عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] "١. وقوله – تعالى-: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ﴾ [الحديد: ١٠] "نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله – تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل، وقاتلوا"٢.
أما فضل أهل بدر فقد "ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لحاطب بن أبي بلتعة: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق لما كاتب المشركين بخبر النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٣"٤.
أما من بايع تحت الشجرة فكانوا"أكثر من ألف وأربعمائة، وكلهم من أهل الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" ٥"٦، وهم "الذين أنزل الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] "٧.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة،
وبيان هذا أن أهل السنة والجماعة "يشهدون أن العشرة
стр. 177
في الجنة"١، فقد "أخبر عن كل واحد من العشرة أنه في الجنة"٢، ففي الحديث الذي "رواه أهل السنن من غير وجه من حديث عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد"٣ أن رسول الله ﷺ قال: "عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وأبوعبيدة، وسعد بن أبي وقاص"، فعد هؤلاء التسعة، وسكت، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله، أبو الأعور في الجنة" ٤.
وأما شهادة النبي لثابت فلها قصة معروفة عند نزول قوله – تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] ، فظن ثابت أنه المقصود بها، فاحتبس، وحزن لذلك حزناً عظيماً، فقال النبي ﷺ : "بل هو من أهل الجنة "٥،
وقد شهد رسول الله ﷺ بالجنة لآخرين٦، مثل عبد الله بن سلام٧، وغيره رضي الله عن الجميع.
وكذلك شهد أهل السنة بالجنة لأمهات المؤمنين: عائشة، وغيرها٨ – ﵅.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها:
стр. 178
أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵁، كما دلت عليه الآثار،
وبيان هذا أن تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، في الفضل "متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم، والدين من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وهو مذهب مالك، وأهل المدينة، والليث بن سعد، وأهل مصر، والأوزاعي، وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق في الأمة"١، وعلى هذا "عامة أهل السنة من العلماء، والعباد، والأمراء، والأجناد"٢. ودلائل هذا كثيرة٣، والنقل في تفضيل الشيخين "مستفيض عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفي صحيح البخاري عن محمد بن الحنفية أنه قال لأبيه علي بن أبي طالب: يا أبت من خير الناس بعد الرسول ﷺ ، قال: يا بني أو ما تعرف؟ قلت: لا، قال: أبوبكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر٤، ويروى هذا عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجهاً، وأنه كان يقوله على منبر الكوفة، بل قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا وجلدته حد المفتري، فمن فضله على أبي بكر، وعمر جلد بمقتضى قوله ﵁ ثمانين سوطاً"٥. "فتقديم أبي بكر، وعمر من وجوه متواترة"٦، فإن لهما "من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيها أحد من الصحابة لا عثمان، ولا علي، ولا غيرهما، وهذا كان متفقاً عليه في
стр. 179
الصدر الأول إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به حتى إن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر، وعمر عليه"١، "فأبو بكر، وعمر، لا يوازنهما أحد كما قال النبي ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر "٢"٣.
وبهذا جاء "النقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين؛ وتابعيهم من ولد الحسين بن علي، وولد الحسن، وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر، وعمر، وكانوا يفضلونهما على علي، والنقول عنهم ثابتة متواترة"٤.
وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان، وعلي ﵄ – بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر – أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان، وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم علياً. وقوم توقفوا لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي. وإن كانت هذه المسألة – مسألة عثمان، وعلي – ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة؛ وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.
стр. 180
بيان هذا أنه قد "اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر ﵄"١. "فقد ثبت بالنقل الصحيح في صحيح البخاري، وغير البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جعل الخلافة شورى في ستة أنفس: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف – ولم يدخل معهم سعيد بن زيد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وكان من بني عدي قبيلة عمر، وقال عن ابنه عبد الله: يحضركم عبد الله، وليس له في الأمر شيء، ووصى أن يصلي صهيب بعد موته حتى يتفقوا على واحد.
فلما توفي عمر، واجتمعوا عند المنبر. قال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعلي. وقال سعد: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف، فخرج ثلاثة وبقي ثلاثة. فاجتمعوا، فقال عبد الرحمن بن عوف: يخرج منا واحد، ويولي واحداً، فسكت عثمان، وعلي فقال عبد الرحمن بن عوف: أنا أخرج. وروي أنه قال: عليه عهد الله، وميثاقه أن يولي أفضلهما، ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، يشاور المهاجرين، والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين؛ ويشاور أمراء الأمصار – فإنهم كانوا في المدينة حجوا مع عمر، وشهدوا – موته – حتى قال عبد الرحمن بن عوف: إن لي ثلاثاً ما اغتمضت بنوم. فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان: عليك عهد الله، وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت علياً لتسمعن، ولتطيعن،؟ قال: نعم. وقال لعلي: عليك عهد الله، وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. فقال: إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان٢. فبايعه علي، وعبد الرحمن، وسائر المسلمين بيعة رضاً، واختيار من غير رغبة
стр. 181
أعطاهم إياها، ولا رهبة خوفهم بها"١.
وأما تقديم عثمان على علي ﵁ فقد: "أجمع عليه المهاجرون والأنصار كما قال غير واحد من الأئمة منهم أيوب السختياني، وغير هـ: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم٢، فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي ﷺ من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي ﷺ فلا ينكره، وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتاً بالنص، وإلا فيكون ثابتاً بما ظهر بين المهاجرين، والأنصار على عهد النبي ﷺ من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر، فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة، ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم. قال الإمام أحمد: لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان"٣، وهو بين في قصة مبايعته ﵁، على أنه قد حصل نزاع بين أهل السنة في أيهما أفضل عثمان أو علي؟ "فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وكان طائفة من الكوفيين يقدمون علياً، وهي إحدى الروايتين عن سفيان الثوري، ثم قيل: إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به أيوب السختياني"٤. "وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان، وهو مذهب جماهير أهل الحديث، وعليه يدل النص، والإجماع، والاعتبار"٥، و"عليه استقر أمر أهل السنة"٦.
стр. 182
وقد تنازع السلف "فيمن يقدم علياً على عثمان هل يعد من أهل البدعة؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد"١.
"إحداهما: من فضل علياً على عثمان خرج من السنة إلى البدعة؛ لمخالفته لإجماع الصحابة. ولهذا قيل: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين، والأنصار، يروى ذلك عن غير واحد: منهم أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، والدارقطني.
والثانية: لا يبدع من قدم علياً، لتقارب حال عثمان، وعلي"٢.
والراجح من هذين القولين أنه لا يبدع؛ لكون أئمة المسلمين متفقين على أن التبديع إنما يكون في مسائل الأصول التي اتفق عليها أهل العلم "بخلاف من نازع في مسائل الاجتهاد التي لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن"٣ عن النبي ﷺ . وهذه المسألة مسألة عثمان، وعلي من هذا القبيل، كما أن تقدم أحدهما على الآخر لم يكن ظاهراً "كتقدم أبي بكر، وعمر على الباقين، ولهذا كان في الشورى تارة يؤخذ برأي عثمان، وتارة يؤخذ برأي علي"٤.
"لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقف في خلافة علي، وقال: هو أضل من حمار أهله، وأمر بهجرانه، ونهى عن مناكحته، ولم يتردد أحمد، ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه، ولا شكوا في ذلك"٥، "بل أهل السنة يحبونه، ويتولونه، ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين"٦.
стр. 183
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله، حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي" ١. وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم؛ فقال: "والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي" ٢.
وقال: "إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" ٣. ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٤.
وبيان ذلك أن أهل السنة والجماعة "يتولون جميع المؤمنين، ويتكلمون بعلم، وعدل"٥، و"يرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم"٦، "فإن الله جعل لهم حقاً في الخمس، والفيء، وأمر بالصلاة
стр. 184
عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ "١، وغير ذلك من الحقوق. وحقهم "على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم"٢، فإنهم "يستحقون من زيادة المحبة، والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش"٣. "فمحبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة"٤. دل على هذا ما"روى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال: خطبنا رسول الله ﷺ بغدير يدعى خماً بين مكة والمدينة فقال: "يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله فيه الهدى والنور " فرغب في كتاب الله، "وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"، فقيل لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل" ٥"٦، ويدل لذلك أيضاً: "ما روي عن النبي ﷺ من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته: "والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي"٧"٨.
والمراد بأهل بيت النبي ﷺ الذين تجب موالاتهم، ومحبتهم "هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد علي، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب، وغيرهم"٩. ولما "قيل لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل"١٠ كما في صحيح مسلم.
стр. 185
وقد "تنازعوا في بني المطلب بن عبد مناف هل تحرم عليهم الصدقة، ويدخلون في آل محمد ﷺ ؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد"١.
وأما زوجاته ﵅ فقد اختلف العلماء هل هن من أهل بيته ﷺ ؟ "على قولين، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنهن لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم.
والثاني: وهو الصحيح أن أزواجه من آله، فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه علم الصلاة عليه: "اللهم صل على محمد، وأزواجه، وذريته"، ولأن امرأة إبراهيم من آله، وأهل بيته، وامرأة لوط من آله، وأهل بيته بدلالة القرآن، فكيف لا يكون أزواج محمد من آله، وأهل بيته؟ "٢ ولقوله – تعالى – في خطاب نساء النبي: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] . فهذه "الآية تدل على أنهن من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى"٣، فنساؤه ﷺ من أهل بيته بنص القرآن٤، فلهن ما لأهل البيت من حقوق.
وأما ما رواه "مسلم عن عائشة أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي، فأدخله، ثم جاء الحسين، فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها معه، ثم جاء علي، فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] ٥" ٦. و"قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال
стр. 186
لعلي، وفاطمة، وحسن، وحسين: "اللهم إن هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً" ١"٢. فهذا يدل على أن علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين كلهم من أهل البيت، وهم"أخص بذلك من غيرهم، ولذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم.
وهذا كما أن قوله: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] نزلت بسبب مسجد قباء، لكن الحكم يتناوله، ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو مسجد المدينة. وهذا يوجه ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: "هو مسجدي هذا" ٣"٤.
"وهكذا أزواجه، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين كلهم من أهل البيت، لكن علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين أخص من أزواجه ولهذا خصهم بالدعاء"٥، "فالتخصيص؛ لكون المخصوص أولى بالوصف"٦. فالحديث لا يفيد لا مفهوماً، ولا منطوقاً أن أزواجه – ﵅ – لسن من أهل بيته ﷺ .
"ومن المعلوم أن كل واحدة من أزواج النبي ﷺ يقال لها أم المؤمنين: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصفية بنت حيي بن أخطب الهاورنية، ﵅، وقد قال الله – تعالى-: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، وهذا أمر معلوم للأمة علماً عاماً، وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح
стр. 187
هؤلاء بعد موته على غيره، وعلى وجوب احترامهن فهن أمهات المؤمنين في الحرمة، والتحريم"١.
ومما لا ريب فيه أن "أفضل نساء هذه الأمة خديجة، وعائشة وفاطمة"٢ – ﵅. وقد اختلف أهل العلم في أيهما أفضل خديجة، أو عائشة؟ ولا شك أن كل واحدة قد اختصت بفضل لم تشاركها فيه غيرها، "فسبق خديجة، وتأثيرها في أول الإسلام، ونصرها، وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثير عائشة في آخر الإسلام، وحمل الدين، وتبليغه إلى الأمة، وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة، ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها"٣ فرضي الله عنهن أجمعين.
أما وجه تفضيل عائشة في قوله ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "٤، فذلك "لأنه – أي الثريد – خبز، ولحم"٥، و"البر أفضل الأقوات، واللحم أفضل الآدام"٦.
ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول، أو عمل،
أهل السنة والجماعة "يتولون جميع المؤمنين، ويتكلمون بعلم، وعدل، ليسوا من أهل الجهل، ولا من أهل الأهواء، ويتبرون من طريقة
стр. 188
الروافض والنواصب جميعاً، ويتولون السابقين الأولين كلهم، ويعرفون قدر الصحابة، وفضلهم، ومناقبهم، ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم"١.
وبهذا يفارق أهل السنة والجماعة الرافضة. فالرافضة "تطعن في جميع الصحابة إلا نفراً قليلاً بضعة عشر"٢، و"يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم"٣.
وأما الناصبة فكانت "تبغض علياً، وأصحابه"٤، بل كانوا: "يكفرون علياً، أو يفسقونه، أو يشكون في عدالته"٥.
فأهل السنة والجماعة سالمون من هاتين الضلالتين؛ لما ثبت من فضائلهم، ولأن "القدح فيهم قدح في القرآن والسنة"٦، وباطن هذا المسلك "الطعن في الرسالة"٧.
ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه، والصحيح منها هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في
стр. 189
الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : "أنهم خير القرون "١، "وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم" ٢، ثم إذا كان قد صدر عن أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
وبيان هذا أن "مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم، ومحبتهم. وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفوراً. فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضاً،
стр. 190
وذماً، ويكون هو في ذلك مخطئاً بل عاصياً، فيضر نفسه، ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر من تكلم في ذلك، فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله، ولا رسوله؛ إما من ذم من لا يستحق الذم، وإما من مدح أمور لا تستحق المدح، ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف"١. وليس هذا خاصاً بما جرى بين الصحابة فقط، بل "ينهى عما شجر بين هؤلاء سواء كانوا من الصحابة، أو ممن بعدهم. فإذا تشاجر مسلمان في قضية، ومضت، ولا تعلق للناس بها، ولا يعرفون حقيقتها، كان كلامهم فيها كلاماً بلا علم، ولا عدل يتضمن أذاهما بغير حق، ولو عرفوا أنهما مذنبان أو مخطئان لكان ذكر ذلك من غير مصلحة راجحة من باب الغيبة المذمومة"٢.
فالواجب فيما شجر بين الصحابة ﵃ أن يقال: "إما أن يكون عمل أحدهم سعياً مشكوراً، أو ذنباً مغفوراً، أو اجتهاداً قد عفي لصاحبه عن الخطأ فيه. فلهذا كان من أصول أهل العلم: أنه لا يمكن أحد من الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم، وديانتهم، بل يعلم أنهم عدول مرضيون، لا سيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى"٣.
"ولهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيراً من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال"٤، "فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله، وكان من أهل الحق، والاستقامة، والاعتدال، وإلا حصل في جهل، وكذب، وتناقض"٥.
ومن وسطية أهل السنة، وعدلهم أنهم "لا يعتقدون العصمة من
стр. 191
الإقرار على الذنوب، وعلى الخطأ في الاجتهاد إلا لرسول الله ﷺ ، ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنب، والخطأ"١. لكن الصحابة ﵃ "هم كما قال – تعالى –: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦] "٢.
"بل يجوز أن يذنب الرجل منهم ذنباً صغيراً، أو كبيراً، ويتوب منه، وهذا متفق عليه بين المسلمين، ولو لم يبت فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل عند الأكثرين منهم أن الكبائر قد تمحى بالحسنات التي هي أعظم منها"٣، "وقد يبتلون أيضاً بمصائب يكفر الله عنهم بها، وقد يكفر عنهم بغير ذلك"٤، فإن لهم ﵃ "من التوبة، والاستغفار، والحسنات ما ليس لمن هو دونهم، وابتلوا بمصائب يكفر الله بها خطاياهم لم يبتل بها من دونهم، فلهم من السعي المشكور، والعمل المبرور ما ليس لمن بعدهم، وهم بمغفرة الذنوب أحق من غيرهم ممن بعدهم"٥. هذا فيما كان ذنباً محققاً منهم ﵃، فكيف و "ما يذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لم يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم"٦، "فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال ﷺ : "خير القرون قرني، الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم" ٧، وهذه خير أمة أخرجت للناس"٨.
стр. 192
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم من الفضائل، علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان، ولا يكون، مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله – .
وبيان ذلك أن الصحابة ﵃: "كانوا أكمل هذه الأمة عقلاً، وعلماً، وديناً كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستناً، فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا، والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم، ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. رواه غير واحد، منهم ابن بطة عن قتادة ١"٢، وقوله ﵁: "كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً كلام جامع بين فيه حسن قصدهم، ونياتهم ببر القلوب، وبين فيه كمال المعرفة، ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسر ذلك عليهم، وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف"٣، و"الذي قاله عبد الله حق، فإنهم خير هذه الأمة كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ حيث قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٤"٥. فأصحابه ﵃ "كانوا أفضل قرون الأمة، فهم أعرف القرون بالله، وأشدهم له خشية"٦.
стр. 193
ومن دلائل خيريتهم ﵃ أن "كل خبر فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان، والإسلام، والقرآن، والعلم، والمعارف، والعبادات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، وانتصارهم على الكفار، وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الذين بلغوا الدين، وجاهدوا في سبيل الله"١ – فرضي الله عنهم وسلك بنا سبيلهم – لا كان، ولا يكون مثلهم.
ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم، والمكاشفات، وأنواع القدرة، والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف، وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة، والتابعين، وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.
وبيان هذا أن كرامات الأولياء هي ما يكون للمؤمنين المتقين من الأمور الخارقة للعادة، فإن الكرامة هي "الأمر الخارق للعادة"٢. وأما أولياء الله فإنهم " ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] ، فقد أخبر الله – سبحانه – أن أولياءه هم المؤمنون المتقون"٣، وذلك في قوله – تعالى-: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ – ٦٣] ، وهي إنما سميت بهذا الاسم؛ لأن الله يكرم"بها أولياءه المتقين"٤.
стр. 194
وهذه الكرامات، وخوارق العادة أنواع١:
الأول: "ما هو من جنس العلم كالمكاشفات"٢، و"هي من جنس العلم الخارق"٣، فإذا "كان القلب معموراً بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت"٤ و"كلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف"٥، وهذا النوع من الكرامات له صور "فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً، وتارة بأن يعلم ما لا يعلمه غيره وحياً وإلهاماً، أو إنزال علم ضروري، أو فراسة صادقة، ويسمى: كشفاً، ومشاهدات، ومكاشفات، ومخاطبات. فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة. ويسمى كشفاً، ومكاشفة، أي: كشف له عنه"٦، "مثل قول عمر في قصة سارية، وإخبار أبي بكر بأن ببطن زوجته أنثى، وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلاً، وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام"٧.
الثاني: "ما هو من جنس القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادة"٨، و"هي من جنس القدرة الخارقة"٩. و"ما كان من باب القدرة فهو التأثير، وقد يكون همة، وصدقاً، ودعوة مجابة، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله: " من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر
стр. 195
الليث الحرب" ١، ومثله تذليل النفوس له، ومحبتها إياه، ونحو ذلك"٢، ومن أمثلة هذا "قصة الذي عنده علم من الكتاب، وقصة أهل الكهف، وقصة خالد بن الوليد، وسفينة مولى رسول الله ﷺ ، وأبي مسلم الخولاني، وأشياء يطول شرحها، فإن تعداد هذا مثل المطر، وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس، وأما القدرة التي لم تتعلق بفعله، فمثل نصر الله لمن ينصره، وإهلاكه لمن يشتمه"٣. و"كرامات الصحابة، والتابعين بعدهم، وسائر الصالحين كثيرة جداً"٤.
الثالث: "ما هو من جنس الغناء عن الحاجات البشرية"٥. وذلك مثل "الاستغناء عن الأكل، والشرب مدة"٦.
وهذه الكرامات "إنما حصلت ببركة اتباع رسوله ﷺ "٧، فهي من جملة الآيات الدالة على صدق الرسول الذي اتبعوه. فإن"من آيات الأنبياء ما يظهر مثله على أتباعهم، ويكون ما يظهر على أتباعهم من آياتهم، فإن ذلك مختص بمن يشهد بنبوتهم، فهو مستلزم له، لا تكون تلك الآيات إلا لمن أخبر بنبوتهم"، و"لهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة الإسلام، وصدق الرسول كما ذكر أن خالد بن الوليد شرب السم لما طلب منه آية، ولم يضره"٨.
وبالجملة فهذه الكرامات التي تجري لأولياء الله، وعباده الصالحين إنما تكون "الحجة أو حاجة. فالحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لابد
стр. 196
منه من النصر، والرزق الذي به يقوم دين الله"١.
وقد ضل في هذا الباب طوائف:
"فقالت طائفة: لا تخرق العادة إلا لنبي، وكذبوا بما يذكر من خوارق السحرة، والكهان، وبكرامات الصالحين، وهذه طريقة أكثر المعتزلة، وغيرهم كأبي محمد بن حزم، وغيره"٢.
"وقالت طائفة: بل كل هذا حق، وخرق العادة جائز مطلقاً، وكل ما خرق لنبي من العادات يجوز أن يخرق لغيره من الصالحين، بل ومن السحرة، والكهان، ولكن الفرق أن هذه تقترن بها دعوى النبوة، وهو التحدي"٣. وقد يقولون: إنه لا يمكن لأحد أن يعارضها بخلاف تلك، وهذا قول "جهم، ومن اتبعه من النفاة للحكمة، والأسباب في أفعال الله – تعالى –"٤.
وممن ضل فيها أيضاً "المتفلسفة الملاحدة الذين يقولون: أسباب الآيات القوى الفلكية، والقوى النفسانية، والطبيعية"٥.
والصواب ما تقدم من إثبات الكرامة لأولياء الله – تعالى-دون غيرهم، أما ما يكون للسحرة، والكهان، فليس من ذلك في شيء، فإنه يوجد "بين كرامات الأولياء، وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة:
منها أن كرامات الأولياء سببها الإيمان، والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه، ورسوله".
ومنها أن "الأحوال الشيطانية تبطل أو تضعف إذا ذكر الله،
стр. 197
وتوحيده، وقرئت قوارع القرآن لا سيما آية الكرسي، فإنها تبطل عامة هذه الخوارق الشيطانية، وأما آيات الأنبياء، والأولياء، فتقوى بذكر الله، وتوحيده"١.
ومنها "أن ما تأتي به السحرة والكهان وكل مخالف للرسل تمكن معارضته بمثله وأقوى منه"٢، أما "كرامات الصالحين لا تعارض لا بمثلها، ولا بأقوى منها"٣.
ومنها أن ما يأتي به السحرة، والكهان مقصوده الكفر، والفسوق، والعصيان، أما كرامات الصالحين فمقصودها "عبادة الله، وتصديق رسله، فهي آيات، ودلائل، وبراهين متعاضدة على مطلوب واحد"٤.
ومما ينبغي التنبه له الفرق بين آيات الأنبياء، وكرامات الأولياء، "فإن آيات الأنبياء ﵈ التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم، وأتباعهم"٥.
فصل
ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً، وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم
стр. 198
ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١. ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة. وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين، والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم، والدين.
وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أعمال، وأفعال باطنة، أو ظاهرة مما له تعلق بالدين.
والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشر في الأمة.
وبيان هذا أن الأصول التي يستند إليها أهل السنة والجماعة في طريقتهم ثلاثة أصول. أول هذه الأصول وأصلها ورأسها كتاب الله، فإنه "مبين للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كاف من اتبعه، لا يحتاج معه إلى غيره، يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل"٢.
وثاني هذه الأصول السنة المطهرة، "فإن الرسول ﷺ بين للناس لفظ القرآن ومعناه"٣، وقد تقدم الكلام على منزلتها.
ثالث هذه الأصول الإجماع، "وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء، والصوفية، وأهل الحديث، والكلام، وغيرهم في الجملة،
стр. 199
وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة، والشيعة، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة. وأما بعد ذلك فتعذر العلم به غالباً"١.
"ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص"٢، "فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب، والسنة"٣.
وبهذا يتبين أن "دين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله، وسنة رسوله، وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة"٤ بنى عليها أهل السنة والجماعة عقدهم، وقولهم، وعملهم.
فصل
ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة،
هذا الفصل عقد لبيان ما تميز به أهل السنة والجماعة في مسلكهم العملي بعد الفراغ من ذكر ما تميزوا به في عقدهم، وأصول دينهم، ففي هذا الفصل ذكر أبرز الخصائص السلوكية المنهجية لأهل السنة والجماعة، فأول هذه السمات المنهجية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسبب البداءة به قبل غيره "أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال، وأفضلها، وأحسنها"٥.
فأهل السنة والجماعة يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر
стр. 200
"فلا يبقى معروف إلا أمروا به، ولا منكر إلا نهوا عنه"١. وهم في ذلك كله "على الصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود"٢.
وقوام هذا الصراط ثلاثة أمور: "العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده، وإن كان كل من هذه الثلاثة لابد أن يكون مستصحباً في هذه الأحوال. وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف، ورووه مرفوعاً ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: لا يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه"٣. والمقصود أن أهل السنة والجماعة قائمون بهذه الشعيرة العظيمة من شعائر الإسلام على ما تقتضيه الأدلة لا وكس، ولا شطط.
ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا، أو فجاراً،
فأهل السنة والجماعة يرون إقامة هذه الأعمال الصالحة مع كل أمير براً كان، أو فاجراً، وذلك أنه "إذا كان للرجل ذنوب، وقد فعل براً فهذا إذا أعين على البر لم يكن هذا محرماً، كما لو أراد مذنب أن يؤدي زكاته، أو يحج، أو يقضي ديونه، أو يرد بعض ما عنده من المظالم، أو يوصي على بناته، فهذا إذا أعين عليه فهو إعانة على بر، وتقوى، ليس إعانة على إثم، وعدوان، فكيف بالأمور العامة"٤.
فإن هذا الأمور من الحج، والجمع، والأعياد، "والجهاد لا يقوم
стр. 201
بها إلا ولاة الأمور"١، فلو اشترط للقيام بها برهم، وصلاحهم لتعطلت هذه الشعائر، وانمحت. وبهذا مضت السنة٢ "فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة، والجماعة خلف الأئمة الفجار"٣. و"من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر، وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك النبي ﷺ "٤.
"وهذه طريقة خيار الأمة قديماً، وحديثاً، وهي واجبة على كل مكلف"٥، "فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين، وشر الشرين، حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شر الشرين"٦، وهذا يكون في الجهاد، وغيره من الأمور العامة.
ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً"، وشبك بين أصابعه٧. وقوله ﷺ : " مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى، والسهر" ٨. ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضى بمر
стр. 202
القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً "١، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق، أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها.
وكل ما يقولونه، ويفعلونه من هذا، وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب، والسنة.
هذه جملة من فضائل الأخلاق، وصالح الأعمال التي تميز بها أهل السنة والجماعة في سلوكهم، وأخلاقهم، ومنهجهم، وطريقهم، والجامع لها مراقبة الله – تعالى – في معاملة الخلق. فإن "السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم"٢.
وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وفي الحديث عنه أنه قال: " هم من كان على مثل
стр. 203
ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١ صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة "٢. فنسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
في هذا بيان أنه لا تستحق فرقة من فرق الأمة وصف النجاة من النار "إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة"٣، وذلك أنه "ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله، وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها، وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها وأهل معرفة بمعانيها، واتباعاً لها تصديقاً، وعملاً، وحباً، وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها"٤.
وقد سبق الكلام في أول هذه الرسالة عن سبب تسميتهم بأهل السنة والجماعة، وبالفرقة الناجية المنصورة سلك الله بنا سبيلهم، وهدانا إلى طريقهم إنه بر جواد كريم.
стр. 204
وأما قوله – ﵀: "وفيهم الأبدال" فالأبدال جمع بدل، وهو لفظ "تكلم به بعض السلف، ويروى فيه عن النبي ﷺ حديث ضعيف"١، وفيه "أنهم أربعون رجلاً، وأنهم بالشام، وهو في المسند من حديث علي رضي الله٢، وهو حديث منقطع ليس بثابت"٣. "والذين تكلموا باسم البدل فسروه بمعان: منها أنهم أبدال الأنبياء، ومنها أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله – تعالى – مكانه رجلاً، ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم، وأعمالهم، وعقائدهم بحسنات"٤.
والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً مزيداً.