وبيان هذا أنه ثبت في "الصحيح أنه إذا عبر أهل الجنة الصراط، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا، ونقوا أذن لهم في دخول الجنة١، فلا يدخلون الجنة إلا بعد التهذيب والتنقية كما قال – تعالى-: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] "٢. وهذا من الأسباب التي تندفع بها العقوبة عن المؤمنين في الآخرة٣.
وأول من يستفتح باب الجنة محمد، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته.
وبيان ذلك أنه جاء في الصحيح من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: " آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك "٤. وهذا من فضائله ﷺ ، ومما شرفه الله به وخصه٥.
ومما خصه الله به، وأكرمه٦ "الحديث الذي جاء في المسند عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله – " ٧"٨، "وهو حديث جيد"٩.
стр. 142
وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات:
بيان هذا أن "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عده"١.
وهي دالة على أن "له ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه ﷺ أفضل الخلق، وأكرمهم على ربه – –"٢.
وقد "أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة، ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين-، واستفاضت به السنن أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضاً لعموم الخلق"٣.
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وهذه الشفاعة ثابتة بإجماع المسلمين كما تقدم، "لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله، ويحد له حداً، كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: أنهم يأتون آدم، ثم نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى: اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، قال: " فيأتوني فأذهب، فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، فأحمد لربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد ارفع
стр. 143
رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، فأقول: أي ربي أمتي، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أنطلق فأسجد، فيحد لي حداً، ذكر هذا ثلاث مرات.... "١"٢.
وهذا هو المقام المحمود الذي اختص الله به محمداً صلى الله عليه وسلم٣، فإن تأخر الأنبياء آدم، ومن بعده "عن الشفاعة لم يكن لنقص درجاتهم عما كانوا عليه، بل لما علموه من عظمة المقام المحمود الذي يستدعي مغفرة الله للعبد، وكمال عبودية العبد لله، ما اختص الله به من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولهذا قال المسيح: "اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر "٤ فإنه إذا غفر له ما تأخر لم يخف أن يلام إذا ذهب إلى ربه ليشفع"٥.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وقد ثبت هذا بما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه يجيء أهل الجنة آدم، ومن بعده كحديث الشفاعة الكبرى يطلبون منهم أن يستفتحوا لهم، ثم يأتون محمداً ﷺ ، فيقوم، فيؤذن له، ويدل له أيضاً ما في صحيح مسلم من حديث أنس، وفيه قوله ﷺ : "أنا أول شفيع في الجنة" ٦.
ومن الشفاعات الخاصة به ﷺ شفاعته في عمه أبي طالب "بسبب نصرته، ومعونته فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه لا في إسقاط
стр. 144
العذاب بالكلية كما في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت: يا رسول الله، فهل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.... "١"٢، لكن لما كان أبو طالب، وغيره يحبونه ﷺ "ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته، ولا بغيرها"٣.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له، ولسائر النبيين، والصديقين، وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.
هذه الشفاعة ثابتة بالإجماع فإن "أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين-، واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته"٤، "لكن لا ينتفع بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل الشرك"٥.
فأهل السنة والجماعة "أثبتوا ما أثبته الله في كتابه، وسنة رسوله ﷺ ، ونفوا ما نفاه الله في كتابه، وسنة رسوله، فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث"٦، و"هذه الأحاديث كثيرة مستفيضة متواترة عند أهل العلم بالحديث"٧.
стр. 145
"أما الخوارج، والمعتزلة فإنهم أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ ، ولإجماع خير القرون"١. فإنهم قالوا: "من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة، ولا بغيرها"٢، و"زعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع بعض الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقاً"٣. "وهذا مردود بما تواتر عنه من السنن في ذلك"٤.
فتلخص لنا ما تقدم خمس شفاعات لرسول الله ﷺ في أهل الإيمان، "فيطلب منه الخلق للشفاعة في أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلوا الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها"٥، والسادسة شفاعته "لأهل الطاعة المستحقين للثواب"٦ في رفع درجاتهم، وقد تقدم بيان ما يختص به، وما يشركه فيه غيره.
ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة، بل بفضله، ورحمته. ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواماً، فيدخلهم الجنة.
وبيان هذا أنه "لا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان، بل كلهم يخرجون من النار، ويدخلون الجنة، ويبقى في الجنة فضل، فينشئ الله لها خلقاً آخر يدخلهم الجنة كما ثبت في الصحيح عن
стр. 146
النبي ﷺ "١، وفيه ""فيقول الله – –: شفعت الملائكة، وشفعت النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة ... "٢"٣.
وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب، والجنة، والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثورة عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي، ويكفي، فمن ابتغاه وجده.
ففي كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ من ذكر ذلك ما لم يأت في الشرائع قبله "فإن القرآن فيه ذكر المعاد، وإقامة الحجج عليه، وتفصيله، ووصف الجنة، والنار ما لم يذكر مثله في التوراة"٤ مع كونه من أعظم ما أنزل على المرسلين. "ولهذا يقرن – سبحانه – بين التوراة، والقرآن كثيراً"٥.
بل "في القرآن، والأحاديث عنه ﷺ من الإخبار بما سيكون في الدنيا، وفي الآخرة أضعاف أضعاف ما يوجد عن الأنبياء قبله"٦.
стр. 147
وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره.
وبيان هذا أن "الإيمان بالقدر من أصول الإيمان كما ذكره النبي ﷺ في حديث جبريل قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره"١، وقد تبرأ ابن عمر، وغير من الصحابة من المكذبين بالقدر"٢، ويدل عليه أيضاً قوله – تعالى –: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] فهو "– سبحانه – يعلم قبل أن يخلق الأشياء كل ما سيكون، وهو يخلقه بمشيئته فهو يعلمه، ويريده"٣.
"والآيات، والنصوص المثبتة للقدر كثيرة جداً"٤ سيأتي شيء منها – إن شاء الله-.
والقدر من حيث اللغة "يراد به التقدير"٥. "وهو علم الله، وكتابه، وما طابق ذلك من مشيئته، وخلقه"٦، ويمكن أن يقال: قدر الله: "هو حكمه الكوني"٧، ولذلك "قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جداً، وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد، وكتابتها، وتقديرها"٨.
والذي عليه أهل السنة والجماعة من الصحابة، والتابعين لهم
стр. 148
بإحسان، وأئمة المسلمين، وعلمائهم أنه "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" وأن "الله خالق كل شيء، وربه، ومليكه، فكل ما سوى الله مخلوق له، حادث بمشيئته، وقدرته، ولا يكون في ملكه ما لا يشاؤه، ويخلقه، فلا يقدر أحد أن يمنع الله عما أراد أن يخلقه، ويكونه، فإنه الواحد القهار ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] "١. "ومن الإيمان بالقدر أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه"٢.
ولا يلزم من الإيمان بالقدر خيره وشره أن يكون في فعله شر محض، "ولهذا كان النبي ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: "والخير بيديك، والشر ليس إليك "٣، فإنه لا يخلق شراً محضاً، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، وأما الشر الجزئي الإضافي: فهو خير باعتبار حكمته"٤.
ولهذا فإن الشر "المخلوق لا يضاف إلى الله مجرداً عن الخير قط، وإنما يذكر على أحد وجوه ثلاثة:
إما مع إضافته إلى المخلوق، كقوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] .
وإما مع حذف الفاعل كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن: ١٠] ، ومنه في الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] : فذكر الإنعام مضافاً إليه، وذكر الغضب محذوفاً فاعله، وذكر الضلال مضافاً
стр. 149
إلى العبد، وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] .
وإما أن يدخل في العموم كقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] "١.
"والإيمان بالقدر يوجب أن يكون العبد صباراً شكوراً. صبوراً على البلاء، شكوراً على الرخاء، إذا أصابته نعمة علم أنها من عند الله فشكره سواء كانت النعمة حسنة فعلها، أو كانت خيراً حصل بسبب سعيها، فإن الله هو الذي يسر عمل الحسنات، وهو الذي تفضل بالثواب عليها، فله الحمد في ذلك كله. وإذا أصابته مصيبة صبر عليها، وإن كانت تلك المصيبة قد جرت على يد غيره، فالله هو الذي سلط ذلك الشخص، وهو الذي خلق أفعاله"٢.
والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى: الإيمان بالله – تعالى – علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق.
"فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"٣. فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت
стр. 150
الأقلام، وطويت الصحف كما قال – تعالى-: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] .
تضمنت هذه الدرجة مرتبتين من مراتب الإيمان بالقدر:
الأولى: علم الله – ﵎ – بالأشياء قبل وقوعها: "دل على ذلك الكتاب، والسنة، وجاءت به الآثار"١، و"اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة، ومن تبعهم من الأمة"٢. "ففي القرآن، والحديث، والآثار ما لا يكاد يحصر"٣ من دلائل ذلك، "فإن القرآن قد أخبر بأنه – سبحانه – يعلم ما سيكون في غير موضع، بل أبلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها، وكتب ذلك قبل أن يخلقها، فقد علم ما سيخلقه علماً مفصلاً"٤، "وقد أخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله، بل أخبر بذلك نبيه، وغير نبيه، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء"٥.
الثانية: كتابة الله – تعالى – لمقادير الأشياء قبل كونها، وقد "ثبت ذلك في صريح الكتاب، والسنة، وآثار السلف"٦. "فالله – سبحانه – قدر، وكتب مقادير الخلائق قبل
стр. 151
أن يخلقهم كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء"١، وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: " كان الله، ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض "٢، وفي رواية: "ثم خلق السماوات والأرض "، فقد قدر – سبحانه – ما يريد أن يخلقه من هذا العالم حين كان عرشه على الماء إلى يوم القيامة"٣ كما جاء في حديث أمر القلم بالكتابة٤. و"أحاديث تقديره – سبحانه-، وكتابته لما يريد أن يخلقه كثيرة جداً"٥.
وهذا التقدير التابع لعلمه – سبحانه – يكون في مواضع جملة، وتفصيلاً، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ونحو ذلك.
وبيان هذا أن "التقدير، والكتابة تكون تفصيلاً بعد جملة، فالله – تعالى – لما قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات، والأرض بخمسين ألف سنة لم يظهر ذلك التقدير للملائكة، ولما خلق آدم قبل أن ينفخ فيه الروح أظهر لهم ما قدره كما يظهر لهم ذلك من كل مولود كما في الصحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "يجمع خلق أحدكم
стр. 152
في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد"، وفي طريق آخر، وفي رواية: "ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر فيقال: اكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" ١، فأخبر ﷺ في هذا الحديث بعد خلق جسد ابن آدم، وقبل نفخ الروح فيه"٢، ومن التفصيل بعد الإجمال ما يكون ليلة القدر كما قال – تعالى-: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ١-٤] ، "فهي ليلة الحكم، والتقدير"٣. "يقضي الله كل أجل، وعمل، ورزق إلى مثلها"٤.
ومن ذلك أيضاً ما يكون في كل يوم كما في قوله – تعالى-: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ، ومن شأنه – جل شأنه – أن "يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها، فلا يتقدم شيء منها عن وقته، ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه، وجرى به قلمه، ونفذ فيه حكمه، وسبق به علمه"٥.
فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً، ومنكروه اليوم قليل.
وبيان هذا أن "غلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم، وكتابته السابقة،
стр. 153
ويزعمون أنه أمر ونهي، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنف: أي مستأنف.
وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير، وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة، وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرؤوا منهم، وأنكروا مقالتهم كما قال عبد الله بن عمر لما أخبر عنهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، وكذلك كلام ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير حتى قال فيهم الأئمة كمالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون، ثم كثر خوض الناس في القدر، فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم، والكتاب السابق لكن ينكرون عموم مشيئته، وعموم خلقه، وقدرته"١.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون، إلا بمشيئة الله – سبحانه-، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه – سبحانه – على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه – سبحانه-، لا خالق غيره،
стр. 154
ولا رب سواه. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسوله، ونهاهم عن معصيته، وهو – سبحانه – يحب المتقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.
تضمنت هذه الدرجة مرتبتين من مراتب الإيمان بالقدر، وهما:
الأولى: مشيئة الله النافذة، "فأهل السنة متفقون على إثبات القدر، وأن الله على كل شيء قدير"١، و"أنه ما شاء الله كان، فوجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن، فامتنع وجوده"٢، "فما شاء الله كان، وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاء الناس، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره" ٣، وعلى هذا "اتفق المسلمون"٤، و"عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول، والعيان"٥. والقرآن، والسنة مملوءان مما يدل على هذا.
الثانية: خلق – الله – تعالى لكل شيء، فمذهب أهل السنة والجماعة على "أن الله خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد، وغير
стр. 155
أفعال العباد"١. وهذا "ما دل عليه الكتاب، والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان"٢. "وهذا أمر متفق عليه بين الرسل-صلى الله عليهم وسلم-، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر، والعقول، والاعتبار"٣، بل أدلة هذا من القرآن، والسنة لا تكاد تحصر٤.
ومما يجب التنبه له في هذا المقام أنه لا يلزم من اعتقاد أن كل ما شاء الله وجوده، وكونه فقد أمر به، ورضيه، فإن أهل السنة والجماعة "يقولون بما اتفق عليه السلف من أنه – سبحانه – ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ويثبتون الفرق بين مشيئته، وبين محبته، ورضاه. فيقولون:
إن الكفر، والفسوق، والعصيان، وإن وقع بمشيئته، فهو لا يحبه، ولا يرضاه، بل يسخطه، ويبغضه. ويقولون: إرادة الله في كتابه نوعان: نوع بمعنى المشيئة لما خلق، ونوع بمعنى محبته، ورضاه لما أمر به، وإن لم يخلقه"٥. وقد تقدم بيان هاتين الإرادتين، وأدلتهما في إثبات صفة الإرادة لله – تعالى-. وحكم الله – – "يجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيراً، ومن نظر إلى القدر دون الشرع، أو الشرع دون القدر كان أعور"٦.
فتبين بهذا "أنه يحب ما لا يريد، ويريد ما لا يحبه، وذلك أن المراد قد يراد لغيره، فيريد الأشياء المكروهة؛ لما في عاقبتها من الأشياء المحبوبة، ويكره فعل بعض ما يحبه؛ لأنه يفضي إلى ما يبغضه. والله – تعالى – له الحكمة فيما يخلقه، وهو – سبحانه – يحب المتقين،
стр. 156
والمحسنين، والتوابين، ويرضى عن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ويفرح بتوبة التائب."١. وهو – سبحانه – "لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، بل قال لما نهى عنه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] "٢، وتفصيل أدلة هذا ما تقدم أكثره في سياق آيات الصفات.
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، والمصلي، والصائم. وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم، وإرادتهم،
بيان هذا أن جمهور أهل السنة والجماعة على "أن أفعال الإنسان الاختيارية مستندة إليه، وأنه فاعل لها، ومحدث لها"٣، و"العبد فاعل لفعله حقيقة لا مجازاً"٤، "هذا قول السلف والأئمة"٥. وهو الحق "الذي دل عليه المنقول والمعقول"٦، فإن "الله، ورسوله وصف العبد بأنه يعمل، ويفعل"٧، وقد جاءت النصوص "بإثبات فعله في عامة آيات القرآن: "يعملون"، "يفعلون"، "يؤمنون"، "يكفرون"، "يتفكرون"، "يحافظون"، "يتقون""٨، , و"لم يكن من السلف والأئمة من يقول: إن
стр. 157
العبد ليس بفاعل، ولا مختار، ولا مريد، ولا قادر، ولا قال أحد منهم: إنه فاعل مجازاً، بل من تكلم منهم بلفظ الحقيقة، والمجاز متفقون على أن العبد فاعل حقيقة"١.
"ومما اتفق عليه سلف الأمة، وأئمتها أن العباد لهم مشيئة، وقدرة يفعلون بمشيئتهم، وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه كما قال الله – تعالى-: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٤ – ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٩] ، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيماً﴾ [الإنسان: ٣٠] "٢.
ومما اتفق عليه سلف الأمة، وأئمتها "أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد"٣، فالعبد مخلوق لله – تعالى-، "والله – تعالى – خالق ذاته، وصفاته، وأفعاله"٤. "والقرآن مملوء بما يدل على أن أفعال العباد حادثة بمشيئته وقدرته، وخلقه"٥، فإن "في القرآن من ذكر تفصيل أفعال العباد التي بقلوبهم، وجوارحهم، وأنه هو – ﵎ – يحدث من ذلك ما يطول وصفه كقوله – تعالى-: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] "٦.
كما قال – تعالى-: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨- ٢٩] .
стр. 158
وبيان ذلك أن الله "– تعالى – قال: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] فأثبت للعبد مشيئة وفعلاً، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] فبين أن مشيئة العبد متعلقة بمشيئة الله"١.
"وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد، وأنها لا تكون إلا بمشيئة الرب"٢، "وأن العبد له قدرة، وإرادة، وفعل، وهو فاعل حقيقة، والله خالق ذلك كله كما هو خالق كل شيء"٣.
وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته، واختياره؛ ويخرجون عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها.
وبيان هذا أن "مسألة القدر مسألة عظيمة ضل فيها طائفتان من الناس"٤.
الطائفة الأولى: "قدرية مجوسية تثبت الأمر، والنهي، وتنفي القضاء، والقدر"٥، فزعم هؤلاء "أن في المخلوقات ما لا تتعلق به قدرة الله، ومشيئته، وخلقه كأفعال العباد، وغلاتهم أنكروا علمه القديم، وكتابه السابق، وهؤلاء هم أول من حدث من القدرية في هذه الأمة، فرد عليهم الصحابة، وسلف الأمة، وتبروا منهم"٦، "وهم ضلال مبتدعة
стр. 159
مخالفون للكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، ولما عرف بالعقل، والذوق"١.
وقول هؤلاء القدرية المجوسية "يتضمن الإشراك، والتعطيل، فإنه يتضمن إخراج بعض الحوادث عن أن يكون لها فاعل، ويتضمن إثبات فاعل مستقل غير الله، وهاتان شعبتان من شعب الكفر، فإن أصل كل كفر التعطيل، أو الشرك"٢. "ولهذا أسماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا قولهم، وزعموا أن للخير، والشر خالقين كما زعمت المجوس، وأنه يكون من الشر ما لا يشاؤه الله كما قالت المجوس ذلك"٣، ففي سنن ابن ماجه، وغيره عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله – تعالى – إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم "٤.
الطائفة الثانية: "قدرية مشركة تثبت القضاء، والقدر، وتكذب بالأمر، والنهي، أو ببعض ذلك"٥، فهؤلاء "أنكروا أن يكون العبد فاعلاً لأفعاله، وأن تكون له قدرة لها تأثير في مقدورها، أو أن يكون في المخلوقات ما هو سبب لغيره، وأن يكون الله خلق شيئاً لحكمة"٦.
"وأول من ظهر عنه إنكار ذلك هو الجهم بن صفوان وأتباعه"٧، "فلما حدثت مقالته المقابلة لمقالة القدرية أنكرها السلف، والأئمة كما
стр. 160
أنكروا قول القدرية من المعتزلة، وغيرهم، وبدعوا الطائفتين"١.
"وأشد الطوائف قرباً من هؤلاء هو الأشعري ومن وافقه من الفقهاء أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وهو مع هذا يثبت للعبد قدرة محدثة، واختياراً، ويقول: إن الفعل كسب للعبد، لكنه يقول: لا تأثير لقدرة العبد على إيجاد المقدور، فلهذا قال من قال: إن هذا الكسب الذي أثبته الأشعري غير معقول"٢.
فصل
ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول، وعمل: قول القلب، واللسان، وعمل القلب، واللسان، والجوارح،
بيان هذا أن "أهل السنة والجماعة من الصحابة جميعهم، والتابعين، وأئمة أهل السنة، وأهل الحديث"٣ متفقون "على أن الإيمان، والدين قول، وعمل، هذا لفظ الصحابة، وغيرهم"٤. "فالنقول متواترة عن السلف بأن الإيمان قول، وعمل"٥، حتى صار هذا القول "عند أهل السنة من شعائر السنة، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك"٦. "ومن قال من السلف: الإيمان قول، وعمل أراد قول القلب، واللسان، وعمل القلب، والجوارح"٧.
стр. 161
والمراد بقول القلب: "تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته"١،
وأما عمله "فهو الانقياد"٢، ويدخل في هذا "أعمال القلوب التي أوجبها الله، ورسوله، وجعلها من الإيمان"٣، "مثل: حب الله، ورسوله، وخشية الله، وحب ما يحبه الله، ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده"٤، ولا يكون القلب موصوفاً بالإيمان إلا "بانقياد القلب مع معرفته"٥، وهذا أمر "ظاهر ثابت بدلائل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام"٦.
أما قول اللسان "فهو الإقرار"٧ بالشهادتين، "والتصديق باللسان"٨ وذلك بالنطق بهما، فإنه "إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطناً، وظاهراً عند سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير علمائها"٩. فإن "من لم يصدق بلسانه مع القدرة لا يسمى في لغة القوم مؤمناً كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان"١٠.
وأما عمل الجوارح فهو ثمرة ما في القلب من قول، وعمل "والظاهر تابع للباطن لازم له: متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد"١١. "فالقلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة، وإرادة سرى ذلك
стр. 162
إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب" ١"٢، و "القرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه"٣. "فالإيمان اسم لجميع الطاعات الباطنة، والظاهرة"٤.
وقد تنوعت "أقوال السلف، وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول، وعمل. وتارة يقولون: هو قول، عمل، ونية. وتارة يقولون: قول، وعمل، ونية، واتباع سنة. وتارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح. وكل هذا صحيح، فإذا قالوا: قول، وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب، واللسان جميعاً"٥، وكل هذه التفاسير ترجع إلى معنى واحد، وإنما هو تنوع عبارة، فمن "قال من السلف: الإيمان قول: وعمل، أراد قول القلب، واللسان، وعمل القلب والجوارح. ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد، وقول اللسان. وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك. ومن زاد اتباع السنة، فلأن ذلك كله لا يكون محبوباً لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول، وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال، والأعمال. ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً قط، فقالوا: بل هو قول، وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال، والأعمال. ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا: بل هو قول، وعمل. والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول، وعمل، ونية، وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً، وعملاً بلا نية
стр. 163
فهو نفاق، وإذا كان قولاً، وعملاً، ونية بلا سنة فهو بدعة"١، وبهذا يتبين أنه "ليس بين هذه العبارات اختلاف معنوي"٢.
وأما تعريف الإيمان بالتصديق فليس بسديد، وذلك "أن الإيمان، وإن كان يتضمن التصديق، فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار، والطمأنينة. وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر، وكلام الله: خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له، والاستسلام، وهو عمل في القلب جماعه الخضوع، والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب، وهو الطمأنينة، والإقرار. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار، والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق، والانقياد"٣.
وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية،
وبيان هذا أن المأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية"٤.
"والذي مضى عليه سلف الأمة، وأئمتها أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل كما قال النبي ﷺ : "أخرجوا من النار من كان في قلبه
стр. 164
مثقال ذرة من إيمان" ١، وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح، ونقصانه فمتفق عليه"٢. "والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات"٣، "قال الله – تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] ، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ – إلى قوله: - ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال ٢ – ٤] ، وقال: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] .
وقال النبي ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "٤، وقال لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم" ٥"٦.
"وعلى هذا فنقول: إذا نقص شيء من واجباته فقد ذهب ذلك الكمال والتمام"٧.
وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، والكبائر كما يفعله الخوارج،
وبيان هذا "أن أئمة المسلمين، أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم مع
стр. 165
جميع الصحابة، والتابعين لهم بإحسان متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب كما تقول الخوارج"١. "فإنه ثبت بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف أن الزاني غير المحصن يجلد، ولا يقتل، والشارب يجلد، والقاذف يجلد، والسارق يقطع، ولو كانوا كفاراً لكانوا مرتدين، ووجب قتلهم، وهذا خلاف الكتاب، والسنة، وإجماع السلف"٢. "فهذه النصوص صريحة بأن الزاني، والشارب، والسارق، والقاذف ليسوا كفاراً مرتدين يستحقون القتل، فمن جعلهم كفاراً فقد خالف نص القرآن والسنة المتواترة"٣.
"وهؤلاء الخوارج لهم أسماء يقال لهم: الحرورية؛ لأنهم خرجوا بمكان يقال له حروراء، ويقال لهم: أهل النهروان؛ لأن علياً قاتلهم هناك"٤. "وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب، بل بما يرونه هم من الذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك، فكانوا كما نعتهم النبي ﷺ : "يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان"٥"٦. وبدعتهم "أول البدع ظهوراً في الإسلام، وأظهرها ذماً في السنة، والآثار"٧.
والمراد بأهل القبلة أهل الإسلام، وذلك لأن "شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر عنهم بها، فيقال: اختلف أهل الصلاة واختلف أهل القبلة، والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين، وفي الصحيح: " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا "٨"٩. ويدخل فيما
стр. 166
ذكرنا أهل البدع والأهواء، فإنهم لا يكفرون إذ "لا يلزم إذا كان القول كفراً أن يكفر كل من قاله مع الجهل، والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة، وذلك له شروط وموانع"١.
ومما ينبغي التنبه له أننا "إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنى والشرب"٢، أما مباني الإسلام كالصلاة، والزكاة، والصوم "ففي تكفير تاركها نزاع مشهور"٣.
بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال – سبحانه – في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وقال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكم﴾ [الحجرات: ٩- ١٠] .
فالله – جل وعلا – وصف الطائفتين المقتتلتين: "بالإيمان مع الاقتتال والبغي، وأخبر أنهم إخوة، وأن الأخوة لا تكون إلا بين المؤمنين لا بين مؤمن وكافر"٤.
ولا يسلبون الفاسق الملي الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة،
стр. 167
وبيان هذا أن "الفاسق من أهل السنة مثل الزاني، والسارق، والشارب، ونحوهم"١ "ممن له طاعات، ومعاص، وحسنات، وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار"٢ القول الوسط فيه هو قول أهل السنة والجماعة. فإنهم "لا يسلبونه الاسم على الإطلاق، ولا يعطونه على الإطلاق"٣، بل يقولون: "هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. ويقال: ليس بمؤمن حقاً، أو ليس بصادق حقاً"٤. "فأهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال الإيمان الواجب فزال بعض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد"٥.
والخلاف في هذه المسألة، مسألة الأسماء والأحكام، هو "أول خلاف حدث في مسائل الأصول حيث كفرت الخوارج بالذنب فجعلوا صاحب الكبيرة كافراً"٦.
"وقالت المعتزلة: بل ينزل منزلة بين المنزلتين، فنسميه فاسقاً لا مسلماً، ولا كافراً"٧، فهو "ليس بمؤمن بوجه من الوجوه، ولا يدخل في عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان"٨ هذا من حيث الاسم.
أما بالنسبة للحكم "فأهل السنة، والحديث، وأئمة الإسلام المتبعون للصحابة لا يقولون بتخليد أحد من أهل القبلة في النار كما تقوله الخوارج، والمعتزلة، لما ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة:
стр. 168
"أنه يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ١، وإخراجه من النار من يخرج بشفاعة نبينا ﷺ فيمن يشفع له من أهل الكبائر من أمته، وهذه أحاديث كثيرة مستفيضة متواترة عند أهل العلم بالحديث"٢.
و"الخوارج والمعتزلة يقولون: صاحب الكبائر الذي لم يتب منها مخلد في النار ليس معه شيء من الإيمان، ثم الخوارج تقول: هو كافر، والمعتزلة توافقهم على الحكم لا على الاسم"٣، فإنهم "نازعوا غيرهم في الاسم"٤.
بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] .
وبيان ذلك أن المراد في الآية "من أظهر الإسلام، فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا هو الإيمان الظاهر، وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي ﷺ : "أعتقها، فإنها مؤمنة" ٥، أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار"٦، والفاسق يتناوله اسم الإيمان "فيما أمر الله به، ورسوله؛ لأن ذلك إيجاب عليه، وتحريم عليه، وهو لازم له كما يلزمه غيره"٧، والفاسق يدخل "في الخطاب بالإيمان؛
стр. 169
لأن الخطاب بذلك هو لمن دخل في الإيمان، وإن لم يستكمله فإنه إنما خوطب ليفعل تمام الإيمان"١.
وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله – تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] . وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" ٢. ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم بكبيرته.
وبيان هذا أن صاحب الكبيرة كالزاني، والسارق، وشارب الخمر، ونحوهم لا يدخلون في اسم الإيمان المطلق، وذلك "لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب، ودخول الجنة، وهؤلاء ليسوا من أهله"٣، ولأن "حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله، فإنه يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات"٤، وقد دل القرآن "على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال"٥. فالمؤمن "المطلق في باب الوعد
стр. 170
والوعيد هو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب، وهو المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، وهؤلاء هو المؤمنون عند الإطلاق"١. و"لهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة، أو ترك فريضة؛ لأن اسم الشيء الكامل يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهراً إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن" ٢"٣. و"الزاني، والسارق، والشارب، والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي به يستحق أن لا يخلد في النار، وبه ترجى له الشفاعة، والمغفرة، وبه يستحق المناكحة، والموارثة لكن عدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب، ويستحق به تكفير السيئات، وقبول الطاعات، وكرامة الله، ومثوبته، وبه يستحق أن يكون محموداً مرضياً"٤.
وهذا التفصيل في إطلاق اسم الإيمان على الفاسق هو الصحيح "فإذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن، وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين.
وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه، ولهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان"٥.
ومن المعلوم أن "نفي الإيمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين كما في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] ، ثم
стр. 171
قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ – ٤] ، ومعلوم أنه ليس من لم يكن كذلك يكون منافقاً من أهل الدرك الأسفل من النار بل لا يكون قد أتى بالإيمان الواجب"١، فإن المنفي عن الفاسق: "إنما هو المجموع لا كل جزء من أجزائه كما إذا ذهب واحد من العشرة لم تبق العشرة عشرة، لكن بقي أكثر أجزائها"٢.
وأما إعطاء الفاسق اسم الإيمان المطلق فهي طريقة المرجئة، والجهمية، فصاحب الكبيرة عندهم مؤمن تام الإيمان٣. و"أصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه"٤.
وخالفوا بذلك ما دلت عليه النصوص، فإن "نصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه، وبقاء بعضه، كقوله: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " ٥"٦.
فأهل السنة، وأئمتها "متفقون على أن الفساق الذين ليسوا منافقين معهم شيء من الإيمان يخرجون به من النار. هو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين"٧. وبهذا تجتمع النصوص، ولله الحمد.
стр. 172
فصل
ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله – تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] ،
بيان هذا أن أهل السنة والجماعة "مجمعون على أن الواجب"١ في أصحاب رسول الله ﷺ "الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والترحم عليهم، والترضي عنهم، واعتقاد محبتهم، وموالاتهم، وعقوبة من أساء فيهم القول"٢، فإن "من أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غل لخيار المؤمنين، وسادات أولياء الله بعد النبيين، ولهذا لم يجعل الله – تعالى – في الفيء نصيباً لمن بعدهم إلا الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] "٣، "فأهل السنة يترحمون على الجميع، ويستغفرون لهم كما أمرهم الله – تعالى –"٤. و"قد قال كثير من السلف: إن الرافضة لا حق لهم من الفيء؛ لأن الله إنما جعل الفيء للمهاجرين، والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] فمن لم يكن قلبه سليماً لهم، ولسانه مستغفراً
стр. 173
لهم، لم يكن من هؤلاء"١، ومنع الفيء عنهم عقوبة لهم، ولا عقوبة إلا في ترك ما يجب.
وهذا أصل مطرد عند أهل السنة والجماعة لكل من صحب النبي ﷺ قليلاً أو كثيراً، فإن "اسم الصحبة اسم جنس يعم قليل الصحبة، وكثيرها، وأدناها أن يصحبه زمناً قليلاً"٢.
وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه" ٣.
وبيان هذا أن "سب أصحاب رسول الله ﷺ حرام بالكتاب، والسنة.
أما الأول، فلأن الله يقول: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، وأدنى أحوال الساب أن يكون مغتاباً، وقال – تعالى –: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ، وقال –تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] . وهم صدور المؤمنين، فإنهم المواجهون بالخطاب في قوله – تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] حيث ذكرت، ولم يكتسبوا ما يوجب أذاهم؛ لأن الله – سبحانه – رضي عنهم رضاً مطلقاً بقوله – تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، وقال – تعالى-: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] "٤.
стр. 174
وأما السنة فقد نهى النبي ﷺ عن سبهم١، ومنه قوله ﷺ : " لا تسبوا أصحابي" ٢. فلا "ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة"٣، وأن "من لعن أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ونحوهما، ومن هو أفضل من هؤلاء كطلحة، والزبير، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بكر الصديق، وعمر، وعائشة أم المؤمنين، وغير هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ ، فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين"٤، فإن "قوله ﷺ : " لا تسبوا أصحابي" خطاب لكل أحد أن يسب من انفرد عنه بصحبته ﵊"٥. وإن كان سبب الحديث سب خالد بن الوليد ﵁ عبد الرحمن بن عوف، فإن "من لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه قط كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد"٦، وذلك أن "سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول، مؤمنين به، مجاهدين معه، إيمان، ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم"٧. ومما يؤيد هذا أن "الصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبي ﷺ قليلاً أو كثيراً، لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك، فمن صحب سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه مؤمناً، فله من الصحبة بقدر ذلك"٨.
стр. 175
ويقبلون ما جاء به الكتاب، والسنة، والإجماع من فضائلهم، ومراتبهم،
وبيان هذا أن أهل السنة والجماعة "يتولون السابقين الأولين كلهم، ويعرفون قدر الصحابة، وفضلهم، ومناقبهم"١، و"يعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين"٢.
ويفضلون من أنفق من قبل الفتح، وقاتل – وهو صلح الحديبية – على من أنفق من بعده، وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" ٣، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
وبيان هذا أن "أفضل أمة محمد ﷺ القرن الأول"٤. وهم في الفضل على مراتب كما دلت النصوص، فالسابقون "الأولون من المهاجرين، والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال – تعالى-: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] ، وقال-تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
стр. 176
عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] "١. وقوله – تعالى-: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ﴾ [الحديد: ١٠] "نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله – تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل، وقاتلوا"٢.
أما فضل أهل بدر فقد "ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لحاطب بن أبي بلتعة: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق لما كاتب المشركين بخبر النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٣"٤.
أما من بايع تحت الشجرة فكانوا"أكثر من ألف وأربعمائة، وكلهم من أهل الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" ٥"٦، وهم "الذين أنزل الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] "٧.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة،
وبيان هذا أن أهل السنة والجماعة "يشهدون أن العشرة
стр. 177
في الجنة"١، فقد "أخبر عن كل واحد من العشرة أنه في الجنة"٢، ففي الحديث الذي "رواه أهل السنن من غير وجه من حديث عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد"٣ أن رسول الله ﷺ قال: "عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وأبوعبيدة، وسعد بن أبي وقاص"، فعد هؤلاء التسعة، وسكت، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله، أبو الأعور في الجنة" ٤.
وأما شهادة النبي لثابت فلها قصة معروفة عند نزول قوله – تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] ، فظن ثابت أنه المقصود بها، فاحتبس، وحزن لذلك حزناً عظيماً، فقال النبي ﷺ : "بل هو من أهل الجنة "٥،
وقد شهد رسول الله ﷺ بالجنة لآخرين٦، مثل عبد الله بن سلام٧، وغيره رضي الله عن الجميع.
وكذلك شهد أهل السنة بالجنة لأمهات المؤمنين: عائشة، وغيرها٨ – ﵅.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها:
стр. 178
أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵁، كما دلت عليه الآثار،
وبيان هذا أن تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، في الفضل "متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم، والدين من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وهو مذهب مالك، وأهل المدينة، والليث بن سعد، وأهل مصر، والأوزاعي، وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق في الأمة"١، وعلى هذا "عامة أهل السنة من العلماء، والعباد، والأمراء، والأجناد"٢. ودلائل هذا كثيرة٣، والنقل في تفضيل الشيخين "مستفيض عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفي صحيح البخاري عن محمد بن الحنفية أنه قال لأبيه علي بن أبي طالب: يا أبت من خير الناس بعد الرسول ﷺ ، قال: يا بني أو ما تعرف؟ قلت: لا، قال: أبوبكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر٤، ويروى هذا عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجهاً، وأنه كان يقوله على منبر الكوفة، بل قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا وجلدته حد المفتري، فمن فضله على أبي بكر، وعمر جلد بمقتضى قوله ﵁ ثمانين سوطاً"٥. "فتقديم أبي بكر، وعمر من وجوه متواترة"٦، فإن لهما "من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيها أحد من الصحابة لا عثمان، ولا علي، ولا غيرهما، وهذا كان متفقاً عليه في
стр. 179
الصدر الأول إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به حتى إن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر، وعمر عليه"١، "فأبو بكر، وعمر، لا يوازنهما أحد كما قال النبي ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر "٢"٣.
وبهذا جاء "النقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين؛ وتابعيهم من ولد الحسين بن علي، وولد الحسن، وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر، وعمر، وكانوا يفضلونهما على علي، والنقول عنهم ثابتة متواترة"٤.
وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان، وعلي ﵄ – بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر – أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان، وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم علياً. وقوم توقفوا لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي. وإن كانت هذه المسألة – مسألة عثمان، وعلي – ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة؛ وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.
стр. 180
بيان هذا أنه قد "اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر ﵄"١. "فقد ثبت بالنقل الصحيح في صحيح البخاري، وغير البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جعل الخلافة شورى في ستة أنفس: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف – ولم يدخل معهم سعيد بن زيد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وكان من بني عدي قبيلة عمر، وقال عن ابنه عبد الله: يحضركم عبد الله، وليس له في الأمر شيء، ووصى أن يصلي صهيب بعد موته حتى يتفقوا على واحد.
فلما توفي عمر، واجتمعوا عند المنبر. قال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعلي. وقال سعد: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف، فخرج ثلاثة وبقي ثلاثة. فاجتمعوا، فقال عبد الرحمن بن عوف: يخرج منا واحد، ويولي واحداً، فسكت عثمان، وعلي فقال عبد الرحمن بن عوف: أنا أخرج. وروي أنه قال: عليه عهد الله، وميثاقه أن يولي أفضلهما، ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، يشاور المهاجرين، والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين؛ ويشاور أمراء الأمصار – فإنهم كانوا في المدينة حجوا مع عمر، وشهدوا – موته – حتى قال عبد الرحمن بن عوف: إن لي ثلاثاً ما اغتمضت بنوم. فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان: عليك عهد الله، وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت علياً لتسمعن، ولتطيعن،؟ قال: نعم. وقال لعلي: عليك عهد الله، وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. فقال: إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان٢. فبايعه علي، وعبد الرحمن، وسائر المسلمين بيعة رضاً، واختيار من غير رغبة