البخاري أن هذا إجماع العلماء، ومن قال الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وفعلية، ولم يجعل الأفعال تقوم به، فكلامه فيه تلبيس فإنه سبحانه لا يوصف بشيء لا يقوم به وإن سلم أنه يتصف بما لا يقوم به، فهذا هو أصل الجهمية الذين يصفونه بمخلوقاته يقولون: إنه متكلم ومريد وراض وغضبان ومحب ومبغض وراحم لمخلوقات يخلقها منفصلة عنه لا بأمور تقوم بذاته.
إذا تبين ذلك فالسلف لما علموا هذا علموا أن قول من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا «١» مخلوق يوجب أن يكون هذا الكلام كلاما للشجرة لا كلاما لله لأنه قام بالشجرة لم يقم بالله. كما أن كلام فرعون قام به، وإن كان الله خالق ذلك كله فإنه خالق العباد وأفعالهم وكلامهم وهذا أيضا ممّا يبين أنه لو كان من يخلق الكلام في غيره متكلما لوجب أن يكون كل كلام في الوجود كلامه وهذا يقوله غالية الجهمية الاتحادية كصاحب الفصوص «٢» ونحوه فإنه يقول:
وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ومعلوم أن هذا الكلام أعظم من كفر عباد الأصنام، كما ذكر ابن المبارك وغيره من السلف، وأيضا فإن الله تعالى قد أنطق أشياء كما قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) «٣» وقال: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ «٤».
وقال: فهو منطق كل شيء وخالق نطقه ولا نزاع أنه خالق النطق في غير الحي المختار، وإنما تنازعت القدرية في خلق أقوال الأحياء وأفعالهم، فإن كان حقيقة كلامه ما خلقه في غيره من الكلام فهذا جميعه كلامه وما في هذا الكلام المخلوق من ضمير المتكلم إما أن يعود إلى خالقه أو إلى محله، فإن عاد إلى خالقه كانت شهادة الأعضاء شهادة الله وكان قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٥»؟
قولا لله وكان قولهم لجلودهم «لم شهدتهم علينا» قولا لله وكان قول الجلود «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء» بمعنى أنطقت نفسي.
стр. 107
ولم يكن فرق عندهم بين نطق وأنطق، وإن عاد الضمير إلى محله كان الكلام المخلوق في الشجرة إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي «١» كلاما للشجرة فتكون الشجرة هي القائلة: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي «٢»، وهذه حقيقة قولهم لما ثبت من أن الكلام كلام لمن قام به، فيكون ضمير المتكلم فيه عائدا إلى محله.
ولما كان هذا المعنى مستقرّا في فطر الناس وعقولهم كان السلف يقصدون بمجرد قولهم: القرآن كلام الله. الرد على هؤلاء الجهمية الذين حقيقة قولهم إن القرآن ليس كلام الله وإنما هو كلام لجسم مخلوق، وحقيقة قولهم: إن الله لم يكلم موسى وإنما كلمه مخلوق من مخلوقاته.
قال البخاري: قال عبد الرحمن بن عفان: سمعت سفيان بن عيينة في السنة التي ضرب فيها المريسي، فقام ابن عيينة من مجلسه مغضبا، قال: ويحكم القرآن كلام الله قد صحبت الناس وأدركتهم، هذا عمرو بن دينار وهذا ابن المنكدر حتى ذكر منصور والأعمش ومسعر بن كدام، فقال ابن عيينة: قد تكلموا في الاعتزال والرفض والقدر وأمرونا باجتناب القوم فما نعرف القرآن إلا كلام الله ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله، وما أشبه هذا القول بقول النصارى، لا تجالسوهم ولا تسمعوا كلامهم.
وابن عيينة أخرج هذا القول عن الرفض والاعتزال لأن المعتزلة أولا الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد بن حنبل في رده على الجهمية قول جهم قال: فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام.
وأما الرافضة فلم يكن في قدمائهم من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسم مشهورا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله.
وقال البخاري: حدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار، يقولون: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. قلت: كان المريسي قد صنف كتابا في
стр. 108
نفي الصفات وجعل يقرؤه بمكة في أواخر حياة ابن عيينة، فشاع بين علماء أهل مكة ذلك، وقالوا: صنف كتابا في التعطيل فسعوا في عقوبته وحبسه، وذلك قبل أن يتصل بالمأمون ويجري من المحنة ما جرى.
وقول ابن عيينة: ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى هو كما قال كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن عيسى مخلوق، وهم يجعلونه نفس الكلمة لا يجعلونه المخلوق بالكلمة، وأيضا فأئمة نصارى كغشتكين أحد فضلائهم الأكابر يقولون: إن الله ظهر في صورة البشر مترائيا لنا كما ظهر كلامه لموسى في الشجرة فالصوت المسموع هو كلام الله وإن كان خلقه في غيره وهذا المرئي هو الله وإن كان قد حل في غيره.
قال البخاري: وقال علي بن عاصم: ما الذين قالوا بأن لله ولد أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم «١».
قال: وقال علي بن عبد الله يعني ابن المديني: القرآن كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه «٢».
قال: وقال أبو الوليد: من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج عن الإسلام «٣».
قال: وقال أبو عبيد: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم «٤».
قال: وقال معاوية بن عمار: سمعت جعفر بن محمد يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق «٥».
وهذا باب واسع كبير منتشر في كتب السنة والحديث: فهذا تمام ما قرره في مسألة الكلام.
стр. 109
فصل [طرق أخرى في إثبات كونه سبحانه متكلما]
وللناس طرق أخرى في إثبات كون الله متكلما، منها ما في القرآن من الإخبار عن ذلك كقوله تعالى: قال الله، ويقول الله، وقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً «١» وقوله: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ «٢» وما ذكره في القرآن من كلمة وكلماته كقوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ «٣» وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا «٤» وما فيه من ذكر مناداته ومناجاته كقوله: وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) «٥».
وقوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) «٦» وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) «٧» وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) «٨».
وما في القرآن من ذكر إنبائه وقصصه كقوله: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ «٩» وقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ «١٠». وما في القرآن من ذكر حديثه كقوله:
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) «١١» وقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ «١٢» من القول منه وقوله: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «١٣».
وقوله تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ «١٤».
وما ذكر في القرآن أنه منه أو ما أضيف إليه فإن كان عينا قائمة بنفسها أو أمرا
стр. 110
قائما بتلك العين كان مخلوقا كقوله في عيسى وَرُوحٌ مِنْهُ «١» وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ «٢» وقوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ «٣».
وأما ما كان صفة لا تقوم بنفسها ولم يذكر لها محل غير الله كان صفة له فكالقول والعلم والأمر إذا أريد به المصدر كان المصدر من هذا الباب كقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «٤» وإن أريد به المخلوق المكون بالأمر كان من الأول كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ «٥».
وبهذا يفرق بين كلام الله سبحانه، وعلم الله، وبين عبد الله وبيت الله وناقة الله وقوله: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا «٦» وهذا أمر معقول في الخطاب فإذا قلت: علم فلان وكلامه ومشيئته لم يكن شيئا بائنا عنه، والسبب في ذلك أن هذه الأمور صفات لما تقوم به فإذا أضيفت إليه كان ذلك إضافة صفة لموصوف إذ لو قامت بغيره لكانت صفة لذلك الغير لا لغيره.
واعلم أن الاستدلال على الكلام بمثل هذه السمعيات أكمل من الاستدلال على السمع والبصر بالسمعيات لأن ما أخبر الله به عن نفسه من قوله وكلامه وإنبائه وقصصه وأمره ونهيه وتكليمه وندائه ومناجاته وأمثال ذلك أضعاف وأضعاف ما أخبر به من كونه سميعا بصيرا.
وأيضا فإنه نوّع الإخبار عن كل نوع من أنواع الكلام وثنى ذلك وكرره في مواضع ولا يحصى ما في القرآن من ذلك إلا بكلفة، ومن المعلوم بالاضطرار أن المخاطبين لا يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق أنه خلق صوتا في غيره وإنما يفهمون منه أنه هو الذي تكلم بذلك وقاله كما قالت عائشة في حديث الإفك:
«ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بوحي يتلى» «٧» فلو كان المراد
стр. 111
بهذه الجمل الكثيرة العظيمة البينة الصريحة خلاف مفهومها ومقتضاها لوجب بيان ذلك إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ثم لا يقدر أحد أن يحكي عنهم أنهم جعلوا الكلام كلاما لمن أحدثه في غيره بل لا يوجد في كلامهم، قال ويقول، تكلم ويتكلم، إلا إذا كان الكلام قائما بذاته.
وإذا احتجت الجهمية من المعتزلة ونحوهم بأن أحدنا إنما كان متكلما لأنه فعل الكلام. قيل: هو لم يحدثه في غيره ولم يباين كلامه نفسه وأنتم تجعلون الكلام البائن للمتكلم كلاما له. فإن قالوا: ولا نعقل الكلام إلا كلاما لمن فعله بمشيئته وقدرته فإن كلام أحدنا لم يكن كلاما له بمجرد قيامه بذاته بل لكونه فعله.
قيل: أما كلام أحدنا فهو قائم به وهو تكلم به بذاته ومشيئته وقدرته فهو قد جمع الوصفين أنه قائم بذاته وأنه تكلم به بمشيئته وقدرته فليس جعلكم الكلام كلامه لمجرد كونه فعله بأولى من جعل غيركم الكلام كلاما له لمجرد كونه قام بذاته.
وهذا موضع تنازعت فيه الصفاتية بعد اتفاقهم على تضليل الجهمية من الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم على قولين مشهورين، حتى القائلين بأن الكلام معنى قائم بنفس المتكلم وراء الأصوات تنازعوا في ذلك كما ذكره أبو محمد بن كلاب فيما حكاه عنه أبو بكر بن فورك.
قال ابن فورك: فأما صريح عبارته وما نص عليه في كتاب الصفات الكبيرة في تحقيق الكلام فإنه قال: فأما الكلام فإنه على ما عاهدناه منه معنى قائم بالنفس فقوم يزعمون أنه نعت لها، وقوم يزعمون أنه فعل من أفعالها إلا أنهم يعبرون عنه بالألفاظ والكتاب والإيماء، وكل ذلك قد يسمى كلاما وقولا لأدائه ما يؤدى عن تلك المعاني الخفيات.
وكذلك أبو بكر عبد العزيز ذكر في كتابه ما ذكره القاضي أبو يعلى عنه أن أصحاب الإمام أحمد تنازعوا في معنى قولهم: القرآن غير مخلوق، هل المراد به أنه صفة لازمة له كالعلم والقدرة أو أنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء؟ وهذه المسألة متعلقة بمسألة قيام الأفعال بذاته المتعلقة بمشيئته، هل يجوز أم لا؟
كالإتيان والمجيء والاستواء ونحو ذلك، وتسمى مسألة حلول الحوادث، وكل طائفة من طوائف الأمة وغيرهم فيها على قولين حتى الفلاسفة لهم فيها قولان لمتقدميهم ومتأخريهم.
وذكر أبو عبد الله الرازي أن جميع الطوائف تلزمهم هذه المسألة وإن لم يلتزموها وأول من صرح بنفيها الجهمية من المعتزلة ونحوهم ووافقهم على ذلك
стр. 112
أبو محمد بن كلاب وأتباعه كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري، ومن وافقهم من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وهو قول طائفة من متأخرى أهل الحديث كأبي حاتم البستي «١»، والخطابي «٢» ونحوهما، وكثير من طوائف أهل الكلام يثبتها كالهشامية والكرامية والزهيرية، وأبي معاذ التومني وأمثالهم كما ذكره الأشعري عنهم في المقالات وهو قول أساطين فلسفة المتقدمين، كأبي البركات صاحب المعتبر وأمثاله من المتفلسفة وهو قول جمهور أئمة الحديث كما ذكره عثمان بن سعيد الدارمي وإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة وغيرهما عن مذهب السلف والأئمة، وكما ذكره شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو عمر بن عبد البر النميري.
وقاله طوائف من أصحاب أحمد كالخلال وصاحبه، وأبي حامد وأمثالهم وقاله داود بن علي الأصفهاني وأتباعه، وهو مقتضى ما ذكروه عن السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري صاحب الصحيح وأمثالهم، وعليه يدل كلام السلف فهؤلاء إذا قالوا:
المتكلم من قام به الكلام وهو يتكلم بمشيئته وقدرته خصموا المعتزلة وانقطعت حجتهم عنهم فإنهم اعتبروا الوصفين جميعا، فمن جعل المتكلم من قام به الكلام، وإن لم يكن متكلما بمشيئته وقدرته، أو جعله من فعله بمشيئته وقدرته وإن لم يكن قائما به لحذف أحد الوصفين.
стр. 113
ولا ريب أن الطرق الدالة على الإثبات والنفي إما السمع وإما العقل، أما السمع فليس مع النفاة منه شيء بل القرآن والأحاديث هي من جانب الإثبات كقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «١» وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) «٢».
وقوله: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٣» وقوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ «٤» وقوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ «٥».
وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ «٦».
وأمثال ذلك ممّا في القرآن فإنه كثير جدّا.
وكذلك الأحاديث الصحيحة كقوله ﵊، لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل: «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب» «٧» وما يذكره من خطابه للعباد يوم القيامة وخطابه للملائكة، وأمثال ذلك، بل كل ما تحتج به المعتزلة على أن القرآن مخلوق من نحو هذا فإنه لا يدل على أنه بائن منه، وإنما يدل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته فيمكن هؤلاء التزامه ويكون قولهم متضمنا للإيمان بجميع ما أنزل الله ممّا يدل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وعلى أن كلامه غير مخلوق بخلاف غيرهم، فإنه يقرر بعض النصوص ويرد بعضها بتحريف أو تفويض ومن جعله متكلما بمشيئته وقدرته وقال: إن كلامه قائم به زال عنه هذا كله والمنازع لهم يحتاج أن يقرر بالعقل امتناع ذلك ثم يبين أنه يمكن تأويله.
فأما الطرق العقلية فالمثبتون يقولون إنها من جانبهم دون جانب النفاة كما تزعم النفاة أنها من جانبهم، وذلك أنهم قالوا: إن قدرته على ما يقوم به من الكلام، والفعل صفة كمال كما أن ما يقوم به من العلم والقدرة صفة كمال ومن المعلوم أن من قدر على أن يفعل ويتكلم أكمل ممن لا يقدر على ذلك،
стр. 114
كما أن قدرته على أن يبدع الأشياء صفة كمال والقادر على الخلق أكمل ممن لا يقدر على الخلق.
وقالوا: الحي لا يخلو عن هذا، والحياة هي المصححة لهذا كما هي المصححة لسائر الصفات وإذا قدر حي لا يقدر على أن يفعل بنفسه ويتكلم بنفسه كان عاجزا بمنزلة الزمن والأخرس كما أنه إذا قدر حي لا يسمع ولا يبصر كان أصم أعمى، فما من طريق يسلكه الصفاتية في إثبات صفاته إلا يسلك هؤلاء نظيره من إثبات ذلك.
ولا ريب أن النفاة نوعان:
أحدهما:- وهم الأصل- المعتزلة ونحوهم من الجهمية فهؤلاء ينفون الصفات مطلقا وحجتهم على نفي قيام الأفعال به من جنس حجتهم على نفي الصفات به، وهم يسوون في النفي بين هذا وهذا كما صرحوا بذلك وليس لهم حجة تختص بنفس قيام الحوادث.
وأما مثبتة الصفات الذين ينفون الأفعال الاختيارية القائمة به كابن كلاب والأشعري فإنهم فرقوا بين هذين بأنه لو جاز قيام الحوادث به لم يخل منها لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وبهذا استدلوا على حدوث الأجسام لأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق فأجابهم الأولون بثلاثة أجوبة:
أحدها: أن استدلالكم بقيام الأفعال به على حدوثه هو نظير استدلال المعتزلة بقيام الصفات به على حدوثه. وقالوا: الصفات أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم ففرقتم أنتم بين الصفات- وهي اللازمة- وبين الأعراض، وهو فرق صوري يرجع في الحقيقة إلى الاصطلاح فإن جاز أن تقوم به الصفات التي هي أعراض في غيره ولا يكون جسما محدثا جاز أن تقوم به الأفعال التي هي حركات في غيره ولا يكون جسما محدثا وهذا إلزام.
الثاني: قالوا لهم: لا نسلم أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وقد اعترف أبو عبد الله الرازي وأبو الحسن الآمدي «١» ونحوهما بفساد هذا الأصل
стр. 115
وعليه بنى الأشعري وأصحابه كلامهم في مسألة امتناع قيام الحوادث به ومسألة القرآن ونحوهما من المسائل.
الثالث: هب أنه لا يخلو عنه وعن ضده وأن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث لكن لا نسلم أن ذلك يستلزم حدوث ما قام به، قالوا: والدليل الذي ذكرتموه على حدوث العالم من هذا الوجه دليل ضعيف وقد ألزمكم الفلاسفة فيه إلزاما لم تنفصلوا عنه ولا يمكنكم الانفصال عنه إلا بتجويز ذلك على القديم فإنهم قالوا: ما حدث بعد أن لم يكن فلا بد له من سبب حادث فإن ذلك الحادث ممكن والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والمرجح إن لم يجب حصول الممكن عند حصوله لم يكن مرجحا تامّا فافتقر إلى تمامه.
ثم القول في حدوث ذلك التمام كالقول في حدوث الأول فلا بد من مرجح تام يجب عنده الحادث فلا بد لكل حادث من سبب تام يحصل الحادث عند تمام ذلك السبب، فإذا كان العالم محدثا بعد أن لم يكن ولم يحدث سبب يقتضي حدوثه فلم يكن حين إبداعه أمر يوجب ترجيحه لم يكن قبل إبداعه بل الحالان سواء فيلزم ترجيح الحدوث بلا مرجح.
وهذا الموضع هو أصعب المواضع على المتكلمين في بحثهم مع الفلاسفة في مسألة حدوث العالم. وهذه الشبهة أقوى شبه الفلاسفة فإنهم لما رأوا أن الحدوث يمتنع إلا بسبب حادث قالوا: والقول في ذلك الحادث كالقول في الأول.
وقال هؤلاء المثبتة لقيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى: وعلى أصلنا يبطل كلام الفلاسفة فإنه يقال لهم أنتم تجوزون قيام الحوادث بالقديم إذ الفلك قديم عندكم والحركات تقوم به، وتجوزون حوادث لا أول لها وتعاقب الحركات على الشيء لا يستلزم حدوثه وإذا كان كذلك فلم يجوز أن يكون الخالق للعالم له أفعال اختيارية تقوم به يحدث بها الحوادث ولا يكون تسلسلها وتعاقبها دليلا على حدوث ما قامت به.
قال هؤلاء لأصحابهم الذين أثبتوا حدوث العالم بهذه الطرق: تسلط عليكم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم فإنكم إذا أثبتم حدوث العالم وقلتم المحدث لا بد له من محدث لأن تخصيص الحوادث ببعض الأوقات دون بعض لا بد من
стр. 116
مخصص، قال لكم الدهرية «١»: فأنتم تجوزون الحدوث من غير سبب حادث يقتضي التخصيص ببعض الحوادث دون بعض.
فإن قلتم: القديم يخصص مثلا عن مثل بلا سبب أصلا جوزتم تخصيص أحد المثلين على الآخر بغير مخصص وهذا يفسد عليكم إثبات العلم بالصانع وهو المقصود بطريقكم فسلكتم طريقا لم تحصل المقصود من العرفان، وسلطتم عليكم أهل الضلال والعدوان، كمن أراد أن يغزو بغير طريق شرعي فلا فتح بلادهم ولا حفظ بلادهم بل سلطهم حتى صاروا يحاربونه بعد أن كانوا عاجزين عنه.
ولهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام المحدث المخالف للكتاب والسنة «٢» إذ كان فيه من الباطل في الأدلة والأحكام ما أوجب تكذيب بعض ما أخبر به الرسول وتسلط العدو على أهل الإسلام وليس هذا موضع بسط الكلام في هذه الأمور الكبيرة العظيمة، بل نبنهنا عليها تنبيها مختصرا بحسب ما يحتمله هذا المقام فإن الكلام في مسألة الكلام حير عقول أكثر الأنام الذين ضعفت معرفتهم واتباعهم لما بعث الله به رسله الكرام، ولهم طرق سمعية في تقريره يطول ذكرها.
وأما الطرق العقلية: فمن وجوه:
أحدها: أن الحي إذا لم يتصف بالكلام لزم اتصافه بضده كالسكوت والخرس وهذه آفة يتنزه الله عنها فتعين اتصافه بالكلام وهذا المسلك يسلكونه في إثبات كونه سميعا بصيرا أيضا فإنه إذا كان حيّا ولم يكن سميعا بصيرا لزم اتصافه بضد ذلك من الصمم والعمى.
الثاني: أن الكلام صفة كمال وهنالك من جعله صفة لا تتعلق بمشيئته واختياره جعله كالعلم والقدرة ومن قال إنه يتعلق بمشيئته وقدرته قال: كونه متكلما يتكلم إذا شاء صفة كمال وقد يقول بطرد ذلك في كونه فاعلا الأفعال الاختيارية القائمة بنفسه، ويجعل هذا كله من صفات الكمال وقد يقول القدرة على ذلك هي صفة الكمال إذ الكمال لا يجوز أن يفارق الذات فإنه لم يزل ولا يزال كاملا مستحقا لجميع صفات الكمال، فالقدرة على كونه يقول ما شاء ويفعل ما شاء صفة كمال فالقدرة وحدها غير القدرة مع ما يقترن بها من المقدورية، وهذا ينبني على
стр. 117
أن ما يقوم به من ذلك هل كله مسبوق بالعدم أو لم يزل ذلك يقوم به؟ وفيه لهم قولان، أحدهما أنه مسبوق بالعدم كما تقوله الكرامية وغيرهم.
الثالث: أنه ليس مسبوقا بالعدم وهو مذهب أكثر أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفقه والتصوف.
الرابع: أن يقال: المخلوق ينقسم إلى متكلم وغير متكلم والمتكلم أكمل من غير المتكلم وكل كمال هو في المخلوق مستفاد من الخالق فالخالق به أحق وأولى ومن جعله لا يتكلم فقد شبهه بالموات الجماد الذي لا يتكلم وذلك صفة نقص إذ المتكلم أكمل من غيره، قال تعالى في ذم من يعبد من لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) «١» وقال في الآية الأخرى:
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا «٢» وقال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) «٣».
فعاب الصنم بأنه أبكم لا يقدر على شيء إذ كان من المعلوم أن العجز عن النطق والفعل صفة نقص فالنطق والقدرة صفة كمال.
والفرق بين هذه الطريق وبين التي قبلها أن هذه استدلال بما في المخلوق من الكمال على أن الخالق أحق به وأنه يمتنع أن يكون مضاهيا للناقص، والأولى أنه مستحق لصفات الكمال من حيث هي مع قطع النظر عن كونها ثابتة في المخلوقات لامتناع النقص عليه بوجه من الوجوه .
стр. 118
فصل [إثبات كون الله تعالى سميعا بصيرا]
قال: (والدليل على كونه سميعا بصيرا: السمعيات).
قلت: إثبات كونه سميعا بصيرا وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة من أهل السنة والجماعة من السلف والأئمة وأهل الحديث والفقه والتصوف والمتكلمين من الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأصحابه وطائفة من المعتزلة البصريين بل قدماؤهم على ذلك ويجعلونه سميعا بصيرا لنفسه كما يجعلونه عالما قادرا لنفسه. وإثبات ذلك كإثبات كونه متكلما بل هو أقوى من بعض الوجوه فإن المعتزلة البصريين يثبتونه مدركا مثل كونه عليما قديرا بخلاف كونه متكلما فإنه من باب كونه خالقا.
وللناس في إثبات كونه سميعا بصيرا طرق:
أحدها: السمع كما ذكره وهو ما في الكتاب والسنة من وصفه بأنه سميع بصير ولا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى لأن الله فرّق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرّق بين السمع والبصر وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات قال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) «١» وفي موضع آخر: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قال تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) «٢» ذكر سمعه لأقوالهم وعلمه ليتناول باطن أحوالهم.
وقال لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «٣» وفي السنن عن النبيّ ﷺ أنه قرأ على المنبر إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ
стр. 119
النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) «١» ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه «٢»، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق فلو كان السمع والبصر: العلم لم يصح ذلك.
الطريق الثاني: إنه لو لم يتصف بالسمع والبصر لا تصف بضد ذلك وهو العمى والصمم كما قالوا مثل ذلك في الكلام وذلك لأن المصحّح لكون الشيء سميعا بصيرا متكلما هو الحياة فإذا انتفت الحياة امتنع اتصاف المتصف بذلك فالجمادات لا توصف بذلك لانتفاء الحياة فيها وإذا كان المصحح هو الحياة كان الحي قابلا لذلك فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده بناء على أن القابل للضدين لا يخلو من اتصاف بأحدهما إذ لو جاز خلو الموصوف عن جميع الصفات المتضادة لزم وجود عين لا صفة لها وهو وجود جوهر بلا عرض يقوم به.
وقد علم بالاضطرار امتناع خلو الجواهر عن الأعراض وهو امتناع خلو الأعيان والذات عن الصفات وذلك بمنزلة أن يقدر المقدر جسما لا متحركا ولا ساكنا ولا حيّا ولا ميتا ولا مستديرا ولا ذا جوانب ولهذا أطبق العقلاء من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم على إنكار زعم تجويز وجود جوهر خال عن جميع الأعراض وهو الذي يحكى عن قدماء الفلاسفة من تجويز وجود مادة خالية عن جميع الصور ويذكر هذا عن شيعة أفلاطون «٣» وقد رد ذلك عليهم أرسطو وأتباعه.
وقد بسطنا الكلام في الرد على هؤلاء في غير هذا الموضع وبيّنّا أن ما يدعيه شيعة أفلاطون من إثبات مادة في الخارج خالية عن جميع الصور ومن إثبات خلاء موجود غير الأجسام وصفاتها ومن إثبات المثل الأفلاطونية وهو إثبات حقائق كلية خارجة عن الذهن غير مقارنة للأعيان الموجودة المعينة فظنوها ثابتة في الخارج عن أذهانهم كما ظن قدماؤهم الفيثاغورية أن العدد أمر موجود في الخارج بل وما ظنه
стр. 120
أرسطو وشيعته من إثبات مادة في الخارج مغايرة للجسم المحسوس وصفاته وإثبات ماهيات كلية للأعيان مقارنة لأشخاصها في الخارج هو أيضا من باب الخيال حيث اشتبه عليه ما في الذهن بما في الخارج وفرق بين الوجود والماهية في الخارج.
وأصل ذلك أن الماهية في غالب اصطلاحهم اسم لما يتصور في الأذهان والوجود اسم لما يوجد في الأعيان، والفرق بين ما في الذهن وبين ما في الخارج لا ينازع فيه عاقل فهمه، لكنهم بعدها ظنوا أن في الخارج ماهية للشيء الموجود مغايرة للشخص الموجود في الخارج.
وهذا غلط ما في النفس سواء سمي وجودا ذهنيا أو ماهية ذهنية أو غير ذلك هو مغاير لما في الخارج سواء سمي ذلك وجودا أو ماهية أو غير ذلك.
وأما أن يقال أن في الخارج في الجوهر المعين الموجود كالإنسان مثلا جوهرين أحدهما ماهيته والآخر وجوده فهذا باطل كبطلان قولهم أن فيه جوهرين أحدهما مادته والآخر صورته، وكقولهم أنه مركب من الحيوانية والناطقية فإن الحيوانية والناطقية إن أرادوا إنها جوهران وهما الحيوان والناطق فالشخص المعين هو الحيوان وهو الناطق، وليس هنا شخصان أحدهما حيوان والآخر ناطق، وإن أرادوا نفس الحياة والنطق فهذان صفتان قائمتان بالإنسان وصفة الموصوف قائمة به قيام العرض بالجوهر، والجوهر لا يتركب من أعراضه القائمة به، ولا يكون وجود أعراضه سابقا لذاته والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع «١».
والمقصود هنا أن أرسطو وأتباعه وأمثاله من أهل الفلسفة أنكروا على من جوز منهم وجود مادة بلا صورة، فهم مع أصناف أهل الكلام وسائر العقلاء متفقون على امتناع خلو الجسم عن جميع الصفات والأعراض، وإن جوز ذلك الصالحي ابتداء فلم يجوزه دواما، والجمهور منعوه ابتداء ودواما، وإنما تنازع الناس في استلزامه لجميع أجناس الأعراض فقيل: إنه لا بد أن يقوم به من الأعراض المتضادة واحد منها، وما لا ضد له لا بد أن يقوم به واحد من جنسه، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه، وقيل: لا بد أن يقوم به الأكوان وهي الحركة أو السكون والاجتماع والافتراق، ويجوز خلوه عن غيرها وهو قول البصريين من المعتزلة، وقيل: يجوز خلوه عن الأكوان دون الألوان كما يذكر الكعبي وأتباعه من البغداديين منهم وهؤلاء قد يتنازعون في قبول الشيء من الأجسام بكثير من الأعراض، ويتفقون على امتناع خلو الجسم عن العرض وضده بعد قبوله له،
стр. 121
وذلك لأن خلو الموصوف عن الضدين اللذين لا ثالث لهما مع قبوله لهما ممتنع في العقول، وبهذا يتبين أن الحي القابل للسمع والبصر والكلام إما أن يتصف بذلك، وإما أن يتصف بضده وهو الصمم والبكم والخرس، ومن قدّر خلوه عنهما فهو مشابه للقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا: لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، لا يقال: هو حي عالم ولا يقال: ليس بحي عالم، ولا يقال: هو عليم قدير ولا يقال: ليس بقدير عليم، ولا يقال: هو متكلم مريد ولا يقال: ليس بمتكلم مريد.
قالوا لأن من الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات، وقد قاربهم في ذلك من قال من متكلمة الظاهرية «١» كابن حزم «٢» أن أسماءه الحسنى كالحي والعليم والقدير بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم ولا قدرة وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم وبين القدير في المعنى أصلا، ومعلوم أن مثل هذه المقالات سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات فإنا نعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم والملك والقدوس والغفور.
وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور كان قد أحسن في مناجاة ربه وإذا قال: اغفر لي وتب عليّ إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب لم يكن محسنا في مناجاته، وإن الله أنكر على المشركين الذين امتنعوا من تسميته بالرحمن فقال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) «٣» وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) «٤» وقال تعالى: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ
стр. 122
قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) «١» وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى «٢».
ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلاما وجامدات لا تدل على معنى لم يكن فرق فيها بين اسم واسم فلا يلحد أحد في اسم دون اسم ولا ينكر عاقل اسما دون اسم بل قد يمتنع عن تسميته مطلقا ولم يكن المشركون يمتنعون عن تسمية الله بكثير من أسمائه وإنما امتنعوا عن بعضها، وأيضا فالله له الأسماء الحسنى دون السوأى وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيئ بمعناه فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لا تنقسم إلى حسنى وسوأى بل هذا القائل لو سمى معبوده بالميت والعاجز والجاهل بدل الحي والعالم والقادر لجاز ذلك عنده.
فهذا ونحوه قرمطة ظاهرة من هؤلاء الظاهرية الذي يدعون الوقوف مع الظاهر وقد قالوا بنحو مقالة القرامطة الباطنية في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته مع ادعائهم الحديث ومذهب السلف وإنكارهم على الأشعري وأصحابه أعظم إنكار «٣».
ومعلوم أن الأشعري وأصحابه أقرب إلى السلف والأئمة ومذهب أهل الحديث في هذا الباب من هؤلاء بكثير.
وأيضا فهم يدعون أنهم يوافقون أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل القرآن والصفات وينكرون على الأشعري وأصحابه، والأشعري وأصحابه أقرب إلى أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل القرآن والصفات منهم تحقيقا وانتسابا. أما تحقيقا فمن عرف مذهب الأشعري وأصحابه ومذهب ابن حزم وأمثاله من الظاهرية في باب الصفات تبين له ذلك وعلم هو وكل من فهم المقالتين أن هؤلاء الظاهرية الباطنية أقرب إلى المعتزلة بل إلى الفلاسفة من الأشعرية.
وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث منهم وأيضا فإن إمامهم داود وأكابر أصحابه كانوا من المثبتين للصفات على مذهب أهل السنة
стр. 123
والحديث، ولكن من أصحابه طائفة سلكت مسلك المعتزلة وهؤلاء وافقوا المعتزلة في مسائل الصفات وإن خالفوهم في القدر والوعيد.
وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصا وسائر أئمة أهل الحديث عموما ظاهر مشهور في كتبهم كلها.
وما في كتب الأشعري ممّا يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه ومن هو أقرب إلى أحمد والأئمة من مثل ابن عقيل وابن الجوزي ونحوهما كأبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل التميمي وابن ابنه رزق الله التميمي ونحوهم وأئمة أصحاب الأشعري كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني وشيخه أبي عبد الله بن عبد الله بن مجاهد وأصحابه كأبي علي بن شاذان وأبي محمد بن اللبان بل وشيوخ شيوخه كأبي العباس القلانسي وأمثاله، بل والحافظ أبو بكر البيهقي وأمثاله أقرب إلى السنة من كثير من أصحاب الأشعري المتأخرين الذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة.
فإن كثير من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة إذ صاروا واقفين في ذلك كما سننبه عليه «١».
وما في هذا الاعتقاد المشروح هو موافق لقول الواقفة الذين لا يقولون بقول الأشعري وغيره من متكلمة أهل الإثبات وأهل السنة والحديث والسلف بل يثبتون ما وافقه عليه المعتزلة البصريون فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما في هذا الاعتقاد ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات مع أئمة السنة والجماعة يثبتون الرؤية ويقولون: القرآن غير مخلوق ويقولون: إن الله حي بحياة عالم بعلم، قادر بقدرة، وليس في هذا الاعتقاد شيء من هذا الإثبات.
وقد رأيت اعتقادا مختصرا لصاحب مصنف هذا الاعتقاد المشروح وهو مشهور بالعلم والحديث، وهو في الظاهر أشعري عند الناس ورأيت اعتقاده على هذا النمط ذكر فيه أن الله متكلم آمر ناه كما يوافق عليه المعتزلة، ولم يذكر أن القرآن غير مخلوق، ولا أثبت الرؤية بل جعلها ممّا تأول وكان يميل إلى الجهمية الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في القرآن ويرجح جانبهم، وحكى
стр. 124
عنهم ذم وسب لأحمد بن حنبل وهو بنى اعتقاده وركبه من قول الجهمية ومن قول الفلاسفة القائلين بقدم العقول والنفوس وهو من جنس القول المضاف إلى ديمقراطيس وليس هذا مذهب الأشعرية بل هم متفقون على أن القرآن غير مخلوق وعلى أن الله يرى في الآخرة، وإن قيل إن في ذلك تدليسا أو خطأ أو غير ذلك، فليس المقصود هنا تصويب قائل معين ولا تخطئته ولا بيان ما في مقالته من الخطأ والصواب وموافقة السلف ومخالفتهم، بل أن يعلم مقالة كل شخص على حقيقتها، ثم الحق يجب اتباعه بما أقام الله عليه من البرهان، ثم هذا الاعتقاد المشروح مع أنه ليس فيه زيادة على اعتقاد المعتزلة البصريين فاعتقاد المعتزلة البصريين خير منه فإن في هذا المعتقد من اعتقاد المتفلسفة في التوحيد ما لا يرضاه المعتزلة كما نبهنا عليه فيما تقدم وبيناه أن ما ذكره من التوحيد ودليله هو مأخوذ من أصول الفلاسفة وأنه من أبطل الكلام، وهذه الجمل نافعة فإن كثيرا من الناس ينسب إلى السنة أو الحديث أو اتباع مذهب السلف أو الأئمة أو مذهب الإمام أحمد أو غيره من الأئمة أو قول الأشعري أو غيره ويكون في أقواله ما ليس بموافق لقول من انتسب إليهم.
فمعرفة ذلك نافعة جدّا كما تقدم في الظاهرية الذين ينتسبون إلى الحديث والسنة حتى أنكروا القياس الشرعي المأثور على السلف والأئمة ودخلوا في الكلام الذي ذمه السلف والأئمة حتى نفوا حقيقة أسماء الله وصفاته وصاروا مشابهين للقرامطة الباطنية بحيث تكون مقالة المعتزلة في أسماء الله أحسن من مقالتهم فهم مع دعوى الظاهر يقرمطون في توحيد الله وأسمائه.
وأما السفسطة في العقليات فظاهرة، فإنه من المعلوم بصريح العقل امتناع ارتفاع نقيضين جميعا وإنه لا واسطة بين النفي والإثبات فمن قال إن لا يصف الرب بالإثبات فلا يقول إنه حي عليم قدير، ولا يصفه بالنفي فلا يقول ليس بحي عليم قدير فقد امتنع عن النقيضين جميعا، والامتناع عن النقيضين كالجمع بين النقيضين فإن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهذا ممّا رأيته قد اعتمد عليه أئمة القرامطة كصاحب «كتاب الأقاليد الملكوتية» أبي يعقوب السجستاني فإنهم قالوا نحن لم نجمع بين النقيضين فنقول أنه حي وليس بحي بل رفعنا النقيضين فقلنا: لا موصوف ولا لا موصوف.
قال هذا القرمطي المصنف الذي رأيته أفضل هؤلاء القرامطة: (الإقليد العاشر) في أن من عبد الله بنفي الصفات والحدود لم يعبده حق عبادته، إذ عبادته واقعة لبعض المخلوقين فإن قوما من الأوائل وجماعة من فرق الإسلام لم يعبدوا الله حق عبادته ولم يعرفوه بحقيقة المعرفة فقالوا إن الله غير موصوف ولا
стр. 125
محدود ولا منعوت ولا مرئي ولا في مكان وتوهموا أن هذا المقدار تمجيد لله وتعظيم له وأنهم قد تخلصوا من الشرك والتشبيه، وإذا هم قد وقعوا في الحيرة والتيه لأنهم نفوا الصفات والحدود والنعوت عن الباري- تقدست عظمته- لئلا يكون بينه وبين خلقه مشابهة ولا مماثلة فنحن نسألهم بعد عن الموصوف من خلق أهو الصفة والحد والنعت أم الموصوف غير صفته والمحدود غير حده والمنعوت غير نعته.
فإن قالوا: إن الصفة هي الموصوف، والحد هو المحدود، والنعت هو المنعوت، لزمهم أن يقولوا: إن السواد هو الأسود، والبياض هو الأبيض.
وإن قالوا: الموصوف غير صفته، والمنعوت غير نعته، والمحدود غير حده، وهو- أعني الموصوف والمحدود والمنعوت جميعا- مخلوق هذا الخالق الذي نزهتموه عن الصفة والحد والنعت أشركتم الخالق بالمخلوق الذي هو الصفة والحد والنعت في باب أنها غير الموصوف عندكم وإن جاز أن يشارك المخلوق الخالق في وجه من الوجوه لم لا يجوز أن يشاركه في جميع الوجوه، قال: فإذا من عبد الله بنفي الصفات عنه واقع في التشبيه الخفي كما أن من عبده بسمة الصفات واقع في التشبيه الجلي.
ثم أخذ يرد على المعتزلة لكن رده عليهم ما أثبتوه من الحق واحتج عليهم بما وافقوه فيه من النفي، فإنه بهذا الطريق تمكنت القرامطة الزنادقة الملاحدة من إفساد دين الإسلام حيث احتجوا على كل مبتدع بما وافقهم عليه من البدعة من النفي والتعطيل وألزموه لازم قوله حتى قرروا التعطيل المحض.
قال القرمطي: ومن أعظم ما أتت به طائفة من أهل هذه النحلة في إقامة رأيهم من أن المبدع سبحانه غير موصوف ولا منعوت أنهم أثبتوا له الأسامي التي لا تتعرى عن الصفات والنعوت فقالوا إنه سميع بالذات بصير بالذات عالم بالذات ونفوا عنه السمع والبصر والعلم ولم يعلموا أن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتا من الذوات لزمته الصفات التي من أجلها وقعت الأسامي، إذ لو جاز أن يكون عالما بغير علم، أو سميعا بغير سمع، أو بصيرا بغير بصر، لجاز أن يكون الجاهل مع عدم العلم عالما، والأعمى مع فقد البصر بصيرا، والأصم مع غيبوبة السمع سميعا، فلما لم يجز ما وصفناه صح أن العالم إنما صار عالما لوجود العلم، والبصير لوجود البصر، والسميع لوجود السمع.
قال: فإن قال قائل منهم: إنما نفينا عن البصير البصر إذ كان اسم البصير
стр. 126
متوجها نحو ذات الخالق لأنا هكذا شاهدنا أن من كان اسمه البصير لزمه من أجل البصر أن يجوز عليه العمى، ومن كان اسمه السميع يلزمه من أجل السمع أن يجوز عليه الصمم، ومن كان اسمه العالم يلحقه من أجل العلم أن يجوز عليه الجهل، والله تعالى لا يلحق به الجهل والعمى والصمم فنفينا عنه ما يلزم بزواله ضده، يقال له: ليس علة وجوب العمى البصر، ولا علة وجوب الصمم السمع، ولا علة وجوب الجهل العلم، ولو كانت العلة فيه ما ذكرناه كان واجبا أنه متى وجد البصر وجد العمى، أو متى وجد السمع وجد الصمم أو متى وجد العلم وجد الجهل، فلما وجد البصر في بعض ذوي البصر من غير ظهور عمى به، ووجد السمع كذلك في بعض ذوي السمع من غير وجود صمم يتبعه ووجد العلم في بعضهم من غير وجود جهل به صح أن العلة في ظهور الجهل والصمم، والعمى ليس هو العلم والسمع والبصر بل في قبول إمكان الآفة في بعض ذوي العلم والسمع والبصر، والله تعالى ذكره ليس بمحل الآفات، ولا الآفات بداخلة عليه فهو إذا كان اسم العالم والسميع والبصير يتوجه نحو ذاته ذا علم وسمع وبصر فتعالى الله عما أضاف إليه الجهلة المغترون من هذه الأسامي بأنها لازمة له لزوم الذوات بل هذه الأسامي ممّا تتوجه نحو الحدود المنصوبة من العلوي والسفلي والروحاني والجسماني لمصلحة العباد، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
قال: ويقال لهم إن كان الاستشهاد الذي استشهدتموه صحيحا فإن الاستشهاد الآخر الذي لا يفارق الاستشهاد الأول مثله في باب الصحة لأنكم إن كنتم هكذا شاهدتم أنّ من كان عالما من أجل علمه أو سميعا من أجل سمعه أو بصيرا من أجل بصره جاز عليه الجهل والعمى والصمم، فنحن كذلك شاهدنا أنّ من كان عالما فإن العلم سابقه، ومن كان بصيرا فإن البصر قرينه، ومن كان سميعا كان السمع شهيده، فإن جاز لكم أن تتعدوا حكم الشاهد على الغائب في أحدهما فتقولوا جاز أن يكون في الغائب عالم بغير علم وبصير بغير بصر وسميع بغير سمع، جاز لنا أن نتعدى حكم الشاهد على الغائب في الباب الآخر فنقول: إنا وإن كنّا لم نشاهد عالما بعلم إلا وقد جاز عليه الجهل، وبصيرا ببصر إلا وقد جاز عليه العمى، وسميعا بالسمع إلا وقد جاز عليه الصمم أن يكون في الغائب عالم بعلم لا يجوز عليه الجهل وبصير بالبصر لا يجوز عليه العمى وسميع بالسمع لا يجوز عليه الصمم، وإلا فما الفصل ولا سبيل لهم إلى التفصيل بين الاستشهادين فاعرفه.
فليتدبر المؤمن العليم كيف ألزم هؤلاء الزنادقة الملاحدة المنافقون الذين هم
стр. 127
أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب كالمعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات نفي أسماء الله الحسنى، وأن تكون أسماؤه الحسنى لبعض المخلوقات فيكون المخلوق هو المسمى بأسمائه الحسنى كقولهم في الأول والآخر والظاهر والباطن أن الظاهر هو محمد الناطق، والباطن هو علي الأساس، ومحمد هو الأول وعلي هو الآخر، وتأويلهم قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ «١» أن اليد الواحدة هو محمد والأخرى علي، وقوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «٢»، أن يديه هما أبو بكر وعمر، لكونهما كانا مع أبي لهب في الباطن، فأمرهما بقتل النبيّ ﷺ فعجزا عن ذلك، فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وأمثال هذا من التأويلات المعروفة عن القرامطة، وأصل كلامهم استدلالهم بما يزعمونه من نفي التشبيه وإلزامهم لكل من وافقهم على شيء من النفي بطرد مقالته واتباع لوازمها ولازمها التعطيل الذي يقصدونه.
وقال القرمطي: وأيضا فمن نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت ولم يجرده عمّا لا صفة له ولا حد ولا نعت فقد أثبته بما لم يجرده عنه، وإذا كان إثباته لمعبوده ينفي الصفة والحد والنعت فقد كان إثباته مهملا غير معروف لأن ما لا صفة له ولا حد ولا نعت ليس هو الله بزعمه فقط بل هو والنفس والعقل وجميع الجواهر البسيطة من الملائكة وغيرهم.
والله تعالى أثبت من أن يكون إثباته مهملا غير معلوم، فإذا الإثبات الذي يليق بمجد المبدع ولا يلحقها الإهمال هو نفي الصفة ونفي أن لا صفة ونفي الحد ونفي أن لا حد، لتبقى هذه العظمة لمبدع العالمين إذ لا يحتمل أن يكون معه لمخلوق شركة في هذا التقديس وامتنع أن يكون الإثبات من هذه الطريق مهملا فاعرفه.
قال: فإن قال إن من شريطة القضايا المتناقضة أن يكون أحد طرفيها صدقا والآخر كذبا فقولكم لا موصوفة ولا لا موصوفة قضيتان متناقضتان لا بد لأحدهما من أن تكون صادقة والأخرى كاذبة.
يقال له: غلطت في معرفة القضايا المتناقضة وذلك أن القضايا المتناقضة أحد طرفي النقيض منه موجب والآخر سالب، فإن كانت القضية كلية موجبة كان نقيضها جزئية سالبة كقولنا: كل إنسان حي وهي قضية كلية موجبة، نقيضة لا كل إنسان حي فلما كان من شرط النقيض من أنه لا بد من أن يكون أحد طرفيها موجبة
стр. 128
والآخرة سالبة رجعنا إلى قضيتنا في المبدع هل نجد فيها هذه الشريطة فوجدناها في كلتا طرفيها لم يوجب له شيئا بل كلتا طرفيها سالبتان وهي قولنا لا موصوف ولا لا موصوف، فهي إذا لم يناقض بعضها بعضا وإنما تناقض القضية في هذا الموضع أن نقول له صفة وأن ليس له صفة أو نقول له حد وأن لا حد له، أو إنه في مكان وإنه لا في مكان، فيلزمنا حينئذ إثبات لاجتماع طرفي النقيض على الصدق، فأما إذا كانت القضيتان سالبتين إحداهما سلب الصفة اللاحقة بالجسمانيين والأخرى نفي الصفة اللازمة للروحانيين كان من ذلك تجريد الخالق عن سمات المربوبين وصفات المخلوقين.
قال: فقد صح أن من نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت، واقع في التشبيه الخفي كما أن من وصفه وحده ونعته واقع في التشبيه الجلي.
قلت: فهذا حقيقة مذهب القرامطة وهو قد رد على من وصفه منهم بالنفي دون الإثبات ونفي النفي قال: «لأن في الإثبات تشبيها له بالجسمانيين وفي النفي تشبيها له بالروحانيين»، وهي العقول والنفوس عندهم أنها موصوفة عندهم بالنفي دون الإثبات ولهذا يقولون: بسائط ليس فيها تركيب عقلي من الجنس والفصل، كما أنه ليس فيها تركيب الأجسام.
وظن هذا الملحد وأمثاله أنهم بذلك خلصوا من الإلزامات ومعلوم عند من عرف حقيقة قولهم أن هذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا وأبعدها عن مذاهب المسلمين واليهود والنصارى، بل مع ما قد حققوه من الفلسفة وعرفوه من مذهب أهل الكلام وادعوه من العلوم الباطنة ومعرفة التأويل ودعوى العصمة في أئمتهم، وقد قرروا أنا لا نقول الجمع بين النقيضين، فليس في قولنا محال، فيقال لهم: ولكن سلبتم النقيضين جميعا وكما أنه يمتنع الجمع بين النقيضين فيمتنع الخلو من النقيضين، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ولهذا كان المنطقيون يقسمون الشرطية المنفصلة إلى مانعة الجمع ومانعة الخلو ومانعتي الجمع والخلو، فالمانعة من الجمع والخلو كقول القائل: الشيء إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما، وإما أن يكون ثابتا وإما أن يكون منفيّا، فتفيد الاستثناءات الأربعة أنه موجود فليس بمعدوم أو هو معدوم فليس بموجود أو ليس بموجود فهو معدوم، أو ليس بمعدوم فهو موجود، وكذلك ما كان من الإثبات بمنزلة النقيضين كقول القائل: هذا العدد إما شفع وإما وتر فكونه شفعا ووترا لا يجتمعان ولا يرتفعان وهؤلاء ادعوا إثبات شيء يخلو عنه النقيضان فإن جوزوا خلوه عن النقيضين جاز اجتماع النقيضين فيه، وهذا مذهب أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود كصاحب
стр. 129
الفصوص وابن سبعين وابن أبي المنصور وابن الفارض «١» والقونوي وأمثالهم فإن قولهم وقول القرامطة من مشكاة واحدة والاتحادية «٢» قد يصرحون باجتماع النقيضين.
وكذلك يذكرون مثل هذا عن الحلاج «٣»، والحلاج لما دخل بغداد كانوا ينادون عليه: هذا داعي القرامطة، وكان يظهر للشيعة أنه منهم، ودخل على ابن نوبخت رئيس الشيعة ليتبعه فطالبه بكرامات عجز عنها، ومقالات أهل الضلال كلها تستلزم الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين جميعا، لكن منهم من يعرف لازم قوله فيلتزمه، ومنهم من لا يعرف ذلك، وكل أمرين لا يجتمعان ولا يرتفعان فهما في المعنى نقيضان لكن هذا ظاهر في الوجود والعدم.
وقول مثبتة الحالين الذين يقولون لا موجودة ولا معدومة هو شعبة من مذهب القرامطة وإنما التحقيق إنها ليست موجودة في الأعيان ولا منتفية في الأذهان، ومن الأمور الثبوتية ما يكونان بمنزلة الوجود والعدم كقولنا: إن العدد إما شفع وإما وتر، وقولنا: أن كل موجودين إما أن يقترنا في الوجود أو يتقدم أحدهما على الآخر، وكل موجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكل جسم إما متحرك وإما ساكن، وإما حي وإما ميت، وكل حي إما عالم وإما جاهل، وإما قادر وإما عاجز،
стр. 130
وإما سميع وإما أصم، وإما أعمى وإما بصير، بل وكذلك كل موجودين فإما أن يكونا متجانسين، وإما أن يكونا متباينين وأمثال هذه القضايا.
وكل من رام سلب هذين جميعا كان من جنس القرامطة الرافعة للنقيضين لكن التناقض قد يظهر باللفظ كما إذا قلنا إما أن يكون وإما أن لا يكون وقد يظهر بالمعنى كما إذا قلنا إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره، وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع، بل وقد زدنا في جواب السائل عما هو مقصوده لكن نبهنا على أصول نافعة جامعة.
الطريق الثالث لأهل النظر في إثبات السمع والبصر أن السمع والبصر من صفات الكمال فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير كما أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي، والموجود العالم أكمل من موجود ليس بعالم، وهذا معلوم بضرورة العقل، وإذا كانت صفة كمال فلو لم يتصف الرب بها لكان ناقصا والله منزه عن كل نقص، وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه، وما كان جائزا عليه من صفات الكمال فهو ثابت له فإنه لو لم يتصف به لكان ثبوته له موقوفا على غير نفسه فيكون مفتقرا إلى غيره في ثبوت الكمال له وهذا ممتنع إذا لم يتوقف كمال إلا على نفسه فيلزم من ثبوت نفسه ثبوت الكمال لها وكل ما ينزه عنه فإنه يستلزم نقصا يجب تنزيهه له.
وأيضا فلو لم يتصف بهذا الكلام لكان السميع البصير من مخلوقاته أكمل منه.
ومن المعلوم في بداهة العقول أن المخلوق لا يكون أكمل من الخالق إذ الكمال لا يكون إلا بأمر وجودي والعدم المحض ليس فيه كمال وكل موجود للمخلوق فالله خالقه ويمتنع أن يكون الوجود الناقص مبدعا وفاعلا للوجود الكامل إذ من المستقر في بداهة العقول أن وجود العلة أكمل من وجود المعلول دع وجود الخالق الباري الصانع فإنه من المعلوم بالاضطرار أنه أكمل من وجود المخلوق المصنوع المفعول.
وقد بسطنا الكلام على مثل هذه الطريقة في غير هذا الموضع وبينا أن الله يستعمل في حقه قياس الأولى كما جاء بذلك القرآن وهو الطريق التي كان يسلكها السلف والأئمة كأحمد وغيره من الأئمة، فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص ينزه عنه المخلوق فالخالق أولى أن ينزه عنه، كما قال تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ
стр. 131
أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ «١».
وقال تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) «٢».
وقوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) «٣».
وذلك لأن صفات الكمال أمور وجودية أو أمور سلبية مستلزمة لأمور وجودية كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ «٤» فنفي السنة والنوم استلزم كمال صفة الحياة والقيومية وكذلك قوله: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٥» استلزم ثبوت العدل، وقوله تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ «٦» استلزم كمال العلم ونظائر ذلك كثيرة. وأما العدم المحض فلا كمال فيه وإذا كان كذلك فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:
أحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب.
الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه فإذا كان هو مبدعا للكمال وخالقا له كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفا به من المستفيد المبدع المعطي وقد قال الله تعالى:* ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) «٧».
وهذا المثل وإن كان يفيد الدعاء إلى عبادة الله وحده ودون عبادة ما سواه ونفي عبادة الأوثان لوجود هذا الفرقان. فإذا علم انتفاء التساوي بين الكامل والناقص وعلم أن الرب أكمل من خلقه وجب أن يكون أكمل منهم وأحق منهم بكل كمال بطريق الأولى والأحرى.
стр. 132
الطريق الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام: أن نفي هذه الصفات نقائص مطلقا سواء نفيت عن حي أو جماد وما انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث عنه شيء ولا يخلقه ولا يجيب سائلا ولا يعبد ولا يدعى كما قال الخليل: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً «١» وقال إبراهيم لقومه: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) «٢» وقال تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) «٣» وقال تعالى: فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) «٤».
وهذا لأنه من المستقر في الفطر أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم لا يكون ربّا معبودا كما أن ما لا يغني شيئا ولا يهدي ولا يملك ضرّا ولا نفعا لا يكون ربّا معبودا، ومن المعلوم أن خالق العالم هو الذي ينفع عباده بالرزق وغيره ويهديهم وهو الذي يملك أن يضرهم بأنواع الضرر فإن هذه الأمور من جملة الحوادث التي يحدثها رب العالمين فلو قدر أنه ليس محدثا لها كانت حادثة بغير محدث أو كان محدثها غيره، وإذا كان محدثها غيره فالقول في إحداث ذلك الغير كالقول في سائر الحوادث فلا بد أن تنتهي إلى قديم لا محدث، ولذلك من المستقر في العقول أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ناقص عن صفات الكمال لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر أحدا ولا يأمر بأمر ولا ينهى عن شيء ولا يخبر بشيء فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة ما هو شر منه وهو الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع ويبصر ويتكلم ونفي قبول هذه الصفات أبلغ في النقص والعجز وأقرب إلى إنصاف المعدوم ممن يقبلها واتصف بأضدادها، إذ الإنسان الأعمى أكمل من الحجر، والإنسان الأبكم أكمل من التراب، ونحو ذلك ممّا لا يوصف بشيء من هذه الصفات، وإذا كان نفي هذه الصفات معلوما بالفطرة أنه من أعظم النقائص والعيوب وأقرب شبها بالمعدوم كان من المعلوم بالفطرة أن الخالق أبعد عن هذه النقائص والعيوب من كل ما ينفي عنه وأن اتصافه بهذه العيوب من أعظم الممتنعات، وهذه الطريق ليست الثانية ولا الثالثة فإن الثانية مبنية على أنه حي فلا بد من اتصافه بها أو بضدها. والثالثة مبنية على أنها صفات كمال فيجب اتصاف الرب بها وأما هذه فمبنية على أن نفي هذه الصفات نقائص ومعايب ومذام يمتنع وصف الرب بها. والله أعلم.
стр. 133
فصل [الدليل على نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام]
ثم قال المصنف: (والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات والدليل على نبوة محمد ﷺ القرآن المعجز نظمه ومعناه).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الطريقة هي من أعظم الطرق عند أهل الكلام والنظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء لكن كثير من هؤلاء كل من بنى إيمانه عليها يظن أن لا نعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات.
ثم لهم في تقرير دلالة المعجزة على الصدق طرق متنوعة وفي بعضها من التنازع والاضطراب ما سننبه عليه، والتزم كثير من هؤلاء إنكار خرق العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك.
وللنظار هنا طرق متعددة؛ منهم من لا يجعل المعجزة دليلا بل يجعل الدليل استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقول طائفة من النظار، ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا، ومنهم من يجعل المعجزة دليلا ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة وهذا أصح الطرق، ومن لم يجعل طريقها إلا المعجزة اضطر لهذه الأمور التي فيها تكذيب لحق أو تصديق لباطل، ولهذا كان السلف والأئمة يذمون الكلام المبتدع فإن أصحابه يخطئون إما في مسائلهم وإما في دلائلهم فكثيرا ما يثبتون دين المسلمين في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على أصول ضعيفة بل فاسدة يلتزمون لذلك لوازم يخالفون بها السمع الصحيح والعقل الصريح.
وهذا حال الجهمية من المعتزلة وغيرهم حيث أثبتوا حدوث العالم بحدوث الأجسام وأثبتوا ذلك بحدوث صفاتها التي هي الأعراض فاضطرهم ذلك إلى القول بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله الصفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأنه لا يرى في الآخرة وقالوا إنّه لا مباين ولا محايث وأمثال ذلك من مقالات النفاة التي تستلزم التعطيل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وليس الأمر كذلك بل معرفتها بغير المعجزات ممكنة فإن المقصود إنما هو معرفة صدق مدعي النبوة أو كذبه فإنه إذا قال إني رسول الله فهذا الكلام إما أن يكون صدقا وإما أن يكون
стр. 134
كذبا، وإن شئت قلت: هذا خبر فإما أن يكون مطابقا للمخبر وإما أن يكون مخالفا له، سواء كانت مخالفته له على وجه العمد أو الخطأ، إذ قد يظن الرجل في نفسه أو غيره أنه رسول الله غير متعمد للكذب بل خطأ وضلال مثل كثير ممن يتمثل له الشيطان ويقول: إني ربك ويخاطبه بأشياء وقد يقول له: أحللت لك ما حرمت على غيرك وأنت عبدي ورسولي وأنت أفضل أهل الأرض، وأمثال هذه الأكاذيب، فإن مثل هذا قد وقع لكثير من الناس فإذا كان مدعي الرسالة لم يكن صادقا فلا بد أن يكون كاذبا عمدا أو ضلالا فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة «١».
ومعلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبيّ ﷺ لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة واحدة، إن كنت صادقا فأنت أجلّ في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد عليك.
فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم، وما أحسن قول حسان:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز.
وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمور.
والكذاب في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله ما يظهر به صدقه من وجوه كثيرة بل كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى
стр. 135
الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» «١».
ولهذا قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) «٢» بين سبحانه أنه ليس بكاهن تنزل عليه الشياطين ولا شاعر حيث كانوا يقولون ساحر وشاعر، فبين أن الشياطين تنزل على الكاذب الفاجر يلقون إليهم السمع وأكثرهم كاذبون فهؤلاء الكهان ونحوهم وإن كانوا يخبرون أحيانا بشيء من المغيبات ويكون صدقا فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك وليسوا بأنبياء.
ولهذا لما قال النبيّ ﷺ لابن صياد: «قد خبأت لك خبيئا»، قال: هو الدخ، قال له النبيّ ﷺ : «اخسأ فلن تعدو قدرك» «٣» يعني إنما أنت كاهن، كما قال للنبيّ ﷺ : يأتيني صادق وكاذب، وقال: أرى عرشا على الماء، وذلك هو عرش الشيطان كما ثبت مثل ذلك في الصحيح «٤» عن النبيّ ﷺ .
وبين الله تعالى أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرّا له في العاقبة قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) «٥».
стр. 136
فهذه صفة الشعراء كما أن تلك صفة من تنزل عليه الشياطين، فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله علم علما يقينيا أنه ليس بشاعر ولا كاهن ولا كاذب.
والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين للصناعات والمقالات كالفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك، فما من أحد يدعي العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك بين الصادق والكاذب له وجوه كثيرة، وكذلك من أظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانة والأمانة والنصيحة والمحبة وأمثال ذلك من الأخلاق فإنه لا بد أن يتبين صدقه وكذبه من وجوه متعددة.
والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب، ولا يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب من وجوه كثيرة لا سيما والعالم لا يخلو من آثار نبي من لدن آدم إلى زماننا، وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل.
فلو قدر أن رجلا جاء في زمان إمكان بعث الرسل وأمر بالشرك وعبادة الأوثان وإباحة الفواحش والظلم والكذب، ولم يأمر بعبادة الله ولا بالإيمان باليوم الآخر هل كان مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة أو يشك في كذبه أنه نبي، ولو قدر أنه أتى بما يظن أنه معجزة لعلم أنه من جنس المخاريق أو الفتن والمحنة، ولهذا لما كان الدجال يدعي الإلهية لم يكن ما يأتي به دالّا على صدقه للعلم بأن دعواه ممتنعة في نفسها وأنه كذاب، وكذلك من نشأ في بني إسرائيل معروفا بينهم بالصدق والبر والتقوى بحيث قد خبر خبرة باطنة يعلم منها تمام عقله ودينه، ثم أخبر بأن الله نبأه وأرسله إليهم فإن هذا لا يكون أولى بالرد من أن يخبرنا الرجل الذي لا يشك في عقله ودينه وصدقه إنه رأى رؤيا.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه تنازع الناس في أن خبر الواحد هل يجوز أن يقترن به من القرائن والضمائم ما يفيد معه العلم، ولا ريب أن المحققين من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري بخبر المخبر، بل القرائن وحدها قد تفيد العلم الضروري كما يعرف الرجل رضاء الرجل وغضبه وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك ممّا في
стр. 137
نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها كما قال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ «١» ثم قال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ «٢» فأقسم أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول، وعلق معرفتهم بالسيماء على المشيئة لأن ظهور ما في نفس الإنسان من كلامه أبين من ظهوره على صفحات وجهه، وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا كان مثل هذا يعلم به ما في نفس الإنسان من غير إخبار فإذا اقترن بذلك إخباره كان أولى بحصول العلم، ولا يقول عاقل من العقلاء: إن مجرد خبر الواحد أو خبر كل واحد يفيد العلم بل ولا خبر كل خمسة أو عشرة، بل قد يخبر ألف أو أكثر من ألف ويكونون كاذبين إذا كانوا متواطئين، وإذا كان صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن بل في لحن قوله وصفحات وجهه، ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن للمرء أن يدفعه عن نفسه فكيف بدعوى المدعي إنه رسول الله؟
كيف يخفى صدقه وكذبه أم كيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة لا تعد ولا تحصى؟
وإذا كان الكاذب إنما يأتي من وجهين إما أن يتعمد الكذب وإما أن يلبس عليه كمن يأتيه الشيطان، فمن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من الناس من يعلم منه إنه لا يتعمد الكذب بل كثير ممن خبره الناس وجربوه من شيوخهم ومعامليهم يعلمون منهم علما قاطعا إنهم لا يتعمدون الكذب وإن كانوا يعلمون أن ذلك ممكن فليس كل ما علم إمكانه جوّز وقوعه، فإنّا نعلم أنّ الله قادر على قلب الجبال ياقوتا والبحار دما.
ونعلم إنه لا يفعل ذلك ونعلم من حال البشر من حيث الجملة إنه يجوز أن يكون أحدهم يهوديّا ونصرانيّا ونحو ذلك.
ونعلم مع هذا أن هذا لم يقع من الأشخاص، وإن من أخبرنا بوقوعه منهم كذبناه قطعا.
ونحن لا ننكر أن الرجل قد يتغير ويصير متعمد الكذب بعد أن لم يكن كذلك لكن إذا استحال وتغير ظهر ذلك لمن يخبره ويطلع على أموره.
ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبيّ ﷺ إنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: «إني قد خشيت على عقلي» فقالت: «كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري
стр. 138
الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» «١» فهو لم يخف من تعمد الكذب فإنه يعلم من نفسه ﷺ إنه لم يكذب لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم والأعمال، وهو الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق، ومن جمع فيه الصدق والعدل والإحسان لم يكن ممّا يخزيه الله، وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان.
وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه، وأيضا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم ﵇ فإنه كان نبيّا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار.
وقد علم جنس ما يدعوا إليه الرسل وجنس أحوالهم فالمدعي للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته للرسل علم أنه ليس منهم.
وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر، وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه، فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو الرسول المنتظر ولهذا قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) «٢».
والمسلك الأول: النوعي، هو ممّا استدل به النجاشي على نبوته فإنه لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوه عليه قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.
وكذلك قبله ورقة بن نوفل لما أخبره النبيّ ﷺ بما رآه وكان ورقة قد تنصر وكان يكتب الإنجيل بالعبرانية، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبيّ ﷺ بخبره فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى، وإن قومك سيخرجونك؟ فقال النبيّ ﷺ : «أو مخرجيّ هم»؟ فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي «٣».
стр. 139
المسلك الثاني: الشخصي: استدل به هرقل ملك الروم، فإن النبيّ ﷺ لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب هرقل من كان هنا من العرب وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى غزة فطلبهم وسألهم عن أحوال النبيّ ﷺ فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصار يجدهم موافقين له في الإخبار، فسألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ قالوا: لا. وهل قال هذا القول أحد قبله؟ قالوا: لا.
وسألهم أهو ذو نسب فيكم؟ قالوا: نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا ما جربنا عليه كذبا، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه، وسألهم هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه، فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم وبينه؟ فقالوا: يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، وسألهم هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم بماذا يأمركم فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة «١»، فهذه أكثر من عشر مسائل.
ثم تبين لهم ما في هذه المسائل من الدلالة وأنه سألهم عن أسباب الكذب وعلاماته فرآها منتفية، وسألهم عن علامات الصدق فوجدها ثابتة، فسألهم هل كان في آبائه من ملك فقالوا: لا، قال: قلت: فلو كان في آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلت: لا، فقلت:
لو قال هذا القول أحد قبله لقلت رجل ائتم بقول قيل قبله، ولا ريب أن اتباع الرجل لعادة آبائه واقتدائه بمن كان قبله كثيرا ما يكون في الآدميين، بخلاف الابتداء بقول لم يعرف في تلك الأمة قبله، وطلب أمر لا يناسب حال أهل بيته، فإن هذا قليل في العادة لكنه قد يقع.
ولهذا أردفه بقوله: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فقالوا:
لا، قال: فقد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله، وذلك أن مثل هذا يكون كذبا محضا يكذبه لغير عادة جرت، وهذا لا يفعله إلا من يكون من شأنه أن يكذب، فإذا لم يكن من خلقه الكذب قط بل لم
стр. 140
يعرف منه إلا الصدق وهو يتورع أن يكذب على الناس كان تورعه عن أن يكذب على الله أولى وأحق، والإنسان قد يخرج عن عادته في نفسه إلى عادة بني جنسه، فإذا انتفى هذا وهذا كان هذا أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق.
ثم أردف ذلك بالسؤال عن علامات الصدق فقال: وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، وقال: فهذه علامات من علامات الرسل، وهو اتباع الضعفاء له ابتداء.
قال تعالى حكاية عن قوم نوح:* قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) «١» وقالوا: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ «٢».
وقال تعالى في قصة صالح: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) «٣».
وقال تعالى في قصة شعيب:* قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) «٤».
ثم قال هرقل: وسألتكم أيزيدون أم ينقصون فقلتم بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه فقلتم لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، فسألهم عن زيادة أتباعه ودوامهم على اتباعه، فأخبروه أنهم يزيدون ويدومون، وهذا من علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه.
ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أن المتنبّئ الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة وهذه من بعض حجج ملوك النصارى الذين يقال لهم إنهم من ولد قيصر هذا أو غيرهم حيث رأى رجلا يسب النبيّ ﷺ من رءوس النصارى
стр. 141
ويرميه بالكذب فجمع علماء النصارى وسألهم عن المتنبّئ الكذاب كم تبقى نبوته؟
فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء: إن الكذاب المفتري لا يبقى إلا كذا وكذا سنة لمدة قريبة، إما ثلاثين سنة أو نحوها، فقال لهم: هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة وهو ظاهر مقبول متبوع فكيف يكون هذا كذابا ثم ضرب عنق ذلك الرجل.
وسألهم هرقل عن محاربته ومسألته فأخبروه أنه في الحرب تارة يغلب كما غلب يوم بدر وتارة يغلب كما غلب يوم أحد، وإنه إذا عاهد لا يغدر فقال لهم: وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم إنها دول، يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم إنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر، فهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم أن هذا من علامات الرسل فإن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أنه يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبيّ ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» «١».
والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة فقال: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) «٢».
فمن الحكم تمييز المؤمن عن غيره، فإنهم إذا كانوا دائما منصورين لم يظهر لهم وليهم وعدوهم إذ الجميع يظهرون الموالاة فإذا غلبوا ظهر عدوهم قال تعالى:
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
стр. 142
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) «١».
وقال تعالى: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) «٢» إلى قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) «٣» وقال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ «٤» وأمثال ذلك.
ومن الحكم أن يتخذ منكم شهداء فإن منزلة الشهادة منزلة علية في الجنة، ولا بد من الموت فموت العبد شهيدا أكمل له وأعظم لأجره وثوابه ويكفر عنه بالشهادة ذنوبه وظلمه لنفسه، والله لا يحب الظالمين.
ومن ذلك أن يمحص الله الذين آمنوا فيخلصهم من الذنوب فإنهم إذا انتصروا دائما حصل للنفوس من الطغيان وضعف الإيمان ما يوجب لها العقوبة والهوان قال تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً «٥» وقال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) «٦».
وفي الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تقيمها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق كمثل الأرزة لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة» «٧».
وسئل ﷺ أي الناس أشد بلاء؟ فقال: «الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل
стр. 143
فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه رقة خفف عنه وإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه، ولا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وأهله وماله حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة» «١».
وقد قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) «٢».
وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) «٣».
وفي الأثر فيما روي عن الله تعالى: «يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك»، وفي الأثر أيضا: «إنهم إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه يقول الله: كيف أرحمه من شيء به أرحمه».
وقد شهدنا أن العسكر إذا انكسر خشع لله وذل وتاب إلى الله من الذنوب وطلب النصر من الله وبرئ من حوله وقوته متوكلا على الله ولهذا ذكرهم الله بحالهم يوم بدر وبحالهم يوم حنين فقال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) «٤» وقال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) «٥».
وشواهد هذا الأصل كثيرة وهو أمر يجده الناس بقلوبهم ويحسونه ويعرفونه
стр. 144
من أنفسهم ومن غيرهم وهو من المعارف الضرورية الحاصلة بالتجربة لمن جربها، والأخبار المتواترة لمن سمعها، ثم ذكر حكمة أخرى فقال تعالى: وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ «١» ذلك أن الله سبحانه إنما يعاقب الناس بأعمالهم، والكافر إذا كانت له حسنات أطعمه الله بحسناته في الدنيا فإذا لم تبقى له حسنة عاقبه بكفره، والكفار إذا أديلوا يحصل لهم من الطغيان والعدوان وشدة الكفر والتكذيب ما يستحقون به المحق ففي إدالتهم ما يمحقهم الله به.
وأما الغدر فإن الرسل لا تغدر أصلا إذ الغدر قرين الكذب كما في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» «٢».
وفي الصحيحين أيضا عن النبيّ ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» «٣».
قلت: الغدر ونحوه داخل في الكذب كما قال تعالى:* وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) «٤».
وقال تعالى:* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
стр. 145
لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) «١».
فالغدر يتضمن كذبا في المستقبل والرسل صلوات الله عليهم منزهون عن ذلك فكان هذا من العلامات.
قال: وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيّا يبعث ولم أكن أظن أنه منكم ولوددت أن أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما يقول حقّا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب وهو حينئذ كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبيّ ﷺ .
قال أبو سفيان: فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر، وما زلت موقنا بأن أمر رسول الله ﷺ سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام وأنا كاره.
قلت: فمثل هذا السؤال والبحث أفاد هذا العاقل اللبيب علما جازما بأن هذا هو النبيّ الذي ينتظره.
وقد اعترض على هذا بعض من لم يدرك غور كلامه وسؤاله، كالمازري ونحوه، وقال: إنه بمثل هذا لا تعلم النبوة، وإنما تعلم بالمعجزة. وليس الأمر على ما قال، بل كل عاقل سليم الفطرة إذا سمع هذا السؤال والبحث علم أنه من أدل الأمور على عقل السائل وخبرته واستنباطه ممّا يتميز به هل هو صادق أو كاذب، وأنه بهذه الأمور تميز له ذلك، وممّا ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب لمجموع أمور قد يستقل بعضها به، بل كل ما يحصل للإنسان من شبع وري وسكن وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها لكن بعضها قد يحصل بعض العلم.
وكذلك العلم بمجرد الإخبار وبما جربه من المجربات وبما في نفس الإنسان من الأمور فإن الخبر الواحد يحصل في القلب نوع ظن ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي إلى العلم حتى يتزايد فيقوى وكذلك ما يجربه الإنسان من الأمور وما يراه من أحوال الشخص.