← Акыда

Акыда · id 11248

شرح العقيدة الأصفهانية

ابن تيمية

Полный текст (224 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكذلك تأول ابن عقيل «١» كلام أبي إسماعيل الأنصاري، ليس مرادهم ذلك كما هو بين لمن تدبر كلامهم مع أن الإسماع على أصل النفاة إنما هو خلق إدراك في السماع ليس سببا يقوم بالمتكلم فكيف يوصف بالسكوت لكونه لم يخلق إدراكا لغيره؟ فأصل ابن كلاب الذي وافقه عليه القاضي وابن عقيل وابن الزغواني وغيرهم أنه منزه عن السكوت مطلقا فلا يجوز عندهم أن يسكت عن شيء من الأشياء إذ كلامه صفة قديمة لذاته لا تتعلق عندهم بمشيئته كالحياة حتى يقال إن شاء تكلم بكذا، وإن شاء سكت عنه. ولا يجوز عندهم أن يقال إن الله سكت عن شيء كما جاءت به الآثار بل يتأولونه على عدم خلق الإدراك لأنه منزه عن الخرس باتفاق الأمة، هذا مما احتجوا به على قدم الكلام وقالوا: لو لم يكن متكلما للزم اتصافه بضده كالسكوت والخرس، وذلك ممتنع عندهم سواء قيل هو سكوت مطلق أو سكوت عن شيء معين. وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إماما الشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، قال فيه سمعت الإمام أبا منصور يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبيد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الأسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله تعالى والنبيّ ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبيّ ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا فما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا كل

стр. 72

حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين. قال أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام وقال: لم تزل أئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينتسبوا إلى الأشعري ويتبرءون مما بنى مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم من الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن ابن أحمد الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد بن طاهر الأسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرخ إلى الجامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالروزي المحاذي للجامع، يقبل على من حضر ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني، ويتكرر ذلك منه، فقيل له في ذلك فقال: حتى تنتشر في الناس وفي أهل البلاد ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه- يعني الأشعرية- وبرئ من مذهب أبي بكر الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرءون عليه فيعتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته. قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن العجلي سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد أظن أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام مبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الأسفرائيني «١» والكلام على ما وقع من إنكار أبي حامد وغيره من أئمة الإسلام على القاضي أبي بكر مع جلالة قدره وكثرة رده على أهل الإلحاد والبدع بسبب هذا الأصل الذي بنى عليه مذهبه طويل ولبسطه موضع آخر. وإنما المقصود هنا التنبيه على بعض من أثبت هذا الأصل ولم يوافق على النفاة، والحارث المحاسبي قد ذكر القولين عن أهل السنة المثبتين الصفات والقدر فقال في كتاب «فهم القرآن» لما تكلم على ما لا يدخل فيه النسخ وما يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل السنة في الإرادة والسمع

стр. 73

والبصر قولين في مثل قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١» وقوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها «٢» وقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «٣» وكذلك قوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٤» وقوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٥» ونحو ذلك فقال: ذهب قوم من أهل السنة إلى أن لله استماعا حادثا في ذاته، وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث قال: فأما من أدى السنة فأراد إثبات القدر فقال: إرادة الله تحدث من تقدير سابق للإرادة. أما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة هي خلق حادث وليست مخلوقة ولكن بها كون الله المخلوقين قال: وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو الإرادة، وإنها ليست بصفة لله من نفسه قال: وكذلك قال بعضهم أن رؤيته تحدث. قال محمد بن الهيصم في كتاب «حمل الكلام» لما ذكر الكلام وأنه مبني على خمسة فصول: أحدها: أن القرآن كلام الله، وقد حكي عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة وإنما هو كلام خلقه الله فنسب إليه كما قيل: سماء الله وأرض الله، وكما قيل: بيت الله وشهر الله. وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا كلام خلقه بائنا عنه. وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة وأنه تكلم به. والفصل الثاني: أن القرآن غير قديم فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن الله لم يزل متكلما بالقرآن، وقال أهل الجماعة إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبريل، وكذلك سائر الكتب. والفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا إنه مخلوق، وقال أهل الجماعة: إنه ليس بمخلوق.

стр. 74

والفصل الرابع: أنه غير بائن منه فإن الجهمية وأتباعهم من المعتزلة قالوا: إن القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه، وزعموا أن الله خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل، ولا يصح عندهم أنه وجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة. وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله وإنما هو موجود منه وقائم به. وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق التي ليست أعيانها قديمة ولا مخلوقة، وهو يحكي ذلك عن أهل الجماعة. وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال: وادعى المعارض أن قول النبيّ ﷺ : «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي من الليل الثلث، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟» «١». قال: فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش وكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول. قال: فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان لأن أمر الله ورحمته تنزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبيّ ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار، ويوقت في الليل شطره أو الأسحار أفأمره ورحمته تدعوان العباد إلى الاستغفار؟ أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه؟ فيقولا: «هل من داع فأجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟» فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء. وقد علمتم ذاك ولكن تكابرون، ما بال أمره ورحمته ينزلان من عنده شطر الليل ثم لا يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه ويقول في حديثه

стр. 75

حتى ينفجر الفجر، وقد علمتم إن شاء الله أن هذا التأويل أبطل باطل ولا يقبله إلا كل جاهل. وأما دعواك أن تفسير القيوم: الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن النبيّ ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن ذلك أمارة ما بين الحي والميت، لأن كل متحرك لا محالة حي، وكل ميت غير متحرك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة؟ إذ فسر نزوله مشروطا منصوصا ووقت له وقتا موضوحا لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا. قال: ثم أجمل المعارض جميع ما أنكره الجهمية من صفات الله تعالى وذواته المسماة في كتابه وآثار رسوله ﷺ فعد منها بضعا وعشرين صفة نقشا، وأخذ يتكلم عليها ويفسرها بما حكى المريسي وفسرها وتأولها حرفا حرفا خلاف ما عنى الله ورسوله، وخلاف ما تأولها الفقهاء والصالحون لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والإرادة والمشيئة والأصابع والكف والقدمين وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «١» وقوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «٢» وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٣» لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ «٤» وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ «٥» يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «٦» وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ «٧» وقوله: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا «٨» وهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ «٩» وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١٠» الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ «١١» وقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ «١٢» وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١٣» وكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ

стр. 76

الرَّحْمَةَ «١» قال تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ «٢» وإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ «٣». قال: عمد المعارض إلى هذه الصفات فنسقها ونظم بعضها إلى بعض كما نظمها شيئا بعد شيء ثم قررها أبوابا في كتاب وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية معتمدا على الرابع الجهمي بشر بن غياث المريسي عند الجهال بالتشنيع بها على قوم يؤمنون بالله ويصدقون بالله ورسوله فيها بغير تكييف ولا تمثيل، فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها وينسبونها بذوات أنفسهم، وأن العلماء بزعمه قالوا ليس في شيء منها اجتهاد رأي لندرك كيفية ذلك أو يشبه فيها شيء مما هو في الخلق موجود. قال: وهذا خطأ، كما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك ليس ككيفيته شيء. قال أبو سعيد عثمان بن سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع أن قوله: كيفية هذه الصفات وتشبيهها مما هو في الخلق خطأ، فإنا لا نقول إنه خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر، ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو في الخلق موجود أشد أنفا منكم غير أنّا كما لا نشبهها ولا نكيفيها لا نكفر بها ولا نكذبها ولا نبطلها بتأويل الضّلّال كما أبطلها إمامك المريسي. قال: وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا ونسمعها بآذاننا فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول فيها كما قال المريسي: إن هذه الصفات كلها شيء واحد وليس السمع منه غير البصر، ولا الوجه منه غير اليد، ولا الذات غير النفس، وإن الرحمن ليس يعرف- بزعمكم- لنفسه سمعا من بصر، ولا بصرا من سمع، ولا وجها من يدين، ولا يدين من وجه، وهو كله- بزعمكم- سمع وبصر ووجه، وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة وإرادة، مثل خلق السموات والأرض والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات، ولا يوقف لها منها على شيء فالله تعالى عندنا أن يكون كذلك فقد ميز الله تعالى في كتابه السمع من البصر، وذكر

стр. 77

الآيات الواردة في ذلك فقال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «١» قال تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٢» وقال: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ «٣» ففرق بين الكلام والنظر دون السمع فقال عند السمع والصوت قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) «٤» لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ «٥» ولم يقل رأى الله قول التي تجادلك في زوجها، وقال تعالى في موضع الرؤية قال تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) «٦» وقال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٧» ولم يقل يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم فلم يذكر الرؤية فيما يسمع ولا السمع فيما يرى لما أنهما عنده خلاف ما عندكم ... وذكر كلاما طويلا في الرد على النفاة. [مذهب أهل الحديث في الصفات وذكر الآيات الدالة على ذلك] قلت: وكلام أهل الحديث والسنة في هذا الأصل كثير جدّا. وأما الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل فكثيرة جدّا يتعذر أو يتعسر حصرها، ولكن نذكر بعضها، وقد جمع الإمام أحمد كثيرا من الآيات الدالة على هذا الأصل وغيره مما يقوله النفاة، وذكرها عنه الخلال في كتاب السنة وذلك كقوله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) «٨» وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) «٩». وقوله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) «١٠» وقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) «١١» فوقت النداء بقوله: «فلما» وبقوله: «إذ» فعلم أنه كان في وقت مخصوص لم يناداه قبل ذلك، وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) «١٢».

стр. 78

وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ «١» فأخبر سبحانه أنه قال لهم ذلك بعد أن خلق آدم وصوره لا قبل ذلك، وقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) «٢» وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ «٣» وقال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) «٤» وقال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «٥» وإذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، وأن الفعل المضارع للاستقبال. وقال تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ «٦» وقال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٧» وقال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٨» وقال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ «٩» وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «١٠» وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ «١١» وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ «١٢» وقال تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١٣» وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ «١٤» وقال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) «١٥» قال تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ «١٦» وقال تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١٧» وقال موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً «١٨» وقال إسماعيل: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «١٩» وقال صاحب مدين لموسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «٢٠» وأدوات الشرط تخلص الفعل للاستقبال.

стр. 79

ومن هذا الباب قوله ﷺ : «من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك» «١» رواه أهل السنن، واتفق الفقهاء على ذلك، وكذلك ما في الصحيحين من قول النبيّ ﷺ عن سليمان أنه قال: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تأتي كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق ولد، قال النبيّ ﷺ : فلو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين» «٢». وقال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «٣» وقال تعالى: فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٤» وقال تعالى لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «٥» وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) «٦» وقال تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ «٧» وقال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها «٨». وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ «٩» وقال تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) «١٠» وقال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً «١١» وقال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ «١٢» وقال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) «١٣». وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ «١٤» وقال

стр. 80

تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ «١» فأخبر أن طاعته سبب لمحبته ورضاه، ومعصيته سبب لسخطه وأسفه، وقال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ «٢» وجواب الشرط مع الشرط كالسبب مع مسببه. ومثله في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، ومن تقرّب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» «٣». وقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) «٤» وأما أفعاله المتعدية إلى المفعول به الحادثة وذكرها في القرآن العزيز فكثير جدّا، كقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) «٥» وقوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) «٦» فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) «٧» وقوله تعالى: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) «٨» وقوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) «٩». وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «١٠» وقوله تعالى: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) «١١» وقوله ﵎:

стр. 81

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) «١». وقال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) «٢». وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) «٣». وقوله تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها «٤» وقال تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «٥». قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) «٦» وقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا «٧». ومثل هذا كثير في القرآن والاحتجاج به ظاهر على قول الجمهور الذين يجعلون الخلق غير المخلوق وهو الصواب فإن الذين يقولون: الخلق هو المخلوق قولهم فاسد. وقد بينا فساده في غير هذا الموضع وشبهتهم أنه لو كان غيره لكان إن كان قديما لزم قدم المخلوق وإن كان محدثا احتاج إلى خلق آخر فيلزم التسلسل وإن كان قائما به فيكون محلّا للحوادث. وقد أجابهم الناس عن هذا كل قوم بجواب يبيّن فساد قولهم، وطائفة منعت قدم المخلوق كالإرادة فإنهم سلموا أنها قديمة مع حدوث المراد، وطائفة منعت قيامه به وقالت: لا يقوم به الخلق فلأن يكون محلّا للحوادث، فإذا قالوا: إن الخلق هو المخلوق ولا يقوم به فلأن يجوز أن يكون غير المخلوق ولا يقوم به

стр. 82

أولى، وطائفة قالت: لا نسلم أنه إذا افتقر المخلوق المنفصل إلى خلق أن يفتقر ما يقوم به من الخلق إلى خلق آخر بل يكتفي فيه القدرة والمشيئة فإنكم إذا جوزتم وجود الحادث الذي يباينه بمجرد القدرة والمشيئة فوجود ما لا يباينه أولى بالجواز وهؤلاء وغيرهم يمانعونهم في قيام الحوادث به، وطائفة منعت امتناع التسلسل في الآثار والأفعال وقالت: إنما يمتنع في الفاعلين لا في الفعل كما قد بسط في موضع آخر. [ذكر الأحاديث الدالة على الصفات] وأما الأحاديث الدالة على هذا الأصل التي في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها عن النبيّ ﷺ فأكثر من أن يحصيها واحد، كقوله في الحديث المتفق على صحته عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فقال: «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي؛ فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب» «١». وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كل من أولي العزم من الرسل مع آدم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» «٢». وقوله في الحديث الصحيح: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجرّ السلسلة على الصفوان» «٣». وقوله في الحديث الصحيح: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء وممّا أحدث أن لا يتكلموا في الصلاة» «٤».

стр. 83

وقوله ﷺ في حديث التجلي المتفق على صحته من غير وجه: «ويقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» «١». وقوله في الحديث المتفق عليه: «لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن ممن أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فنام تحت شجرة ينتظر الموت فلما استيقظ إذا بدابّته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من فرح هذا براحلته» «٢». وقوله في الحديث الصحيح: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» «٣» وقوله في حديث الرجل: «هو آخر من يدخل الجنة» وهو حديث أبي هريرة ﵁ الذي يقول الله فيه: «أولست قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة» «٤». وفي حديث ابن مسعود وهو حديث آخر قال النبيّ ﷺ : «فيقول الله: يا ابن آدم أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزئ بي وأنت رب العالمين»؟ وضحك رسول الله ﷺ فقال: «ألا تسألوني ممّا ضحكت؟» فقالوا: لم ضحكت؟ فقال: «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب

стр. 84

العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر» «١». وفي حديث أبي رزين عن النبيّ ﷺ قال: «ينظر إليكم أذلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرحكم قريب؟» فقال له أبو رزين: أو يضحك الرب؟ قال: «نعم»، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا «٢». وفي الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) قال الله : هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) قال الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل» «٣». وقوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر» «٤».

стр. 85

وقوله في الحديث الصحيح حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على نفسه وأهله فلما أصبح الرجل غدا على النبيّ ﷺ فقال: «لقد ضحك الله الليلة- أو قال- عجب من فعالكما- أو قال:- من أفعالكما الليلة» وأنزل الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ «١»» «٢». وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» «٣». وفي الصحيح عنه أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» «٤». وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ كان قاعدا في أصحابه إذ جاءه ثلاثة نفر فأما رجل فرأى في الحلقة فرجة فجلس فيها، وأما رجل فجلس خلفهم، وأما رجل فانطلق فقال النبيّ ﷺ : «ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟ أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل آوى إلى الله فآواه الله، وأما الرجل الذي جلس في خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض الله عنه» «٥». وفي صحيح البخاري عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي

стр. 86

يبطش وبي يمشي، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» «١». وفي الصحيحين عن البراء عن النبيّ ﷺ أنه قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» «٢». وفي الصحيحين عن عبادة عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة ﵂: إنا نكره الموت قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكرامته فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشّر بعذاب الله وسخطه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه» «٣». وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قالوا: أنزل علينا ثم كان من المنسوخ: «أبلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنّا وأرضانا» «٤». وفي حديث عمرو بن مالك الرواسي قال: أتيت النبيّ ﷺ فقلت يا رسول الله أراض عني؟ قال: فأعرض عني ثلاثا. فقلت: يا رسول الله: إن الله ليرضى فارض عني فرضي عني «٥».

стр. 87

وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله» وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، وقال: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» «١». وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «٢». وفي الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لمّا قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» «٣»، وفي رواية: «سبقت». وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟. قالوا: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون» «٤». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» «٥».

стр. 88

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» «١». وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» «٢». وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك. قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد تمجيدا، وأكثر تسبيحا. قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة. قال: فمما يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟

стр. 89

قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها؟ قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» «١». وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ليدنوا أحدكم من ربه حتى ليقفه عليه فيقول: عملت كذا وكذا فيقول: نعم يا رب، فيقرره ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وهو قوله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ «٢» وأما الكافر والمنافق فينادون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» «٣». فأخبر ﷺ أنه سبحانه يقول قولا ثم يقول العبد ثم يقول الرب تعالى قولا آخر. وهذا الأصل العظيم دلت عليه الكتب المنزلة من الله- القرآن والتوراة والإنجيل- وكان عليه سلف الأمة وأئمتها بل وعليه جماهير العقلاء وأكابرهم وجميع الطوائف حتى من الفلاسفة.

стр. 90

فصل [طريقة إثبات السلف والأئمة لكلام الله سبحانه والرد على المشبهة] وأما قوله: (والدليل على كونه متكلما أنه آمر وناه لأنه بعث الرسل لتبليغ أوامره ونواهيه ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك) فنقول: السلف والأئمة وغيرهم لهم في إثبات كونه متكلما طريقان فإنهم يثبتون ذلك بالسمع تارة وبالعقل أخرى كما يوجد مثل ذلك في كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وفي كلام متكلمة الصفاتية كعبد العزيز المكي وأبي محمد بن كلاب وأبي عبد الله بن كرام وأبي الحسن الأشعري ونحوهم، والطرق التي أظهروها من العقليات قد دل عليها القرآن، وأرشد إليها كما دل القرآن على الطرق العقلية التي يثبت بها سائر قواعد العقائد المسماة بأصول الدين. لكن الدليل قد تتنوع عباراته وتراكيبه فإنه تارة يركب على وجه الشمول المنقسم إلى قياس تداخل وقياس تلازم وقياس تعاند الذي يسمى بالحملي والشرطي المتصل والشرطي المنفصل، وتارة يركب على وجه قياس التمثيل المفيد لليقين بأن يجعل المشترك بين الأصل والفرع الذي يسمى في قياس التمثيل: المناط والوصف والعلة والمشترك والجامع ونحو ذلك من العبارات هو الحد الأوسط في قياس الشمول فإذا قال ناظم القياس الأول: نبيذ الحبوب المسكر حرام قياسا على خمر العنب لأنه خمر فكان حراما قياسا عليه فهذا كمال في نظم قياس الشمول: هذا خمر وكل خمر حرام، أو فيه الشدة المطربة وما فيه الشدة المطربة فهو حرام وما يثبت به هذه المقدمة الكبرى يثبت به كون المشترك علة الحكم. وبهذا تبين أن قياس التمثيل قد يكون أتم في البيان من قياس الشمول، فأما ما يقوله طائفة من النظار من أن قياس الشمول هو الذي يفيد اليقين دون التمثيل فهذا لا يصح إلا بحسب المواد بأن يوجد ذلك في مادة يقينية وهذا في مادة ظنية، وحينئذ فقد يقال: بل ذلك يفيد اليقين دون هذا، وسبب غلطهم أنهم تعودوا كثيرا استعمال التمثيل في الظنيات واستعمال الشمول في اليقينيات عندهم فظنوا هذا من صور القياس، وليس الأمر كذلك بل هو من المادة.

стр. 91

وقد بسط الكلام على هذا في مواضع غير هذا الموضع كالرد على الغالطين في المنطق وغير ذلك، ثم القياس تارة يعتبر فيه القدر المشترك من غير اعتبار الأولوية، وتارة يعتبر فيه الأولوية فيؤلف على وجه قياس الأولى، وهو إن كان قد يجعل نوعا من قياس الشمول والتمثيل فله خاصة يمتاز بها عن سائر الأنواع وهو أن يكون الحكم المطلوب أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل الدال عليه، وهذا النمط هو الذي كان السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره من السلف يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية وهو الذي جاء به القرآن وذلك أن الله سبحانه لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قياس الشمول الذي تستوي أفراده ولا تحت قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، فإن الله ﵎ ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولكن يسلك في شأنه قياس الأولى كما قال: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى «١». فإنه من المعلوم أن كل كمال ونعت ممدوح لنفسه لا نقص فيه يكون لبعض الموجودات المخلوقة المحدثة، فالرب الخالق الصمد القيوم القديم الواجب الوجود بنفسه هو أولى به، وكل نقص وعيب يجب أن ينزه عنه بعض المخلوقات المحدثة الممكنة فالرب القدوس السلام القديم الواجب وجوده بنفسه هو أولى بأن ينزه عنه. وأما إذا سلك مسلك المشبهين لله بخلقه المشركين به الذين يجعلون له عدلا وندّا ومثلا، فيسوون بينه وبين غيره في الأمور كما يفعله أهل الضلال من أهل الفلسفة والكلام من المعتزلة وغيرهم، فإن ذلك يكون قولا باطلا من وجوه، منها: أن تلك القضية الكلية التي تعمه وغيره قد لا يمكنها إثباتها عامة إلا بمجرد قياس التمثيل، وقياس التمثيل إن أفاد اليقين في غير هذا الموضع ففي هذا الموضع قد لا يفيد الظن للعلم بانتفاء الفارق. ومنها: أنهم إذا حكموا على القدر المشترك الذي هو الحد الأوسط بحكم يتناوله والمخلوقات كانوا بين أمرين إما أن يجعلوه كالمخلوقات، أو يجعلوا المخلوقات مثله فينتقض عليهم طرد الدليل فيبطل. ومثال ذلك إذا قال الفيلسوف: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهو واحد فلا يصدر عنه إلا واحد، فإنه يحتاج أن يعلم أولا قوله الواحد لا يصدر عنه

стр. 92

إلا واحد، فإن هذه قضية كلية، وكل قياس شمولي فلا بد فيه من قضية كلية، وعلله بأن كل واحد لا يصدر عنه إلا واحد إما أن يكون باستقراء الآحاد، وإما بقياس بعضها إلى بعض، وهذا استقراء ناقص وهذا تمثيل وهما عنده لا يفيدان اليقين. فإن قال: أعلم بالبديهة أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان هذا مكابرة لعقله فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها. لكن لكثرة العلم بالأمور المعينة الجزئية يجرد العقل الكليات فتبقى القضية العامة ثابتة في العقل لا تحتاج إلى شواهد وأمثلة جزئية إلا أن يكون علم تلك القضية العقلية من تركيب قضايا أخر. وقوله: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ليس من هذا ولا من هذا ثم إذا تصور مفردات هذه القضية علم يقينا أنه ليس عنده منها علم بل علم أن الواقع خلافها. فإن قوله: الواحد إن عنى به الواحد الذي لا يعلم منه أمران ليس أحدهما الآخر فليس في الوجود واحد بهذا الاعتبار فإنه يعلم أن واجب الوجود موجود، وأنه عاقل ومعقول وعقل وأن له عناية، وأمثال هذه المعاني التي ليس أحدها هو الآخر فإن الوجوب ليس هو الوجود ولا الوجوب، والوجود هو العاقل ولا العاقل هو المعقول ولا العاقل الوجود والمعقول هو ذو العناية وإن قال هذه كلها سلوب وإضافات محضة كان مكابرا لعقله، فإن كون الشيء يعقل ليس هو كونه يعقل ولا كونه عالما مجرد نسبة محضة إلى المعلوم كالأمور الإضافية التي لا يتغير بها حال المضاف كالتيامن والتياسر، فإنه من المعلوم أن كون الشيء متيامنا أو متياسرا عنك لا يختلف به حالك في الموضعين. وأما كون الشيء عالما فيخالف كونه غير عالم، كما أن كونه محبّا يخالف كونه غير محب، وكونه قادرا يخالف كونه غير قادر ومن جعل الشيء حال كونه عالما وحال كونه غير عالم سواء فهو مصاب في عقله، وهذا من أعظم السفسطة «١»، وكذلك من جعل كونه ذا عناية هو مجرد كونه عاقلا فإن هذا من أعظم السفسطة والعقل الصريح يعلم أن كون الشيء عالما ليس هو مجرد كونه مريدا، ولا مجرد كونه مريدا هو مجرد كونه عالما، ولو قيل: إن أحدهما يستلزم الآخر فالتلازم لا يوجب كون الملزوم هو اللازم، وإذا قيل: في أي موجود فرض

стр. 93

أن علمه هو إرادته، وإرادته هي حياته، وأن ذلك هو وجوده كان فساد هذا من أبين الأمور في العقل كما إذا قيل: إن هذه التفاحة طعمها هو مجرد لونها، ولونها هو مجرد ريحها، وريحها هو مجرد شكلها، وشكلها هو عين ذاتها. فهذا الكلام من تصوره من الناس وفهمه حتى الصبيان المميزين علم أن قائله من أضل الناس وأجهلهم، فهذا الواحد الذي يصفونه يمتنع في الموجود الواجب فهو في غيره أشد امتناعا، ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوه وجودا مطلقا بشرط الإطلاق كما يجعله المعتزلة ذاتا مجردة من الصفات وكلاهما ممّا يعلم بصريح العقل انتفاء ثبوته في الخارج بل المطلق لا بشرط يمتنع ثبوته في الخارج، وهم يجعلون موضوع العلم الإلهي هذا الموجود المنقسم إلى واجب وممكن «١» وجوهر «٢» وعرض «٣» وعلة «٤» ومعلول، ويجعلون هذا هو الفلسفة الأولى والحكمة العظمى ولم يعلموا أن الكليات المقسومة سواء سميت جنسا أو لم تسم جنسا لا توجد في الخارج كلية فليس في الخارج الحيوان المنقسم إلى ناطق وأعجم ولا الوجود المنقسم إلى جوهر وعرض بل كل حيوان يوجد في الخارج فهو من هذا القسم، وكل موجود يوجد في الخارج فهو إما قائم بغيره، وهو المقسوم الصادق على أقسامه فهو مطلق لا بشرط الإطلاق فإنه لو شرط فيه الإطلاق لم يصدق على المعينات فإن المعين ليس مطلقا بشرط الإطلاق، فإذا كان المطلق لا بشرط الإطلاق لا يوجد في الخارج فلا يوجد فيه حيوان مطلق بشرط الإطلاق ولا إنسان مطلق بشرط الإطلاق وهذا بيّن لجميع العقلاء. ثم قالوا في الموجود الواجب الوجود إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق وقد علم بصريح العقل أن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج وإنما هو

стр. 94

أمر يقدر في العقل لا حقيقة له في الخارج عن الذهن ولا ثبوت له في نفس الأمر وهذا عين التعطيل للموجود الواجب الذي شهد به الوجود من حيث هو وجود فإنّ الوجود من حيث هو وجود يشهد بوجود واجب الوجود كما قال ابن سينا «١» وغيره وأصابوا في ذلك فإنه لا ريب أن ثم وجودا وأنه إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود واجب. فهذا البيان الذي ذكروه في إثبات واجب الوجود حق واضح مبيّن ولكنهم زعموا مع ذلك أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق لا يتعين ولا يتخصص بحقيقة يمتاز بها عن سائر الموجودات بل حقيقته وجود محض مطلق بشرط نفي جميع القيود والمعينات والمخصصات وهم يعلمون في المنطق وكل عاقل تصور هذا الكلام أن هذا لا حقيقة له ولا وجود له إلا في الذهن لا في الخارج فصار الموجود الواجب الذي يشهد به الوجود في الخارج لا يوجد إلا في الذهن وهذا من أبين التناقض والاضطراب والجمع بين النقيضين حيث جعلوه بموجب البرهان الحق موجودا في الخارج وبموجب سلب الصفات هو التوحيد الذي تخيلوه معدوما في الخارج فصار قولهم مستلزما لوجوده وعدمه، وكذلك قول من سلك سبيلهم من القرامطة الباطنية «٢» كأصحاب رسائل أخوان الصفا وأمثالهم من الاتحادية أهل وحدة الوجود كابن سبعين وابن عربي «٣» ونحوهما، بل وسبيل نفاة الصفات من أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم بل وسبيل سائر من نفى شيئا من الصفات فإن لازم كلامه تعطيله ونفيه مع إقراره بثبوته فيكون جامعا بين النقيضين وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. وإنما المقصود هنا التنبيه على مثال أقيستهم الفاسدة التي يجعلونها براهين فيما خالفوا فيه الحق، ثم إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في الخارج قيل لمن قال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد: ما معنى الصدور؟ أنت لا تعني به حدوثه عنه ولا فعله له بمشيئته وقدرته فعلا يسبق به الفاعل مفعوله وإنما تعني به

стр. 95

لزومه له ووجوبه به ونحن لا نتصور في الموجودات شيئا صدر عنه وحده شيء منفصل عنه كان لازما له قبل هذا الوجه بل ما لزمه وحده كان صفة له إما أن يكون اللازم للملزوم وحده شيئا منفصلا عنه فهذا بيان غير معقول ومعروف فهذا الصدور الذي ذكرته غير معروف. فقولك في هذه القضية الكلية للواحد لا يصدر عنه إلا واحد يقتضي الحكم على كل ما يتصور أنه واحد بأنه لا يصدر عنه إلا واحد فإذا لم يتصور هذا الصدور ولا يعلم صدق هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية فمن أين تعلم هذه القضية الكلية؟ وإذا استدلوا على ذلك بالنار التي لا يصدر عنها إلا الإحراق وبسائر الأجسام البسيطة كالماء أو بالشمس التي يصدر عنها الشعاع؛ لم يكن شيء من هذه المعينات داخلا في قضيتهم الكلية؛ فإن الإحراق لا يصدر عن النار وحدها، بل لا بد من محل قابل للإحراق ولهذا لا يصدر عنها الإحراق في السمندل والياقوت، ونحوهما من الأجسام التي لا تقبل الإحراق، وكذلك المبردات. ثم إن الإحراق له موانع تمنعه فهو موقوف على ثبوت شروط وانتفاء موانع غير النار فلم يصر صادرا عن النار بالمعنى الذي أرادوه بالحجة وهو لزومه لذات النار بحيث لا ينفك عنها. وإنما يعقل هذا اللزوم في صفات الملزوم كاستدارة الشمس والضوء القائم بها ونحو ذلك، فإن هذا لازم لا يفارق ذاتها بخلاف الضوء القائم بما يقابلها من الأجسام وهو الشعاع المنعكس على الأجسام المسطحة كالأرض والقائمة كأشخاص الجبال والحيوان والنبات والحيطان، فإن هذا ليس لازما لذات الشمس بل هو موقوف على وجود هذه الحال التي يقوم بها هذا العرض. وهو أيضا ممنوع عنها بالحجب كالسحاب الكثيف والكسوف وغير ذلك وهذا الشعاع كالظل يكون بسبب الحجاب بينها وبين ما يظله الحجاب فيوجد تارة ويعدم أخرى ولهذا يوجد الليل تارة والنهار أخرى. فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن الصدور عنه أمر لا يعقل في الخارج أصلا فضلا عن أن يكون قضية كلية عامة، وأما إذا قدروا واحدا يفرضونه في أنفسهم وصدورا يفرضونه في أنفسهم فلا ريب أن هذا ملازمة حكم يكون في أنفسهم لكن لا يعلم أنه مطابق للخارج حتى يعلم أن هذا الواجب الوجود هو هذا الواحد وأن إبداعه للعالم هو هذا الصدور ولو علموا ذلك لم يحتاجوا إلى هذا القياس.

стр. 96

فهذا القياس لا يفيدهم شيئا إذ مطلوبه علم معين بقضية كلية وتلك القضية لا مرد لها أصلا إلا ما يدعونه في ذلك المعين فهم إن علموا ثبوت الحكم لذلك المعين بدون تلك القضية لم يحتاجوا إليها وإن لم يعلموا ثبوت الحكم للمعين بدون تلك لم يعلم صدق القضية عليه فلا يفيد بل إذا عورضوا بنقيض ما قالوه كان أبين في القياس فيقال لهم: ليس في الوجود واحد يصدر عنه واحد بل كل صادر في الوجود فهو عن اثنين فصاعدا فلا حادث عن المخلوقات إلا عن أصلين كالولد بين أبوين والتسخين والتدبير والإحراق والإغراق وغير ذلك لا بد فيه من اثنين والشعاع المنبسط لا بد فيه من اثنين فإذا لم يكن في الوجود واحد لا يصدر عنه واحد كان قول القائل: ليس كل واحد لا يصدر عنه إلا واحد أصح في العقل والقياس من قولهم. بل لو قال: الواحد الذي ذكروه لا يصدر عنه شيء أصلا لكان قوله أصح في العقل والقياس من قولهم، وكذلك إذا قيل: الواحد الذي ذكروه لا يصدر عنه شيء إلا مع غيره لكان قوله أصح من قولهم، وذلك يقتضي أن يكون للرب شريك وولد إذ مقصودهم بالصدور هو لزومه إياه وهذا هو التوليد العقلي، وحقيقة قولهم: إن العقول والنفوس متولدة عنه، وقولهم بالعلة والمعلول هو القول بالتولد والمتولد عنه- فاستطرد شيخ الإسلام كلامهم إلى أن قال «١» -: فإنه يحتاج أن يعلم أولا أنهم: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) «٢». وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبيّنا أن قول هؤلاء أفسد من قول مشركي العرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، وقالوا: إن آلهتنا تشفع لنا فإن أولئك كانوا يقولون: إن الرب فاعل مختار والملائكة مخلوقون له، ولكن ضلوا في بعض ما وصفوه كما ضلت النصارى في بعض ما ذكروه، وأما هؤلاء أعظم ضلالا من اليهود والنصارى ومشركي العرب فإنهم في الحقيقة لا يجعلون الرب تعالى خالقا لشيء ولا يفعل فعلا بمشيئته واختياره ولا يجعلون الملائكة عباده بل

стр. 97

يجعلون العقل الأول هو رب كل ما سوى الله، والشفاعة عندهم ليست سؤالا من الله تعالى من الشافع، بل توجه إلى الشافع حتى يفيض منه على المستشفع ما ليس لله ولا للشافع به علم عندهم ولا يحصل بقدرته ولا مشيئته. والمقصود هنا التنبيه على أن طرق السلف والأئمة الموافقة للطرق التي دل القرآن عليها وأرشد إليها هي أكمل الطرق وأصحها وأكثر الناس صوابا في العقليات أقربهم إليهم كما أن أكثرهم صوابا في السمعيات أقربهم إليهم إذ العقل الصريح لا يخالف السمع الصحيح بل يصدقه ويوافقه كما قال تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَ «١» وقال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) «٢». ولهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيرا وأصح طريقا في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيرا وأصح طريقا في العقليات ولا السمعيات من المتفلسفة وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر عليه وما خالف فيه العقل والسمع، ولكن من كان أكثر صوابا وأقوم قيلا كان أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلا وتفضيلا. قالت عائشة ﵂: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم» «٣» وهذا من القسط الذي أمر الله به وأنزل به كتبه وبعث به رسوله ﷺ قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ «٤» وقال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ «٥». والمقصود هنا: التنبيه على طرق الناس في إثبات كون الله تعالى متكلما تنبيها مختصرا بحسب ما يحتمله جواب هذا السؤال، والطرق نوعان: سمعية

стр. 98

وعقلية، وإن كانت العقلية هي أيضا شرعية سمعية باعتبار أن السمع دل عليها وأرشد إليها وأن الشرع أحبها ودعا إليها لكن صاحب هذا المختصر إنما سلك طريقا سمعية اتباعا لمتبوعه أبي عبد الله بن الخطيب وهذه الطرق مبنية على مقدمتين. إحداهما: أنه آمر ناه ومن كان كذلك فهو متكلم، والمقدمة الأولى مدلول عليها بأن الرسل بلّغوا أمره ونهيه وكل من المقدمتين واضحة فإن الكلام نوعان: إنشاء وإخبار والإنشاء أمر ونهي وإباحة فإذا ثبت له نوع من أنواع الكلام ثبت مطلق الكلام فثبت أنه متكلم. وأما الثانية: فقد علم بالاضطرار من دين جميع الرسل أنهم يخبرون عن الله بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا فيلزم من ثبوت الرسالة ثبوت كلام الله تعالى وجحد كون الله متكلما هو جحد لما بلغت عنه الرسل من الأمر والنهي، فإن قيل: فما الفرق بين هذه الطرق وبين الطرق التي أثبت بها السمع والبصر وهو السمع، قيل: هناك أثبت السمع والبصر بنفس الإخبار المنفصل مثل قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «١» وهنا أثبت تكلمه بمجرد إرسال الرسل من غير تعيين نص حيث قال: علمنا أن الله تعالى أرسل رسله بتبليغ أمره ونهيه ولم يتعرض لإخبار السمع بأنه متكلم. فإن قيل إذا أثبت المثبت تكلمه بالسمع وجب أن يكون السمع قد علمت صحته قبل العلم بكونه متكلما لكن الرسول إذا قال إن الله أرسلني إليكم يأمركم بتوحيده وينهاكم عن الإشراك به مثلا فإن لم يعلموا قبل ذلك جواز كونه متكلما لم يعلموا إمكان إرساله فلا يثبت السمع. قيل: الجواب من وجهين: أحدهما أن ما علم بالسمع وقوعه يكفي فيه الإمكان الذهني وهو كونه غير معلوم الامتناع بل كل مخبر أخبرنا بخبر ولم نعلم كذبه جوزنا صدقه، ومتى كان فيه الصدق ممكنا لم يجز التكذيب بل أمكن أن يقام الدليل الدال على صدقه ووجوب تصديقه فيجب تصديقه، وهذا الموضع يغلط فيه كثير من النظار فيظنون أنه يحتاج فيما يطلب الدليل على وقوعه أو فيما قام الدليل على وجوده العلم بإمكانه قبل ذلك وإنما يجب أن لا يعلم امتناعه فالرسل صلوات الله عليهم تخبر بمجارات العقول، وما لا تعرفه العقول أو ما تعجز عن معرفته فما علم العقل إمكانه ولم يعلم هل يكون أم لا يكون تخبر الرسل بوقوعه

стр. 99

أم عدم وقوعه وما لم يعلم العقل إمكانه تخبر الرسل أيضا إمّا بإمكانه وإمّا بوقوعه المستلزم إمكانه، ولكن لا تخبر الرسل بوجوده ولا إمكانه وما علم عدمه لا تخبر بوجوده فلا تأتي الرسل صلوات الله عليهم بما يعلم نقيضه ولكن قد تأتي بما لم يكن يعلم كما قال تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) «١». وكذلك الوحي النازل على الأنبياء يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون لا يأتيهم بما يعلمون خلافه، قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣) «٢». الوجه الثاني: أن يقال: إمكان التكلم معلوم بأدنى نظر العقل فإنه إذا عرف أنه حي عليم قدير علم أنه يمكن أن يكون متكلما، فإن الكلام من الصفات المشروطة بالحياة، والصفات المشروطة بالحياة إنما تمتنع عليه سبحانه ما يمتنع منها، كالنوم والأكل والشرب لتضمنها نقصا ينزه عنه، وليس في الكلام نقص، بل سنبيّن إن شاء الله أنه من صفات الكمال، ونبيّن ما يستحيل اتصافه به، فهذا تقرير ما ذكره ويمكن أن يسلك في ذلك طريقا أعم ممّا ذكره، فإنه استدل بالأمر والنهي، خاصة والتحقيق أن الخبر يدل أيضا على أنه متكلم، كما أن الأمر يدل على ذلك، والرسل يبلغون عنه تارة الأمر والنهي، وتارة الخبر. إما عن نفسه وإما عن مخلوقاته فيبلغون خبره عن نفسه بأسمائه وصفاته، وخبره عن مخلوقاته بالقصص، كما يبلغون الخبر عن ملائكته وأنبيائه، ومن تقدم من الأمم المؤمنين والمكذبين ويبلغون خبره عما يكون في القيامة من الثواب والعقاب، والوعد والوعيد بل ما تبلغه الرسل من خبره أكثر ممّا تبلغه من أمره، والخبر في القرآن أكثر من الأمر، وإذا قيل: لا معنى لكونه متكلما إلا أنه مخبر منبئ، والتحقيق أن يقال: لزم من كونه آمرا ناهيا أن يكون متكلما، ويلزم من كونه مخبرا منبئا أن يكون متكلما. وأما قول القائل: لا معنى لكونه متكلما إلا أنه آمر ناه. وأنه مخبر ففيه نظر فإن المتكلم يكون تارة آمرا وتارة مخبرا، وهو في حالة كونه مخبرا متكلم وإن لم

стр. 100

يكن آمرا، وفي حال كونه آمرا متكلم وإن لم يكن مخبرا سواء قدر إمكان انفكاك أحدهما عن الآخر أو قدر تلازمهما في حق بعض المتكلمين. ولقائل أن يقول: هذا الذي ذكره قليل الفائدة فإنه إن كان المقصود به إثبات كونه متكلما على من يقر بالرسل فجميع هؤلاء يقرون بأنه متكلم إذ لا يمكن أحدا ممن يؤمن بالتوراة أو الإنجيل أو القرآن أن ينكر أن الله تكلم، وهذه الكتب مملوءة بذكر ذلك وأهل الملل مطبقون على ذلك وإن كان مقصوده إثبات ذلك على من لا يقر بالرسل، فتقرير المسألة تقرير لهذا، فحاصله أن ما ذكره من كونه متكلما هو حقيقة أن الرسل صادقون فيما أخبروا عنه فإذا أثبت ذلك بصدق الرسل كان إثباتا للشيء بنفسه. وإنما المقصود إثبات أنه متكلم حقيقة بكلام يقوم بنفسه خلافا للمتفلسفة التي تحمل كلامه إنما هو تعريف فعلي وهو ما يفيض النفوس من التعريفات وللجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يجعلون كلامه ما يخلقه في غيره من الحروف والأصوات، وهذا الذي اعتنى به السلف في الرد على من يقول القرآن مخلوق خلقه الله في الهواء، لم يقم به كلام فكيف بمن يقول ليس كلامه إلا ما يحدث في النفوس من التعريف والإعلام من غير أن يكون له كلام منفصل عن نفوس الأنبياء والمرسلين، وقد بسطنا القول في مسألة الكلام واضطراب الناس فيها في غير هذا الموضع. ولا ريب أنه سلك في هذا الاعتقاد مسلك الصفاتية المخالفين للمعتزلة، ولهذا عد الصفات السبع. وأما المعتزلة فيقتصرون على أنه حي عالم قادر. وقد يزيد البصريون الإدراك كالسمع والبصر. وأما كونه متكلما ومريدا فهذا عندهم من باب المفعولات لا من باب الصفات، إذ معنى كونه متكلما عندهم أنه خلق كلاما في غيره كسائر ما يخلقه من المخلوقات بخلاف كونه حيّا عالما قادرا أو مدركا عند البصريين، فإن ذلك ثبت له لذاته سواء خلق شيئا أو لم يخلقه، ولهذا كان عام التعلق لا يختص بمعلوم دون معلوم كما تختص الإرادة والكلام بمراد دون مراد ومأمور دون مأمور. وهذا القدر الذي أثبته من كونه متكلما آمرا ناهيا لا ينازعه فيه معتزلي بل ولا متفلسف إلهي يقر بالنبوات في الجملة كما يقر بها المتفلسفة الذين حقيقة أمرهم أنهم يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض، كما أن اليهود والنصارى يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. ولقائل أن يقول إن هذا السؤال ليس لازما له في مسألة الكلام بل وفي سائر

стр. 101

المسائل فإنه لم يثبت شيئا من الصفات القائمة بنفسه، وإنما أثبت أحكام الصفات وأثبت الأسماء. والمعتزلة توافق على الأسماء والأحكام بل والفلاسفة أيضا توافق على إطلاق ما ذكره من الأسماء والصفات فلا يكون في هذا الاعتقاد فرق بين مذهب الصفاتية أهل الإثبات، كابن كلاب والأشعري وأتباعهما ولا بين المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وأمثالهم، بل هذا الاعتقاد مشترك بين المعتزلة والأشعرية وغيرهم من الطوائف يبين هذا أنه لم يذكر في اعتقاده ما تتميز به الأشعرية عن المعتزلة ولا ذكر أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا ذكر مسألة الرؤية، وأن رؤية الله جائزة في الدنيا واقعة في الآخرة، ولا ذكر أيضا مسائل القدر، وأن الله خالق أفعال العباد وإنه مريد للكائنات، ولا ذكر أيضا مسائل الأسماء والأحكام، وأن الفاسق لا يخرج عن الإيمان بالكلية، ولا يجب إنفاذ الوعيد، بل يجوز العفو عن أهل الكبائر، ولا ذكر مسائل الإمامة والتفضيل. وكل هذه الأصول تذكر في مختصرات المعتقدات التي يصنفها متأخر والأشاعرة كالعقيدة القدسية لأبي حامد، والعقيدة البرهانية المختصرة من إرشاد أبي المعالي ونحوهما فضلا عن الاعتقاد الذي تذكره أئمة الأشعرية كالقاضي أبي بكر وذويه فإنهم يزيدون على ذلك إثبات الصفات الخبرية، وإثبات العلو وأمثال ذلك فضلا عن الاعتقاد الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة وأصحاب الحديث فإن فيه جملا مفصلة فضلا عمّا يذكره السلف والأئمة الكبار من الإثبات والتفصيل المبين للسنة الفاصل بينها وبين كل بدعة. ولهذا كان أصحاب هذا المصنف مع انتسابهم إلى الأشعري إنما هم في باب الصفات مقرون بما تقر به المعتزلة ولا يقرون بما تقر به الأشعرية من الزيادات، وبحوث أبي عبد الله بن الخطيب تعطيهم ذلك فإن الوقف والحيرة ظاهر على كلامه في إثبات الصفات، ومسألة الرؤيا والكلام وأمثالها بخلاف مسائل القدر فإنه جازم فيها بمخالفة المعتزلة، وهذه الطريقة تشبه من بعض الوجوه طريقة ضرار بن عمرو وحسين النجار وأمثالهما ممن كان يقر بالقدر ولكنه في الصفات بين المعتزلة والأشعرية، أو تشبه طريقة الواقفية الذين كانوا يقفون في القرآن، فلا يقولون هو مخلوق ولا غير مخلوق. وكلام أئمة السنة في ذم هؤلاء، وكلام متكلمة الصفاتية كالأشعري وغيره في ذلك مشهور معروف. فإن قيل: فالمعتزلة لا تقر بمنكر ونكير، والصراط والميزان، ونحو ذلك ممّا ذكره هذا المصنف؟

стр. 102

قيل: المعتزلة في ذلك على قولين منهم من يثبت ذلك ومنهم من ينفيه على أن ما ذكره ليس فيه ما يدل على إثبات هذه الأمور، وإنما فيه الإقرار بكل ما أخبر به الرسول ﷺ من هذه الأمور، ليس في المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين من يقول لا أقر بما أخبر به الرسول، بل كل مسلم يقول إن ما أخبر به الرسول فهو حق يجب تصديقه به. وكل المسلمين من أهل السنة والبدعة يقولون: آمنت بالله، وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، فإنه متى لم يقر بهذا فهو كافر كفرا ظاهرا، ولا يتميز بهذا القول المجمل مذهب أهل السنة عن غيرهم، ولهذا لا يكتفي إمام من أئمة السنة بمجرد هذا، ومن نقل عن الشافعي وغيره أنه اكتفى بهذا فقد كذب عليه، وإنما هذا قول بعض المتأخرين وهو قول صحيح لا يخالف فيه إلا كافر لكن العلم بالسنة مفصلا مقام آخر، فالمبتدع إذا نازع السني لا ينازعه في تصديق الرسول في كل ما أخبر به لكن ينازعه هل أخبر بذلك الرسول أم لا؟ وهل خبره على ظاهره أم لا؟ وهو لم يثبت لا هذا ولا هذا، إذ هما من علم النقل ودلالة الألفاظ وليس فيما ذكره شيء من هذا وهذا. كما أن كلامه في التوحيد ليس مبنيّا على أصول الأشعرية ولا أصول المعتزلة بل على أصول المتفلسفة فهو متردد بين الفلسفة والاعتزال وأخذ من بحوث المنتسبين إلى الأشعرية كالرازي ونحوه ما قد يقوله هؤلاء وهؤلاء. وكذلك يحكي عنه خواص أصحابه أنه كان في الباطن يميل إلى ذلك وقد ظهر ذلك في خواص المحدثين من أصحابه كالقشيري وغيره، ومعلوم أنه تكلم بمبلغ علمه وحسب اجتهاده ونهاية عقله وغاية نظره. ولكن المقصود أن تعرف المقالات والمذاهب وما هي عليه من الدرجات والمراتب، ليعطى كل ذي حق حقه ويعرف المسلم أين يضع رجله. إذا تبين هذا فنحن ننبه على ما يتميز به أهل السنة عن المعتزلة ومن هو أبعد عن الحق منهم كالمتفلسفة فنقول: إذا ثبت بهذا الدليل أنه سبحانه متكلم وثبت أن الرسل أخبروا بذلك فنقول الذي أخبرت به الرسل أنه متكلم بكلام قائم بنفسه، هذا هو الذي نبينه وهذا هو الذي فهمه عنهم أصحابهم ثم تابعوهم بإحسان بل علموا هذا من دين الرسل بالاضطرار ولم يكن في صدر الأمة وسلفها من ينكر ذلك، وأول من ابتدع خلاف ذلك الجعد بن درهم ثم صاحبه الجهم بن صفوان وكلاهما قتل.

стр. 103

أما الجعد بن درهم الذي كان يقال إنه معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وكان يقال له الجعدي نسبة إلى الجعد فإنه قتله خالد القسري؛ ضحى به بواسط يوم النحر وقال: (أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوّا كبيرا) ثم نزل فذبحه. وكانوا أول ما أظهروا بدعتهم قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يكلم كما حكى عن الجعد وهذه حقيقة قولهم. فكل من قال القرآن مخلوق فحقيقة قوله: إن الله لم يتكلم ولا يكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يحب فلما رأوا ما في ذلك من مخالفة القرآن والمسلمين قالوا: إنه يتكلم مجازا، يخلق شيئا يعبر عنه لا أنه في نفسه يتكلم، فلما شنع المسلمون عليهم قالوا: يتكلم حقيقة ولكن المتكلم هو من أحدث الكلام وفعله ولو في غيره، فكل من أحدث كلاما ولو في غيره كان متكلما بذلك الكلام حقيقة وقالوا: المتكلم من فعل الكلام لا من قام به الكلام، وهذا الذي استقر عليه قول المعتزلة وهم يموهون على الناس فيقولون أجمع المسلمون على أن الله متكلم ولكن اختلفوا في معنى المتكلم هل هو من فعل الكلام أو من قام به الكلام وما زعموه من أن المتكلم يكون متكلما بكلام قائم بغيره قول خرجوا به عن العقل والشرع واللغة. وكان قدماء الصفاتية من السلف والأئمة والكلابية والكرامية والأشعرية يحققون هذا المقام، ويثبتون ضلال الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيه، ولكن الرازي ونحوه أعرض عنه وقال: هذا بحث لفظي وزعم أنه قليل الفائدة ثم سلك مسلكا ضعيفا في الرد عليهم قد بيناه في غير هذا الموضع. وهذا غلط عظيم جدّا من وجهين: أحدهما: أن المسألة إذا كانت سمعية وأنت إنما أثبت أنه متكلم بأن الرسل بلغت أمره ونهيه الذي هو كلامه كان من تمام ذلك البحث عن مراد الرسل بكونه آمرا ناهيا متكلما هل مرادهم بذلك أنه خلق كلاما في غيره أو أنه قام به، كلام تكلم به والدلائل السمعية مقرونة بالبحث عن ألفاظ الرسل ولغاتهم التي بها خاطبوا الخلق فصارت هذه المقدمة هي الركن المعتمد في الرد على المعتزلة كما سلكه قدماء الصفاتية وأئمتهم بل هي الركن المعتمد في معنى كونه متكلما إذا ثبت ذلك بالطرق السمعية.

стр. 104

الثاني: إن المسألة ليست لغوية فقط بل كون الصفة إذا قامت بمحل هل يعود حكمها على ذلك المحل أو على غيره، هو من البحوث العقلية النافعة في هذا المقام، والسلف ﵃ عرفوا حقيقة المذهب وردوه بناء على هذا الأصل كما ذكره البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وقال: قال ابن مقاتل سمعت ابن المبارك يقول: من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا «١» مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك «٢»، وقال: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية «٣». وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٤» وزعموا أن هذا مخلوق ومن قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي «٥» مخلوق فهذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار من هذا وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه «٦». قال البخاري: قال أبو الوليد: سمعت يحيى بن سعيد وذكر له أن قوما يقولون: القرآن مخلوق، فقال: كيف يصنعون ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) «٧» وبقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا «٨» «٩». وروى عن وكيع بن الجراح أنه قال: لا تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل «١٠». ومعنى كلام السلف أن من قال: «إن كلام الله مخلوق فحقيقة قوله أن الله تعالى لا يتكلم وأن المحل الذي قام به إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا «١١» هو المدعى

стр. 105

الإلهية كما أن فرعون لما قام به أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «١» كان مدعيا للربوبية، وكلام السلف مبني على ما يعلمونه من أن الله خالق أفعال العباد وأقوالهم وإذا كان كلامه ما خلقه في غيره كان كل كلام كلامه وكان كلام فرعون كلامه إذ المتكلم من قام به الكلام فلا يكون متكلما بكلام يكون في غيره كسائر الصفات والأفعال فإنه لا يكون عالما بعلم يقوم بغيره ولا قادرا بقدرة تقوم بغيره، ولا حيّا بحياة تقوم بغيره. وكسائر الموصوفين فإن الشيء لا يكون حيّا عالما قادرا بحياة أو علم أو قدرة تقوم بغيره ولا يكون متحركا أو ساكنا بحركة أو سكون يقوم بغيره كما لا يكون متلونا بلون يقوم بغيره. وهنا أربع مسائل، مسألتان عقليتان ومسألتان سمعيتان لغويتان: الأولى: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل فكان هو الموصوف بها فالعلم والقدرة والكلام والحركة والسكون إذا قام بمحل كان ذلك المحل هو العالم القادر المتكلم أو المتحرك أو الساكن. الثانية: أن حكمها لا يعود على غير ذلك المحل فلا يكون عالما بعلم يقوم بغيره ولا قادرا بقدرة تقوم بغيره ولا متكلما بكلام يقوم بغيره ولا متحركا بحركة تقوم بغيره وهاتان عقليتان. الثالثة: أنه يشتق لذلك المحل من تلك الصفة اسم إذا كانت تلك الصفة ممّا يشتق لمحلها منها اسم، كما إذا قام العلم أو القدرة أو الكلام أو الحركة بمحل، قيل: عالم أو قادر أو متكلم أو متحرك بخلاف أصناف الروائح التي لا يشتق لمحلها منها اسم. الرابعة: أنه لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة، فلا يقال لمحل لم يقم به العلم أو القدرة أو الإرادة أو الكلام أو الحركة إنه عالم أو قادر أو مريد أو متكلم أو متحرك. والجهمية والمعتزلة عارضوا هذا بالصفات الفعلية، فقالوا: إنه كما أنه خالق عادل بخلق وعدل لا يقوم به بل هو موجود في غيره، فكذلك هو متكلم مريد بكلام وإرادة، لا تقوم به بل يقوم الكلام بغيره ممن سلم لهم هذا النقص، كالأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد أظهر تناقضهم ولم يجيبوهم بجواب مستقيم. وأما السلف وجمهور المسلمين من جميع الطوائف فإنهم طردوا أصلهم وقالوا: بل الأفعال تقوم به كما تقوم به الصفات والخلق ليس هو المخلوق، وذكر

стр. 106

البخاري أن هذا إجماع العلماء، ومن قال الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وفعلية، ولم يجعل الأفعال تقوم به، فكلامه فيه تلبيس فإنه سبحانه لا يوصف بشيء لا يقوم به وإن سلم أنه يتصف بما لا يقوم به، فهذا هو أصل الجهمية الذين يصفونه بمخلوقاته يقولون: إنه متكلم ومريد وراض وغضبان ومحب ومبغض وراحم لمخلوقات يخلقها منفصلة عنه لا بأمور تقوم بذاته. إذا تبين ذلك فالسلف لما علموا هذا علموا أن قول من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا «١» مخلوق يوجب أن يكون هذا الكلام كلاما للشجرة لا كلاما لله لأنه قام بالشجرة لم يقم بالله. كما أن كلام فرعون قام به، وإن كان الله خالق ذلك كله فإنه خالق العباد وأفعالهم وكلامهم وهذا أيضا ممّا يبين أنه لو كان من يخلق الكلام في غيره متكلما لوجب أن يكون كل كلام في الوجود كلامه وهذا يقوله غالية الجهمية الاتحادية كصاحب الفصوص «٢» ونحوه فإنه يقول: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ومعلوم أن هذا الكلام أعظم من كفر عباد الأصنام، كما ذكر ابن المبارك وغيره من السلف، وأيضا فإن الله تعالى قد أنطق أشياء كما قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) «٣» وقال: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ «٤». وقال: فهو منطق كل شيء وخالق نطقه ولا نزاع أنه خالق النطق في غير الحي المختار، وإنما تنازعت القدرية في خلق أقوال الأحياء وأفعالهم، فإن كان حقيقة كلامه ما خلقه في غيره من الكلام فهذا جميعه كلامه وما في هذا الكلام المخلوق من ضمير المتكلم إما أن يعود إلى خالقه أو إلى محله، فإن عاد إلى خالقه كانت شهادة الأعضاء شهادة الله وكان قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٥»؟ قولا لله وكان قولهم لجلودهم «لم شهدتهم علينا» قولا لله وكان قول الجلود «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء» بمعنى أنطقت نفسي.

стр. 107

ولم يكن فرق عندهم بين نطق وأنطق، وإن عاد الضمير إلى محله كان الكلام المخلوق في الشجرة إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي «١» كلاما للشجرة فتكون الشجرة هي القائلة: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي «٢»، وهذه حقيقة قولهم لما ثبت من أن الكلام كلام لمن قام به، فيكون ضمير المتكلم فيه عائدا إلى محله. ولما كان هذا المعنى مستقرّا في فطر الناس وعقولهم كان السلف يقصدون بمجرد قولهم: القرآن كلام الله. الرد على هؤلاء الجهمية الذين حقيقة قولهم إن القرآن ليس كلام الله وإنما هو كلام لجسم مخلوق، وحقيقة قولهم: إن الله لم يكلم موسى وإنما كلمه مخلوق من مخلوقاته. قال البخاري: قال عبد الرحمن بن عفان: سمعت سفيان بن عيينة في السنة التي ضرب فيها المريسي، فقام ابن عيينة من مجلسه مغضبا، قال: ويحكم القرآن كلام الله قد صحبت الناس وأدركتهم، هذا عمرو بن دينار وهذا ابن المنكدر حتى ذكر منصور والأعمش ومسعر بن كدام، فقال ابن عيينة: قد تكلموا في الاعتزال والرفض والقدر وأمرونا باجتناب القوم فما نعرف القرآن إلا كلام الله ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله، وما أشبه هذا القول بقول النصارى، لا تجالسوهم ولا تسمعوا كلامهم. وابن عيينة أخرج هذا القول عن الرفض والاعتزال لأن المعتزلة أولا الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد بن حنبل في رده على الجهمية قول جهم قال: فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام. وأما الرافضة فلم يكن في قدمائهم من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسم مشهورا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله. وقال البخاري: حدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار، يقولون: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. قلت: كان المريسي قد صنف كتابا في

стр. 108

نفي الصفات وجعل يقرؤه بمكة في أواخر حياة ابن عيينة، فشاع بين علماء أهل مكة ذلك، وقالوا: صنف كتابا في التعطيل فسعوا في عقوبته وحبسه، وذلك قبل أن يتصل بالمأمون ويجري من المحنة ما جرى. وقول ابن عيينة: ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى هو كما قال كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن عيسى مخلوق، وهم يجعلونه نفس الكلمة لا يجعلونه المخلوق بالكلمة، وأيضا فأئمة نصارى كغشتكين أحد فضلائهم الأكابر يقولون: إن الله ظهر في صورة البشر مترائيا لنا كما ظهر كلامه لموسى في الشجرة فالصوت المسموع هو كلام الله وإن كان خلقه في غيره وهذا المرئي هو الله وإن كان قد حل في غيره. قال البخاري: وقال علي بن عاصم: ما الذين قالوا بأن لله ولد أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم «١». قال: وقال علي بن عبد الله يعني ابن المديني: القرآن كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه «٢». قال: وقال أبو الوليد: من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج عن الإسلام «٣». قال: وقال أبو عبيد: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم «٤». قال: وقال معاوية بن عمار: سمعت جعفر بن محمد يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق «٥». وهذا باب واسع كبير منتشر في كتب السنة والحديث: فهذا تمام ما قرره في مسألة الكلام.

стр. 109

فصل [طرق أخرى في إثبات كونه سبحانه متكلما] وللناس طرق أخرى في إثبات كون الله متكلما، منها ما في القرآن من الإخبار عن ذلك كقوله تعالى: قال الله، ويقول الله، وقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً «١» وقوله: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ «٢» وما ذكره في القرآن من كلمة وكلماته كقوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ «٣» وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا «٤» وما فيه من ذكر مناداته ومناجاته كقوله: وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) «٥». وقوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) «٦» وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) «٧» وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) «٨». وما في القرآن من ذكر إنبائه وقصصه كقوله: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ «٩» وقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ «١٠». وما في القرآن من ذكر حديثه كقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) «١١» وقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ «١٢» من القول منه وقوله: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «١٣». وقوله تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ «١٤». وما ذكر في القرآن أنه منه أو ما أضيف إليه فإن كان عينا قائمة بنفسها أو أمرا

стр. 110

قائما بتلك العين كان مخلوقا كقوله في عيسى وَرُوحٌ مِنْهُ «١» وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ «٢» وقوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ «٣». وأما ما كان صفة لا تقوم بنفسها ولم يذكر لها محل غير الله كان صفة له فكالقول والعلم والأمر إذا أريد به المصدر كان المصدر من هذا الباب كقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «٤» وإن أريد به المخلوق المكون بالأمر كان من الأول كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ «٥». وبهذا يفرق بين كلام الله سبحانه، وعلم الله، وبين عبد الله وبيت الله وناقة الله وقوله: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا «٦» وهذا أمر معقول في الخطاب فإذا قلت: علم فلان وكلامه ومشيئته لم يكن شيئا بائنا عنه، والسبب في ذلك أن هذه الأمور صفات لما تقوم به فإذا أضيفت إليه كان ذلك إضافة صفة لموصوف إذ لو قامت بغيره لكانت صفة لذلك الغير لا لغيره. واعلم أن الاستدلال على الكلام بمثل هذه السمعيات أكمل من الاستدلال على السمع والبصر بالسمعيات لأن ما أخبر الله به عن نفسه من قوله وكلامه وإنبائه وقصصه وأمره ونهيه وتكليمه وندائه ومناجاته وأمثال ذلك أضعاف وأضعاف ما أخبر به من كونه سميعا بصيرا. وأيضا فإنه نوّع الإخبار عن كل نوع من أنواع الكلام وثنى ذلك وكرره في مواضع ولا يحصى ما في القرآن من ذلك إلا بكلفة، ومن المعلوم بالاضطرار أن المخاطبين لا يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق أنه خلق صوتا في غيره وإنما يفهمون منه أنه هو الذي تكلم بذلك وقاله كما قالت عائشة في حديث الإفك: «ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بوحي يتلى» «٧» فلو كان المراد
следующие страницы →