عاشراً: التعرف على ما يضادّ الإخلاص؛ لاجتنابه
مِن لوازم معرفة الإخلاص، ومِن لوازم تحقيقه كذلك، التعرف على ما يضادُّه؛ لكي يتجنّبه الإنسان.
وهكذا الشأن في أي أمرٍ مِن الأمور؛ فإنّ معرفته معرفةً تامّةً تتوقف على معرفة ما يضادّه، أو ينافيه. وبضدّها تتميّز الأشياء. وهذه نقطةٌ منهجيّة تُفيد في الوصول إلى معرفة حقائق الأمور، ومعرفة حقيقة الإسلام، والإيمان والإخلاص، والفقه ... إلى آخر ما هنالك.
وإنّ مِن أَعظمِ ما يُضادُّ الإخلاص الشرك-عياذاً بالله منه-فينبغي للإنسان أن
стр. 77
يتعرّف على الشرك، بنوعيه: الأصغر "الرياء"، والأكبر "وهو عبادة غير الله معه".
وفيما يلي أُورِدُ حديثاً في الرياء مع شرحٍ له نفيس كتبه الإمام الصنعاني؛ وقد رأيت إيراده هنا لتحقيق المطلب الذي ذكرته آنفاً-أعني أهمية الاطّلاع على ما يضادّ الإخلاص؛ لتحاشيه-:
عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ". قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. قال: "الرِّيَاءُ. يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا؛ فَانْظُرُوا: هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" "١".
شرَحَ الإمام الصنعاني، رحمه الله تعالى، هذا الحديث، وسأُورد كلامه، بعد التصرف فيه بالتنسيق، ووضْعِ بعض العناوين الفرعية:
стр. 78
تعريف الرياء:
الرياء: مصدر راءى، فاعَلَ، ومصدره يأتي على بناء مفاعلة وفعال، وهو مهموز العين؛ لأنه من الرؤية، ويجوز تخفيفها بقلبها ياء.
وحقيقته لغة: أن يُرِي غيره خلاف ما هو عليه.
وشرعاً: أن يَفعل الطاعة، ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله، أو يُخبِر بها، أو يُحبَّ أن يُطَّلع عليها لمقصدٍ دنيوي مِن مال أو نحوه.
وقد ذمه الله في كتابه، وجعله من صفات المنافقين في قوله: ﴿يُرَاءُونَ
стр. 79
النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾ "١"، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ "٢"، وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ"٤"الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ"٥"الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ"٦"﴾ "٣".
وورد فيه من الأحاديث الكثيرة الطيبة الدالة على عظمة عقاب المرائي، فإنه في الحقيقة عابدٌ لغير لله؛ في الحديث القدسيّ: "يقول الله تعالى مَن عمل عملاً أشركَ فيه غيري؛ فهو له كله، وأنا عنه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك".
стр. 80
وسائل إظهار الرياء:
- واعلمْ أن الرياء يكون بالبدن: وذلك بإظهار النُّحول والاصفرار؛ ليوهم بذلك شدة الاجتهاد والحزن على أمر الدين وخوف الآخرة، وليدل بالنحول على قلة الأكل، وبتشعّث الشعر ودَرَن الثوب يوهم أنّ همه بالدين ألهاه عن ذلك، وأنواع هذا واسعة، وهو لِيُرى أنه من أهل الدين.
- ويكون في القول: بالوعظ في المواقف، وبذكر حكايات الصالحين؛ ليدل على عنايته بأخبار السلف، وتبحره في العلم، ويتأسف على مقارفة الناس للمعاصي، والتأوّه مِن ذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحضرة الناس.
- والرياء بالقول لا تنحصر أبوابه، وقد تكون المراءاة بالأصحاب والأتباع والتلاميذ؛ فيقال: فلان متبوعٌ قدوةٌ.
والرياء بابٌ واسع.
стр. 81
تفاوت درجات الرياء:
إذا عرفت ذلك، فبعض أبواب الرياء أعظم من بعض؛ لاختلافه باختلاف أركانه، وهي ثلاثة: المراءى به، والمراءى لأجله، ونفْس قصْد الرياء.
فقصْد الرياء لا يخلو من أن يكون:
- مجرداً عن قصْد الثواب.
- أو مصحوباً بإرادته.
- والمصحوب بإرادة الثواب: لا يخلو عن:
- أن تكون إرادة الثواب أرجح.
- أو أضعف.
- أو مساوية.
فكانت أربع صور:
الأولى: أن لا يكون قصد الثواب بل فعل الصلاة مثلاً ليراه غيره، وإذا انفرد لا يفعلها، وأخرج الصدقة لئلا يقال إنه بخيل وهذا أغلظ أنواع الرياء وأخبثها، وهو عبادة للعباد.
الثانية: قصد الثواب لكن قصْداً ضعيفاً، بحيث إنه لا يحمله على الفعل إلا مراءاة العباد، ولكنه قصد الثواب، فهذا كالذي قبله.
الثالثة: تساوي القصدين بحيث لم يبعثه على الفعل إلا مجموعهما، ولو خلى عن كلٍ منهما لم يفعله؛ فهذا تساوى صلاح قصْده وفساده؛ فلعله يخرج رأساً برأسٍ، لا له ولا عليه.
الرابعة: أن يكون اطّلاع الناس مرجحاً أو مقوياً لنشاطه، ولو لم يكن لَمَا ترك العبادة. قال الغزالي: والذي نظنه-والعلم عند الله-أنه لا يحبط أصل
стр. 82
الثواب، ولكنه ينقص، ويعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب، وحديث: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك"، محمول على ما إذا تساوى القصدان، أو أَنّ قصْد الرياء أرجح.
* وأما المراءَى به، وهو الطاعات: فيقسم إلى الرياء بأصول العبادات، وإلى الرياء بأوصافها، وهو ثلاث درجات:
- الرياء بالإيمان، وهو إظهار كلمة الشهادة، وباطنُهُ مكذِّبٌ؛ فهو مخلّد في النار في الدرك الأسفل منها، وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ "١".
- وقريبٌ منهم الباطنية، الذين يُظهرون الموافقة في الاعتقاد ويبطنون خلافه، ومنهم الرافضة أهل التقيّة الذين يظهرون لكل فريق أنهم منهم، تقيّةً.
- والرياء بالعبادات كما قدّمناه، وهذا إذا كان الرياء في أصل المقصد، وأما إذا عرض الرياء بعد الفراغ من فعل العبادة لم يؤثر فيه، إلا إذا ظهر العمل للغير وتحدّث به.
وقد أخرج الديلمي مرفوعاً: "إن الرجل ليعمل عملاً سراً فيكتبه الله عنده سراً، فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به؛ فيمحى من السر والعلانية، وكتب رياءً".
стр. 83
حكم العبادة إذا طرأَ عليها الرياء:
وأما إذا قارن باعث الرياء باعث العبادة، ثم ندم في أثناء العبادة فأوجب البعض من العلماء الاستئناف؛ لعدم انعقادها، وقال بعضهم: يلغو
стр. 84
* جميع ما فعله إلا التحريم، وقال بعض: يصح؛ لأن النظر إلى الخواتيم، كما لو بدأ بالإخلاص وصحبه الرياء من بعده.
قال الغزالي: القولان الأخيران خارجان عن قياس الفقه.
وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول جواب جندب بن زهير لَمّا قال للنبي ﷺ : إني أعمل العمل لله، وإذا اطّلع عليه سرّني، فقال ﷺ : "لا شريك لله في عبادته"، وفي رواية: "إن الله لا يقبل ما شورك فيه"، رواه ابن عباس.
وروي عن مجاهد أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله، فيُذكَر ذلك منّي، وأُعجب به. فلم يقل النبي ﵌ له شيئاً حتى نزلت الآية، يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ "١".
ففي الحديث دلالة على أن السرور بالاطلاع على العمل رياء، ولكنه يُعارضه ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة- وقال: حديث غريب"٢"- قال: "قلت: يا رسول الله بينا أنا في بيتي في صلاتي إذْ دخل عليّ رجل؛ فأعجبني الحال التي رآني عليها. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: لك أجران" "٣".
وفي الكشاف من حديث جندب أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: "لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية".
стр. 85
وقد رجح هذا الظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ "١".
فدل على أن محبة الثناء من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لا تنافي الإخلاص، ولا تُعدّ من الرياء.
ويُتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله: "إذا اطُّلع عليه سرّني"، لمحبته الثناء عليه، فيكون الرياء في محبته للثناء على العمل، وإن لم يخرج العمل عن كونه خالصاً، وحديث أبي هريرة ليس فيه تعرّضٌ لمحبته الثناء من المطلع عليه، وإنما هو مجرد محبة لما يصدر عنه وعَلِم به غيره.
ويحتمل أن يراد بقوله: فيعجبه. أي يعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنتم شهداء الله في الأرض" "٢".
وقال الغزالي: وأما مجرد السرور باطّلاع الناس إذا لم يبلغ أمره بحيث يؤثِّر في العمل، فبعيدٌ أن يُفسد العبادة""٣".
стр. 86
الفصل الثاني: الفقه في الدين
أوّلاً: معنى الفقه في الدين
*
...
أوّلاً: معنى الفقه في الدين
في قول النبيّ ﷺ : "اللهم فقهْهُ في الدين، وعلمْهُ التأويل" "١". قال ابن الأثير: ""أي فهّمْهُ. والفقْه في الأصل: الفهم، واشتقاقه من الشق والفتح. يقال: فَقِهَ الرجل، بالكسر، يفقَهُ فقهاً، إذا فهم وعَلِمَ، وفَقُهَ، بالضم، يفقه: إذا صار فقيهاً عالماً. وقد جعله العُرْف خاصّاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروع منها"""٢".
والمتتبع لمدلول كلمة " الفقه " ومشتقاتها في القرآن الكريم يجدها تطلق على أحد معنيين:
١- الفقه في الدين " على معنى: فقُه، بالضم ".
٢- وفقْه معنى معيّن أو فقه الكلام " على معنى فقِه، بالكسر "، وهذا أمر لازم لفقه الدين.
* - والقَدْر المطلوب مِن الفقه هو: ما تَبْلُغُ به رضا الله تعالى، وتجتنب به سخط الله تعالى، كما هو الشأن في الإخلاص.
стр. 87
استعمالٌ غير صحيح:
والفقه في الدين ليس معناه، في دلالة الكتاب والسّنَّة، مقصوراً على المعنى الاصطلاحي الذي ذكر ابن الأثير، وهو ما تعارف عليه الناس اليوم باسم:
стр. 88
تَخَصُّصِ الفقه، وأقسام الفقه الدراسية، وذلك لأمرين:
الأول: أن هذا المعنى الاصطلاحي لا يصح أن يُقَيَّدَ به دلالة اللفظ في الكتاب والسّنَّة، وإلا كان ذلك من الصوارف عن فهم المصطلح أو اللفظ القرآنيّ والنبويّ، وهو أعمُّ من المعنى المراد في الاصطلاح، إذ أن معناه في الاستعمال القرآني والاستعمال النبويّ عامٌّ في فقْه الدين كله، من غير تقييد بحدود موضوعٍ ما "اللهم فقهه في الدين".
الثاني: أن المراد بالمعنى الاصطلاحيّ هو مجرد التخصص في دراسة تلك الموضوعات المحدّدة، وهذا غير المراد في استعمال الكتاب والسّنَّة الذي هو حصول الفقه للمرء؛ فيصبح متفقِّهاً في الدين، لا أنه درس تلك الموضوعات التي تسمّى الفقه.
وبهذا يتضح أن هناك فرقاً واضحاً بين المراد بالمصطلح في دلالة الكتاب والسّنَّة وبين دلالته في اصطلاح علماء الشريعة أو اصطلاح عامة الناس اليوم، فـ"الفقه" في اصطلاحهم قد روعي فيه تحديد موضوعات الدراسة، فمجرَّد الدراسة لتلك الموضوعات يُعدّ عندهم تخصصاً في الفقه، ومعلوم أن مما يؤخذ على هذا الاصطلاح أن مجرَّد الدراسة ليست فقهاً. بينما الفقْه في اصطلاح الكتاب والسّنَّة قد روعي في إطلاقه حصول الفقه للدارس، وليس مجرّد الدراسة، أي أن المراد وصف الشخص بالفقه وليس وصف ما درسه.
والفارق الآخر أن المراد بالمصطلح في القرآن والسّنَّة ليس مقيداً بموضوعات محدّدة بل هو فقْه الدين بعامّة، بخلاف المراد في الاصطلاح إذْ هو دراسة موضوعات خاصة، وكم من دارس للفقه بهذا المعنى لا فقْه له بالمعنى القرآنيّ
стр. 89
والمعنى النبويّ، "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ" "١".
إِذَنْ ينبغي أن لا يصرفنا المصطلح الحادث في استعمال اللفظة عن المصطلح القرآنيّ.
وقول الإمام ابن الأثير السابق في تعريف الفقه بأنه الفهم حيث قال: "أي فَهِمْه، وأصل الفقه الفهم ... "، لا يستقيم على إطلاقه، لأن الفهم قد يكون جزئياً، فلا يكون فقهاً على الإطلاق، ويكون فهماً عاماً كاملاً شاملاً فيكون فقهاً، فتعريف الفقه بالفهم مطلقاً فيه نظر، ولو كان التعريف لقوله ﷺ كلمة: "اللهم فقهه في الدين" أي فهمْه لكان صحيحاً؛ لأن التعريف في هذه الحال مقيدة فيه اللفظة بعموم الدين، وذلك هو الفقه، فإذا فهم الدين كله فقد فقهه.
وهكذا يتبيّن -من خلال مصطلح الكتاب والسنّة- أن الفقه في الدين وفي الدعوة شامل شمول هذا الدين وشمول هذه الدعوة.
стр. 90
ألفاظٌ بُدِّلت معانيها:
قال ابن قدامة ﵀: "واعلمْ أنه قد بُدِّلَتْ ألفاظٌ وحُرِّفتْ، ونُقِلتْ إلى معانٍ لم يُرِدْها السلف الصالح. فمن ذلك:
стр. 91
- الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخَصَّوْهُ بمعرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول منطلقاً على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب.
ولذلك قال الحسن البصري: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الوَرِعُ الكافُّ عن أعراض المسلمين، والعفيف عن أموالهم، الناصح لهم. فكان إطلاقهم اسم الفقه على علم الآخرة أكثر، لأنه لم يكن متناولاً للفتاوى ولكن كان متناولاً لذلك بطريق العموم والشمول، فبان من هذا التخصيص تلبيسٌ بَعَثَ الناسَ على التجرد لعلم الفتاوى الظاهرة، والإعراض عن علم المعاملة للآخرة.
- اللفظ الثاني: العلم، فقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته، أي: نعمه وأفعاله في عباده، فَخَصَّوْهُ وسَمَّوْا به في الغالب المُناظِر في مسائل الفقه وإن كان جاهلاً بالتفسير والأخبار.
- اللفظ الثالث: التوحيد، وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤيةً تَقْطعُ الالتفاتَ إلى الأسباب والوسائط، فيُثْمِرُ ذلك التوكلَ والرضَا، وقد جُعل الآن عبارةً عن صناعةِ الكلام في الأصول، وذلك من المنكرات عند السلف.
- اللفظ الرابع: التذكير والذكر، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ "١" وقال النبي ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا:
стр. 92
وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر" "١"، فنَقَلُوا ذلك إلى القصص وما يحتوي عليه اليوم مجلس القاص من الشطح والطامات.
ومن تشاغل في وعظه بذكر قصص الأولين، فليعلم أن أكثر ما يُحْكى في ذلك لا يثبت، كما ينقلون أن يوسف ﵇ حل تِكَّتَهُ"٢"، وأنه رأى يعقوب عاضاً على يده، وأن داود جهّز "أُوريا" حتى قتل، فمثل هذا يضر سماعه.
وأما الشطح والطامات، فمن أَشدِّ ما يُؤذي العوامَّ، لأنها تشتمل على ذكر المحبة والوصال وأَلَمِ الفراق، وعامةُ الحاضرين أجلاف، بواطنهم محشُوَّةٌ بالشهوات وحُبِّ الصُّوَرِ، فلا يُحَرِّك ذلك من قلوبهم إلا ما هو مستكِنٌّ في نفوسهم، فيشتعل فيها نارُ الشهوات، فيصيحون، وكل ذلك فساد.
وربما احتوى الشطح على الدعاوى العريضة في محبة الله تعالى، وفي هذا ضرر عظيم. وقد تَرَكَ جماعة من الفلاحين فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى.
- اللفظ الخامس: الحكمة. والحكمة: العلم والعمل به.
قال ابن قتيبة: لا يكون الرجل حكيماً حتى يجمع العلم والعمل، وقد صار هذا الاسم يطلق في هذا الزمان على الطبيب والمنجم"""٣".
стр. 93
العلاقة بين الفقه والحكمة:
كل حكمة فهي من الفقه، وقد تكون دالة عليه، والدلالة إما أن تكون دلالةً عامة، أو دلالةً خاصة على الفقه في شيء ما، وليس من لازم الفقه في شيء ما الفقه في كل شيء.
والحكمة وإن كانت شرطاً للفقه، إلا أنها ليست كل شروطه. وقد تطلق الحكمة أحياناً بمعنى الفقه، ولعلَّ هذا من الاختلاف في استعمال المصطلح، أو هو من إطلاق الكل على الجزء، أو إطلاق الجزء على الكل.
وقال الراغب: ""الفقه هو التوصل إلى عِلمٍ غائب بِعلْمٍ شاهدٍ، فهو أخص من العلم، قال: ﴿فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُوْنَ يَفْقَهُونَ حَدِيْثاً﴾ "١"، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ "٢"، إلى غير ذلك من الآيات. والفقه العلم بأحكام الشريعة، يقال: فقُه فقاهة إذا صار فقيهاً، وفَقِهَ أي فَهِمَ فقْهاً، وفَقِهَهُ أي فَهِمَهُ، وتفقَّه إذا طلبه فتخصص به، قال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ "٣""٤".
стр. 94
ثانياً: مجالات الفقه
لفقه الدِّين-لا سيّما فقه الدعوة إليه-فقهاً شرعياً أربعة مناحٍ، أو مجالات:
الأول: فقْه فطرة الله تعالى في الخلق والكون، وذلك لعدة أمورٍ، منها:
١- للإفادة من شهادة الكون وسنة الخَلْق أنه لا إله إلا الله رب العالمين.
٢- لتجنب مصارعة سنن الله في الخَلْق وتحاشي مصادمة الفطرة.
٣- للإفادة من سنن الله في الفطرة والخَلْق بالسير معها واستثمارها. وتعود هذه كلها، حينئذٍ، على المرء بالثباتِ على الحق، واليقينِ بأنّ المستقبل لهذا الدين.
الثاني: فقْه هذا الدين بعامّة، فقهاً صحيحاً، يؤدي به إلى الأخذ بالنصوص وفق دلالاتها التي أرادها الله، جل وعزّ، وأرادها رسوله ﷺ ؛ فلا يخرج عن هدايات القرآن والسّنَّة، لا بغلو ولا تقصير، فِقْهاً يستمسك فيه بالنص ويحترمه؛ فلا يتقدمه ولا يتأخر عنه، ويدعوه إلى أن يستنبط من النصِّ المنهج والقاعدة؛ لأن المقصود ليس هو الحرفية دائماً، لكن المعنى، فيكون من الذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم لم يخِرّوا عليها صمّاً وعمياناً، ولا يكون من الذين لا يقيمون لآيات الله وَزْناً. والفقه في الدين هو الأصل والأساس الذي بعث اللهُ تعالى من أجله سيد المرسلين، "من يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين" "١".
стр. 95
وينبغي أن يَعلم الداعيةُ أن الفقه في الدعوة أساسه الفقه في الدين؛ فإذا كان الداعية جاهلاً بدينه فإلى أيّ شيءٍ يدعو الناس؟!.
الثالث: فِقْه النصوص المتعلقة بالموضوع، أو ذات العلاقة به، وفْق قواعد الفقه المطلوب للنصوص الشرعية ولهذا الدين.
وأعني بالموضوع: موضوع البحث الذي يَتَّجه إليه المرء؛ فإن كان هو الدعوة؛ فإنّه في حاجةٍ-في سبيل تحقيق الفقه السديد- إلى الوقوف على النصوص الشرعية المتعلقة بالدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ولا يتأتى هذا الفقه للإنسان إذا أخل بالأمرين الآتيين أو بأحدهما:
أ- استيعاب النصوص الواردة في الموضوع وعدم الاقتصار على بعضها دون بعض.
ب- تنزيل النصوص على المراد بها، وذلك بالاجتهاد في معرفة دلالاتها التي أرادها بها الله تعالى وأو رادها بها رسوله ﷺ ، وذلك باتّباع قواعد الفهم والاستنباط الصحيحة.
الرابع: معرفة المرء بأحوال عصره، ولا سيما الواقع من حوله، وأحوال مجتمعه، ومجالات الإصلاح فيه، واحتياجاته الدعوية.
هذه المجالات الأربعة ينبغي أن يُعْني بها المسلم، لا سيما الداعية، للحصول على الملَكَة الفقهية؛ ليكون فقيها فقهاً شرعياً مكتملاً، على مستوى عصره.
стр. 96
ثالثاً: أهمية الفقه في الدين
بالإخلاص والفقه في الدين تُحلُّ مشكلات المسلمين، ونظراً لأهمية الفقه في الدين فقدْ حضَّ الله عليه فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفَرُوا كَافَّة، فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ "١".
وذكر سبحانه في موضع آخر من كتابه أن المقصود بآياته أن يَفْقه الناسُ، فقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون﴾ "٢".
وذمَّ قوماً بعدم الفقه فقال: ﴿فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدْيثاً﴾ "٣".
وأخبر الله أنه عاقب أناساً من الكفار بعدم الفقه، بحيث لا يفقهون كلامه، فقال: ﴿وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِم وَقْراً وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاؤُكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيْرُ الأَوَّلِين﴾ "٤".
وقال في وصف أصحاب النار: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيْراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ
стр. 97
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾ "١".
стр. 98
من يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين:
ويأتي في أهميّة الفقه قوله ﷺ :
"مَنْ يرِدِ الله به خيراً يُفَقههُ في الدين، وإنما أنا قاسمٌ، والله يُعطي، ولن تزال هذه الأمَّة قائمة على أمْرِ الله لا يَضُرُّهم مَنْ خالفَهُم حتى يأتي أمرُ الله""١". وهذا الحديث يحتاج إلى وقفةٍ متأنيةٍ عنده. وقد أورده البخاري تحت باب: "مِن يُرِد الله به خيراً يفقهْهُ في الدين".
قال ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام: أحدها: فضْل التفقه في الدين، وثانيها: أن المعطى في الحقيقة هو الله، وثالثها: أن بعض هذه الأمة يَبْقَى على الحق أبداً""٢".
وقال، أيضاً-معلِّقاً على فقه هذا الحديث -: "وقد تتعلق الأحكام"٣" الثلاثة بأبواب العلم -بل بترجمة هذا الباب خاصة- من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجوداً حتى يأتي أمر الله.
стр. 99
وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار.
وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم.
وقال القاضي عياض: أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
وقال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد وفقيه ومحدث وزاهد وآمرٍ بالمعروف، وغير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن يكونوا متفرقين، قوله "يفقهه" أي يفهمه، وهي ساكنة الهاء لأنها جواب الشرط، يقال: فَقُهَ، بالضم، إذا صار الفقه له سجيةً، وفَقَهَ، بالفتح، إذا سبق غيره إلى الفهم، وفَقِهَ، بالكسر، إذا فهم، ونَكَّر "خيراً" ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين -أي يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع- فقد حُرِمَ الخير.
وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: "ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به"، والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أُريد به الخير، وفي ذلك بيانٌ ظاهرٌ لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم"""١".
وقال شيخ الإسلام: ""وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، ولازمُ ذلك أن من لم يُفَقّهْه الله في الدين لم
стр. 100
يُرِد به خيراً؛ فيكون التفقه في الدين فرضاً. والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية؛ فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهاً في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، لا كل ما يعجز عنه من التفقه، ويلزمه ما يقدر عليه، وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقاً، وقيل: يجوز مطلقاً، وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال.
والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يَقبل التجزِّي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهداً في فنٍ أو بابٍ أو مسألةٍ، دون فنٍ وبابٍ ومسألةٍ، وكل أحد فاجتهاده بحسب وُسْعه""١".
стр. 101
رابعاً: أحاديث في الفقه في الدين وصفا وتعريفا واثباتا ومدحا
*
...
رابعاً: أحاديث في الفقه في الدين
لا شك في أن حصر الأحاديث الواردة في شأن الفقه، والأحاديث المتعلّقة به أمْرٌ يطول، وتحديد النصوص في أمرٍ مَا يَخضعُ لفقْه الإنسان.
وللوقوف على الأحاديث المتعلّقة بالفقه علينا أن نحصر المداخل اللازمة لنا للوقوف على أحاديث هذا الموضوع، وعلينا أن نراعي -في النظر إلى هذا- كلاً من اللفظ والمعنى.
وموضع الشاهد هنا قوله: "ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ"، وأنّ ذلك العلم إنما ينفع إذا سبقه الإيمان بالله تعالى. وهذا مما يؤكِّد العلاقة بين الإخلاص والفقه.
стр. 105
ليس مِن الفقه:
قد جاءت أحاديث تَدلُّ على أنّ أُموراً مُعَيَّنةً ليست مِن الفقه، ومِن ذلك ما يلي:
* ليس من الفقه الضّيقُ بالاجتهاد، أو الميل إلى قَفْله وقد فتحه الله تعالى، وقد قال ﷺ : "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ" "١".
* ليس مِن الفقه الأخذ بالظاهريّة دائماً في فقه النصوص الشرعية؛ فقد قال ﷺ لِمَن فَهِم الخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى: ﴿َكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ "٢"؛ بأنه الحبل حقيقةً؛ فأخذ حبلين: أسود وأبيض، فجعل يأكل وينظر إليهما حتى تبينا له فأمسك، قال له النبي ﷺ : "إنك لعريض الوساد".
وعلى هذه المعاني أَمثلةٌ متعددةٌ يُؤَكِّد الصوابَ فيها عددٌ مِن الآيات والأحاديث.