← Акыда

Акыда · id 11248

شرح العقيدة الأصفهانية

ابن تيمية

Полный текст (224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والأشعري وأبي العباس القلانسي وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الطبري والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني «١»، وأبي إسحاق الأسفرائيني «٢»، وأبي بكر ابن فورك «٣» وغيرهم يثبتون الصفات الخبرية التي ثبت أن رسول الله أخبر بها وكذلك سائر طوائف الإثبات كالسالمية والكرامية وغيرهم وهذا مذهب السلف والأئمة. ولا ريب أن ما أثبته هؤلاء الصفاتية من صفات الله تعالى ثابت بالشرع مع العقل، وهو متفق عليه بين سلف الأئمة وأئمتها، وإنما خصوا هذه الصفات بالذكر دون غيرها لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم كما نبه عليه المصنف، ولكن لا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول فلا يلزم نفي ما سوى هذه من الصفات، والسمع قد أثبت صفات أخرى، وأيضا فإن الرازي ونحوه ممن لم يثبت السمع طريقا إلى إثبات الصفات، ولا نزاع بينهم أنه طريق صحيح لكن يفرقون بين ما أثبتوه وبين ما توقفوا في ثبوته بأن العقل دل على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه، ولهم فيما لم يثبتوه طريقان: منهم من نفاه ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي، وهذه طريقة محققيهم كالرازي والآمدي وغيرهما بل ومن الناس من يثبت صفات أخرى بالعقل.

стр. 37

[مذهب السلف في الأسماء والصفات] فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف «١» ولا تعطيل «٢»، ومن غير تكييف «٣» ولا تمثيل «٤» فإنه قد علم بالشرع مع العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٥»، وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «٦» قال تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٧»

стр. 38

قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) «١» وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل يجب حدوثه وإمكانه فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك فكان كل منهما يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب وجوده وقدمه، ويجب حدوثه وإمكانه فيكون كل منهما واجب القدم، واجب الحدوث، واجب الوجود ليس واجب الوجود يمتنع قدمه لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين. فإذا عرفت هذا: فنقول: إن الله سمى نفسه في القرآن بالرحمن الرحيم، ووصف نفسه في القرآن بالرحمة والمحبة كما قال تعالى: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً «٢». قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «٣» وقال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «٤». قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «٥» ويحب المحسنين ويحب الصابرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنهم بنيان مرصوص ونحو ذلك. ومن الناس: من جعل حبه ورحمته عبارة عما يخلقه من النعمة كما جعل بعضهم إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات، وهذا ظاهر البطلان، لا سيما على أصل الصفاتية، ومنهم من جعل حبه ورحمته هي إرادته ونفى أن تكون له صفات هي الحب والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة. فيقال لهذا القائل: لم أثبت له إرادة وإنه مريد حقيقة ونفيت حقيقة الحب والرحمة ونحو ذلك؟ فإن قال: لأن إثبات هذا تشبيه لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق والرب ينزه عن مثل صفات المخلوقين. قيل له: وكذلك يقول من ينازع في الإرادة أن الإرادة المعروفة ميل الإنسان إلى ما ينفعه وما يضره، والله تعالى منزه عن أن يحتاج إلى عباده وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه بل هو الغني عن خلقه كلهم.

стр. 39

فإن قلت: الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوق كما أنّا قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي عليم قدير وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين. قال لك أهل الإثبات: وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق. فإن قلت: لا أعقل من الرحمة والمحبة إلا هذا؟ قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا ومعلوم عند كل عاقل أن إرادتنا ومحبتنا ورحمتنا بالنسبة إلينا كإرادته ورحمته ومحبته بالنسبة إليه، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين، فيثبت له إحدى الصفتين وتنفي الأخرى، وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذ أكثر ما يقال أني أثبت الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال لك: انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة فمن أين نفيت ذلك؟ ثم يقال: بل السمع أثبت ذلك أيضا وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة فيقال: ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين، وكشف الضر عن المضرورين والإحسان إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة الخالق سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوبية بهذا الطريق؛ تارة يدلهم بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته ومشيئته، وتارة يدلهم بالنعم والآلاء على وجود برّه وإحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في القرآن، وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه ولم يكن أقل منه بكثير كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ «١» وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) «٢» وقوله في سورة الرحمن بعد أن ذكر كل نوع من هذه الأنواع: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) «٣». وبالجملة ما ذكره في القرآن من الأمثال والآيات تارة يقرر بها نفس مشيئته وقدرته وخلقه وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته، وهذه الطريقة مستلزمة للأولى من غير عكس، فإنه يلزم من وجود الإحسان والرحمة وجود القدرة

стр. 40

والمشيئة من غير عكس، وقس على هذا غيره من الصفات وأمره هو أيضا مما يعلم بالسمع وبالعقل أيضا كما تعلم إرادته وكما تعلم محبته، وهذه المسائل مبسوطة في مواضع، وإنما ذكرنا في هذا الشرح ما يناسب حال هذه العقيدة المختصرة المشروحة. وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في محبة الله وذكرنا أن للناس في هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال: أحدها أن الله تعالى يحبّ ويحبّ، كما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «١» فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة دون سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها «٢»، وهذا قول أئمة شيوخ المعرفة، والقول الثاني: أنه يستحق أن يحبّ لكنه لا يحب إلا بمعنى أن يريد وهذا قول كثير من المتكلمين ومن وافقهم من الصوفية، والثالث أنه لا يحب ولا يحب وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام والرازي. ومما يوضح ذلك أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «٣» ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به بل يتأوله أو يفوضه وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق. ثم الطريق النبوية فمنهم من يحيل على القياس، ومنهم من يحيل على الكشف، وكلّ من الطريقتين فيها من الاضطراب والاختلاف ما لا ينضبط وليست

стр. 41

واحدة منهما تحصل المقصود بدون الطريق النبوية، والطريق النبوية تحصل الإيمان النافع في الآخرة بدون ذلك، ثم إن حصل قياس أو كشف يوافق ما أخبر به الرسول كان حسنا مع أن القرآن قد نبه على الطرق الاعتبارية التي بها يستدل على مثل ما في القرآن كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ «١». فأخبر أنه يري عباده من الآيات المشهودة التي هي أدلة عقلية ما يتبين أن القرآن حق. وليس لقائل أن يقول: إنما خصصت هذه الصفات بالذكر لأن السمع موقوف عليها دون غيرها فإن الأمر ليس كذلك لأن التصديق بالسمعيات ليس موقوفا على إثبات السمع والبصر ونحو ذلك.

стр. 42

فصل [الرد على من نفى بعض صفات الله تعالى] فإن قيل: إنما نفينا الرحمة والمحبة والرضا والغضب ونحو ذلك من الصفات لأنه لا يعقل لها حقيقة تليق بالخالق إلا الإرادة فالمحبة والرضا إرادة الإحسان، والغصب إرادة العقاب منه فالفرق بينهما بحسب تعلقاتها لأن هذه في نفسها ليست عدة، قيل: هذا باطل فإن نصوص الكتاب والسنة والإجماع مع الأدلة العقلية تبين الفرق فإن الله سبحانه يقول: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ «١» وقال تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ «٢» فبين أنه لا يرضى هذه المحرمات مع أن كل شيء كائن بسببه، وقال تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ «٣» وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة قبل حدوث أقوال النفاة من الجهمية ونحوهم أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ولا يحب الكفر والفسوق والعصيان، وأنه يرضى هذا ولا يرضى هذا والجميع بمشيئته وقدرته، والذين لم يفرقوا لهم تأويلات؛ تارة يقولون لا يرضاه لعباده المؤمنين فهم يقولون لا يحب الإيمان والعمل الصالح ممن لم يفعله كما لم يرده ممن لم يفعله ويقولون: إنه يحب الكفر والفسوق ممن فعله كما أراده ممن فعله. وفساد هذا القول مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، مع دلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف على فساده، وتأويلهم الثاني قالوا: لا يرضاه دينا كما يقولون لا يريده دينا، ومعناه عندهم أنه لا يريد أن يثيب فاعله إذ جميع الموجودات والأفعال عندهم بالنسبة إليه سواء، لا يحب منها شيئا دون شيء ولا يبغض منها شيئا دون شيء، وقد بسط الكلام على فساد هذا القول وتناقضه في مواضع أخر.

стр. 43

وإنما المقصود هنا التنبيه على أن ما يجب إثباته لله تعالى من الصفات ليس مقصورا على ما ذكره هؤلاء مع إثباتهم بعض صفاته بالعقل وبعضها بالسمع فإن من عرف حقائق أقوال الناس وطرقهم التي دعتهم إلى تلك الأقوال حصل له العلم والرحمة فعلم الحق ورحم الخلق، وكان مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذه خاصة أهل السنة المتبعين للرسول ﷺ فإنهم يتبعون الحق، ويرحمون من خالفهم باجتهاده حيث عذره الله ورسوله، وأهل البدع يبتدعون بدعة باطلة ويكفرون من خالفهم فيها.

стр. 44

فصل [تميز أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين] ومن شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة أن يذكروا ما يتميز به أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين فيذكروا إثبات الصفات، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى يرى في الآخرة خلافا للجهمية من المعتزلة وغيرهم، ويذكرون أن الله خالق أفعال العباد وأنه مريد لجميع الكائنات وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، خلافا للقدرية «١» من المعتزلة وغيرهم، ويذكرون مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، وأن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب، ولا يخلد في النار خلافا للخوارج «٢» والمعتزلة، ويحققون القول في الإيمان ويثبتون الوعيد لأهل الكبائر مجملا خلافا للمرجئة «٣»،

стр. 45

ويذكرون إمامة الخلفاء الأربعة وفضائلهم خلافا للشيعة «١» من الرافضة وغيرهم. وأما الإيمان بما اتفق عليه المسلمون من توحيد الله تعالى والإيمان برسله والإيمان باليوم الآخر فهذا لا بد منه، وأما دلائل هذه المسائل ففي الكتب المبسوطة الكبار وهذا المصنف لم يسلك هذا الطريق بل أشار إشارة مختصرة إلى دليل ما ذكره من الأحكام ولم يستوف الأحكام التي تذكر في المعتقدات وعذره في ذلك أن يقول: ذكرت جمل الإقرار بالربوبية والرسالة والمعاد فذكرت صفات الله الثبوتية، وذكرت الرسالة وما جاءت به النبوات من الإيمان بالمعاد. وقوله إنه متكلم يناقض قول من قال: القرآن مخلوق، فإن حقيقة قول أولئك أنه ليس بمتكلم وإثبات الإرادة عامة يتناول جميع الكائنات وإثبات القدرة المطلقة تتضمن أنه خالق كل شيء بقدرته، وبهذين يخرج قول المعتزلة في الكلام والقدرة، والمعترض عليه يقول: اقتصرت على بعض الصفات دون بعض. فإن كنت اقتصرت على ما يعلم العقل عندك فقد ذكرت السمع والبصر والكلام وأثبت ذلك بالسمع، وإن كنت ذكرت ما يتوقف تصديق الرسول ﷺ فهو لا يتوقف عندك على إثبات السمع والبصر والكلام لأنك أثبت ذلك بالسمع، وحقيقة الأمر أنك أثبت هذه الصفات السبع لأنها هي المشهورة عند المتأخرين من الكلابية كأبي المعالي وأمثاله بأنها العقليات، ولكن لم يثبتها جميعها بالعقل، بل أثبت بعضها بالسمع موافقة للرازي فلهذا لم تطرد له في ذلك طريق واحد، وهو قد نبه على الأدلة تنبيها يعلم به جنس ما يثبت به من الأدلة وإلا فما ذكره من الأدلة لا يكفي في العلم بهذه الأحكام، فإن الدليل إن لم تقرر مقدماته ويجاب عمّا يعارضها

стр. 46

لم يتم، فكيف إذا لم تقرر مقدماته بل ولا تثبت ونحن نزيد على ما ذكره على وجه تقريره. فأما قوله: (فالدليل على وجوده الممكنات لاستحالة وجودها بنفسها، واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه وافتقار الممكن إلى علته)؛ فهذا الدليل مبني على مقدمتين: إحداهما: أن الممكنات موجودة. والثانية: أن الممكن لا يوجد إلا بواجب الوجود. والمقدمة الأولى لم يقررها بحال ولا يمكن أن يسلك في ذلك طريقة ابن سينا «١»، وأمثاله من المتفلسفة الذين قالوا: نفس الوجود يشهد بوجود واجب الوجود «٢»، فإن الوجود إما ممكن وإما واجب والممكن مستلزم للواجب فثبت وجود الواجب على هذا التقرير. فإن هذه الطريقة وإن كانت صحيحة بلا ريب لكن نتيجتها إثبات وجود واجب، وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء المعتبرين ولا هو من المطالب العالية، ولا فيه إثبات الخالق ولا إثبات وجود واجب أبدع السموات والأرض كما يسلمه الإلهيون من الفلاسفة كأرسطو وأتباعه المشائين، وإنما فيه أن الوجود وجود واجب، وهذا يسلمه منكروا الصانع كفرعون والدهرية المحضة من الفلاسفة والقرامطة «٣» ونحوهم ويقولون إن هذا الوجود واجب الوجود بنفسه وإلى هذا يؤول أهل الوحدة القائلين بأن الوجود واحد فإنهم يقولون في آخر الأمر: ما ثم موجود مباين للسماوات والأرض، وما ثم غير وجود الموجود الممكن.

стр. 47

ومصنف العقيدة أثبت الصانع بهذا الطريق فإنه لمّا أثبت أنه صنع الممكنات أثبت علمه وقدرته فلا بد أن يثبت أولا وجود شيء ممكن ليس بواجب ليبني عليه ثبوت وجود واجب مبدع لوجود ممكن يتم ما سلكه، وأما مجرد إثبات وجود واجب فلا يفيد هذا المطلوب، فليفهم اللبيب هذا. ولا ريب أنه اختصر هذه العقيدة من كتب أبي عبد الله بن الخطيب، وقد تكلمنا على ما ذكره أبو عبد الله الرازي مبسوطا في مواضعه ونحن نقدر وجود الممكنات ليتم ما ذكره المصنف من الدليل، ويتبين أن هذا الطريق أصح في العقل وأبين مما يذكر في كتب الأصول والأمهات التي اختصرت منها هذه العقيدة لكونها موافقة لطريقة القرآن، فإن الفاضل إذا تأمل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع. فنقول: إنه يمكن تقريرها بما نشاهد من حدوث الحوادث فإنا نشاهد من حدوث الحوادث حدوث الحيوان والنبات والمعادن، وهذه الحوادث ليست ممتنعة فإن الممتنع لا يوجد ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم وهذه كانت معدومة ثم وجدت فعدمها ينفي وجوبها ووجودها ينفي امتناعها وهذا دليل قاطع واضح بيّن على ثبوت الممكنات لكن من سلك هذا الطريق لم يحتج إلى أن يثبت إمكانها بحدوثها ثم يستدل بإمكانها على الواجب بل نفس حدوثها دليل على إثبات المحدث لها فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن الممكن لا بد له من واجب فتكون تلك الطريق أبين وأقصر، وهذه أخفى وأطول من حيث يستدل بالحدوث على الإمكان ثم بالإمكان على الواجب. وإن كان بعض الناس يستدل بالحوادث على المحدث فإن الحوادث لا تختص بما هي عليه إلا بمخصص فإنه يجوز أن تقع على خلاف ما وقعت عليه فتخصيص أحد طرفي الممكن لا بد له مخصص فهذا الاستدلال وإن كان صحيحا فليس بمسلك سديد فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من هذا المحتاج إلى هاتين المقدمتين اللتين هما أخفى من ذلك، ومن استدل على الجلي بالخفي فإنه وإن تكلم حقّا فلم يسلك طريق الاستدلال فإن كل مستلزم للشيء يصلح أن يكون دليلا عليه إذ يلزم من ثبوت اللزوم ثبوت اللازم والدليل، وهذا من شأن الدليل فإنه من ثبوته ثبوت المدلول عليه، ولهذا يجب طرد الدليل ولا يجب

стр. 48

عكسه، لكن إذا كان اللازم والمدلول عليه أظهر من الملزوم الذي هو الدليل كان الاستدلال باللزوم على اللازم خطأ في البيان والدلالة وإن سلك المصنف في إثبات الممكنات تقرير إمكان الأجسام كلها، فهذا دليل طويل وفيه مقدمات متنازع فيها نزاعا طويلا وكثير من الناس يقدح فيها بما لم يمكن دفعه، فإثبات الصانع بمثل هذه المقدمات لو كانت صحيحة كان الدليل باطلا. وأما المقدمة الثانية: وهي أن الممكن لا بد له من واجب فقد نبه على هذه المقدمة بقوله: (لاستحالة وجودها بنفسها) فإن الممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم كما نشاهده من المحدثات، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه كما قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) «١»، يقول سبحانه: أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم، ومعلوم أن الشيء لا يوجد نفسه فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوما، وكل ما أمكن وجوده بدل عن عدمه وعدمه بدل عن وجوده فليس له من نفسه وجود ولا عدم، وهذا بيّن. ومما يقرره أن ما يمكن عدمه بدلا عن وجوده لا يكون وجوده بنفسه إذ لو كان وجوده بنفسه لكان واجبا بنفسه، ولو كان واجبا بنفسه لم يقبل العدم، وهو قد قبل العدم فليس موجودا بنفسه لكان واجبا بنفسه، يقرر ذلك أن ما كان موجودا فإما أن يكون مفتقرا في وجوده إلى غيره، وإما أن لا يكون، فإن كان مفتقرا في وجوده إلى غيره لم يكن وجوده بنفسه بل بذلك الغير الذي هو مفتقر إليه أو به وبذلك الغير، فعلى التقديرين لا يكون وجوده بنفسه، وإن لم يكن مفتقرا في وجوده إلى غيره كان موجودا بنفسه فالموجود بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون موجودا بنفسه، فالموجود بنفسه الذي لا يفتقر إلى غيره واجب بنفسه، إذ نفسه كافية في وجوده فلا يتوقف وجوده على شيء غير إنيته، إن قدر أن إنيته شيء غير وجوده، وإن قدر أن إنيته هي وجوده كما هو قول أهل السنة كان قول القائل: موجودا بنفسه أي هويته ثابتة بهويته فحيث قدرت هويته لم يمكن عدمها، فالموجود بنفسه لا يقبل العدم، وما قبل العدم فليس موجودا بنفسه فيفتقر إلى غيره فكل ممكن مفتقر إلى غيره. وهذه المقامات ثابتة في نفس الأمر ويمكن تحريرها بوجوه من الطرق

стр. 49

والعبارات والمعنى فيها واحد فتبين قول المصنف لاستحالة وجود الممكنات بأنفسها. وأما قوله: واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه وافتقار المعلول إلى علته، فمقصوده أن يبيّن أن الممكنات كما لا توجد بأنفسها فلا توجد بممكن آخر. فيلزم أنه لا بد له من واجب بنفسه وذلك لأنها لو وجدت بممكن استغنت به عمّا سواه لأن ذلك الممكن إن لم يكن علة تامة لوجودها لم توجد به، وإن كان علة تامة لوجودها استغنت به عمّا سواه، فإن العلة التامة تستلزم وجود المعلول فلا يفتقر المعلول إلى غيرها فلو وجدت الممكنات بممكن لزم أن يستغني به عمّا سواه، وذلك الممكن من جملة الممكنات والممكن مفتقر إلى غيره فيلزم أن يكون مفتقرا إلى علة غير نفسه، والمفتقر إلى غيره لا يكون مستغنيا بنفسه فيلزم أن يكون مفتقرا إلى غيره غير مفتقر إلى غيره، غنيّا بنفسه ليس بغني بنفسه، وهو جمع بين النقيضين، فلو كان فاعل الممكنات كلها ممكنا لزم أن يكون هذا الممكن غنيّا بنفسه ليس بغني بنفسه، فقيرا إلى غيره، غير فقير إلى غيره، حيث جعل ممكنا مفتقرا، وجعل معلولا بعلة تامة فلا يفتقر فيلزم التناقض، والأمر في هذا أوضح من هذا التطويل. وإنما سلك هذا المصنف طريقة أبي عبد الله بن الخطيب الرازي فإن هذه طرقه وكان ينسج على منواله، وإلا فالعلم بأن جميع الممكنات تفتقر إلى غيرها كالعلم بأن هذا الممكن مفتقر إلى غيره، فإن الافتقار إذا كان من جهة كونه ممكنا سواء كان الإمكان دليل الافتقار أو علة الافتقار فهو يعمها كلها فأي شيء قدر ممكنا كان الفقر ثابتا فيه إلى غيره فلا بد لكل ممكن من مفتقر إليه كما لا بد لهذا الممكن من غير يفتقر به، ومعلوم إن افتقار الشيء إلى بعض أشد من افتقاره إلى نفسه فإذا كان الممكن لا يوجد بنفسه ولا يكون موجودا بنفسه فكيف يكون موجودا ببعضه وكيف يتصور أن يكون مجموع الممكنات موجودة بممكن من الممكنات وهي لا يكفي في وجودها مجموع الممكنات والهيئة الاجتماعية لا تخرجها عن الإمكان الذي هو علة الافتقار أو دليل الافتقار، وهذا بيّن ولله الحمد.

стр. 50

فصل [الرد على نفاة الصفات] فلما قرر إثبات الصانع أخذ يثبت وحدانيته، فقال: (والدليل على وحدته أنه لا تركيب فيه بوجه من الوجوه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود الاثنين بلا امتياز وهو محال)، وهذا الدليل أخذه من كلام أبي عبد الله الرازي وقد سلك فيه مسلك المتفلسفة كابن سينا وأمثاله، فإن هذا هو عمدتهم فيما يدعونه من التوحيد وهو حجة باطلة، ومقصودهم فيما يدعونه من التوحيد وقد بين ذلك علماء المسلمين كما بينه أبو حامد الغزالي في «تهافت الفلاسفة»، وكما قد صرح الرازي وغيره في هذه الطرق في مواضع أخر. وأما قوله: ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود الاثنين بلا امتياز وهو محال، فطريقهم في تقرير هذا أنه لو كان اثنان واجبا الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود، فإن كان كل منهما ممتاز عن الآخر بتعينه كان كل منهما مركبا مما به الاشتراك وما به الامتياز فيكون كل منهما مركبا وقد تقدم إن التركيب محال، وإن لم يكن أحدهما ممتاز عن الآخر لزم وجود اثنين بلا امتياز. وبهذه الحجة يثبتون إمكان الأجسام كلها لأنهم يقولون الجسم مركب إما من المادة والصورة، وإما من الجواهر الفردة، وكل مركب ممكن فبهذه الحجة تقوم الصفات، وكانوا من أشد الناس تجهما، لأنهم زعموا أن إثبات الصفات ينافي هذا التوحيد، وقد تفطن لفساد هذه الحجة من تفطن لها من الفضلاء كأبي حامد الغزالي وغيره وذلك من وجوه: أحدها: أن يقال: قول القائل إنه يلزم افتقاره إلى ما ركب منه وذلك ينافي وجوب الوجود ممنوع لأن غاية ما فيه أن ما ركب منه جزء من أجزائه، وقول القائل: إن المركب مفتقر إلى جزئه ليس بأعظم من قوله: إنه مفتقر إلى كله، فإن الافتقار إلى المجموع أشد من الافتقار إلى بعض المجموع، فالمفتقر إلى المجموع مفتقر إلى كل جزء منه والمفتقر إلى جزء منه لا يلزم أن يكون مفتقرا إلى الجزء الآخر.

стр. 51

ومعلوم أن افتقاره إلى الجميع هو افتقاره إلى نفسه، وهو معنى قوله هو واجب بنفسه، فعلم أن وجوبه بنفسه لا يوجب الافتقار المنافي لوجوب الوجود. الوجه الثاني: أن يقال: وجوب الوجود الذي دل عليه الدليل ينفي أن يفتقر إلى أن يكون مفتقرا إلى شيء خارج عن نفسه، إذ لو كانت الممكنات لا بد لها من وجود غير ممكن موجود بنفسه، وهذا ينفي أن يفتقر إلى شيء خارج عن نفسه فلو قيل إنه موجود بنفسه مستغن عن غيره وأنه مفتقر إلى غيره للزم الجمع بين النقيضين فأما ما هو داخل في مسمى نفسه فليس هو شيئا خارجا عن نفسه حتى يقال: افتقاره إليه ينافي وجوده بنفسه. الوجه الثالث: أن يقال: اسم الغير فيه اصطلاحان: أحدهما أن أحد الغيرين ما جاز العلم بأحدهما مع علم العلم بالآخر، والآخر أن الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بوجود أو إمكان أو زمان، والأول اصطلاح المعتزلة والكرامية، والثاني اصطلاح الكلابية والأشعرية، فإن قيل بالثاني فجزؤه وصفته ليس بغير له فلا يكون ثبوته موجبا لافتقاره إلى غيره، وإن قيل بالأول فثبوت الغير ليس بهذا التغير لا بد منه فإنه يمكن العلم بوجوده، والعلم بوجوبه والعلم بأنه خالق والعلم بعلمه، والعلم بإرادته، وهم يعبرون عن ذلك بالعقل والعناية، وهذه المعاني أغيار على هذا الاصطلاح وثبوتها لازم لواجب الوجود، وإذا كان ثبوت هذه الأغيار لازما له لم يجز القول بنفيها لأن نفيها يستلزم نفي واجب الوجود وعلم أن مثل هذا وإن سمي تركيبا فليس منافيا لوجوب الوجود. فإن قيل: واجب الوجود لا يفتقر إلى غيره، قيل: لا يفتقر إلى غيره يجوز مفارقته له أم لازم لوجوده؟ فالأول حق، وأما الثاني فممنوع، ونبين ذلك بالوجه الرابع:، وهو أن يقال استعمال لفظ الافتقار في مثل هذا ليس هو المعروف في اللغة والعقل فإن هذا إنما هو تلازم بمعنى أنه لا يوجد المركب إلا بوجود جزء أو لا يوجد أحد الجزءين إلا بوجود الآخر أو لا يوجد الجزء إلا بوجود الكل، أو لا توجد الصفة إلى بوجود الموصوف، أو لا يوجد الموصوف إلا بوجود الصفة. ومعلوم أن الشيئين المتلازمين في الوجود لا يجب أن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر بل إن كان ممكنين جاز أن يكون معلولي علة واحدة أوجبتهما من غير أن يفتقر أحدهما إلى الآخر، وأما الأمور المتلازمة كالأبوة والبنوة لا يجب أن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر فإن افتقار الشيء إلى غيره إنما يكون إذا كان ذاك

стр. 52

الغير مؤثرا في وجوده كتأثير العلة، فأما المتلازمان اللذان يكون وجود أحدهما مستلزم لوجود الآخر معه فإنه وإن قيل إن وجوده شرط لوجوده لكن لا يلزم أن يكون مفتقرا إليه بحيث يكون علة له، وإذا كان المراد بالافتقار هنا التلازم فذلك لا ينافي وجوب الوجود، يوضح ذلك. الوجه الخامس: وهو أن يقال: لا ريب أن يمتنع أن يكون شيئان كل منها علة للآخر لأن العلة متقدمة على المعلول فلو كان علة لعلته للزم تقدمه على نفسه لكونه علة العلة وتأخره عن نفسه لكونه معلول العلة وذلك جمع بين النقيضين ولهذا كان الدور القبلي محالا، ولا يمتنع أن يكون شيئان كل منهما شرط في الآخر لأن ذلك إنما يستلزم أن يكون كل منهما مع الآخر، وليس ذلك يمتنع، ولهذا قيل الدور المعي ليس بمحال فالمركب غايته أن يكون كل من أجزائه مشروطا بالجزء الآخر وأن يكون هو مشروطا بأجزائه ولا يقتضي التركيب وجود جزء قبل جزء ولا وجود جزء قبل أجزائه، فإذا قيل إنه مفتقر إلى جزئه كان معناه لا يوجد إلا بوجود جزئه معه ويستلزم ذلك وجود جزئه، ثم ذلك الجزء ليس هو علة له ولا هو خارجا عن نفسه فالقول بأن وجوده يستلزم وجود الجزء حق، والتعبير عن ذلك بأنه يقتضي أن يكون مفتقرا إلى جزئه، وجزؤه غيره ليس له معنى إلا ذلك، وهذا لا يقتضي أنه مفتقر إلى علة ومحتاج إلى علة ولا شرط خارج عن واجب الوجود ولا دور قبلي، وأما ما فيه من الدور المعي فليس ذلك بمحال، ولا ينافي وجوب الوجود إلا أن يثبت أن مثل هذا التعدد ينافي وجوب الوجود وهم لم يثبتوا أن التعدد ينافي وجوب الوجود إلا بهذا فبطل أن يكون هذا دليلا على بطلان التعدد في وجوب الوجود. الوجه السادس: أن يقال قول القائل واجب الوجود بنفسه هل يقتضي أن يكون مفتقرا إلى نفسه أم لا يقتضي ذلك، فإن افتقاره كان افتقاره إلى جزئه أولى وأحرى بالالتزام فلا يكون ممتنعا وإن قيل لا يقتضيه قيل وكذلك التركيب لا يقتضي أن يكون المركب مفتقرا إلى جزئه فإنه إذا كانت نفسه لا توجد إلا بنفسه ولم يحسن أن يقال هو مفتقر إليها فالجميع الذي لا يوجد إلا بأجزائه أولى أن لا يقال له هو مفتقر إلى واحد منها إذ المركب ليس إلا الأجزاء وصورة التركيب. الوجه السابع: أن يقال: المعنى المعروف من لفظ التركيب أن يكون الجزءان مفترقين فيركبهما جميعا مركب، لأن المركب اسم مفعول؛ ركبه مركب فهو مركب كما يركب الطبيخ من أجزائه والأدوية المركبة من أجزائها وأمثال ذلك، ومعلوم أن المركب بهذا الاعتبار مفتقر إلى من يركبه غيره، إذ لو كانت ذاته تقتضي التركيب

стр. 53

لم يجز عليه التفرق، وواجب الوجود بنفسه لا يكون مفتقرا إلى شيء خارج عن نفسه لأن ذلك جمع بين النقيضين، ولا ريب أن مثبتة الصفات ليس فيهم بل ولا في سائر فرق الأمة من يثبت هذا التركيب في حق الله تعالى، ولكن المتفلسفة يسمون الموصوف مركبا ويسمون الصفات أجزاء فيقولون الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية، والنوع مركب من الجنس والفصل، فإما أن يريدوا بالحيوانية والناطقية جوهرا أو عرضا، فإن أرادوا بها جوهرا وهو الحيوان والناطق فالحيوان والناطق هما الإنسان وليس الجوهر الذي هو الإنسان ولا هو غير الجوهر الذي هو حيوان ناطق، لكن الذهن يجرد هذه المعاني في الذهن فيتصور الناطق مطلقا والحيوان مطلقا والإنسان مطلقا لكن تجريد الذهن لها لا يقتضي أن يكون في الخارج ثلاثة جواهر والعلم بهذا ضروري، وإن قيل إنه مركب من الحيوانية والناطقية وهما عرضان فالعرض لا يقوم إلا بالجوهر والحيوانية والناطقية صفة الإنسان، فكيف يكون الجوهر مركبا من صفاته، وصفاته لا قيام لها إلا به وهي مفتقرة إليه. وإذا قالوا: لو سمينا هذا تركيبا، لم ننازع في الألفاظ نزاعا لا فائدة فيه نقول: كل موجود فلا بد أن يكون مركبا بهذا الاعتبار فإن وجود ذات عارية عن جميع الصفات ممتنع، ووجود موجود مطلق لا يتعين ولا له حقيقة يختص بها عن سائر الحقائق ممتنع وكل ما اختص وتميز عن غيره فلا بد له من خاصة وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، ولسنا محتاجين هنا إلى إثبات وجوب مثل هذا، بل يكفي أن نقول لا نسلم امتناع مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا، وكثير من المتكلمين لا يسمون الاتصاف تركيبا بل يسمون التقدير تركيبا لأن المقدر مركب من الأجزاء الفردة أو من المادة والصورة، وهذا أيضا فيه نزاع فطوائف من أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية يقولون: ليس بمركب بحال، ومن قال إنه مركب قال لا يمكن وجود أجزائه وحينئذ فيقال لهم كما قيل للمتفلسفة وهم يسمون نفي مثل هذا التركيب توحيدا ويدخلون في ذلك نفي الصفات فيجعلون نفي علم الله وقدرته وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته من التوحيد، ويسمون أنفسهم الموحدين كما يدعي المعتزلة إنهم أهل التوحيد والعدل، ويعنون بالتوحيد نفي الصفات. ولما كان أبو عبد الله محمد بن التومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات لقب أصحابه بالموحدين، وقد صرح في كتابه الكبير بنفي الصفات ولهذا لم يذكر في مرشدته شيئا من الصفات الثبوتية، لا علم الله ولا قدرته ولا كلامه

стр. 54

ولا شيئا من صفاته الثبوتية وإنما ذكر السلوب والتوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ وأنزل به كتابه هو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو توحيد ألوهيته المتضمن توحيد ربوبيته كما قال تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ «١» وقال تعالى: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ «٢» وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) «٣» وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ «٤». والمشركون كانوا يقرون بأن رب العالمين واحد لكن كانوا يعبدون معه غيره كما قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) «٥» وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٦» وقال تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) «٧». (ونحن نوجه ذلك بعد ذكر حجته) ووجه نظمها أن يقال: واجب الوجود لا تركيب فيه وما لا تركيب فيه فهو واحد، فواجب الوجود واحد، وإنما قلنا لا تركيب لأن المركب مفتقر إلى ما تركب منه وما تركب منه غيره، وواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره فواجب الوجود لا تركيب فيه وهذا معنى قوله: (الدليل على وحدته أنه لا تركيب فيه بوجه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته) أي لو كان فيه تركيب بوجه لما كان واجب الوجود لذاته، ثم قال: (ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه) كان مركبا للزم ضرورة أن يفتقر إلى ما ركب منه ثم إنه حذف تمام الحجة وهو إذا افتقر إلى ما تركب منه كان مفتقرا إلى غيره، وواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره. وأما قوله: (ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان اثنان واجب الوجود فإن كان بينهما امتياز لزم تركيبهما مما به الاشتراك وما به الامتياز وإلا لزم عدم التعيين).

стр. 55

فيقال: الجواب عن ذلك من طريقين: أحدهما: أنهما إذا اشتركا في وجوب الوجود وامتاز كل منهما بتعينه فمعلوم أن وجوب أحدهما ليس هو عين وجوب الآخر كما أن عينه ليست عينه بل هذا واجب وهذا واجب. كما أن هذا عين وهذا عين واشتراكهما في وجوب الوجود المطلق كاشتراكهما في التعيين المطلق، والمطلق إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في الأعيان فعين هذا واجبة وجوبا يخصها، وعين هذا واجبة وجوبا يخصها، والذهن يجرد وجوبا مطلقا وتعينا مطلقا، وإذا كان كذلك بطل قول القائل إن كلّا منهما مركب مما به الاشتراك وما به الامتياز بل ما به الاشتراك وهو الوجوب مثل ما به الامتياز وهو التعيين، وهذه الحجة كثيرة في كلامهم والغلط فيها واقع لا حيلة فيه، وإنما نشأ الغلط حيث أخذوا في الوجوب ما يشتركان في التعيين إذ هذا معين وهذا معين ويمتاز كل منهما بوجوبه إذ لكل منهما وجوب يخصصه، وإذا أمكن العكس تبين أن ما فعلوه تحكم محض. الطريق الثاني: أن يقال: هب أن هذا تركب مما به الاشتراك والامتياز لكن دليله على نفي مثل هذا التركيب باطل كما تقدم.

стр. 56

فصل [الدليل على علم الله تعالى] وأما قوله: (والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده للأشياء مع الجهل) فهذا الدليل مشهور عند نظار المسلمين أولهم وآخرهم، والقرآن قد دل عليه كما في قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) «١» والمتفلسفة أيضا سلكوه، وبيانه من وجوه: أحدها: أن إيجاده للأشياء هو بإرادته كما سيأتي، والإرادة تستلزم تصور المراد قطعا، وتصور المراد هو العلم فكان الإيجاد مستلزما للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم فالإيجاد مستلزم للعلم. الثاني: إن المخلوقات فيها من الإحكام والاتقان ما يستلزم علم الفاعل لها لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم، وبهذين الطريقين يتقرر ما ذكره «ولهم طرق» منها أن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال؛ ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما، وهذا له طريقان: أحدهما: أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنّا إذا فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير عالم كان العالم أكمل منه فإذا لم يكن الخالق سبحانه عالما يلزم أن يكون غير عالم أي جاهلا وهو ممتنع. الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل هو أحق؛ والله سبحانه- وله المثل الأعلى- لا يستوي هو والمخلوق لا في قياس تمثيل ولا قياس شمول بل كل ما أثبت لمخلوق فالخالق به أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فتنزيه الخالق عنه أولى.

стр. 57

فصل [الدليل على قدرة الله تعالى] وأما قوله: (والدليل على قدرته: إيجاده الأشياء، وهي إما بالذات وهو محال وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما وهو باطل فتعين أن يكون فاعلا بالاختيار وهو المطلوب) فقد يقال هذا إنما أثبت به أنه فاعل بالاختيار وإن كان لم يقرر مقدمات دليله، وفعله بالاختيار يثبت الإرادة ولا يثبت القدرة، وهو قد أثبت الإرادة فيما بعد: فظاهر هذا أنه كرر دليل الإرادة ولم يذكر على القدرة دليلا لكن تقرير ذلك أن يقال إنه إما أن يكون المبدع للأشياء مجرد ذات عارية عن الصفات يستلزم وجوده المفعول كما يقوله المتفلسفة القائلون بقدم الأفلاك، وإما أن يكون ذاتا موصوفة بالصفات لا يجب معها وجود المخلوقات كما عليه أهل الملل. وإذا أردت التقسيم الحاضر قلت: الفاعل إما مجرد الذات، وإما الذات بصفة فإن كان الأول فمعلوم أن العلة التامة تستلزم وجود المعلول فإذا كان مجرد الذات هو الواجب فمجرد الذات علة تامة فيلزم وجود المعلول جميعه، ويلزم قدم جميع الحوادث وهو خلاف المشاهدة، وإن كان الثاني فالصفة التي يصلح بها الفعل هي القدرة. أو يقال: فإذا لم يكن موجبا لذاته بل بصفة، تعين أن يكون مختارا فإنه إما موجب بالذات، وإما فاعل بالاختيار والمختار إنما يفعل بالقدرة إذ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يفعل فأما من يلزمه المفعول بدون إرادته فهذا ليس بقادر بل ملزوم بمنزلة الذي تلزمه الحركات الطبيعية التي لا قدرة له على فعلها ولا تركها.

стр. 58

فصل [الدليل على أنه سبحانه حي] وأما قوله: (والدليل على أنه حي علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير الحي) فهذا دليل مشهور للنظار يقولون قد علم أن من شرط العلم والقدرة: الحياة فإن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالما إذ الميت لا يكون عالما والعلم بهذا ضروري. وقد يقولون: هذه الشروط العقلية لا تختلف شاهدا ولا غائبا فتقدير عالم لا حياة به ممتنع بصريح العقل. وكذلك قوله: (والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصياته واستحالة المخصص من غير مخصص) فإن هذا الدليل مشهور للنظار ويقرر هكذا أن العالم فيه تخصيصات كثيرة مثل تخصيص كل شيء بما له من القدر والصفات والحركات كطوله وقصره، وطعمه ولونه، وريحه وحياته، وقدرته وعلمه وسمعه وبصره، وسائر ما فيه مع العلم الضروري بأنه من الممكن أن يكون خلاف ذلك إذ ليس واجب الوجود بنفسه. ومعلوم أن الذات المجردة التي لا إرادة لها لا تخصص وإنما يكون التخصيص بالإرادة، ولو قيل التخصيص هو بأسباب معلومة كالأرض والأشجار تكون مختلفة فإذا سقيت بماء واحد اختلف ثمارها لاختلاف القوابل كما أن الشمس تختلف آثارها بحسب القوافل كما تبيض الثوب وتسود وجه القصار وتلين اليابس الذي لم ينضج بما تجذبه إليه من الرطوبة وتجفف الرطب الذي كمل نضجه لانقطاع الرطوبة عنه. قيل: هب أن الأمر كذلك فما الموجب لاختلاف القوابل حتى خصت هذه الشجرة وهذا الجسم بسبب آخر فلا بد أن ينتهي الأمر إلى سبب لا سبب وقه، فإن قيل هو شيء صدر عنه كما تقول المتفلسفة لا يصدر عن الواحد إلا واحد والصادر الأول هو العقل وصدر عن العقل عقل ونفس وفلك فهذا باطل لأنه إن كان الصادر الأول واحدا من كل وجه لم يصدر عنه أيضا إلا واحد. وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد، وإن قيل الكثرة

стр. 59

عدمية لزم أن يصدر عن العدم وجود. ثم يقال: الفلك الثامن كثير الكواكب دون التاسع فما الموجب لكثرة كواكبه. ثم قيل: السبب الأول إن كان فيه اختصاص بصفة وقدر كان تخصيصه بالإرادة لأن التخصيص بذات الإرادة لها ممتنع بصريح العقل، وإن قيل ليس له اختصاص بصفة وقدر قيل هذا يقتضي أن يكون وجودا مطلقا والمطلق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان.

стр. 60

فصل [إثبات صفتي العلو والكلام والرد على النفاة] كثير من النظار كابن كلاب وموافقيه كالأشعري «١» وأكثر متبعيه من أهل الكلام والرأي والحديث والتصوف من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم كالقاضي أبي يعلى «٢» وأبي المعالي الجويني «٣» وأبي الوليد الباجي «٤»، وأبي منصور الماتريدي وغيرهم يقولون إنه يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين، ويريد المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين بل يقولون إن كلامه الذي يتضمن كل أمر أمر به، وكل خبر أخبر به هو أيضا واحد بالعين، وإن كان جمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، ثم تنازع القائلون بهذا الأصل هل كلامه معنى فقط والقرآن العربي لم يتكلم به ولا بالتوراة العبرانية، ولا تكلم بشيء من الحروف أو الحروف والأصوات التي نزل بها القرآن وغيره وهي قديمة أزلية على قولين. ومن القائلين بقدم أعيان الحروف أو الحروف والأصوات من لا يقول هي واحدة بالعين بل يقول هي متعددة، وإن كانت لا نهاية لها ويقول ثبوت حروف أو حروف معان لا نهاية لها في آن واحد وإنها لم تزل ولا تزال، ومن القائلين بقدم معنى الكلام وأنه لم يتكلم بحروف من يقول القديم خمسة معان، ومنهم من يقول: ذلك المعنى يعود إلى الخبر ويجعل الأمر داخلا في معنى الخبر ومنهم من يرد الخبر إلى العلم ومنهم من يقول مع ذلك إن العلم ليس صفة قائمة بالعلم.

стр. 61

وأما أقوال السلف وعلماء الإسلام في هذا الأصل، وما في ذلك من نصوص الكتاب والسنة فهذا أعظم من أن يسعه هذا الشرح، ومن كتب التفسير المنقولة عن السلف مثل تفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن المنذر، وأبي بكر بن عبد العزيز، وأبي الشيخ الأصفهاني، وأبي بكر بن مردويه وغيرهم، من ذلك ما تطول حكايته، وكذلك الكتب المصنفة في السنة والرد على الجهمية وأصول الدين المنقولة عن السلف مثل كتاب «الرد على الجهمية» لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري، وكتاب «خلق الأفعال» للبخاري، وكتاب السنة لأبي داود السجستاني ولأبي بكر الأثرم، ولعبد الله بن أحمد بن حنبل، ولحنبل بن إسحاق، ولأبي بكر الخلال، ولأبي الشيخ الأصفهاني، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي عبد الله بن مندة وأمثالهم، وكتاب «الشريعة» لأبي بكر الآجري، والإبانة لأبي عبد الله بن بطة، وكتاب الأصول لأبي عمر الطلمنكي، وكتاب رد عثمان بن سعيد الدارمي وكتاب الرد على الجهمية له وأضعاف هذه الكتب، وذلك مثل ما ذكره الخلال وغيره عن إسحاق بن راهويه حدثنا بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) أي ارتفع. وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: استوى إلى السماء ارتفع، وقال مجاهد: استوى: علا على العرش. وقال البغوي في تفسيره: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء، وكذلك قال الخليل بن أحمد، وروى البيهقي عن الفراء: استوى أي صعد وهو كقول الرجل كان قاعدا فاستوى قائما. وروى الشافعي في مسنده عن أنس بن مالك أنه قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش. وروى أبو بكر الأثرم عن الفضيل بن عياض قال: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف فأبلغ فقال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) «١» فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه ومثل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم أن

стр. 62

ينزل عن مكانه كيف؟ وإذا قال لك الجهمي: أنا كفرت برب ينزل، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال، والفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. قال البخاري: وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي، وروى الخلال، عن سليمان بن حرب، أنه سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل الله إلى السماء الدنيا أيتحول من مكان إلى مكان، فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، وهذا نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبيّ ﷺ ، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ «١» ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين ولا يحدثون في دينهم ما لم يأذن الله ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «٢»، وأن الله يقرب من خلقه كما يشاء كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «٣». ثم قال الأشعري: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب). وقال أبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في السنة قال: ويثبت أهل الحديث نزول الرب سبحانه في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته له رسول الله ﷺ وينتهوه فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «٤». وقال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ فقال: نعم، فقال بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال:

стр. 63

نعم قال: كيف ينزل؟ قال أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق، فقال إسحاق: قال الله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١» فقال له الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟! وروى بإسناده عن إسحاق قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبيّ ﷺ : ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير لا يقال لأمر الرب كيف ينزل؟ إنما ينزل بلا كيف. وبإسناده أيضا عن عبد الله بن المبارك أنه سأله سائل عن النزول ليلة، النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف ليلة النصف أي وحدها، هو ينزل في كل ليلة فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ ألم يخل ذلك المكان؟ فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء. قال أبو عثمان النيسابوري: فلما صح خبر النزول عن النبيّ ﷺ أقرّ به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق سبحانه وتعالى عمّا يقول المشبهة والمعطلة علوّا كبيرا. وروى البيهقي بإسناده عن إسحاق بن راهويه قال: جمعني وهذا المبتدع- يعني ابن صالح- مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فثبتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم. وقال حرب بن إسماعيل الكرماني في كتابه المصنف في مسائل أحمد وإسحاق مع ما ذكر فيها من الآثار عن النبيّ ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم قال: (باب القول في المذهب) هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب «٢»، أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن

стр. 64

إبراهيم وبقي بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم. وذكر الكلام في الإيمان والقدر، والوعيد والإمامة، وما أخبر به الرسول ﷺ من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش وللعرش حملة يحملونه وله حد الله أعلم بحده، والله تعالى على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ويسمع ويبصر، وينظر ويقبض، ويبسط ويفرح، ويحب ويكره، ويبغض ويسخط، ويغضب ويرحم، ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، متكلما عالما تبارك الله أحسن الخالقين. وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة قال أخبرني به يوسف بن موسى أن أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ويكلمونه ويكلمهم؟ قال: نعم ينظر إليهم وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه كيف شاء وإذا شاء. وقال أيضا: أخبرني عبد الله بن حنبل أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال: قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء. قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: قلت لأبي عبد الله: الله يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم فمن يقضي بين الخلائق إلا الله يكلم عبده ويسأله، الله متكلم لم يزل الله متكلما يأمر بما شاء، ويحكم بما شاء، وليس له عدل ولا مثل كيف شاء وأين شاء. قال الخلال وأن محمد بن علي بن بحر أن يعقوب بن بحتان حدثهم أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت. قال: بلى تكلم بصوت وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها لكل حديث وجه يريدون أن يموهوا على الناس، إن من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر. وأخبرنا المروزي سمعت أبا عبد الله وقيل له أن عبد الوهاب قد تكلم، وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله. وعن عبد الله بن أحمد أيضا سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى

стр. 65

لم يتكلم بصوت فقال أبي: بل تكلم ﵎ بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وحديث ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان «١» قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، إن من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر. قلت: قد بين الإمام أحمد وغيره من السلف أن الصوت الذي تكلم الله تعالى به ليس هو الصوت المسموع، وسئل أحمد عن قوله ﷺ : «ليس منّا من لم يتغن بالقرآن» «٢» قال: هو الرجل يرفع صوته به، هذا معناه، وقال في قوله ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» «٣»: يحسنه بصوته. وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال: ويذكر عن النبيّ ﷺ أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وليس هذا لغير الله «٤»، قال البخاري

стр. 66

وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته «١» فإذا ينادي الملائكة لم يصعقوا قال تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً «٢» فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين. ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وواحد من أهل النار يطلبه بمظلمة» «٣» وذكر الحديث الذي رواه أيضا في صحيحه في هذا المعنى في قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ «٤» عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله يوم القيامة يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب ما بعث النار؟ قال من كل ألف- أراه قال:- تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» «٥». وذكر البخاري حديث ابن مسعود الذي استشهد به أحمد وذكر الحديث الذي

стр. 67

رواه في صحيحه عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان» «١» حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ «٢». وذكر البخاري حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن نفر من الأنصار وقد رواه أحمد ومسلم في صحيحه وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه أن رسول الله ﷺ قال لهم: «ما تقولون في هذه النجوم التي يرمى بها»؟ قالوا: كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ولد مولود، فقال رسول الله ﷺ : «ليس ذلك كذلك ولكن إذا قضى الله في خلقه أمرا يسمعه حملة العرش فيسبحون، فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون ألا تسألون من فوقكم لم سبحتم؟ فيسألونهم فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان يهبط الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان من أهل الأرض فيحدثهم، فيخطئون ويصيبون، فيحدث به الكهان» «٣». قال البخاري: ولقد بيّن نعيم بن حماد «٤» أن كلام الرب ليس يخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن

стр. 68

له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به. قال البخاري: وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمارق ولا مبتدع. وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: ومما يجب الإيمان به التصديق بأن الله متكلم، وأن كلامه قديم، وأنه لم يزل متكلما في كل أوقاته موصوفا بذلك، وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة، قال: وقد علم أن المذهب أن كون الكلام صفة ومتكلما به ولم يزل موصوفا بذلك ومتكلما إذا شاء وبما شاء، ولا نقول إنه ساكت في حال ومتكلم في حال من حيث حدوث الكلام. قال: ولا خلاف عن أبي عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- أن الله لم يزل متكلما قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات وأن الله كان فيما لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء، إذا شاء أنزل كلامه وإذا شاء لم ينزله، فقد ذكر ابن حامد أنه لا خلاف في مذهب أحمد أنه سبحانه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء. ثم ذكر قولين هل هو متكلم دائما بمشيئته أو أنه لم يزل موصوفا بذلك متكلما إذا شاء، وساكتا إذا شاء لا بمعنى أنه يتكلم بعد أن لم يزل ساكتا فيكون كلامه حادثا كما يقول الكرامية فإن قول الكرامية في الكلام لم يقل به أحد من أصحاب أحمد؛ وكذلك ذكر القولين أبو بكر عبد العزيز في أول كتابه الكبير المسمى بالمقنع. وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان في مسألة القرآن. قال أبو بكر: لما سألوه إنكم إذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال: لأصحابنا قولان أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما أن ضد العلم الجهل قال: ومن أصحابنا من قال: أثبت لنفسه أنه خالق، ولم يجز أن يكون خالقا في كل حال بل قلنا إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقا في كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك، وإن لم يكن متكلما في كل حال لم يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولا متكلما في كل حال. قال القاضي أبو يعلى في هذا الكتاب: نقول أنه لم يزل متكلما وليس بمتكلم، ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: لم يزل الله متكلما عالما غفورا قال: وقال في رواية عبد الله: لم يزل متكلما إذا شاء، وقال حنبل في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلما والقرآن كلام الله غير مخلوق.

стр. 69

قلت: أحمد أخبر بدوام كلامه سبحانه ولم يخبر بدوام تكلمه بالقرآن بل قال: والقرآن كلام الله غير مخلوق. قال القاضي: قال أحمد في الجزء الذي رد فيه على الجهمية والزنادقة: وكذلك الله يتكلم كيف شاء من غير أن نقول من جوف ولا فم ولا شفتين، قال بعد ذلك: بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق. وقال أبو إسماعيل الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في مناقب الإمام أحمد لما ذكر كلامه في مسألة القرآن وترتيب حدوث البدع قال: وجاءت طائفة فقالت لا يتكلم بعد ما تكلم فيكون كلامه حادثا، قال: وهذه أغلوطة أخرى في الدين غير واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة «١» وكانت نيسابور دار الآثار تمد إليها وتشد إليها الركائب ويجلب منها العلم فابن خزيمة في بيت ومحمد بن إسحاق- يعني السراج «٢» - في بيت، وأبو حامد بن الشرقي في بيت، قال: فطار لتلك الفتنة الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، يصنف في ردها كأنه منذر جيش حتى دوّن في الدفاتر وتمكن في السرائر وتفسير في الكتاتيب ونقش في المحاريب: أن الله متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت، قال: فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر على نصر دينه وتوقير نبيه خيرا. قلت: لفظ السكوت يراد به السكوت عن شيء خاص، وهذا مما جاءت به

стр. 70

الآثار كقول النبيّ ﷺ : «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها ... » «١» الحديث. والحديث المعروف عن سلمان مرفوعا وموقوفا: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» «٢». والعلماء يقولون: أن مفهوم الموافقة أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى منه في المنطوق به، ومفهوم المخالفة: أن يكون الحكم في السكوت مخالفا للحكم في المنطوق به «٣». أما السكوت المنطوق به فهذا هو الذي ذكروا فيه القولين والقاضي أبو يعلى وموافقوه على أصل ابن كلاب يتأولون كلام أحمد والآثار في ذلك بأنه سكوت عن الإسماع لا عن التكليم.

стр. 71

وكذلك تأول ابن عقيل «١» كلام أبي إسماعيل الأنصاري، ليس مرادهم ذلك كما هو بين لمن تدبر كلامهم مع أن الإسماع على أصل النفاة إنما هو خلق إدراك في السماع ليس سببا يقوم بالمتكلم فكيف يوصف بالسكوت لكونه لم يخلق إدراكا لغيره؟ فأصل ابن كلاب الذي وافقه عليه القاضي وابن عقيل وابن الزغواني وغيرهم أنه منزه عن السكوت مطلقا فلا يجوز عندهم أن يسكت عن شيء من الأشياء إذ كلامه صفة قديمة لذاته لا تتعلق عندهم بمشيئته كالحياة حتى يقال إن شاء تكلم بكذا، وإن شاء سكت عنه. ولا يجوز عندهم أن يقال إن الله سكت عن شيء كما جاءت به الآثار بل يتأولونه على عدم خلق الإدراك لأنه منزه عن الخرس باتفاق الأمة، هذا مما احتجوا به على قدم الكلام وقالوا: لو لم يكن متكلما للزم اتصافه بضده كالسكوت والخرس، وذلك ممتنع عندهم سواء قيل هو سكوت مطلق أو سكوت عن شيء معين. وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إماما الشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، قال فيه سمعت الإمام أبا منصور يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبيد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الأسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله تعالى والنبيّ ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبيّ ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا فما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا كل

стр. 72

حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين. قال أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام وقال: لم تزل أئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينتسبوا إلى الأشعري ويتبرءون مما بنى مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم من الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن ابن أحمد الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد بن طاهر الأسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرخ إلى الجامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالروزي المحاذي للجامع، يقبل على من حضر ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني، ويتكرر ذلك منه، فقيل له في ذلك فقال: حتى تنتشر في الناس وفي أهل البلاد ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه- يعني الأشعرية- وبرئ من مذهب أبي بكر الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرءون عليه فيعتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته. قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن العجلي سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد أظن أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام مبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الأسفرائيني «١» والكلام على ما وقع من إنكار أبي حامد وغيره من أئمة الإسلام على القاضي أبي بكر مع جلالة قدره وكثرة رده على أهل الإلحاد والبدع بسبب هذا الأصل الذي بنى عليه مذهبه طويل ولبسطه موضع آخر. وإنما المقصود هنا التنبيه على بعض من أثبت هذا الأصل ولم يوافق على النفاة، والحارث المحاسبي قد ذكر القولين عن أهل السنة المثبتين الصفات والقدر فقال في كتاب «فهم القرآن» لما تكلم على ما لا يدخل فيه النسخ وما يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل السنة في الإرادة والسمع

стр. 73

والبصر قولين في مثل قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١» وقوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها «٢» وقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «٣» وكذلك قوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٤» وقوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٥» ونحو ذلك فقال: ذهب قوم من أهل السنة إلى أن لله استماعا حادثا في ذاته، وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث قال: فأما من أدى السنة فأراد إثبات القدر فقال: إرادة الله تحدث من تقدير سابق للإرادة. أما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة هي خلق حادث وليست مخلوقة ولكن بها كون الله المخلوقين قال: وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو الإرادة، وإنها ليست بصفة لله من نفسه قال: وكذلك قال بعضهم أن رؤيته تحدث. قال محمد بن الهيصم في كتاب «حمل الكلام» لما ذكر الكلام وأنه مبني على خمسة فصول: أحدها: أن القرآن كلام الله، وقد حكي عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة وإنما هو كلام خلقه الله فنسب إليه كما قيل: سماء الله وأرض الله، وكما قيل: بيت الله وشهر الله. وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا كلام خلقه بائنا عنه. وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة وأنه تكلم به. والفصل الثاني: أن القرآن غير قديم فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن الله لم يزل متكلما بالقرآن، وقال أهل الجماعة إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبريل، وكذلك سائر الكتب. والفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا إنه مخلوق، وقال أهل الجماعة: إنه ليس بمخلوق.

стр. 74

والفصل الرابع: أنه غير بائن منه فإن الجهمية وأتباعهم من المعتزلة قالوا: إن القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه، وزعموا أن الله خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل، ولا يصح عندهم أنه وجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة. وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله وإنما هو موجود منه وقائم به. وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق التي ليست أعيانها قديمة ولا مخلوقة، وهو يحكي ذلك عن أهل الجماعة. وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال: وادعى المعارض أن قول النبيّ ﷺ : «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي من الليل الثلث، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟» «١». قال: فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش وكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول. قال: فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان لأن أمر الله ورحمته تنزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبيّ ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار، ويوقت في الليل شطره أو الأسحار أفأمره ورحمته تدعوان العباد إلى الاستغفار؟ أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه؟ فيقولا: «هل من داع فأجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟» فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء. وقد علمتم ذاك ولكن تكابرون، ما بال أمره ورحمته ينزلان من عنده شطر الليل ثم لا يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه ويقول في حديثه

стр. 75

حتى ينفجر الفجر، وقد علمتم إن شاء الله أن هذا التأويل أبطل باطل ولا يقبله إلا كل جاهل. وأما دعواك أن تفسير القيوم: الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن النبيّ ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن ذلك أمارة ما بين الحي والميت، لأن كل متحرك لا محالة حي، وكل ميت غير متحرك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة؟ إذ فسر نزوله مشروطا منصوصا ووقت له وقتا موضوحا لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا. قال: ثم أجمل المعارض جميع ما أنكره الجهمية من صفات الله تعالى وذواته المسماة في كتابه وآثار رسوله ﷺ فعد منها بضعا وعشرين صفة نقشا، وأخذ يتكلم عليها ويفسرها بما حكى المريسي وفسرها وتأولها حرفا حرفا خلاف ما عنى الله ورسوله، وخلاف ما تأولها الفقهاء والصالحون لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والإرادة والمشيئة والأصابع والكف والقدمين وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «١» وقوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «٢» وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٣» لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ «٤» وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ «٥» يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «٦» وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ «٧» وقوله: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا «٨» وهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ «٩» وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١٠» الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ «١١» وقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ «١٢» وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١٣» وكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ
следующие страницы →