص، وتلك النصوص تُعَدُّ ضابطاً يمنع من الشطط والميل عن الصواب، سواء كان هذا الميل إلى الغلوّ أو إلى التقصير. ومِن الأمثلة على ذلك ما يلي:
المثال الأول:
الجهاد في سبيل الله: فهو على الرغم من النصوص المتكاثرة المؤكِّدة على اشتراط الإخلاص لله فيه، وعلى خطورة خلوّه من هذا الشرط وعاقبةِ ذلك؛
стр. 17
إلا أن الله أباح للمجاهد الغنائم، وهي أمرٌ دنيويّ.
لكن نلاحظ أن هذه الغنائم التي أباحها الله للمجاهد، هي الأمر ذاته الذي نهى الله المجاهدين عن أن يكون جهادهم من أجله، وأحبطَ به جهاد من قَصَده منهم لذاته.
فقد روى عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلا عِقَالاً فَلَهُ مَا نَوَى" "١".
وقد وردت نصوص تدل على عدم المنع من إرادة الغنائم، طالما أن الجهاد إنما هو لتكون كلمة الله هي العليا. ومن هذه النصوص:
- عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقال: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ؛ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟. قال: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" "٢".
قال ابن حجر:
"وفي الحديث شاهدٌ لحديثِ: "الأعمال بالنيات" ... وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين مختص بمن قاتل لإعلاء دين الله ... " "٣".
وأشار ابن حجر إلى أنّ الحالات المسؤول عنها هي:
стр. 18
- الرجل يقاتل للمغنم.
- الرجل يقاتل للذكر.
- الرجل يقاتل لِيُرَى مكانه.
- الرجل يقاتل رياء.
- الرجل يقاتل غضباً.
قال ابن حجر: "فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمِيّة، والغضب، وكلٌّ منها يتناوله المدح والذم [يَقْصد أنّ حكمه يختلف باختلاف النية والباعث] ؛ فلهذا لم يَحْصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي.
قوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، المراد بكلمة الله: دعوة الله إلى الإسلام.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أَخلَّ بذلك.
ويحتمل أن لا يُخِلّ إذا حَصَل ضِمناً، لا أصلاً ومقصوداً.
وبذلك صَرّح الطبري فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عَرَض له بعد ذلك.
وبذلك قال الجمهور.
لكن روى أبو داود والنسائي، من حديث أبي أمامة، بإسنادٍ جيدٍ، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله؛ أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ما
стр. 19
له؟. قال: "لا شيء له"، فأعادها ثلاثاً، كلُّ ذلك يقول: "لا شيء له"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتُغي به وجهه".
ويمكن أن يُحمل هذا على من قصد الأمرين معاً، على حدٍ واحد؛ فلا يخالف المرجَّح أوّلاً.
فتصير المراتب خمساً:
١ - أن يقصد الشيئين معاً.
٢ و٣ - أو يقصد أحدهما صِرفاً.
٤ و٥ - أو يقصد أحدهما ويَحْصل الآخرُ ضِمناً.
فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمناً، وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان"١".
وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى.
ودونه أن يقصدهما معاً فهو محذور أيضاً، على ما دل عليه حديث أبي أُمامة، والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً، وقد يحصل غير الإعلاء وقد لا يحصل؛ ففيه مرتبتان أيضاً، قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعثُ الأولُ قصْدَ إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه. اهـ.
ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح في الإعلاء، إذا كان
стр. 20
الإعلاء هو الباعث الأصلي، ما رواه أبو داود، بإسنادٍ حسنٍ، عن عبد الله
ابن حوالة قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا؛ فَرَجَعْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئاً وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا؛ فَقَامَ فِينَا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ، وَلا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَلا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ" "١" ... ""٢".
المثال الثاني:
فِعْل المعروف المتبادَل بين المسلم وأخيه المسلم: فهو أمرٌ مباح، بل هو مما أمر الله به المسلمين. فلو أهدى إنسان إلى آخر شيئاً مادّيّاً ثميناً طمعاً في ثواب الله، ثم كافأه صاحبه بهديّةٍ مادّيّة مثلها، أو أحسن، فإنه يباح له أخذها، بل هذا هو الأَولى-ما لم يَمْنع منه مانعٌ شرعيّ آخر-على الرغم مِن أنه قد كانت هديته لوجه الله، لا يريد من ورائها جزاءً من المخلوق. والنصوص معلومة في الأمر بالتهادي، ونحو ذلك من أفعال البر التي مِن هذا القبيل.
والمؤكَّد أنه يَحبطُ العملُ بإرادة الدنيا في الحالات التالية:
- أن يكون العمل طاعة ليست قابلةً لأخْذِ شيءٍ من الدنيا، عليها أو معها، كأن يُصلي الإنسان، الصلاة المأمور بها، لشيءٍ من الدنيا، أياً كان، وكأن يقرأ القرآن ويتقاضى على قراءته مكسباً مادّيّاً يقرأ من أجله-وهذا بخلاف الأجرة على تعليم القرآن-.
стр. 21
- أن يكون العمل عبادةً مأذوناً للإنسان فيها أن يَحصل مِن ورائها على شيء من المكاسب الدنيوية، إذا جاءت تبعاً، أو جاءت بسبب هذه العبادة، إذا لم يكن هذا القصد الثاني مخلاًّ بالنية الصالحة، كالجهاد مع الغنيمة؛ لكن يُبطل هذه العبادة أن يَعْمد الإنسان إلى الجهاد قصداً للمغنم فقط، أو إلى المغنم في الأصل ونيةِ الجهاد في سبيل الله تبعاً.
وكذلك في حال استواء القصدين؛ فإنّ الذي يترجح، بمقتضى الأدلة، التحاق ذلك بحالاتِ عدم الإخلاص المحبطة للعمل؛ لأن معنى أن يكون العمل لله: أن تكون إرادةُ وجه الله كافيةً في الاستقلال بتحريك الإنسان للعمل، ولعل هذا مقياسٌ صحيح مطّرد للتفريق بين الإخلاص وعدمه، وللتفريق بين المقاصد الدنيوية، أو المصالح الدنيوية، المنافية للإخلاص
وغير المنافية له.
стр. 22
حكمُ النيّة في العمل:
- النيّة في اللغة: هي نوعٌ مِن القصْدُ، والإرادة"١". وهي الباعثُ الذي يختفي وراء أعمالنا، ويكون سبباً في القيام بها.
والنيّة الباعثة على القيام بطاعةٍ ما:
إما أن تكون نيّةً صالحة: وهي تلك النيّة التي تدفع صاحبها إلى القيام بالطاعة متِّجِهاً بها إلى الله تعالى، مستشعراً في ذلك معنى العبودية لله والتعبّد
стр. 23
والقربة، فهذه هي النيّة الصالحة التي لا يقبل الله تعالى عملاً بدونها.
وإما أن تكون النيّة نيّةً غير صالحة، وهي تلك النيّة التي تدفع صاحبها للتوجه بالعمل من أعمال الطاعة لغير الله تعالى، إما جزئياً: وهو التشريك في النيّة، ومنه الرياء، والشرك الأصغر، أو كليّاً: وهو الرياء المحض، فذلك من عبادةِ ما سِوى الله معه سبحانه.
فأنت ترى، بهذا، كيف أثّرت النيّة في قبول العمل عند الله، ، أو في ردِّه على صاحبه. إن الصورة أمام الناس هي أن هذا العمل طاعةٌ: مِن صلاةٍ أو صيامٍ أو حجٍ، ويقول الناس: صلّى فلان، أو صام فلان، أو حج فلان؛ لأنهم يرونه قد ذهب إلى الحج مثلاً، وأَتى بالأعمال الظاهرة المأمور بها شرعاً، ولكنه عند الله تعالى، تُقَدِّمُهُ نيتُه أو تؤخّرُهُ:
فإنْ كانت نيته صالحة خالصة لله سبحانه، وكان عملُهُ قد وافق ما أمره الله به، فهو قد حَجَّ حقيقةً.
وأمّا إن كان قد نوى بحجه غير الله تعالى؛ فهو وإن كانت الصورة أنه قد حج، إلا أنه عند الله لم يحج، لأن نيته قد أحبطت ذلك العمل الطيب، وأبطلت أجره، بل لم يَقِف الأمر عند هذا الحدّ- أعني بطلان العمل، وفوات الأجر- بل يتعداه إلى الوزْر، لأن هذا الحج مثلاً، وهو عملٌ من أعمال الطاعة، انقلب بالنية السيئة إلى معصيةٍ يحاسَبُ عليها الإنسان، ويقول الله له يوم القيامة: لَمْ تعمل هذا من أجلي، اذهب للذي عملته من أجله يكافئك عليه.
والنية الصالحة سببٌ لدخول الإنسان الجنة ونَيْل رضا الله، والنية السيئة سببٌ لدخول الإنسان النار، والوقوع في سخط الله؛ ففي الصحيحين
стр. 24
وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قال: قلت: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟، قال: "إنه كان حريصاً على قتل صاحبه" "١".
стр. 25
ليس مِن لازِمِ اختلال النية أن يكون رياءً "٢":
ليس مِن لازِم اختلال النيّة أن يكون بسبب الرياء؛ وذلك لأن العمل تتعدد أسباب اختلاله. والعمل لغير الله أقسام:
فتارة يكون رياء محضاً، بحيث لا يراد به سوى مراعاة المخلوقين لغرض دنيويّ، كحال المنافقين في صلاتهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ "٣"، وقال سبحانه في شأنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ"٤" الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ"٥" الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ"٦" ... ﴾ "٤".
وقد وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ "٥".
وهذا الرياء المحض يقول عنه ابن رجب ﵀: "لا يكاد يَصْدر من مؤمن في فرضِ الصلاة والصيام، وقد يَصْدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من
стр. 26
الأعمال الظاهرة التي يَتَعَدَّى نفعُها، فإن الإخلاص فيها عزيز" "١".
وهذا الرياء يُحْبِط العمل، وصاحبه يستحق المَقْتَ والعقوبةَ.
وتارةً يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه في أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضاً وحبوطِهِ.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" "٢".
ولفظه عند ابن ماجه: "فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك" "٣".
وخرّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليومٍ لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عَمَلٍ عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" "٤".
فالعمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلاً.
أما إذا خالطه مثلُ نيةِ غيرِ الرياء، مثل نيّة الحج والتجارة، فهذا يُنْقِص الأجرَ ولا يُبْطله، بشرط أن يكون الغرض الأصليُّ هو الطاعة، كالحج مثلاً،
стр. 27
دون التكسب والتجارة"١".
стр. 28
أقسام الأعمال إذا تخلّفت عنها النية الصالحة "٢":
ونوَدُّ أن نقف فيما يلي على أثرِ تخلف النيّة الصالحة عن العمل"٣":
إنّ أعمال الطاعة كلها تحتاج إلى النية الخالصة لله تعالى، ولكن أعمال الإنسان تنقسم إذا خلت من إخلاص النية لله إلى ثلاثة أقسام:
١- قسم: يزول عنه معنى العبادة، ويتحول إلى معصية، بسبب خلوه من إخلاص النية لله، ويبقى أثر النفع فيه، فينتفع به الناس، ولا يُكتب له به أجر، بل يُكتب عليه به وزر، لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى، وذلك كالصدقة في الظاهر، والمعروف والإصلاح بين الناس في الظاهر، إذا لم يقصد به وجه الله.
٢- وقسم: يزول عنه معنى العبادة، ولا يؤجر عليه، بل يتحول إلى معصية أو شرك، ولا ينتفع به صاحبه ولا غيره. وذلك كما لو صام، أو صلى، أو ذكر الله تعالى، يقصد بذلك غير الله. إلا أن يظن به غيره خيرا، فيقتدي به، فينتفع به الغير من هذا الوجه.
стр. 29
٣- وقسم: يزول عنه معنى العبادة، ولا يؤجر عليه صاحبه، وقد لا يأثم أيضا. مثل الأعمال المباحة، كالنوم، والأكل، والشرب ... إذا لم يتجاوز بها حدود المباح.
стр. 30
والخلل في العمل ينقسم إلى قسمين:
١- خلل مرده إلى اختلال النية، فهذا يحبط العمل.
٢- خلل مرده ليس إلى النية، وإنما هو نقص في العمل، وعدم إعطائه حقه، وهذا قد يكون ثمرة من ثمرات النقص في النية، وقد يكون مجرد تقصير في العمل، أو في عدم إعطائه حقه، مع سلامة النية.
وأما الإخلاص فإنّه يقتضي استواء باطن الإنسان وظاهره في إرادة الخير وفي فعله.
стр. 31
ما يتحقق به صلاح النيّة:
صلاح النيّة يتوقف على الاستقامة في أمرين، هما:
الأول: الفعل الذي يُريد تحقيقه أو عمله.
الثاني: الغاية التي يريدها المرء من وراء عمله.
فالأول: وهو الفعل، يكون صلاحه في باب العبادات بأن يكون طاعةً من حيث هو، وأن يكون مطابقاً لأمر الله وأمْر رسوله ﷺ .
والثاني: وهو الغاية من الفعل، يكون صلاحه، بإخلاص النية لله تعالى.
ويأتي الحديث عن النية في كلام العلماء بمعنيين:
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر عن صلاة
стр. 32
العصر ... إلى آخر ما هنالك، وهذا هو الذي يَرِدُ كثيراً في كلام الفقهاء.
الثاني: تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له، أو الله وغيره؟ وهذا هو الذي يَرِد كثيراً في كلام السلف، بل هذا المعنى هو الوارد كثيراً في كلام الله وكلام رسوله: ويُعَبَّرُ عن النية بهذا المعنى بلفظ الإرادة.
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ "١".
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ "٢".
وقد يُعَبَّرُ عنها في القرآن بلفظ الابتغاء: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ "٣"، ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ "٤".
والنية تتقلب، فقد قال بعض السلف: "ربما أحدِّث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي؛ فإِذَا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات".
والنيّة محلها القلب، ولم يَرِد التلفظ بها في شيء من العبادات عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف، إلا أنه في الحج وحده يُسَمِّي نُسُكَه، فإن مجاهداً قال: "إذا أراد الحج يسمِّي ما يُهِلُّ به"، ورُوي عنه أنه قال: "يسميه في التلبية"، ولكن هذا غير التلفظ بالنية وهو أن يقول عند إرادة الإحرام: "اللهم إني أريد الحج والعمرة" وقد كان النبي ﷺ يذكر نسكه في تلبيته فيقول: "لبيك اللهم عمرة وحجة"، ولم يَرِد عنه التلفظ بالنية.
وقد صح عن ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول عند إحرامه: "اللهم إني أريد
стр. 33
الحج والعمرة"؛ فقال له: أَتُعْلم الناس؟ أوَ ليس الله يعلم ما في نفسك؟! "١".
ويتحصل مما مضى النتائج التالية:
- من مقتضيات الإخلاص، أن يكون معنى الإخلاص هو المحرِّك الأساس للعمل؛ بحيث لو استقلّ لم يكن استقلاله سبباً في تخلِّي العامل عن العمل.
- القاعدة المطّردة، هي: أنه ليس من معنى الإخلاص إلغاء، أو تحريم ما أَذِنَ الله فيه من مصالِحَ دنيوية تأتي تبعاً لعملٍ ما؛ لأنه ما دام الإخلاص إخلاصاً لله، فيجب أن لا يَخرج بصاحبه عن شرع الله.
- السبب في إحباط النية والقصد في عملٍ ما، لا يعدو أن يكون أحدَ أمرين:
الأول: إرادة حظوظ النفس التي لا تقتضيها العبادة، أو التي لم يأذن
بها الله في العبادة، أو مع العبادة.
الثاني: مزاحمة المصلحة الدنيوية المقترنة بالعبادة، لنية العبادة، أو تغليبها عليها.
وضمير الإنسان له إحساسه وأثره في تقدير هذه الجوانب. واستفت قلبك، على أن تكون مع ربك!. ومهما تعارضت الأمور في التفكير، فالأقرب أن يكون الإنسان إلى الله أقرب، كما أن الأغرب أن يَتَلَوَّنَ تَلَوُّن الحِرباء، أو يَلدغ
لدْغ العقرب!.
وما سَلِم من هذا وهذا إلا من وفقه الله تعالى للإخلاص؛ إذْ لا خلاص إلا بالإخلاص، إنْ في الدنيا وإنْ في الآخرة!.
стр. 34
ثالثاً: دواعي الحرص على الإخلاص
هناك دواعٍ إذا توافرت لدى المرء حَرِص على الإخلاص، منها ما يلي:
١- استحضار الإنسانِ أمْرَ اللهِ بهِ.
٢- استحضار كونِه شرطاً لصحة العمل وقبوله.
٣- علْمه بأن الله تعالى يعلم السر والجهر، وأنه يعلم ما هو أخفى من السر، يعلم مكنونات الضمائر وما تخفي الصدور، وأن السر والجهر عنده، ، سواء: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْل وَمَنْ جَهرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ "١"، وأن أصل معاملة الإنسان لربه لا يرتكز على ظاهر الأعمال، وإنما على حقيقة أعمال القلوب، "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" "٢"، ولا يقبل الله تعالى إلا طيباً.
٤- علْمه بأن الناس ليس لهم من الأمر شيء، ولا يستطيعون النفع والضر إلا بإذن الله تعالى، فمن الجهل، ومن السفه أن يتجه الإنسان بعمله إلى من لا يقدر على جزائه عليه، لأنه عبد مخلوق مثله!
٥- علْمه بأن الإنسان سيواجه جزاءه ولابد، وأنه سيحاسَب على حقيقة أعماله، لا على دعواه، ولا بما أظهره لعباد الله!!
стр. 35
٦- استحضاره عظيم ثواب الله تعالى، وعظيم عقابه سبحانه، ويقينه به، فمن عَلِم صفات الجنة، وصفات النار، ومن علم قدْر حب الله ورضاه، وقدْر سخط الله، علم أي شيء يَطلب، ومِن أي شيء يَفِرّ.
٧- علْمه بأن الأعمال الخالصة لله تعالى، قد تشفع لصاحبها في وقتِ حاجته إليها، في وقت الشدائد والأزمات، أو في يوم القيامة ... ومن الأمثلة على هذا حديثُ أصحاب الغار الثلاثة، الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فلم تنفرج عنهم الصخرة إلا بعد أن توسلوا إلى الله تعالى بأعمالٍ عملوها لله تعالى خالصة؛ فخرجوا يمشون "١".
٨- علْمه بأن الإخلاص ليس صفة تحصل للمرء ثم تثبت له على الدوام، بل هو صفة تعرض وتزول، تعرض للإنسان عند أسبابها، وتزول بوجود أسباب زوالها.
٩- يقينُهُ أنّ بإمكانه تحصيل الإخلاص الذي ينجو به العبدُ في الدنيا وفي الآخرة؛ بل أنّ ذلك مُيَسَّرٌ له؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِن مُّدَّكِر﴾ "٢"، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ "٣"، وقال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَها﴾ "٤".
стр. 36
فهل يُعْقَلُ أنْ يكون تحصيل الإخلاص صعباً على مَن أراده بصدقٍ وبَذَل سببَ الوصول إليه!، وهل يُعْقَلُ أن يكون تحصيله مستحيلاً بعد هذا كلِّه!.
١٠- علْمه بالله بأسمائه وصفاته؛ فإنّ ذلك يورث رجاءه وحْده، وخوفه وحْده، ويورث الأدب معه سبحانه، وأما الجاهلون بالله، والمشركون بالله فكما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ "١".
١١- استعراضه آياتِ الله تعالى، وأحاديثَ رسوله ﷺ وسيرته، وتدبرها، وفقْه معانيها، والعمل بها.
١٢- كثرة قراءته سِيَرَ المخلصين والعباد والزهاد من السلف الصالح؛ فإن النفس تصفو بقراءة أخبار هؤلاء الأخيار.
واعلم، يا أُخَيَّ، أن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، فهو يتذكره ويَذْكره، ومَن عرف قدر شيء -وكان عاقلاً- فإنه لا يملك إلا أن ينزل ذلك من نفسه حسب قدره أياً كان، حباً أو بغضاً، تقديراً وإجلالاً أو ازدراء وإهمالاً. فمَن عَرف الله حق معرفته، ومَن عَرف شأن الإخلاص وعاقبته، وحقيقة ما يضاده مِن أعمال القلوب والجوارح وعاقبتها، فسوف يتطلب الإخلاصَ، وينشغل به، ويُحاكِم نفسه على مقتضياته؛ حتى يُدرِك مطلوبَهُ منه، ومطلوبَهُ مِن ورائه في الدنيا والآخرة!
وينبغي لنا العلم بأن الإخلاص في أعمال الناس-ونحن منهم- نفيس
стр. 37
عزيز، إذ الغالب في أعمالنا -والعياذ بالله- إما عدم الإخلاص، وإما أن يكون الإخلاص ناقصاً مشوباً بشيءٍ ما من حظوظ النفس العاجلة، التي لا تخلو أن تكون في الغالب إما على حساب مرضاة الله تعالى، وإما على حساب حظوظ النفس في الآجلة.
وهذا كله يقتضي أن يجتهد المرء في أن تكون بضاعته -في هذه الحياة، ويوم القدوم على مولاه في الدار الآخرة-الإخلاصَ والفقهَ في الدين، بحيث لا يَنْفَكّ أحدهما عن الآخر؛ فإن هذا هو العمل الباقي النفيس، الذي يستحق المنافسة.
وأمّا ما عداه، فلا شيء، ولا يقبله الله تعالى؛ لأن العمل إذا لم يكن خالصاً لم يُقْبَل، ولو وافق الشرع ظاهراً، وإن كان خالصاً، ولم يكن صواباً، لم يُقْبَل؛ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ... ﴾ "١".
وقد قال سهل بن عبد الله: "ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب" "٢".
وقال يوسف بن الحسين الرازيّ: "أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أَجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لونٍ آخر" "٣".
على أنه ليس المراد بالكلام السابق- عن الإخلاص وقِلّته في أعمال الناس-استحالة تحصيله؛ وإنما يُحمَلُ ما قاله السلف عن صعوبةِ تحصيل
стр. 38
الإخلاص، على طبيعة النفس مع الإخلاص، وأنّها متردِّدةٌ، لا تستقر على حالٍ.
ونحن في دعوة الناس إلى الإخلاص لابدّ أن نُقَرِّر لَهم أن تحصيلَ الإخلاص مُيَسَّرٌ وبابَه مفتوحٌ، وأن كل من أراده، وصدَقَ مع الله في ذلك، فسينالُه.
ومما يُراد بعبارة: "إن الإخلاص عزيز نفيسٌ"، مثلاً، شحْذ الهمَمِ وترغيبها في تحصيله؛ لأنه شيءٌ نفيسٌ؛ فيستحق الجهد والمجاهدة.
стр. 39
رابعاً: أهمية الإخلاص واستحضار النيّة
يكفي في بيان أهمية الإخلاص ما يلي:
- أمْرُ الله به؛ وهو الأمر الذي لا يَسَع عبيدَ الله وعبادَه الإعراضُ عنه، أو تجاهله.
- أنه شرطٌ لصحة العمل -كما سبق- فلا يقبل الله تعالى عملاً بدونه.
كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ "١".
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مَنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِر﴾ "٢".
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ "٣".
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلِيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ "٤".
стр. 40
- أن الناس جميعاً يبعثون على نياتهم: "يهلكون مهلكاً واحداً ويَصْدرون مصادر شتَّى"؛ بحسب نياتهم؛ فمنهم الناجي من عذاب الله ومنهم الهالك؛ فعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ؛ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئاً فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقَالَ: "الْعَجَبُ! إِنَّ نَاساً مِنْ أُمَّتِي، يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ، بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ. قَالَ: "نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ، وَالْمَجْبُورُ، وَابْنُ السَّبِيلِ. يَهْلِكُونَ مَهْلَكاً وَاحِداً وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى؛ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ""١".
ويكفي بياناً لأهمية الإخلاص، أنه هو الشيء الوحيد الذي يتأسف على فقده العاملون، ويحزن على فواته المفرطون، أعني إخلاص العبودية لله، وإخلاص العمل له سبحانه، وكل ما هو من مقتضياته:
فقد قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّتَّخِذَ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لله وَلَو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لله جَمِيعاً وَأَنَّ الله شَدِيدُ الْعَذَاب. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأُوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابَ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهُمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ "٢".