← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11247

طريقك الى الإخلاص والفقه في الدين

عبد الله الرحيلي

Полный текст (240 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فهل يُعْقَلُ أنْ يكون تحصيل الإخلاص صعباً على مَن أراده بصدقٍ وبَذَل سببَ الوصول إليه!، وهل يُعْقَلُ أن يكون تحصيله مستحيلاً بعد هذا كلِّه!. ١٠- علْمه بالله بأسمائه وصفاته؛ فإنّ ذلك يورث رجاءه وحْده، وخوفه وحْده، ويورث الأدب معه سبحانه، وأما الجاهلون بالله، والمشركون بالله فكما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ "١". ١١- استعراضه آياتِ الله تعالى، وأحاديثَ رسوله ﷺ وسيرته، وتدبرها، وفقْه معانيها، والعمل بها. ١٢- كثرة قراءته سِيَرَ المخلصين والعباد والزهاد من السلف الصالح؛ فإن النفس تصفو بقراءة أخبار هؤلاء الأخيار. واعلم، يا أُخَيَّ، أن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، فهو يتذكره ويَذْكره، ومَن عرف قدر شيء -وكان عاقلاً- فإنه لا يملك إلا أن ينزل ذلك من نفسه حسب قدره أياً كان، حباً أو بغضاً، تقديراً وإجلالاً أو ازدراء وإهمالاً. فمَن عَرف الله حق معرفته، ومَن عَرف شأن الإخلاص وعاقبته، وحقيقة ما يضاده مِن أعمال القلوب والجوارح وعاقبتها، فسوف يتطلب الإخلاصَ، وينشغل به، ويُحاكِم نفسه على مقتضياته؛ حتى يُدرِك مطلوبَهُ منه، ومطلوبَهُ مِن ورائه في الدنيا والآخرة! وينبغي لنا العلم بأن الإخلاص في أعمال الناس-ونحن منهم- نفيس

стр. 37

عزيز، إذ الغالب في أعمالنا -والعياذ بالله- إما عدم الإخلاص، وإما أن يكون الإخلاص ناقصاً مشوباً بشيءٍ ما من حظوظ النفس العاجلة، التي لا تخلو أن تكون في الغالب إما على حساب مرضاة الله تعالى، وإما على حساب حظوظ النفس في الآجلة. وهذا كله يقتضي أن يجتهد المرء في أن تكون بضاعته -في هذه الحياة، ويوم القدوم على مولاه في الدار الآخرة-الإخلاصَ والفقهَ في الدين، بحيث لا يَنْفَكّ أحدهما عن الآخر؛ فإن هذا هو العمل الباقي النفيس، الذي يستحق المنافسة. وأمّا ما عداه، فلا شيء، ولا يقبله الله تعالى؛ لأن العمل إذا لم يكن خالصاً لم يُقْبَل، ولو وافق الشرع ظاهراً، وإن كان خالصاً، ولم يكن صواباً، لم يُقْبَل؛ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ... ﴾ "١". وقد قال سهل بن عبد الله: "ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب" "٢". وقال يوسف بن الحسين الرازيّ: "أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أَجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لونٍ آخر" "٣". على أنه ليس المراد بالكلام السابق- عن الإخلاص وقِلّته في أعمال الناس-استحالة تحصيله؛ وإنما يُحمَلُ ما قاله السلف عن صعوبةِ تحصيل

стр. 38

الإخلاص، على طبيعة النفس مع الإخلاص، وأنّها متردِّدةٌ، لا تستقر على حالٍ. ونحن في دعوة الناس إلى الإخلاص لابدّ أن نُقَرِّر لَهم أن تحصيلَ الإخلاص مُيَسَّرٌ وبابَه مفتوحٌ، وأن كل من أراده، وصدَقَ مع الله في ذلك، فسينالُه. ومما يُراد بعبارة: "إن الإخلاص عزيز نفيسٌ"، مثلاً، شحْذ الهمَمِ وترغيبها في تحصيله؛ لأنه شيءٌ نفيسٌ؛ فيستحق الجهد والمجاهدة.

стр. 39

رابعاً: أهمية الإخلاص واستحضار النيّة يكفي في بيان أهمية الإخلاص ما يلي: - أمْرُ الله به؛ وهو الأمر الذي لا يَسَع عبيدَ الله وعبادَه الإعراضُ عنه، أو تجاهله. - أنه شرطٌ لصحة العمل -كما سبق- فلا يقبل الله تعالى عملاً بدونه. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ "١". ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مَنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِر﴾ "٢". ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ "٣". ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلِيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ "٤".

стр. 40

- أن الناس جميعاً يبعثون على نياتهم: "يهلكون مهلكاً واحداً ويَصْدرون مصادر شتَّى"؛ بحسب نياتهم؛ فمنهم الناجي من عذاب الله ومنهم الهالك؛ فعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ؛ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئاً فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقَالَ: "الْعَجَبُ! إِنَّ نَاساً مِنْ أُمَّتِي، يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ، بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ. قَالَ: "نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ، وَالْمَجْبُورُ، وَابْنُ السَّبِيلِ. يَهْلِكُونَ مَهْلَكاً وَاحِداً وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى؛ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ""١". ويكفي بياناً لأهمية الإخلاص، أنه هو الشيء الوحيد الذي يتأسف على فقده العاملون، ويحزن على فواته المفرطون، أعني إخلاص العبودية لله، وإخلاص العمل له سبحانه، وكل ما هو من مقتضياته: فقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّتَّخِذَ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لله وَلَو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لله جَمِيعاً وَأَنَّ الله شَدِيدُ الْعَذَاب. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأُوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابَ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهُمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ "٢".

стр. 41

وقال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْل أَنْ يَّأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَّبِّكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ يَّأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تُشْعرُون. أَنْ تَقُولَ نَفْس يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطت فِي جَنْبِ الله وَإِنْ كُنْت لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ "١". وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُد أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ. وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُونّنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيْعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِيْنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ "٢". ولهذا ينبغي استحضار النيّة الصالحة دائماً في كل عملٍ يعمله الإنسان. وينبغي تحرير النيّة، وتخليصها من الشوائب. وهُناك جانبٌ مهمٌّ متعلق باستحضار النية في الأعمال، واستحضار طلب الأجر، أو السلامة مِن إثم المعصية، وهو أنه بهذا الاستحضار "تتحول العادات إلى عبادات، أو تزداد المقاصد الحسنة في العبادات؛ فيكون أجر العمل الواحد كأجر عددٍ من الأعمال" "٣". وقد قال الله، سبحانه، في الهدْي والأضاحي: ﴿لَن يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم﴾ "٤".

стр. 42

"والتداخل بين الإخلاص والنية، غير منكر، إلا أن النية قد تكون أعمَّ من وجهٍ، فإن الإخلاص لا يتصور من غير نية، بخلاف النيّة، فقد توجد بغير إخلاص، كما أن النيّة تتميز بالتعدد في المرادات، فيمكن للعامل أن ينوي بعملٍ واحد، أموراً عديدة مختلفة، فإن كانت حسنة، ازداد ثوابه بزيادة تلك المقاصد الحسنة، وإن كانت مشوبة، فله من الخير والشر بقسطه. وعلى المسلم- لاسيما الداعية- بعد تحرير قصده فيما يتعلق بأعماله الصالحة، ومنها قيامه بالدعوة وتكاليفها، أن يحرص على استحضار النوايا الصالحة فيها، كدلالة الناس على الخير، ونشر العلم، ونصرة الدين، وتثبيت المؤمنين، وخذلان الباطل وأنصاره، والاقتداء برسل الله صلى الله تعالى عليهم أجمعين، وسِواها من النوايا والمقاصد العاليات الساميات. وهذا باب واسع، يَفتح الله تعالى على عباده منه ما يشاء"""١". قال الإمام النووي: ""اعلم أنه ينبغي لمن أراد شيئاً من الطاعات، وإن قلَّ، أن يُحضر النية، وهو أن يقصد بعمله رضا الله ، وتكون نِيَّتَه حال العمل، ويدخل في هذا جميع العبادات، من الصلاة والصوم، والوضوء والتيمم، و....، وإنكار المنكر، والأمر بالمعروف، و....، وحضور مجالس العلم والأذكار، وزيارة الصالحين، و ... ، ومذاكرة العلم، والمناظرة فيه، وتكراره، وتدريسه، وتعليمه، ومطالعته، وكتابته، وتصنيفه، والفتاوى، وكذلك ما أشبه هذه الأعمال، حتى ينبغي له إذا أكل، أو شرب، أو نام، يقصد بذلك

стр. 43

التقوّي على طاعة الله، أو إراحة البدن لينشط للطاعة"، ثم قال: "فمن حرم النية في هذه الأعمال، فقد حُرم خيراً عظيماً كثيراً، ومن وُفّق لها، فقد أُعطي فضلاً جسيماً، فنسأل الله الكريم التوفيق لذلك، ولسائر وجوه الخير" "١".

стр. 44

خامساً: آثار إخلاص النية في حياة الإنسان للإخلاص-بمفهومه الصحيح الذي سبق بيانه"١"- آثارٌ في حياة الإنسان وفي أعماله، وفي دنياه وفي أخراه، يمكن تلخيصها في الآتي: ١- سعادة المرء في الدنيا والآخرة. ٢- مباركة العمل القليل مع الإخلاص. ومن الأمثلة: *حديث صاحب البطاقة التي فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله؛ فرجحت بالسجلات من الذنوب"٢"؛ وما ذلك إلا للإخلاص فيها. *الأحاديث في قول: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، أو يبتغي بذلك وجه الله، وأنه أحق الناس بشفاعة النبي ﷺ ، أو أنه يدخل الجنة، أو يُحَرّم على النار"٣".

стр. 45

٣- أن الإخلاص شرطٌ وسببٌ لصحة العمل. ٤- المتابعة لرسول الله ﷺ ، فأتباع الرسول ﷺ بِصدْقٍ، لا يكونون إلا مخلصين، والإخلاص من جهةٍ أخرى خيرُ دافع لمتابعة رسول الله ﷺ والإقتداء به. ٥- أن الأعمال المباحة تتحول بالنية إلى عبادة لله، بل حياة الإنسان كلها بالنية الصالحة تكون عبادة، وأن هناك أعمالاً لا يفرق بين كونها عبادة لله أو ليست عبادة سوى النية والإخلاص، أو عدمه. ٦- أن الإخلاص من أهم أسباب ابتعاد المرء عن كثير من أمراض القلوب وأمراض الجوارح المهلكة كالحقد والحسد والغش ... وما إلى ذلك.

стр. 46

الإخلاص المطلوب، نيّةً وعملاً: والإخلاص المطلوب-نيّةً وعملاً- هو: * إخلاص قبل بدء العمل يدفع إلى العمل والحرص عليه. * وإخلاص في أثناء العمل يدفع إلى إتقان العمل وإعطائه حقه. * وإخلاص بعد العمل، يتمثل في الثبات على النية الخالصة لله.

стр. 47

سادساً: مقاييس الإخلاص وعلاماته مقدمة: نتناول هنا مقاييس الإخلاص وعلاماته: عدماً ووجوداً، وكمالاً ونقصاً؛ إذ الإخلاص إما أن يكون معدوماً لدى المرء، وإما أن يكون موجوداً، ووجوده إما أن يكون على الكمال، أو على النقص، ولمعرفة هذا كله مقاييس يستطيع الإنسان أن يتعرف بها عليه، أذكرها فيما يأتي. ولكن، أُقدِّم بين يدي ذلك بعض النقاط حول الموضوع فيما يلي: أ- الإخلاص من الصفات النفسية التي لا تعرف إلا بمعرفة آثارها، فعلى من يريد التعرف على حقيقة الإخلاص أن يرجع إلى النصوص الشرعية التي تتناوله، كما أن عليه أيضا أن يتعرف على آثار الإخلاص في الواقع: واقع نفسه، وواقع الناس، مجتمعاً وأفراداً، سواء أكان إخلاص النية أم إتقان العمل؛ وإنْ كانت نيات الناس من الصعب الحكم عليها؛ ولكن الإنسان يعرف مِن نفسه استقامة نيته من عدمها. ب- الإخلاص ليس صفة تحصل للمرء ثم تثبت له على الدوام، بل هو صفة تعرض وتزول، تعرض للإنسان عند أسبابها، وتزول بوجود أسباب زوالها. كما مَضَى. فالمرء يحتاج دائما إلى تحصيل هذه الصفة أو اكتسابها، كما أنه لابدّ له أن يثبت ويستمر على هذا الإخلاص؛ فيجاهد نفسه للحصول عليها، وللاحتفاظ بها.

стр. 48

جـ- والإخلاص درجات: فقد يتم للمرء الاتصاف بصفة الإخلاص، على أتمها، مع التخلص مما ينافيها أو يشوبها. وقد يتصف بالإخلاص مع بعض الصفات المنقصة لتمامه. وقد يخلص في عمل دون عمل آخر، فعلى العاقل أن يراقب نفسه في كل ذلك. فهو يستغرق كل مقاصد الإنسان وأعماله القلبية، وجوارحه الأخرى وأعمالها، فينتج من ذلك: ١- إخلاص النية والقصد والتوجه، "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى". على ما رواه "عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" "١". ٢- إخلاص القول، على ما جاء في الحديث "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ" "٢"؛ إذ رَبَطَ النبيُّ ﷺ

стр. 49

القولَ والصمتَ بالإيمان المؤثِّر، المورِث لهذه الصفة من المراقبة، وهذه حقيقة الإخلاص. ٣- إخلاص الأعمال: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ ﵎ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" "١". والمسلم في حاجةٍ إلى شفافيةٍ في محاسبةِ نفسِهِ في تعامله مع ربه سبحانه؛ وهكذا كان السلف الصالح، على حَدِّ ما ذكره سفيان بن عيينة بقوله: ""كان من دعاء مطرّف بن عبد الله: "اللهم إني أستغفرك مما تُبتُ إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلتُه لك على نفسي ثم لم أُوفِ به لك، وأستغفرك مما زعمتُ أني أردتُ به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمتَ" "٢".

стр. 50

المقاييس: إن هناك مقاييس يُعرفُ بها حقيقةُ الإخلاص، عدماً ووجوداً، كمالاً ونقصاً، وَيُمْكن للمرء أن يطبقها فيعرف بها حقيقة الأمر، أو يكاد، وهي مقاييسُ متعددة"١"، أذكر الآن شيئاً من أهمها -فيما يبدو لي- "ويلاحظ

стр. 51

أن الأمثلة التي تصلح مقياساً لمعرفة حقيقة الإخلاص، لا يشترط أن تكون دائرة بين الإيمان والكفر، بل لا مانع أن تكون في باب الفضائل ... ": ١- يمكنك معرفة مدى إخلاصك من خلال معرفتك نيتك في العمل، فقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" "١". وأنت أدرى بنيتك فيما تعمله من عمل، فتنظر: هل عملته لله، أو عملته لغيره. وقد روى عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلا عِقَالاً فَلَهُ مَا نَوَى" "٢". ٢- الإخلاص يقتضي أن تفعل أشياء من أجل الله وأن تترك أشياء من أجل الله، وبهذا المقياس تستطيع أن تختبر نفسك في الإخلاص: عدماً أو وجوداً، كمالاً أو نقصاً. ٣- من مقاييس الإخلاص أن تعرض عملك على قولك وقولك على عملك فتنظر: هل يطردان في الخير، فذلك من علامات إخلاصك، أو لا يطردان، فذلك خلل في إخلاصك. قال إبراهيم التيمي: "ما عرضت

стр. 52

قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً""١". والمقصود أن تتعارض النية مع العمل؛ أما في حال الاختلاف بين النية والعمل مع عدم التعارض فليس هذا داخلاً في الذم؛ كما لو قَصَد الإنسان أن يعمل عملاً من أعمال الخير، ولكنه وقَع منه عملٌ آخر مِن أعمال الخير. أو كمَن أراد أن يدفع صدقةً إلى فلان، ولكنها وقعت في يدِ شخص آخر. ٤- من مقاييس الإخلاص أن تسرك حسنتك وأن تسوءك سيئتك؛ لأن الإخلاص يوجب يقظةَ القلب والضمير، وهذه ثمرةٌ من ثمرات هذه اليقظة القلبية. ٥- من علامة الإخلاص أن تتحلى بالمراقبة والمحاسبة لنفسك. ٦- من مقاييس الإخلاص أن يكون سرورك بالحسنة وبثواب الله تعالى أعظم مما تجده في نفسك لو كان لك بتلك الحسنة وبذلك الثواب عرَضٌ دنيوي، أو شهرة ... "كسب مادّيّ، أو معنويّ من الناس"، كمَبْلغ من المال مثلاً. ٧- من علامات الإخلاص أن تبكي صادقاً من خشية الله تعالى فيما بينك وبين نفسك، فإن تلك اللحظة لحظة صدق وإخلاص، فإن استمر أثرها في حياتك، وإلا فقد تكون لحظة عارضة، وقد تكون لحظةً خادعة لك ولغيرك؛ فعلى الإنسان أن لا يغتر بِعَبْرَةٍ عَابِرَةٍ أو دَمْعَةٍ قد يكون مثيرها شيئاً آخر غير الإخلاص. ٨- من علامات الإخلاص أن تدقق على نفسك في أهليتك إذا التزمت

стр. 53

بعمل ما، أو أردت الالتزام به، فتنظر: هل أنت متأهل لهذا العمل؟ أو لست متأهلا للقيام به؟ فيلزمك في هذه الحال التأهل له، وإلا تركته إلى سواه، خهل أإذا كان أمامك مجال لتركه من حيث الحكم الشرعي، ومن الإخلاص أن تكون بتركه في تلك الحال أشد سرورا منك لو عملته ولم تبرىء ذمتك منه. ٩- من مقاييس الإخلاص أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنك يراك!. ١٠- من علامات الإخلاص رؤية الإنسان تقصيره في حق الله تعالى، مهما عمل من الطاعات، على أن لا يقع في اليأس والقنوط، وإنما يلازم التوبة والاستغفار. ١١- من ثمرات الإخلاص التزامك بالطاعات، وبعدك عن المعاصي وما يوصل إليها، حتى يصبح ذلك طبعاً لازماً لك، وذلك من علامات الإخلاص. ١٢- من مقاييس الإخلاص الاستمرار في عمل الخير الذي يتقاضى الإنسان في مقابله أجراً مادّيّاً، لو انقطع عنه ذلك الأجر الماديّ، فلا يتأثر عمله بانقطاع الدنيا عنك. اللهم إلا إذا كان تركه للعمل إنما هو بسبب عدم الاستطاعة حينئذٍ، أو لسبب آخر- غير العمل للدنيا-. المهم أن لا يتأثر العامل بذلك تأثراً عكسياً؛ وحينئذٍ، فإنّ له أجراً، سواء استطاع، أو ظن أنه لا يستطيع، أو عجز عن الاستطاعة، ما دام أنه لا يتأثر بذلك العرَض أو العارض الماديّ. ١٣- إذا ذهب حظ النفس الدنيوي في عمل الخير جاء الإخلاص، وإذا انضم

стр. 54

إليه الصواب اكتمل النصاب. أي أن حظوظ النفس المنافية لإخلاص الأعمال، هي المحبطة لها، كما أنّ عدم إصابة الحق، أو الحكم الشرعيّ، مفسدٌ للأعمال؛ وإذا سَلِم العمل من هذين العارضين أصبح عملاً مقبولاً. وبقياس الإنسان لأعماله في الأمر الأول منهما"١" يتبيّن له مدى إخلاصه. ١٤- بالمقارنة بين موقفك من الغيب وموقفك من عالم الشهادة تستطيع أن تقيس إخلاصك، أي بنظرك إلى نفسك في موقفها من اليقين بالغيب الذي أخبرك الله به، وموقفها من اليقين بالمشاهَد المحسوس لها، تستطيع أن تعرف مدى يقينك المقتضي للإخلاص. ١٥- بالمقارنة بين قدر استجابتك للرغبة في الخير وفي الأجر والثواب، وقدر استجابتك للرغبة في الدنيا تستطيع أن تعرف حقيقة إخلاصك، فمثلا: إذا كانت الصلاة في مسجد النبي ﷺ بألف صلاة، وأنت في المدينة، وبإمكانك الصلاة فيه-وليس أمامك عوارض شرعية مانعة لك في بعض الصلوات أن تصلي فيه، أو مقتضيات شرعية أخرى يتطلب الفقه في الدين مراعاتها، كالانشغال بواجب أو طاعة أولى من ذلك في ذلك الوقت-فبالنظر حينئذٍ في مقدار استجابتك للرغبة في أجر الصلاة في الحرم، والنظر إلى مقدار استجابتك للموقف ذاته لو كان لك في مكان الأجر عند الله أجراً أو مكسباً عند الناس؛ كما لو كان الافتراض أن يكون لك في مكان الألف صلاة ألف ريال مثلا، فعندها

стр. 55

ستعلم من نفسك ما موقفك في كلٍ، وما الفرق بين الموقفين؟ وما مقدار يقينك وإخلاصك ورغبتك في ثواب الله وفي الدار الآخرة!! وتذكّر حديث أبي هريرة ﵁ في الهم بتحريق المتخلفين عن صلاة الجماعة، وفيه "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ" "١". فالإخلاص دافع قوي لفعل شيء لله أو ترك شيء لله، فإذا ما راقبت نفسك في هذا، تستطيع أن تتعرف على حقيقة إخلاصك لله. وقد تشتد دلالة ما تفعله لله أو تركه لله عند وجود العوارض القوية الصارفة عن الفعل أو عن الترك التي ليست معتبرةً شرعاً. والانتصار على العوارض القاطعة عن الله تعالى من علامات التوفيق والإخلاص وكذلك الانتصار على العوارض القاطعة عن الطاعات، حينما لا تكون مراعاتها مطلوبة شرعا، أو لا تكون عذرا شرعيا. ١٦- من علامات الإخلاص أن يستوي حالك في العمل لله تعالى عندما تكون خاليا، وعندما تكون مع الناس، بل تكون في الخلوة أكثر اجتهادا في الخير وفي الطاعة. ١٧- من مقاييس الإخلاص، أن تنظر إذا عملت طاعة لله تعالى خاليا، ثم اطلع عليك بعض الناس، هل يسرك ذلك افتخارا وشهرة عند الناس أم لا؟ فإنك بهذا تعرف مدى إخلاصك في هذه الطاعة لله تعالى.

стр. 56

١٨- من علامات الإخلاص، أن يحيك الإثم في نفسك، كما قال النبي ﷺ لنَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ" "١"؛ فهذا علامةٌ على الإثم، وعلامةٌ على الإخلاص أيضاً؛ لأنه ليس كل الناس يحيك الإثم في صدره بحيث يمنعه من ارتكابه. ١٩- من علامات الإخلاص لهذا الدين، أن يسعى المرء في تعلم العلم الشرعي، وأن يتعلم كل ما يحتاجه الإنسان لمعرفة دينه وعبادة ربه. ٢٠- من علامات الإخلاص في العمل، أن تحاسب نفسك على أجرة العمل، ومتى ما رأيت رجلا يأخذ الأجرة ولا يحاسب نفسه على ذلك العمل وعلى أدائه له على أحسن وجه، وعلى تحقيقه للغرض المطلوب من وراء ذلك العمل، فاعلم أنه غير مخلص، وبمثل هذا تضيع الأمة، فاحذر أن تكون من هذا الصنف، فإنهم أعداء أنفسهم وأعداء الأمة معا، شعروا بهذا أم لم يشعروا، ولا عبرة بمن مات شعوره، ومات قلبه، نسأل الله السلامة والعافية. ٢١- بإمكانك التعرف على حقيقة إخلاصك في كل حالة من حالات هذه الحياة، ولا سيما في الحالات الآتية"٢": - إذا خلوت. - وإذا غضبت.

стр. 57

- وإذا قدرت. - وإذا احتجت. - وإذا استغنيت. - وإذا طمعت. فإن النفس في هذه الأحوال تعود تلقائيا إلى سجيتها، وتنكشف لك حقيقتها، فأما المخلص لله فإن إخلاصه يمنعه من الخروج عن طاعة الله، مهما كانت حاله، ومهما كانت ظروفه، وأما من فقد الإخلاص أو ضعف عنده الإخلاص، فإنه يستجيب لمطالب هواه، ونفسه الأمارة بالسوء، ويقع أسيراً لظرفه. والأمر يحتاج إلى مراقبة ومجاهدة. وقد جاء في أوصاف المنافق: " ... وإذا خاصم فجر" "١". ٢٢- من علامات الإخلاص، أن تحاسب نفسك على مقدار الجهد والهم والتفكير الذي تبذله ابتغاء وجه الله تعالى والدار الآخرة، في مقابل ما تبذله لمطالب الدنيا البحتة -وإن أردت بها النية الصالحة- وأن تحاسب نفسك على مقدار ما تبذله من جهد، وهم، وتفكير، في نصرة الإسلام والمسلمين، والدعوة إلى هذا الدين، في مقابل ما تبذله من ذلك لمطالبك الخاصة. والقاعدة الصحيحة، والتي لا يشك فيها مؤمنان -ولو نظرياً، لا عملياً- هي: أن الحياة الآخرة هي الحياة، وأن الحياة الدنيا في مقابلها ليست بشيء، وإنما هي متاع الغرور. وعلى هذا الأساس تستطيع أن تتعرف على نفسك، وعلى حقيقة إخلاصك ودرجته، وذلك بالنظر إلى الذي أخلصت له عملك أكثر،

стр. 58

وبذلت له همك وجهدك أكثر، وتتعرف على حقيقة زَهْوِك بالدعوة إلى الله تعالى، وإياك والتماس الأعذار لنفسك فإنها كثيرة، ولكن لا يثبت منها إلا القليل، أو لا يكاد أن يثبت منها شيء عند الله تعالى. ٢٣- من علامات الإخلاص في العمل، أن يستوي معه حال العامل على الإخلاص في حال وجود الرقيب والرئيس مثلا، وفي غيابه، فلا يختلف نصحا وزيادة ونقصا بوجود المشرف والرقيب، ولا بغيابه. ومن علامات الإخلاص في العمل أن لا يتمنى العامل أن يطلع عليه من له إليه حاجة. ٢٤- من علامة الإخلاص في أعمال الخير والدعوة، أن يستوي عند العامل تحقق نتائج الأعمال على يديه، أو على يدي أخيه المسلم، لأن هذا هو المقصود، اللهم إلا أن يتمنى أن تتحقق على يديه على سبيل الغبطة ومحبة الخير، ومن شأن هذا أن لا يتأثر تأثرا سلبيا من ظهور النتائج المرجوة على يد غيره من المسلمين، وأن لا يكون عائقا لظهورها على يد غيره، بل يسره أن يحقق الله تعالى الخير على يد إخوانه المسلمين. ٢٥- ليس من الإخلاص أن يعمل الإنسان عمل الخير لأجل حَمْدِ الناس، أو لأجل الشهرة، وما إلى ذلك، وقد قال ﷺ : " ... فمن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" "١". ٢٦- من علامات الإخلاص، قبول الحق ممن جاء به، وعدم رفض الحق

стр. 59

لأي سبب من الأسباب. ٢٧- ومن علامات الإخلاص، الاعتراف للآخرين بما فيهم من فضل. ٢٨- ليس من الإخلاص، أن يعرض الداعية دعوته من خلال الإكثار من الحديث عن إنجازاته الدعوية، وتجاربه الطويلة في الدعوة وأعمال الخير، من غير مقتض شرعي لذلك. ٢٩- من علامات عدم الإخلاص، عدم الثبات في مواجهة الضغوط، والمحن، والشدائد، ومغريات الحياة، الصارفة عن عمل الخير والدعوة إليه، والثبات عليه. ٣٠- ليس من الإخلاص أن يتطلع العامل والداعية إلى الريادة والصدارة والرئاسة، من غير مقتضٍ شرعيٍّ مؤكَّد. ٣١- ليس من الإخلاص ادّعاء الإخلاص، من غير مقتضٍ شرعي، ولا سيما نشْره على الملأ، في الصحف وسائر وسائل الإعلام، ككتابة الأسماء: "طبع على نفقة المحسن الكبير ... " "مَبَرَّة فلان أو المحسن الكبير ... ". إلى آخر أمثال هذه العبارات، ولابدّ من التنبيه هنا إلى أنه قد يقع في هذا النوع من مظاهر الرياء-في الغالب- مَن لا يَقصده؛ فليس كل مَن صَدرت منه مثل هذه العبارات يكون قد وقع في الرياء حقيقةً؛ ومِن ثم لا يَصحُّ لك التجاسر بالحكم على الناس بالرياء والقطع به عليهم في مثل هذه الأحوال، وإنما فائدة معرفة هذه الحقيقة الحذر مِن الوقوع في ذلك، والتحذير منه.

стр. 60

٣٢- من علامات الإخلاص، أن يحاسب الإنسان نفسه على حقوق الآخرين، وعلى مصالحهم، وأن لا يسعى في تحقيق مصالحه، ولو على حساب الآخرين، فمن علامات الإخلاص النصح لكل مسلم، وإيثاره على نفسه إن أمكن. ٣٣- من علامات الإخلاص، القيام بالواجب الشرعي فيما يتعلق بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنقد البنَّاء، وفق أحكام الشريعة ومصالحها، بغض النظر عن رضَا الناس، وسخطهم، قربهم وبعدهم. فالإخلاص يقتضي النقد البنَّاء: نصحاً للمنقود، وحباً للخير، ولا سيما إذا كان الإنسان في مكان العالم، أو في مكان الطالب، أو في مكان المرءوس أو في نحوها من الحالات التي قد تستدعي أن يضعف الإنسان أمام مصالحه القريبة أو الغريبة، عن القيام بواجب النصح. ٣٤- ليس من الإخلاص عدم إبداء الرأي في موضعه، أو عدم النصيحة في موضعها، أو عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خوفا من شيء ما من دون الله تعالى، أو طمعا في شيء ما عند غير الله تعالى. وليس من الإخلاص أن ترى المرء يداهن في آرائه. وليس من الإخلاص، إبداء الرأي أو الكلمة ليس وفق قناعة المرء ووفق ما يقتضيه الإخلاص، وإنما لأمور أخرى تنافي الإخلاص: كالرغبة في معارضة فلان من الناس. أو الحرص على الظهور. أو إثبات المرء وجوده.

стр. 61

أو أي سبب آخر غير الإخلاص. ٣٥- مِن علامات الإخلاص في التربية والتعليم أن يُطَبِّق قول الإمام النووي في هذا الباب: "وينبغي أن يُشْفق على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولده ومصالح نفسه، ويُجري المتعلمَ مجرى ولده في الشفقة عليه، والصبر على جفائه، وسوء أدبه، ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان، فإن الإنسان معرّض للنقائص، لا سيما إن كان صغير السن" "١". ٣٦- من علامة الإخلاص الخوف من النفاق والرياء، قال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ،كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل". وقال الحسن: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أَمِنَهُ إلا منافق" "٢".

стр. 62

سابعاً: أمثلةٌ ومظاهرُ تنافي الإخلاص لعل مِن المهمّ هنا، ضرْب أمثلةٍ مِن واقع الحياة، بمختلف مجالاتها، يتبيّن منها مظاهرُ لِفقْد الإخلاص، أو نقْصه. فَمِن ذلك ما يلي: * من عدم الإخلاص، أن لا يحب المرء أن ينجح شخص آخر أو جهة أخرى تدعو إلى الله تعالى على منهج سليم، بغياً منه وحسداً. * عدم تقديم المساعدات والجهود الممكنة لمساعدة الآخرين الداعين إلى الله تعالى على صراط مستقيم. * التشهير بالدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، والقدح فيهم بغير حق. * نظرُ المسلم إلى عمله على أنه مجرد عمل رسميّ، لا عملاً دعوياً وتكليفاً شرعياً. * بقاء الإنسان حياته جاهلاً بدينه وعبادة ربه، على الرغم مما يبذله من وقتٍ وجهدٍ لدنياه. * عدم سعي الداعية في استكماله صفات الداعية والتحلي بها. * عدم سعي المسلم، ولا سيما طالب العلم والداعية، في تحصيل الجوانب اللازمة له من قضايا العلم، كي يستقيم له منهج التعلم، مثل ما يحتاجه في اللغة العربية، وما يحتاجه في التجويد، وما يحتاجه في أصول التفسير، وفي العقيدة....إلخ. * عدم حرص المدرس على إفادة طلابه، وحسن تعليمهم، وتربيتهم، وتهذيب أخلاقهم. * طلب العلم من أجل الشهادة.

стр. 63

* تهرب الموظف من عمله، وانصرافه قبل انتهاء وقت العمل المحدد. * عدم رغبة الموظف أو العامل في قضاء حاجات مراجعيه، وعدمُ النصح لهم، وعدمُ تقديرِ وقتهم وظروفهم، وتركُ القيام بحقوقهم الواجبة عليه. * من مظاهر عدم الإخلاص لدى الطالب، أن لا يذاكر دروسه إلا عند قرب الامتحان. * حرص الإنسان أن يَذكر أعماله أمام الناس رغبةً في مدحهم. * الحرص على حضور مجلس شيخٍ ما، وعلى السلام عليه مثلاً، ليقال عنه ذلك. * وصف بعض الناس لنفسه، بأنه متدين، أو ملتزم، أو مخلص مباهاةً وفخراً. * تحسين الرجل صلاته مثلاً بحضرة الناس، وترك ذلك في غيابهم. * من عدم الإخلاص أو من عدم الفقه، اقتصار الإنسان على العناية بالسنن الظاهرة، عن الاهتمام بالباطن وإصلاحه. * مخالفة القول العمل، في مجال الخير، والدعوة إليه. * طلب العلم الشرعي ليس للعمل به وإنما لتوصيله للناس فقط، أو للتباهي به. * حرص المرء على الفتوى، وعلى تصدر المجالس بالحديث وإيراد أقوال العلماء تعالماً وتظاهراً بالعلم. * كثرة الحديث عن النفس، وعن أعماله، بصفة عامة من غير مقتضٍ شرعيّ. * المنافسة غير المشروعة. * الحرص على الدنيا والشح بها أمران لا يجتمعان مع الإخلاص، بل لابدّ أن يغلب القويّ الضعيف.

стр. 64

* عدم تأثير كلام المتكلم في السامعين، إذا كان داعية أو معلِّماً؛ فإن الغالب أن يكون سببه المتكلم نفسه، إمّا أنه غير مخلص -فكلُّ ما خَرَج من القلب وصل إلى القلب- وإمّا أنه قد جانبَ الحكمة في كلامه. * إقبال الداعية على الدعوة تأثراً بكثرة المستجيبين له، وحبّاً للكثرة ذاتها، وترْكه للدعوة، نظراً لقلة المستجيبين له. * الاستعصاء على النصيحة، وعدم الانقياد للحق والإذعان له، ولا سيما إذا جاءت النصيحة من الآخرين المخالفين له فيما يسع فيه الخلاف. * قد يكون مِن عدمِ الإخلاص، رغبة بعض الناس في أن يسعى إليه الآخرون، ولا يسعى هو إليهم. * ليس من إخلاص العبادة لله تعالى، أن لا تستحضر نية العبادة لله تعالى عندما تتجه لعملِ أيّ عملٍ من العبادات، ولا سيما التي كثيرا ما يعملها الإنسان بحكم العادة لا العبادة، كالسواك، والإصلاح بين الناس، والطهارة، ونحو ذلك. * ليس من الإخلاص لله، أن يرفع الإنسان صوته بالذكر، تظاهرا للناس أنه يذكر الله تعالى. * ليس من إخلاص العمل لله، أن يتظاهر الإنسان بالخوف من الرياء، وهو يريد بذلك الرياء ذاته!! أو يتظاهر بإخفاء العمل عن الناس إخلاصا لله، وهو إنما الرياءَ يريد!! ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ "١"!!

стр. 65

* ليس من الإخلاص لله، أن يتظاهر الابن أمام الناس أنه يحترم والده، ويقبل يده ورأسه، فإذا رجع معه إلى البيت بارزه بالعقوق!! * مما ينافي الإخلاص تضييع الأمانة، أيّ أمانة، بأيّ صورةٍ من صور التضييع. * الإخلاص والفقه في الدين يقتضيان أن لا يتصدى الإنسان للتأليف -في موضوعٍ، أو في تخصصٍ- لم يتأهل له، أو وهو لم يتأهل للتأليف بصفة عامة، لكن على الإنسان أن يسعى في تأهيل نفسه لأعمال الخير دائما. * ينافي الإخلاص حرص كثير من الناس، وهم يعملون أعمال الخير، على السعي وراء المظهرية، والألقاب، وتبجيل الناس لهم، وحرصهم على أن يعلم الناس عنهم كل خير رغبة في هذا المدح والتعظيم، وتعليق رضاهم وسخطهم على حصولهم على ذلك من الناس. * ينافي الإخلاص ضيق المرء بالنقد، فإذا ما نقده أحد من الناس رأيته يتسخط، ويضيق صدره بذلك، ويصنف صداقة الناس له وعداوتهم على هذا الأساس، فمن ينقده في أخطائه فهو العدو، وخفيت عليه الحكمة القائلة: "صديقك من صَدَقك لا من صَدّقك"!!. * مما ينافي الإخلاص دفْع الرأي أو الفكرة، أو الدفاع عنهما، والتدليل على صواب ذلك، ليس قناعةً بصواب الفكرة أو الرأي، وليس دفاعاً عن الحق والصواب، أو دفعاً للخطأ والباطل، ولكن دفاعاً عن النفس من طرْفٍ خفيّ، أو تبرئةً لها، أو تبريراً لخطئها!!. وقليلاً ما يَسْلَم الإنسان من هذا الداء، ومَنْ فتش نفسه واختبرها عرفهَا وخَبَرها، وأيقنَ

стр. 66

بهذه الحقيقة. وللسلامة من هذا الداء لابدّ من المجاهدة، ولابدّ من محاكمة النفس دائماً إلى مقتضيات الإخلاص. * لا يتفق مع الإخلاص الكذب وقول الزور، بمختلف أنواعه.

стр. 67

ثامناً: طرق معالجة نقص الإخلاص أو فقْده ما أحرى مَن أُصيب بِدَاءِ نقْص الإخلاص، أو فقْده، بأن يعالج نفسه لينقذها من هذا الداء المُرْدِي. وللمعالجة هذه طرقٌ، منها ما يلي: ١- العلم، والعناية به. ٢- استعراض الآيات والأحاديث ذات العلاقة وتدبرها. ٣- تذكّر الموت والحساب والجزاء. ٤- استشعار علْم الله تعالى واطّلاعه على المرء في الغيب والشهادة. ٥- المراقبة والمحاسبة للنفس، وإلزامها بالإخلاص في كل شيء وتدريبها عليه. ٦- الدعاء ولا سيما بالمأثور بطلب التوفيق إلى الإخلاص والسلامة من الشرك. ٧- الوقوف على ما يوضّح هذا الجانب في سيرة الرسول ﷺ وأحاديثه. ٨- كثرة القراءة والسماع لسِيَرِ العبّاد المخلصين من السلف الصالح ومجاهدتهم لأنفسهم لتحقيق الإخلاص، وتمحيص أعمالهم لله تعالى. ٩- قراءة بعض الموضوعات التي كَتَبَها عددٌ من الأئمة المحققين عن موضوع الإخلاص.

стр. 68

١٠- العلم بأن إخلاص العمل من إخلاص العبودية لله تعالى: "ومن عَلِمَ أن معبوده الله فردٌ، فليفرده بالعبودية ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ "١"، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ". وقال البخاري: في لفظٍ آخر: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ، كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ" "٢". فهذا المذكور في الحديث لم يَنَلْ هذه المنزلة إلا بالإخلاص.

стр. 69

تاسعاً: نصوص في الإخلاص من أراد أن يبحث عن النصوص الواردة في الكتاب والسنّة، في موضوع الإخلاص؛ فإنّ عليه، أوّلاً، أن يُتقنَ معرفة المداخل الموصلة له إلى تلك النصوص، في مواضعها-إنْ على اللفظ وإنْ على المعنى-وبقدر ما يشمله نظرُهُ مِن هذه المداخل يتحصّل له من النصوص، وبقدر ما يَقْصرُ عنه منها يَقْصرُ عن النصوص!. وفيما يلي إشارة إلى المهم من مداخل النصوص في موضوع الإخلاص"١": - كلمة الإخلاص ومرادفاتها. - الإحسان. - اليقين. - التقوى. - الصدق. - الأمانة. - التوحيد. - المراقبة - " من ثمراته ". - المحاسبة - " من ثمراته ". - الورع - " من ثمراته ". - الزهد - " من ثمراته ". - الرياء - " ينافيه ". - الشرك - " ينافيه ". - الإيمان. - علْم الله تعالى بكل شيء "من دواعيه". - دقة الحساب ليوم القيامة "من دواعيه". - الكذب - " ينافيه ". - الخيانة - " تنافيه ". - القلب، "باعتباره مكان الإخلاص".

стр. 70

مِن الآيات في الإخلاص: مِن الآيات في الإخلاص، آياتٌ مباشِرةُ التعلق به، وآياتٌ أخرى تبدو بعيدةَ التعلق به، في حين أنها قريبةٌ، بل هي في الصميم، فمِن ذلك الآيات التي تتحدث عن القلوب أو ما في القلوب وإن لم تذكر لفظ القلب، وأضرب لهذا النوع الأخير مثالين-وأتجاوز الأمثلة القريبة لوضوحها-: ١- مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِر. فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلا نَاصِر﴾ "١". ٢- قوله تعالى: ﴿وَلا تَخْزِنِي يَومَ يبعَثُون. يَومَ لا يَنْفَع مَال وَلا بنُونَ. إِلاَّ مَن أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيم﴾ "٢". فالموضوع في كلٍّ مِن هذين المثالين يتحدّث عن الإخلاص بصورةٍ بليغةٍ مؤثِّرةٍ تأخذ بالألباب، وإنْ لم يُذْكر لفظ الإخلاص، فقدْ ذُكرَ بمعناه، ولا يتنبّه لمثل هذا إلا مَن أخذَ نفسَهُ بمراعاة المداخل للنصوص في الموضوع وأهميتها لجمْع فيه.

стр. 71

مِن الأحاديث في الإخلاص: وفي الإخلاص أحاديثُ كثيرةٌ -غير ما تقدّمَ- ومن ذلك الأحاديث التالية"١":

стр. 72

* عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ؛ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ؛ فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً؛ فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ؛ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً" "١". * وجاء في لفظٍ للحديث -وأسوقه على طوله، نظراً لأهميته في هذا الباب-: "يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ: مِنْ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ، تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ؛ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ، وَلا وَلَدٌ؛ فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا؛ فَيُقَالُ: اشْرَبُوا. فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ. ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ؛ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ، وَلا وَلَدٌ؛ فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا. فَيُقَال: ُ اشْرَبُوا. فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ: مِنْ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ! وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ. فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِم الْيَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا. قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ،

стр. 73

فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ؛ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا؛ فَلا يُكَلِّمُهُ إِلا الأَنْبِيَاءُ. فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ؛ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ؛ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً، وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ؛ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً. ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجِسْرِ، فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ؟ قَالَ: "مَدْحَضَةٌ، مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ، وَكَلالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ، لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ. الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ، يُسْحَبُ سَحْباً، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا! كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ"١" عَلَى النَّارِ؛ فَيَأْتُونَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ، وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ؛ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ؛ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ؛ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ. فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا.

стр. 74

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ، وَالْمَلائِكَةُ، وَالْمُؤْمِنُونَ؛ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي؛ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ؛ فَيُخْرِجُ أَقْوَاماً، قَدِ امْتُحِشُوا؛ فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ؛ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ؛ فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ؛ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ؛ فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ؛ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ""١". الحديث. * وجاء في لفظٍ للحديث: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ؛ فَلا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، سُبْحَانَهُ، مِنَ الأَصْنَامِ، وَالأَنْصَابِ، إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ: مِنْ بَرٍّ، وَفَاجِرٍ، وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وذَكَر نحو ما جاء في الحديث السابق إلى أن قال: "فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ؛ إِلا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً، وَرِيَاءً، إِلا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ.

стр. 75

ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. * وفي آخر الحديث: "ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ؛ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ؛ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا! أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟! فَيَقُولُ رِضَايَ؛ فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً" "١".
следующие страницы →