← Акыда

Акыда · id 11248

شرح العقيدة الأصفهانية

ابن تيمية

Полный текст (224 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرّحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) «١». يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) «٢». يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) «٣». أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد: فهذا تعليق لطيف على كتاب شرح العقيدة الأصفهانية، لشيخ الإسلام ومفتي الأنام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرّاني الدمشقي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح الجنة. وقد حوى الكتاب- على صغر حجمه- دررا كثيرة، وفوائد جمة من كلام شيخ الإسلام في نصرة العقيدة الصحيحة، عقيدة أهل السنّة والجماعة، والرد على ضلالات وأهواء أهل البدع، وتفنيد شبهاتهم، ودحض أباطيلهم، بأسلوب ماتع كما هي عادته رحمه الله تعالى.

стр. 2

ولأهمية هذا الكتاب وعظم فوائده استخرت الله تعالى في خدمته، فضبطت نصّه وخرّجت أحاديثه وعلقت عليه بما يسره الله تعالى. هذا وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يرحم شيخ الإسلام ابن تيمية وجميع علمائنا ومشايخنا رحمة واسعة ويعلي درجتهم في الجنان. كما أسأله سبحانه وهو الرحمن الرحيم، أن يغفر للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنه جواد كريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتب محمد بن رياض الأحمد كان الله معه بمنه وكرمه

стр. 3

ترجمة المصنف «١» أوّلا اسمه ونسبه ومولده هو: شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم، ابن الإمام العلامة مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله، ابن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحرّاني. وتيمية: يقال إنها أم جده محمد، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها، ولهذا أطلق على هذه الأسرة «آل تيمية». ولد شيخ الإسلام بحران، يوم الاثنين عاشر، أو ثاني عشر ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ. وبعد أن هجم التتار على بلده وعاثوا فيها فسادا سافر به والده مع إخوته إلى الشام فوصل دمشق سنة ٦٦٧ هـ، واستقر بها. ثانيا نشأته، وبداية حياته العلمية نشأ شيخ الإسلام في بيت علم، ودين، فقد كان جده الشيخ مجد الدين أبو البركات من كبار علماء الحنابلة، وفقهاء مصر، تفقه على يد عمه فخر الدين الخطيب. قال عنه شيخ الإسلام: «كان الشيخ جمال الدين ابن مالك يقول: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد» وقال أيضا: «كان جدنا عجبا في سرد المتون وحفظ مذاهب الناس وإيرادها بلا كلفة» اه، وقال عنه الذهبي: «تفقه،

стр. 4

وبرع واشتغل، وصنف التصانيف، وانتهت إليه الإمامة في الفقه ... ». من أهم مصنفاته «المنتقى من أحاديث الأحكام» الذي شرحه الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار» ومن مؤلفاته «الأحكام الكبرى» في عدة مجلدات «١». أما والده شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام فقد سمع من والده مجد الدين أبي البركات، ورحل في صغره إلى حلب وسمع هناك من عدد من المشايخ، قال عنه الذهبي: «قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، وأفتى وصنف، وصار شيخ البلد بعد أبيه وخطيبه وحاكمه، وكان إماما محققا لما ينقله، كثير الفوائد، جيد المشاركة في العلوم، له يد طولى في الفرائض ... » وقال عنه البرزاني: «كان من أعيان الحنابلة، عنده فضائل وفنون، وباشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية بالقضاعيين وبها كان يسكن، وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه» اه «٢». وممن اشتهر بالعلم والعبادة والزهد من هذه الأسرة إخوة الشيخ وهم ثلاثة: أخوه: شرف الدين عبد الله «٣». وزين الدين عبد الرحمن «٤» وأخوه لأمه: بدر الدين محمد «٥». أما والدة الشيخ فهي: ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية «٦». فمن هذا البيت المبارك، والأسرة الصالحة خرج شيخ الإسلام فنشأ وتربى في حجر والده، وبدأ في طلب العلم مبكرا، وكانت علامات النجابة والفطنة تظهر عليه منذ حداثة سنه، ونعومة أظفاره، وكان مفرط الذكاء، «ذكر ابن عبد الهادي أن أحد علماء حلب قدم من دمشق وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له: أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصدا لعلي أراه. فقال له خياط: هذه طريق كتّابه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهبا إلى الكتّاب. فجلس الشيخ الحلبي قليلا، فمر صبيان، فقال الخياط للحلبي: فذاك

стр. 5

الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية، فناداه الشيخ فجاء إليه، فناول الشيخ اللوح، فنظر فيه، ثم قال: يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئا تكتبه، ففعل فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثا، وقال له: اقرأ هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه ثم دفعه إليه، وقال: اسمعه عليّ، فقرأ عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع، فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل. فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه كما فعل أول مرة فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله. أو كما قال» اه «١». حفظ القرآن في سنّ مبكرة ثم أكب على طلب العلم. فدرس على والده، وبعض مشايخ عصره «٢»، ولم يتجه إلى فن معين بل درس الحديث وسمع المسانيد، والكتب الستة، وبعض المعاجم، وأقبل على التفسير، وعلم الفقه والأصول، إضافة إلى علم اللغة. وقد جلس للإفتاء وعمره تسع عشرة سنة، وخلف والده في التدريس بدار الحديث السكرية وعمره اثنتان وعشرون سنة بعد أن توفي والده سنة ٦٨٢ هـ، وجلس الشيخ للتدريس في الثاني من شهر الله المحرم سنة ٦٨٣ هـ، وقد حضر درسه الأول كبار علماء دمشق، يقول ابن كثير واصفا هذا الدرس: « ... وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي الشافعي، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين ابن المرحل، وزين الدين ابن المنجى الحنبلي، وكان درسا هائلا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنّه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين ... » «٣». وأيضا في اليوم العاشر من شهر صفر من هذه السنة جلس للتفسير في الجامع الأموي بعد صلاة الجمعة، وقد استمر هذا الدرس سنين طويلة، وكان يحضره الجمع الغفير من الناس. وقال الإمام الذهبي: «نشأ- يعني الشيخ تقي الدين- ﵀ في تصون تام، وعفاف وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس

стр. 6

والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم. فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبّ على الاشتغال، ومات والده- وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم- فدرس بعد بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم ... «١». وهكذا بدأ شيخ الإسلام تقي الدين حياته العلمية حتى أصبح آية من آيات الله في الفهم وسعة الاطلاع، وقوة الحجة، وسرعة البديهة. ثالثا بعض الصفات التي اتصف بها أ- صفاته الخلقية: وصفه الذهبي: بأنه كان أبيض، أسود الرأس واللحية قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحا، سريع القراءة، تعتريه حدة لكن يقهرها الحلم «٢». ب- صفاته الخلقية: ١ - كرمه: كان ﵀ سخيّا جوادا، لا يرد سائلا قط، ويجود بكل ما يستطيع، حتى ولو يشاطره بعض لباسه الذي عليه، ومن طريف ما يروى في ذلك ما ذكره البزار قال: «حدثني الشيخ العالم الفاضل المقرئ أحمد بن سعيد قال: كنت يوما جالسا بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁. فجاء إنسان فسلم عليه فرآه الشيخ محتاجا إلى ما يعتم به. فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل فقطعها نصفين، واعتم بنصفها ودفع النصف الآخر إلى ذلك الرجل ... » اه «٣». وذكر البزار أيضا قال: «حدثني من أثق به أن الشيخ ﵁ كان مارّا يوما ببعض الأزقة، فدعا له بعض الفقراء، وعرف الشيخ حاجته، ولم يكن مع

стр. 7

الشيخ ما يعطيه، فنزع ثوبا من على جلده ودفعه إليه وقال: بعه بما تيسر وأنفقه. واعتذر إليه من كونه لم يكن معه شيء من النفقة» اه «١». وما يروى عنه في هذا الباب كثير مما يدل على كمال مروءته وسخاء نفسه. ٢ - قوته وشجاعته: لقد ضرب شيخ الإسلام أروع الأمثال في ميدان القوة والشجاعة ففي ميدان الجهاد بطل مغوار لا يشق له غبار، يتبين هذا جليّا ما فعله ضد التتار ويأتي الكلام على شيء من ذلك. إضافة إلى أنه كان ذا شخصية قوية، ونفس لا تهاب الصعاب كان يقف أمام السلاطين والظلمة ينصحهم ويخوفهم ويحذرهم برباطة جأش يهابه كل من حضر، لا يخاف في الله لومة لائم. من مواقفه المشهورة التي تترجم قوة شخصيته وتنبئ عن شجاعته: موقفه من «قازان» سلطان التتار- مع ما اشتهر عنهم من التسلط والظلم والبربرية- فقد ذهب إليه شيخ الإسلام مع مجموعة من تلامذته، وكلّمه بشدة ومما قاله له: «أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذن وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا، فغزوتنا وغزوت بلادنا على ماذا؟ ... إلى أن قال: وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت» ولما قربوا الطعام، فأكلوا إلا شيخ الإسلام، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعام وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس. ووقعت له معه أمور تبين مقدار ما يتمتع به شيخ الإسلام من قوة وشجاعة يعجز عنها الوصف «٢». وكان إذا حضر الجهاد مع المسلمين يشجعهم ويثبتهم، ويعدهم النصر، ويقوي عزائمهم حتى كأنه هو القائد وهو الأمير وهو السلطان، وما هو إلا واحد من الجند. ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا لدى الفضل حتى عدّ ألف بواحد قال عنه الذهبي: «وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال» اه «٣».

стр. 8

ومن مواقفه البطولية التي خلدها التاريخ عند ما سار جيش التتار إلى الشام، ابتدر شيخ الإسلام وذهب مع البريد إلى مصر ودخل على السلطان، وخاطبه بقوة قائلا له: «إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله، والذب عنهم» وهدده بأن أهل الشام سيقيمون لهم من يحميهم ويقوم بأمرهم فأجابه السلطان إلى ما أراد «١». وبهذه المواقف وغيرها أصبحت شجاعة ابن تيمية وقوته مضرب المثل. وقد وشي بالشيخ إلى السلطان الملك الناصر، فأحضره بين يديه، ومن جملة ما قال له الناصر: أخبرت أنك أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فرد عليه بنفس مطمئنة وقلب ثابت، وثبوت عال سمعه كثير ممن حضر: أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك آبائك لا يساوي عندي فلسين. فتبسم السلطان لذلك «٢». ويذكر ابن القيم ما منحه الله من قوة القلب وانشراح الصدر وسرور النفس مع أنه كان محبوسا في القلعة ويقول: «وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة ... » «٣». ويقول خادمه إبراهيم بن أحمد الغياني: « ... ثم بعد أيام جاء عند الشيخ- يعني ابن تيمية- شمس الدين بن سعد الدين الحراني وأخبره أنهم يسفرونه إلى الإسكندرية. وجاءت المشايخ التدامرة «٤» وأخبروه بذلك، وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك، فقال لهم: «أنا إن قتلت كانت لي الشهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدا وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت على صوف» فيئسوا منه وانصرفوا ... ثم ذكر أنه لما ركب مع نائب السلطان متوجها إلى الإسكندرية فقال له إنسان: «يا سيدي هذا مقام الصبر»، فقال له: «بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قسم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا

стр. 9

الموضع ذهبا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها». اه «١». ٣ - زهده وتواضعه: مع ما منح الله شيخ الإسلام من سعة العلم، وقوة الشخصية وعلو المكانة، مع هذا كله فقد كان في غاية التواضع، والإزراء على النفس، كان زاهدا قانعا بما في يده، لم يتطلع في يوم من الأيام إلى منصب أو جاه، ولم تكن الدنيا في عينه تساوي شيئا وقد رضي منها بالقليل، واكتفى بما يغنيه عن الناس، ويسد حاجته، وربما اكتفى بشيء من الخبز يأكله في الصبح وفي المساء، حتى قال عنه زين الدين الواسطي وقد أقام مع الشيخ: «وكنت أسأله أن يزيد على أكله فلا يفعل، حتى أني كنت في نفسي أتوجع له من قلة أكله ... » «٢». وقال الحافظ البزار: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح والفقير، وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلي زيادة على مثله من الأغنياء، حتى إنه ربما خدمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته، جبرا لقلبه، وتقربا بذلك إلى ربه ... » ثم ذكر أنه لا يسأم ممن يسأله ويستفتيه مهما كان «٣». وقال أيضا في وصف الشيخ: «ولقد اتفق كل من رآه خصوصا من أطال ملازمته، أنه ما رأى مثله في زهده في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورا بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية ... » «٤». رابعا مواقفه الجهادية لم يكن شيخ الإسلام عالما يصدر الفتاوى، ويؤلف الكتب، ويجلس للطلاب في حلقات العلم فحسب، ولم يكن يعيش في معزل عن مجتمعه، بعيدا

стр. 10

عن واقعه، لا يعلم ما يدور حوله، بل عايشه بقلبه وقالبه. وإذا قضى حياته مجاهدا بقلمه ولسانه، فقد كان من حملة السيف، وأبطال المعارك، ترجم علمه بعمله، وقوله بفعله، ولنأخذ أنموذجا وموقفا من مواقفه الجهادية التي خاض غمارها وشق غبارها، ومن خلالها يمكن أن نستشف ما كان يتمتع به هذا الرجل من روح جهادية، خلدت اسمه ورفعت شأنه. عاش شيخ الإسلام عصرا محموما يعج بالفتن والقلاقل كانت الأمة الإسلامية فيه مليئة بالأحداث الجسام والمصائب المتلاحقة، تعيش تمزقا لم يسبق له مثيل، فما كادت الحملات الصليبية تنتهي، إلا وفجعت أمة الإسلام بالجيش التتري الغاشم يجتاح العالم الإسلامي، ويأتي على الرطب واليابس، وأصبحت ممالك المسلمين تتساقط في أيديهم الواحدة تلو الأخرى. وهم يعيثون فيها خرابا، وسلبا ونهبا، وأسرا وقتلا، حتى أتوا على حاضرة العالم الإسلامي «بغداد» وطوقوها عام ٦٥٦ هـ وسقطت في أيديهم بعد أن قتلوا الخليفة العباسي «المستعصم» وما صاحب ذلك من سفك الدماء ودمار شامل لم يعرف التاريخ له نظيرا «١». وبهذا أصبح شبح التتار يثير الرعب في نفوس المسلمين وترتعد له القلوب خوفا ورهبا. وفي سنة ٦٩٩ هـ عزم «قازان» حاكم التتار على غزو الشام- وسبقت الإشارة إلى موقف شيخ الإسلام من هذا ومقابلته قازان، ورجوع الأخير عن عزمه- «٢». وفي رجب سنة ٧٠٢ هـ شاعت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فأصاب الناس ذعر وهلع وخوف شديد، وبدءوا في الخروج إلى الديار المصرية، وهنا يبرز أثر الشيخ فيقف ويهدّئ الناس ويطمئنهم ويعدهم النصر، ويحثهم على الجهاد، ويأمرهم بالصبر والمصابرة، ويكثر من الابتهال إلى الله والتضرع إليه. وفي هذه الأثناء سار إلى السلطان وحثه على قتال التتار فأجابه إلى ذلك، وكان يحلف للأمراء والناس أنهم لمنصورون، فيقول له الأمراء: قل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وكان يتلو بعض الآيات في ذلك. وقد حصل عند الناس شبهة، وتردد في قتالهم، على أي شيء يقاتلون!

стр. 11

فإن الظاهر منهم هو الإسلام. فسارع شيخ الإسلام وأزال هذه الشبهة وأوضح للناس أنهم من قبيل الخوارج الذين قاتلهم الصحابة- ﵃ وقال لهم بكل قوة وعزيمة: «إذا رأيتموني من ذلك الجانب- أي في جانب التتار- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني». اه وبهذا زال ما وجد لدى بعض الناس وقويت عزائمهم. وطلب منه السلطان أن يقف معه في المعركة، فقال له الشيخ: «السنّة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن مع جيش الشام لا نقف إلا معهم». وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وليكون هذا أقبل للنفوس أوضح هذا عمليّا، فكان يدور على الأمراء والجند، ويأكل من شيء معه في يده. ويقول: «إن الفطر أقوى لكم» ويتأول فعل النبي ﷺ في غزوة الفتح حيث أصبح مفطرا. وابتدأت المعركة، وكانت الدائرة في النهاية للمسلمين، وأعز الله جنده. وكان لشيخ الإسلام فيها أعظم المواقف، وهي ما عرفت في التاريخ باسم «معركة شقحب» «١». يقول ابن عبد الهادي في ذكر بعض مواقف الشيخ البطولية في هذه المعركة: «ولقد أخبرني أمير من أمراء الشاميين ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ- يعني شيخ الإسلام- يوم اللقاء، وقد تراءى الجمعان: يا فلان أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو، وهم منحدرون كالسيل، تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت له: يا سيدي، هذا موقف الموت، وهذا العدو، وقد أقبل تحت هذه الغبر، فدونك وما تريد ... إلى أن قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته، حتى فتح الله ونصر ... قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما، تحريضا على القتال، وتخويفا للناس من الفرار. اه «٢». وبهذا تبوأ ابن تيمية منزلة جهادية لا يستهان بها، وكان له الأثر الواضح في ميدان المعارك تنبئ عن هذا الإمام بأنه ليس إمام قلم فقط بل إمام قلم وسيف، وإنه رجل المواقف.

стр. 12

خامسا محنته ووفاته- ﵀ - إن هذه الشهرة الكبيرة والمنزلة العالية التي حظي بها الشيخ، وذياع صيته في كل مكان بين الخاصة والعامة أثارت الضغائن، وحركت أصحاب النفوس الضعيفة لإيذائه، وتأليب الحكام عليه، وإلصاق التهم به، حسدا من عند أنفسهم، وهذه سنة جارية، أن من لمع نجمه وبرز اسمه كثر حاسدوه والناقمون عليه. لقد سجن الشيخ أكثر من مرة، وأوذي وامتحن ولكن هذا لا يزيده إلا قوة في الحق وصلابة في الدين. وفي سنة ست وعشرين وسبعمائة ظفر خصوم الشيخ بفتوى أفتى بها قبل سنوات «١» في مسألة شد الرحال إلى القبور «٢»، وقد نقل أعداء الشيخ هذه الفتوى محرفة بعد أن زادوا فيها ونقصوا «٣» وزعم أولئك أن الشيخ ينتقص جناب الأنبياء والأولياء، ونشروها بين العامة ليوغروا صدورهم عليه، لم يكتفوا بذلك، بل أرسلوا إلى السلطان آنذاك- الناصر- بذلك وحرضوا عليه. وفي عصر يوم الاثنين السادس من شهر شعبان في نفس السنة اعتقل الشيخ- ﵀ بعد أن ورد مرسوم سلطاني بذلك بقلعة دمشق، وأقام معه أخوه زين الدين ليخدمه. لقد تقبل الشيخ هذا الخبر بسعادة ورحابة صدر، وقال بكل عزة وأنفة، وإيمان ويقين: «أنا كنت منتظرا ذلك وهذا فيه خير عظيم» «٤» وقال: «لو بذلت

стр. 13

ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير». اه «١». ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [الحديد: ١٣] «٢». لم يكن الشيخ أول من دخل السجن بل سبقه إلى هذا الطريق العلماء والأئمة، وقبلهم الأنبياء والرسل. وهو لمثل هؤلاء كالنار للذهب، لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء ولهذا قال الشيخ كلمته المشهورة: «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنّى رحت فهي معي لا تفارقني. إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة» اه «٣». وقد كان هذا الامتحان والإيذاء للشيخ من أسباب انتشار دعوته وعلمه، وقال في إحدى رسائله: «ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه فيحق الحق لكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ... » «٤». وضيق على الشيخ في سجنه شيئا فشيئا، ومنع دخول التلاميذ عليه، ثم صدر مرسوم بإخراج جميع أدوات الكتابة من عنده منعا له من التأليف، وبعد هذا تفرغ تفرغا تاما للعبادة والخلوة بربه، وكان يكثر من قراءة القرآن والتضرع إلى الله. وقبل وفاته ببضعة وعشرين يوما ألمّ به بعض المرض فبقي على هذه الحالة إلى أن وافاه الأجل المحتوم في ليلة الاثنين لعشر بقين من ذي القعدة لسنة ثمان وعشرين وسبع ومائة- رحمة الله رحمة واسعة-. وقد فوجئ الناس بهذا الخبر، وانزعجوا لذلك انزعاجا كبيرا، وحضروا زرافات وفردانا للقلعة حيث كان موجودا، وهالهم الخطب، وأغلقت المتاجر، وذكر أخوه زين الدين- الذي كان يصحبه حيث كان يصحبه في سجنه- أنه كان يقرأ هو وأخوه القرآن في داخل السجن. وأن آخر ما انتهى إليه الشيخ قبيل وفاته قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) «٥» «٦».

стр. 14

وغسل شيخ الإسلام وكفّن وصلّى عليه في الجامع الأموي وقد حضره جم غفير من الناس، حتى وقفوا مرصوصين رصّا في داخل الجامع لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة لكثرتهم، وذكر ابن كثير أنه لم يتخلف عن حضورها أحد من أهل العلم إلا ثلاثة نفر وهم ابن جملة، والصدر، والقفجاقي، وذكر أن هؤلاء اشتهروا بعداوة الشيخ، فاختفوا خوفا على أنفسهم من الناس «١» وقد صلي عليه الظهر، ولم يدفن إلا قرب العصر لكثرة الزحام، ودفن في مقبرة الصوفية إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله. ورحم الله الإمام أحمد حيث قال: «قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز» «٢». قال البرزالي بعد إيراد هذا الأثر: «ولا شك أن جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدين ابن تيمية توفي ببلده دمشق وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوا في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسا من جهة السلطان ... - ثم ذكر تشويه بعض المنتسبين إلى الفقه لشخصيته بين الناس» «٣». وقد رئيت له منامات طيبة، ورثي بمراثي كثيرة من علماء عصره، وممن بعدهم «٤». سادسا مكانته العلمية وثناء العلماء عليه تبوأ الشيخ مكانة علمية واسعة فقد فاق أقرانه إذ هو الإمام حقا، وشيخ الإسلام صدقا، وهو البحر من أي جهة أتيته، ولا تكدره الدلاء. إمام وأي إمام. لقد طبّق اسمه الدنيا وبلغت مؤلفاته ما بلغ الليل والنهار،

стр. 15

وأصبح علم المذهب السلفي، فكل من التزم المذهب الحق في باب العقائد قيل: هو على مذهب ابن تيمية، فهو إذا مدرسة الأجيال تخرج منها فطاحل العلماء، والأئمة العظماء. فإذا كان عصره يعج بالتيارات الفكرية المتباينة، ممثلا في مذاهب عقدية منحرفة من جهمية، ومعتزلة، وأشاعرة ... إلخ، إضافة إلى صوفية خيمت على العالم الإسلامي بسلوكياتها وأصولها الفاسدة، أضف إلى أن بضاعة الفلاسفة والمناطقة رائجة، وسلعتهم نافقة، هذا مع ما كان المسلمون يتلقونه من حرب فكرية عاتية من الصليبية الحاقدة لا تقل خطرا عن حروبهم العسكرية الشرسة. وقد تصدى الشيخ لكل هؤلاء، وانبرى للرد عليهم، وتفنيد أقوالهم، وكان يعمل على جميع الجبهات، فلم يشغل مناقشة هؤلاء عن الرد على أولئك. وكان إذا تكلم في فنّ حسبه السامع لا يحسن غيره، وظنه قد تخصص في هذا الجانب بل إن أصحاب المذاهب الأخرى يستفيدون منه علوما في مذاهبهم كانوا يجهلونها وتخفى عليهم «١». حتى ذكر أنه ما تكلم في علم من العلوم سواء أكان علوم الشرع أم من غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وما ناظر أحدا فانقطع معه «٢». وإن القارئ ليقف منبهرا أمام هذه العلمية الفذّة. وخير من يجلّي الحقيقة ويوفّي الموضوع حقه أو بعضه، هم العلماء الفحول، صيارفة الرجال، والأئمة النقاد، الذين وصفهم هو الوصف، ومدحهم هو المدح، وثناؤهم هو الثناء. يقول الإمام الذهبي في معرض وصفه لشيخ الإسلام: « .... وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسّر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره في أيام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحته وسقمه، فما يلحق فيه، وأما نقله للفقه، ومذاهب الصحابة والتابعين، فضلا عن المذاهب الأربعة، فليس له فيه نظير. وأما معرفته بالملل والنحل، والأصول والكلام فلا أعلم له فيه نظيرا ... وقال أيضا: كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسا في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف. بحرا في

стр. 16

النقليات، هو في زمانه فريد عصره علما وزهدا ... إلى أن قال: وقرأ وحصل، وبرع في الحديث والفقه، وتأهل للتدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة. وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها ودقها وجلها، سوى علم القراءات. فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عدّ الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا. وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلّهم وتيّسهم، وهتك أستارهم وكشف عوارهم. وله يد طولى في معرفته العربية والصرف واللغة. وهو أعظم من أن يصفه كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي ... وقال: وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتاب والسنة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» ولكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي ... ، وقال: فلو حلّفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم». اه «١». وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وقد سئل عن شيخ الإسلام بعد اجتماعه به، كيف رأيته؟ فقال: «رأيت رجلا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها، ويترك ما شاء ... » «٢». وقال ابن عبد الهادي: «وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدا لطيفا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر، وأحصيت ما كتبه وبيّضه في يوم فكان ثمانية كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على سؤال الواحد مجلدا» اه «٣». هذه لمحات يسيرة من ثناء الأئمة على الشيخ، من خلالها يمكن للقارئ معرفة ما ميّز الله هذا الرجل من وفرة العلم وسعة الاطلاع. وما ذكرته ما هو إلا قطرة من بحر، وذرة من رمل وشيء يسير جدّا ومن أراد التوسع فليراجع بعض الكتب التي أفردت لهذا الشأن «٤». وبنظرة سريعة على فهارس «مجموع الفتاوى»

стр. 17

يمكن للشخص أن يأخذ من خلالها حكما أوليّا على المكانة العلمية الواسعة والشاملة لهذا الرجل. ويكفيه فخرا واعتزازا أن له الفضل- بعد الله- في تجديد ما اندرس من المنهج السلفي القائم على الكتاب والسنة، ودعوة الناس من جديد للعودة إلى هذا المعين الصافي والأخذ منه مباشرة، وقد كان لذلك الأثر الكبير على الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا. يقول عبد الله بن حامد في معرض كلامه على مدى تأثره بشيخ الإسلام، وأنه كان سببا في هدايته للحق والصواب، بعد أن فتش في كتب أهل الكلام، متقدميهم، ومتأخريهم باحثا عن النهج السويّ، والطريق المستقيم، يقول- ﵀: «وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا ﵀، قد طالعت مصنفات المتقدمين، ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الإسلام، فرأيت فيها الزخارف والأباطيل والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الدين أن تخطر بباله، فضلا عن القوي في الدين، فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم، من المقالات السخيفة، والآراء الضعيفة التي لا يعتقد جوازها آحاد الأمة، وكنت أفتش على السنّة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد على الخصوص، لاشتهارهم بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد، فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم يتناقضون ... إلى أن قال: فإذا جمعت بين أقاويل المعتزلة، والأشعرية، وحنابلة بغداد وكرامية خراسان، أرى إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوءني ذلك وأظل أحزن حزنا لا يعلم كنهه إلا الله ... إلى أن قال: إلى أن قدّر الله سبحانه وقوع تصنيف الإمام إمام الدنيا في يدي قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت فيه ما يبهرني في موافقة فطرتي، لما فيه من عزو الحق إلى أئمة السنّة وسلف الأمة مع مطابقة المعقول والمنقول، فبهتّ لذلك سرورا بالحق، وفرحا بوجود الضالة التي ليس لفقدها عوض ... » «١». وقال شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي- أحد تلامذة الشيخ- في رسالة إلى تلاميذ الشيخ يحثهم فيها على جمع مؤلفاته، يقول في معرض ذلك: «فإن يسر الله تعالى وأعان على هذه الأمور العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة

стр. 18

صالحة للإسلام وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية على قواعده ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى ... » اه «١». وصدق- والله- فإنه قلما يكتب أحد في أي مسألة من المسائل، وخاصة في ما يتعلق بالأصول، إلا وينقل عن شيخ الإسلام، ويستفيد مما كتب وألف. ومن طريف ما يذكر عن سرعة بديهة الشيخ وقوة علميته أنه مرة كان جالسا في حلقته إذ جاءه سؤال على لسان ذمي ينكر صاحبه القدر، وكان السؤال عبارة عن أبيات من الشعر، ومطلعها: يا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأعظم حجة إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي فلما قرأ الشيخ الأبيات فكر قليلا، ثم أنشأ يكتب في الحال جوابا لهذا الاعتراض، وكان الطلاب يظنون أنه يكتب نثرا، ولما فرغ وقرأه من حضر من أصحابه وإذا هو نظم من الشعر، من نفس البحر والقافية الذي ورد به السؤال، يزيد على مائة بيت، وقد ذكر أنه أبرز فيها من العلوم ما لو شرح لجاء شرحه في مجلدين كبيرين، يقول في مطلعها: سؤالك يا هذا سؤال معاند تخاصم رب العرش باري البرية وهذا سؤال خاصم الملأ العلا قديما به إبليس أصل البلية ومن يك خصما للمهيمن يرجعن على أم رأس هاويا في الحفيرة إلى آخر الأبيات «٢». سابعا مؤلفاته وآثاره كما سبق أن عرفنا فقد كان الشيخ أشبه ما يكون بموسوعة، له في كل فنّ نصيب، كان قلمه سيالا، تميز بسرعة الكتابة- ولولا ذلك والله أعلم- لما خلّف هذا التراث الضخم.

стр. 19

يقول أخوه أبو عبد الله: «وقد منّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل» اه «١». وقد ذكر ابن عبد الهادي أنه يكتب مجلدا لطيفا في يوم، بل إنه كتب «الحموية» في جلسة بين الظهر والعصر «٢». وكتب «الواسطية» في قعدة بعد العصر «٣». وغالب ما كتب في «باب العقائد» إما ردّ على مبتدع، أو جواب لسؤال ورد عليه، كما ذكر ذلك هو عن نفسه، في مناظرة الواسطية قال: «وأما الكتب، فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك. ولكنني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم» اه «٤». وقد كان للفتن والمحن التي مرّ بها الشيخ أثر في ضياع بعض مصنفاته وكتبه فكثيرا ما يقول: «قد كتبت في كذا وكذا ويسأل عن الشيء، فيقول: كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردّوا خطي وأظهروه لينقل. فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه فيذهب ولا يعرف اسمه» «٥». وأيضا من أسباب ضياع بعض كتبه: أنه يكتب في بعض الأحيان الجواب لمن سأله، فإن وجد من ينقل الجواب ويبيضه، وإلا أخذ السائل الجواب وذهب «٦». وذكر ابن عبد الهادي أن الشيخ لما حبس تفرّق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوّفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، وذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه. فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تحصيلها فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف «٧».

стр. 20

ولهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء مصنفاته، وتباينت أقوال العلماء في تعدادها. يقول الحافظ البزار: وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبا أحد، لأنها كثيرة جدّا، كبارا وصغارا، وهي منشورة في البلدان. فقلّ بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه. ثم ذكر أنه يمكن تعداد ما ينيف على المائتين من مؤلفاته «١». أما تلميذه ابن القيم فقد ذكر نحوا من سبعة وثلاثين وثلاثمائة مصنف للشيخ، إجابة لمن سئل عن تعداد ما ألّفه شيخ الإسلام، وذكر أن هذا هو الذي يحضره وأنه لم يستوعبها «٢». وقد قيل: إن تعداد مؤلفاته تصل إلى الألف، وقيل خمسمائة وقيل ثلاثمائة، وقيل غير ذلك، وكل يذكر ما وصل إليه «٣». وإنه لمن الصعب ذكر جميع مؤلفاته عبر هذه الترجمة الموجزة، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جلّه، وسأذكر هنا أنموذجا لبعض مؤلفاته الكبار، وخاصة في ما يتعلق بالعقيدة والذي سبق أن طبع، فمنها: ١ - درء تعارض العقل والنقل: والكتاب طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في عشرة أجزاء والحادي عشر فهارس. ط الأولى ١٣٩٩ هـ- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٢ - منهاج السنة في نقض كلام الشيعة القدرية: وأيضا طبع أخيرا بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في ثمانية أجزاء التاسع منها فهارس. ط الأولى ١٤٠٦ هـ- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٣ - نقض التأسيس: طبع منه جزءان، بعناية: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، والكتاب حقق

стр. 21

في عدة رسائل علمية- في قسم العقيدة بكلية أصول الدين- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٤ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع في جزءين، وقد حقق في عدة رسائل علمية، في قسم العقيدة بكلية أصول الدين- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٥ - الاستقامة: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في جزءين. ط الأولى ١٤٠٣ هـ- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٦ - اقتضاء الصراط المستقيم: طبع أخيرا بتحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل، في جزءين ط الأولى ١٤٠٤ هـ- مكتبة الرشد للنشر والتوزيع- الرياض. ٧ - وهناك عدة رسائل نحو: التدمرية، والتسعينية، والحموية، وشرح الأصفهانية، وغير ذلك. كما أن كثيرا من مؤلفات الشيخ قد طبعت ضمن مجاميع، مثل: «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، و «مجموعة الرسائل الكبرى» و «الفتاوى الكبرى» و «مجموعة الرسائل والمسائل» و «مجموعة الرسائل المنيرية» «١». ثامنا شيوخه وتلاميذه لقد سمع وروى عن كثير من الشيوخ يصل عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، جاء ذكر بعضهم في «الأربعين لشيخ الإسلام» «٢». وممن روى عنه الشيخ: والده عبد الحليم بن عبد السلام، وابن

стр. 22

عبد الدائم، وابن أبي اليسر، والشيخ شرف الدين أحمد بن نعمة المقدسي، المجد ابن عساكر، ويحيى بن الصيرفي، وابن عبد القوي، وغيرهم «١». أما تلاميذه، فشيخ الإسلام ليس إلا مدرسة تخرج منها علماء أفذاذ، وجهابذة حفاظ، وإنه من الصعب الإحاطة بجميع تلامذته، والمتأثرين به، وأنا أذكر هنا أنموذجا ممن تخرج من هذه المدرسة، ومن أشهر هؤلاء: - محمد بن أبي بكر، المعروف «بابن قيم الجوزية». المتوفى ٧٥٢ هـ. - أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي. المتوفى ٧٤٨ هـ. - الحافظ ابن كثير، أبو الفداء. المتوفى ٧٧٤ هـ. - محمد بن أحمد، المعروف «بابن عبد الهادي». المتوفى ٧٤٤ هـ. - عمر بن علي البزار. المتوفى ٧٤٩ هـ. وغير هؤلاء كثير. هذه ترجمة موجزة جدا لهذا الإمام، ولا تعدو أن تكون قطرة من بحر حياته، وغيضا من فيض جهاده، ولو أقسم شخص، أنه لم يأت أحد بعده مثله، إلى يومنا هذا، لما حنث في يمينه، والله أعلم. وإنه لمن الجدير بكل مسلم، وخاصة العلماء منهم والدعاة أن يدرسوا حياة هذا الشيخ دراسة متمعنة ووافية، وينهلوا من معينها الصافي. ومع هذا كله لا يخرج عن كونه بشرا يصيب ويخطئ، ولكن كما قال الإمام ابن كثير: « .. ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي وخطؤه أيضا مغفور له، كما في صحيح البخاري: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» «٢» فهو مأجور ... » «٣». والله أسأل أن يجزل لنا وله ولجميع المسلمين الأجر والمثوبة، وأن يرفع منزلته في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا «٤».

стр. 23

_________ - الواسطي، تحقيق: علي حسن عبد الحميد. - «ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية» لخادمه: إبراهيم بن أحمد الغياني، تحقيق محب الدين الخطيب. - «العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» لابن عبد الهادي. - «الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» لابن القيم. - «قطعة من مكتوب الشيخ شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي، أحد تلامذة شيخ الإسلام إلى حنابلة دمشق ... » تحقيق: محمد الشيباني. - «الوافي بالوفيات» للصفدي (٧/ ١٥ - ٣٣). - «فوات الوفيات» للكتبي، (١/ ٧٤ - ٨٠). - «البداية والنهاية» لابن كثير، (١٤/ ١٣٥ - ١٤٠). - «دول الإسلام» للذهبي، ص ٤٢٠. - «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٤/ ١٤٩٦ - ١٤٩٨). - «ذيول العبر» للذهبي (٨٤). - «معجم الشيوخ» للذهبي (١/ ٥٦ - ٥٧). - «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٤/ ٣٨٧ - ٤٠٨). - «الرد الوافر» لابن ناصر الدين الدمشقي. - «رسالة قصيرة في فضل شيخ الإسلام ابن تيمية ومحبة أهل العلم له» لعبد الله بن حامد، تحقيق: محمد الشيباني. - «الدرر الكامنة» لابن حجر (١/ ١٥٤ - ١٧٠). - «تقريظ للحافظ ابن حجر على الرد الوافر لابن ناصر»، تحقيق: محمد الشيباني. - «المنهل الصافي» لجمال الدين أبي المحاسن (١/ ٣٥٨ - ٣٦٢). - «طبقات الحفاظ» للسيوطي ص ٥٢٠ - ٥٢١. - «شذرات الذهب» (٦/ ٨٠ - ٨٦). - «الكواكب الدرية في مناقب ابن تيمية» لمرعي بن يوسف الحنبلي. - «الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية» لمرعي بن يوسف الحنبلي. - «البدر الطالع» للشوكاني (١/ ٦٣ - ٧٢). - «القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي»، لصفي الدين الحنفي. - «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» للآلوسي. - «الفتح المبين في طبقات الأصوليين» للمراغي (٢/ ١٣٤ - ١٣٧). - «معجم المؤلفين» لعمر كحالة (١/ ٢٦١). - «الأعلام» للزركلي (١/ ١٤٤). - «ابن تيمية حياته وعصره» لأبي زهرة. - «رجال الفكر والدعوة في الإسلام. خاص بحياة شيخ الإسلام» لأبي الحسن الندوي. - «حياة شيخ الإسلام ابن تيمية» لمحمد بهجة البيطار. - «الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل» لمحمد السيد الجليند.-

стр. 24

_________ -- «باعث النهضة الإسلامية، ابن تيمية السلفي» لمحمد خليل هراس. - «ابن تيمية المفترى عليه» لسليم الهلالي. - «شيخ الإسلام ابن تيمية إمام السيف والقلم» لسعيد صادق محمد. - «رسائل من السجن» لمحمد العبدة. - «ابن تيمية وجهوده في التفسير» لإبراهيم خليل بركة. - «أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية» لمحمد الشيباني. - «شيخ الإسلام ابن تيمية سيره وأخباره عند المؤرخين» لصلاح الدين المنجد.

стр. 25

[المدخل] بسم الله الرّحمن الرّحيم سئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه وهو مقيم بالديار المصرية في شهور سنة اثنتي عشر وسبعمائة أن يشرح العقيدة التي ألفها الشيخ شمس الدين محمد ابن الأصفهاني الإمام المتكلم المشهور الذي قيل إنه لم يدخل إلى الديار المصرية أحد من رءوس علماء الكلام مثله وأن يبين ما فيها. فأجاب إلى ذلك واعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام فإن الحق أحق أن يتبع، والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين، والله تعالى يقول: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «١»، النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ «٢»، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) «٣». وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) «٤» وليعلم أن الشرح المطلوب الآتي ذكره اشتمل ولله الحمد مع اختصاره على غرر قواعد أصول الدين التي لم ينهض بتحقيق الحق فيها إلا الجهابذة النقاد من سادات الأولين والآخرين كما ستشهد ذلك ويشهد به وقت التأمل أهل العدل والإنصاف، من المحقين المحققين، والله سبحانه ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وأول العقيدة المذكورة قوله: (الحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد رسوله وعبده: للعالم خالق واجب الوجود لذاته واحد عالم قادر حي مريد متكلم سميع بصير.

стр. 26

والدليل على وجوده: الممكنات لاستحالة وجودها بنفسها واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه وافتقار الممكن إلى علته. والدليل على وحدته: أنه لا تركيب فيه بوجه من الوجوه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه، ويلزم من ذلك أنه لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود الاثنين بلا امتياز وهو محال. والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده الأشياء مع الجهل بها. والدليل على قدرته إيجاده الأشياء، وهي إما بالذات، وهو محال وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما وهو باطل فتعين أن يكون فاعلا بالاختيار وهو المطلوب. والدليل على أنه حي: علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير الحي. والدليل على إرادته: تخصيصه الأشياء بخصوصيات واستحالة التخصيص من غير مخصص. والدليل على كونه متكلما: أنه آمر وناه لأنه بعث الرسل لتبليغ أوامره ونواهيه ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك. والدليل على كونه سميعا بصيرا: السمعيات. والدليل على نبوة الأنبياء: المعجزات. والدليل على نبوة نبينا محمد ﷺ القرآن المعجز نظمه ومعناه. ثم نقول: كل ما أخبر به النبيّ محمد ﵊ من عذاب القبر ومنكر ونكير وغير ذلك من أحوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة والنار فهو حق لأنه ممكن، وقد أخبر به الصادق فلزم صدقه، والله الموفق). فأجاب رضي الله تعالى عنه: الحمد لله رب العالمين، ما في هذا الكلام من الإخبار بأن للعالم خالقا وأنه واجب الوجود بنفسه «١» وأنه واحد عالم قادر حي مريد متكلم سميع بصير فهو حق لا ريب فيه وكذلك ما فيه من الإقرار بنبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونبوة محمد ﷺ وأنه يجب التصديق بكل ما أخبر به من

стр. 27

عذاب القبر ومنكر ونكير وغير ذلك من أحوال القيامة والصراط والميزان، والشفاعة والجنة والنار، فإنه حق، فإن هذه الأسماء المقدسة المذكورة لله تعالى منها ما هو في كتاب الله تعالى كاسمه الواحد والعالم والقادر والحي والسميع والبصير. قال تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ «١» وقال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) «٢» وقال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ «٣» وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «٤» وقال تعالى: وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) «٥» وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٦» وقال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٧» ومثل هذا في القرآن كثير. أما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم فإن هذين الاسمين لم يردا في القرآن ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ومعناهما حق، ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها، والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك وهي في نفسها صفات مدح، والأسماء الدالة عليها أسماء مدح. أما الكلام والإرادة: فلما كان جنسه ينقسم إلى محمود كالصدق والعدل، وإلى مذموم كالظلم والكذب، والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم، جاء ما يوصف به من الكلام والإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم والصادق والمؤمن والشهيد والرءوف والحليم والفتاح ونحو ذلك مما يتضمن معنى الكلام ومعنى الإرادة. فإن الكلام نوعان: إنشاء وإخبار، والإخبار ينقسم إلى صدق وكذب، والله تعالى يوصف بالصدق دون الكذب، والإنشاء نوعان: إنشاء تكوين وإنشاء تشريع، فإنه سبحانه له الخلق والأمر، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، والتكوين يستلزم الإرادة عند جماهير الخلائق، وكذلك يستلزم الكلام عند أكثر أهل الإثبات، وأما التشريع فيستلزم الكلام وفي استلزامه الإرادة نزاع، والصواب

стр. 28

أنه يستلزم أحد نوعي الإرادة كما سنبين إن شاء الله، والإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة، والله تعالى يوصف بأنه يأمر بالخير وينهى عن الشر فهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء، وكذلك الإرادة قد نزه نفسه عن بعض أنواعها بقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ «١». وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ «٢» فلهذا لم يجئ في أسمائه الحسنى المأثورة: المتكلم والمريد. وأما ما يوصف به الرب من الكلام والإرادة، فقد دلت عليه أسماؤه الحسنى، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله تعالى متكلم بكلام قائم به وأن كلامه غير مخلوق «٣»، وأنه مريد بإرادة قائمة به، وأن إرادته ليست مخلوقة، وأنكروا على الجهمية «٤» من المعتزلة وغيرهم الذين قالوا: إن كلام الله مخلوق خلقه في غيره وإنه كلّم موسى بكلام خلقه في الهواء. واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود ومعنى قولهم: منه بدأ أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه بدأ من بعض المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم به كلام، ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته فإن الكلام وغيره من الصفات لا تفارق الموصوف بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف تكون صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره؟ ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن منه، ورد بذلك على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين يقولون كلام الله بائن منه خلقه في بعض الأجسام، ومعنى قول السلف: إليه يعود ما

стр. 29

جاء في الآثار: «إن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية» «١». وقد قال الله تعالى عن المخلوق: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً «٢» ومع هذا فكلمة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل إلى غيره. وما جاءت به الآثار عن النبيّ ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين كالحديث الذي رواه أحمد في مسنده وكتبه إلى المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه» «٣» يعني القرآن، وفي لفظ: «بأحب إليه مما خرج منه»، وقول أبي بكر الصديق لما سمع كلام مسيلمة: «إن هذا كلام لم يخرج من إل». أي من رب. وقول ابن عباس لما سمع قائلا يقول لميت وضع في لحده: اللهم رب القرآن اغفر له، فالتفت إليه ابن عباس فقال: «مه. القرآن كلام الله ليس بمربوب منه خرج وإليه يعود»، هذا الكلام معروف عن ابن عباس. وقول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود كما استفاضت الآثار عنهم بذلك كما هو مذكور عنهم في الكتب المنقولة عنهم بالأسانيد المشهورة لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم وينتقل إلى غيره، ولكن هذا دليل على أن الله هو المتكلم بالقرآن.

стр. 30

ومنه سمع لا أنه خلقه في غيره، كما فسره بذلك أحمد وغيره من الأئمة. قال أبو بكر الأشتر: سئل أحمد عن قوله: القرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود؟ فقال أحمد: منه خرج: هو المتكلم به وإليه يعود. ذكره الخلال «١» في كتاب السنة عن عبد الله بن أحمد «٢». وما جاءت به الآثار مثل قول خباب بن الأرت: «تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه» وروي ذلك مرفوعا ونحو ذلك أولى أن لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم وينتقل إلى غيره، ولكن هذا دليل على أن الله هو المتكلم بالقرآن ومنه سمع لا أنه خلقه في غيره. وقد بين السلف والأئمة وأتباعهم فساد قول الجهمية وأتباعهم- الذين يقولون كلامه مخلوق- بوجوه كثيرة مثل قولهم: لو كان مخلوقا في غيره لكان صفة لذلك المحل ولاشتق لذلك المحل منه اسم كما في سائر الصفات مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والحياة وكما في الحركة والسكون والسواد والبياض وسائر الصفات التي تشترط لها الحياة فإنها إذا قامت بالمحل كانت صفة لذلك المحل دون غيره، واشتق لذلك المحل منها اسم دون غيره، فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره، وسمي بالاسم المشتق منها ذلك المحل دون غيره، وطرد هذا عند السلف وجمهور أهل الإثبات في أسماء الأفعال كالخالق والعادل وغير ذلك. أما من لم يطرد ذلك بل زعم أنه يوصف بصفات الأفعال وهي عنده

стр. 31

المفعولات المباينة له ويشتق له منها اسم فقوله متناقض، ولهذا نقضت المعتزلة قول هؤلاء بما سلموه لهم وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا التنبيه على الفرق بين المتكلم والمريد وغيرهما حيث جاءت النصوص باسم العليم والقدير والسميع والبصير، ولم تأت باسم المريد والمتكلم بما يدل على مطلق الإرادة والكلام وإنما جاءت بما يدل على الكلام المحمود والإرادة المحمودة لا باسم يشترك فيه المحمود والمذموم وأن الكلام والإرادة مما يقوم بالرب تعالى ويوصف به ليس ذلك أمرا منفصلا عنه كما تزعم الجهمية، والتنبيه على أنه لو كان كلام الله مخلوقا في محل لكان ذلك المحل هو المتكلم به، وكانت الشجرة مثلا هي القائلة لموسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي «١» ولوجب أن يكون ما أنطق الله به بعض مخلوقاته كلاما له وقد قال تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ «٢». وقد كان النبيّ ﷺ يسلم عليه الحجر، وقال: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن» «٣». وقد سبح الحصى بيديه حتى سمع تسبيحه «٤»، وأمثال ذلك كثير، والله هو الذي أنطق هذه الأجسام فلو كان ما يخلقه من النطق والكلام كلاما له لكان ذلك كلام الله كما أن القرآن كلام، وكان لا فرق بين أن ينطق هو وبين أن ينطق غيره من المخلوقات، وهذا ظاهر الفساد. وكان قدماء الجهمية تنكر أن يكون الله يتكلم، فإن حقيقة مذهبهم أن الله لا يتكلم، ولهذا قتل المسلمون أول من أظهر هذه البدعة في الإسلام: الجعد بن

стр. 32

درهم «١»، ضحى به خالد القسري «٢» في يوم النحر، وقال: ضحوا أيها الناس تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عمّا يقول الجعد علوّا كبيرا، ثم نزل فذبحه. ثم إنهم صاروا يقولون إنه متكلم مجازا ثم أظهروا القول بأنه متكلم حقيقة وفسروا ذلك بأنه خالق للكلام في غيره، وكان هذا من التلبيس على الناس فإن المتكلم عند الناس من قام به الكلام لا من أحدثه في غيره، كما أن المريد والرحيم والسميع والبصير والعالم والقادر من قامت به الإرادة والرحمة والسمع والبصر والعلم والقدرة لا من أحدث ذلك في غيره وكذلك الإرادة. ومن الجهمية والمعتزلة وغيرهم من يقول إنه لا إرادة له كما يقوله من يقوله من المعتزلة البغداديين، ومنهم من يقول: له إرادة أحدثها لا في محل كما يقوله البصريون منهم، والشيعة المتأخرون وافقوهم على ذلك ولهم قولان كالمعتزلة وهو من أفسد الأقوال من وجهين: من جهة إثباتهم صفة لا في محل، ومن جهة إثباتهم حادثا أحدثه لا بإرادة. فهذا المصنف: احترز عن مذهب هؤلاء وأحسن في ذلك، ولكن هذا المصنف اختصر هذه العقيدة من كتب المتكلمين الصفاتية الذين يثبتون ما ذكره من الصفات بما نبه عليه من الطرق العقلية ويسمون ذلك العقليات. وأما أمر المعاد: فيجعلونه كله من باب السمعيات لأنه ممكن في العقل

стр. 33

والصادق قد أخبر به، وأما المعتزلة «١» والفلاسفة «٢» والكرامية «٣» وغيرهم وكثير من أهل الحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم وكثير من الصوفية وسلف الأمة وأئمتها فيجعلون المعاد أيضا من العقليات ويثبتونه بالعقل، ويخوض أهل التأويل فيه كما خاضت الصفاتية في ذلك، ولكن المصنف سلك في ذلك طريقة أبي عبد الله الرازي «٤» فأثبت العلم والقدرة والإرادة والحياة بالعقل، وأثبت السمع

стр. 34

والبصر والكلام بالسمع، ولم يثبت شيئا من الصفات الخبرية، وأما من قبل هؤلاء كأبي المعالي الجويني «١» وأمثاله والقاضي أبي يعلى «٢» وأمثاله فيثبتون جميع هذه الصفات بالعقل كما كان يسلكه القاضي أبو بكر «٣» ومن قبله كأبي الحسن الأشعري «٤» وأبي

стр. 35

العباس القلانسي ومن قبلهم كأبي محمد بن كلاب «١» والحارث المحاسبي «٢» وغيرهما، وهكذا السلف والأئمة كالإمام أحمد بن حنبل «٣» وأمثاله يثبتون هذه الصفات بالعقل كما ثبتت بالسمع وهذه الطريقة أعلى وأشرف من طريقة هؤلاء المتأخرين، كما سنبين إن شاء الله تعالى. وأيضا فأئمة الصفاتية المتقدمون كابن كلاب والحارث المحاسبي

стр. 36

والأشعري وأبي العباس القلانسي وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الطبري والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني «١»، وأبي إسحاق الأسفرائيني «٢»، وأبي بكر ابن فورك «٣» وغيرهم يثبتون الصفات الخبرية التي ثبت أن رسول الله أخبر بها وكذلك سائر طوائف الإثبات كالسالمية والكرامية وغيرهم وهذا مذهب السلف والأئمة. ولا ريب أن ما أثبته هؤلاء الصفاتية من صفات الله تعالى ثابت بالشرع مع العقل، وهو متفق عليه بين سلف الأئمة وأئمتها، وإنما خصوا هذه الصفات بالذكر دون غيرها لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم كما نبه عليه المصنف، ولكن لا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول فلا يلزم نفي ما سوى هذه من الصفات، والسمع قد أثبت صفات أخرى، وأيضا فإن الرازي ونحوه ممن لم يثبت السمع طريقا إلى إثبات الصفات، ولا نزاع بينهم أنه طريق صحيح لكن يفرقون بين ما أثبتوه وبين ما توقفوا في ثبوته بأن العقل دل على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه، ولهم فيما لم يثبتوه طريقان: منهم من نفاه ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي، وهذه طريقة محققيهم كالرازي والآمدي وغيرهما بل ومن الناس من يثبت صفات أخرى بالعقل.

стр. 37

[مذهب السلف في الأسماء والصفات] فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف «١» ولا تعطيل «٢»، ومن غير تكييف «٣» ولا تمثيل «٤» فإنه قد علم بالشرع مع العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٥»، وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «٦» قال تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٧»

стр. 38

قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) «١» وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل يجب حدوثه وإمكانه فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك فكان كل منهما يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب وجوده وقدمه، ويجب حدوثه وإمكانه فيكون كل منهما واجب القدم، واجب الحدوث، واجب الوجود ليس واجب الوجود يمتنع قدمه لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين. فإذا عرفت هذا: فنقول: إن الله سمى نفسه في القرآن بالرحمن الرحيم، ووصف نفسه في القرآن بالرحمة والمحبة كما قال تعالى: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً «٢». قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «٣» وقال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «٤». قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «٥» ويحب المحسنين ويحب الصابرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنهم بنيان مرصوص ونحو ذلك. ومن الناس: من جعل حبه ورحمته عبارة عما يخلقه من النعمة كما جعل بعضهم إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات، وهذا ظاهر البطلان، لا سيما على أصل الصفاتية، ومنهم من جعل حبه ورحمته هي إرادته ونفى أن تكون له صفات هي الحب والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة. فيقال لهذا القائل: لم أثبت له إرادة وإنه مريد حقيقة ونفيت حقيقة الحب والرحمة ونحو ذلك؟ فإن قال: لأن إثبات هذا تشبيه لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق والرب ينزه عن مثل صفات المخلوقين. قيل له: وكذلك يقول من ينازع في الإرادة أن الإرادة المعروفة ميل الإنسان إلى ما ينفعه وما يضره، والله تعالى منزه عن أن يحتاج إلى عباده وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه بل هو الغني عن خلقه كلهم.

стр. 39

فإن قلت: الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوق كما أنّا قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي عليم قدير وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين. قال لك أهل الإثبات: وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق. فإن قلت: لا أعقل من الرحمة والمحبة إلا هذا؟ قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا ومعلوم عند كل عاقل أن إرادتنا ومحبتنا ورحمتنا بالنسبة إلينا كإرادته ورحمته ومحبته بالنسبة إليه، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين، فيثبت له إحدى الصفتين وتنفي الأخرى، وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذ أكثر ما يقال أني أثبت الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال لك: انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة فمن أين نفيت ذلك؟ ثم يقال: بل السمع أثبت ذلك أيضا وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة فيقال: ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين، وكشف الضر عن المضرورين والإحسان إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة الخالق سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوبية بهذا الطريق؛ تارة يدلهم بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته ومشيئته، وتارة يدلهم بالنعم والآلاء على وجود برّه وإحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في القرآن، وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه ولم يكن أقل منه بكثير كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ «١» وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) «٢» وقوله في سورة الرحمن بعد أن ذكر كل نوع من هذه الأنواع: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) «٣». وبالجملة ما ذكره في القرآن من الأمثال والآيات تارة يقرر بها نفس مشيئته وقدرته وخلقه وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته، وهذه الطريقة مستلزمة للأولى من غير عكس، فإنه يلزم من وجود الإحسان والرحمة وجود القدرة

стр. 40

والمشيئة من غير عكس، وقس على هذا غيره من الصفات وأمره هو أيضا مما يعلم بالسمع وبالعقل أيضا كما تعلم إرادته وكما تعلم محبته، وهذه المسائل مبسوطة في مواضع، وإنما ذكرنا في هذا الشرح ما يناسب حال هذه العقيدة المختصرة المشروحة. وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في محبة الله وذكرنا أن للناس في هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال: أحدها أن الله تعالى يحبّ ويحبّ، كما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «١» فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة دون سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها «٢»، وهذا قول أئمة شيوخ المعرفة، والقول الثاني: أنه يستحق أن يحبّ لكنه لا يحب إلا بمعنى أن يريد وهذا قول كثير من المتكلمين ومن وافقهم من الصوفية، والثالث أنه لا يحب ولا يحب وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام والرازي. ومما يوضح ذلك أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «٣» ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به بل يتأوله أو يفوضه وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق. ثم الطريق النبوية فمنهم من يحيل على القياس، ومنهم من يحيل على الكشف، وكلّ من الطريقتين فيها من الاضطراب والاختلاف ما لا ينضبط وليست
следующие страницы →