شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
جمعه ورتبه: خالد بن عبد الله المصلح
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده – جل ذكره – لا أحصي ثناء عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد..
فغير خاف على أهل العلم، وطلابه، والمشتغلين به ما للعقيدة الواسطية التي ألفها شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن عبد الحليم بن تيمية-رحمه الله تعالى-من المكانة، والأهمية، والمنزلة بين الكتب المؤلفة في بيان عقيدة السلف. فإن هذه العقيدة المباركة الذائعة الصيت، والحائزة السبق، عظيمة النفع في توضيح عقيدة أهل السنة والجماعة على قلة ألفاظها، وسهولة عبارتها، والذي رشحها لهذا أسباب عديدة منها:
١- أن ما تضمنته هذه العقيدة المباركة معتمد على ما جاء في كتاب الله – ، وسنة رسوله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وذلك في ألفاظها ومعانيها، وقد أبان شيخ الإسلام عن هذه المزية في المناظرة التي جرت في هذه العقيدة فقال: "أنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب، والسنة"١، وقال أيضاً: "وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية، أو حديثاً، أو إجماعاً سلفياً"٢.
٢- أن ما تضمنته هذه الرسالة المباركة هو نتيجة، وثمرة تتبع شيخ الإسلام – ﵀ – لأقوال السلف، واستقرائها في باب أسماء الله
стр. 2
والجماعة في هذه العقيدة تحريراً بالغاً دقيقاً، حتى قال: "قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك"١. ولقد عدل – ﵀ – عن استعمال بعض الألفاظ المشتهرة كالتحريف والتشبيه ونحوهما، لكونها ليست في الكتاب والسنة، وإن كان قد يعنى بها معنى صحيح٢.
٤- أنه على صغر حجم هذه العقيدة المباركة إلا أنها اشتملت على غالب مسائل الاعتقاد، وأصول الإيمان، إضافة إلى بيان المسلك العملي الخلقي لأهل السنة والجماعة.
ولقد حظيت هذه العقيدة بالقبول عند أهل العلم قديماً وحديثاً، فأثنى عليها أهل العلم، وذكروها بالجميل، فقال الذهبي – ﵀ – في كلام له على هذه الرسالة: "وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد"٣، وقال ابن رجب – ﵀ –: "وقع الاتفاق على أن هذه عقيدة سنيّة سلفية"٤، وقال عنها الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: "جمعت على اختصارها، ووضوحها جميع ما يجب اعتقاده في أصول الإيمان، وعقائده الصحيحة"٥.
стр. 3
ولهذا اعتنى أهل العلم وطلابه بهذه العقيدة حفظاً، وتدريساً، تعلماً، وتعليماً. وقد شرحت بشروح كثيرة متنوعة بسطاً، واختصاراً، وفي كل خير، لكن لما كانت هذه العقيدة بمثابة الخلاصة، والنبذة لما بسطه شيخ الإسلام – ﵀، وفصّله في مؤلفاته، وكتبه، ورسائله بدا لي أن خير من يوضح ما اشتملت عليه هذه العقيدة، ويبينه هو مؤلفها – ﵀، فاستعنت الله – تعالى – في تتبع كلامه، وجمعه، ثم انتقاء ما يوضح مقصود الرسالة، ويبسط موجزها، ثم تنسيق ذلك، والتأليف بين هذا الدر المنثور لينتظم العِقد، ويتحقق القصد. ولإتمام الفائدة، وتوثيق المادة عزوت جميع ما نقلته من كلامه – ﵀ – سواء كان النقل نصاً، وهو الغالب، أو كان بالمعنى، وهو قليل نزر. وما لم أجد فيه كلاماً للشيخ – ﵀ – رجعت فيه إلى تلميذه ابن القيم – ﵀، وهذا قليل أيضاً. ولم أخرج عن هذا الصراط إلا في عدة مواضع، نقلت فيها كلاماً للشيخ عبد الرحمن بن سعدي – ﵀.
فأسأل الله – تعالى -أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بالأصل، وأن يجعله عملاً مقبولاً، تعظم به الحسنات، وترفع به الدرجات، إنه بر جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد البشير النذير، وسلم تسليماً كثيراً.
كتبه
خالد بن عبد الله بن محمد المصلح
٩ / ٤ / ١٤٢١ هـ
القصيم عنيزة
ص. ب ١٠٦٠
стр. 4
شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
افتتحت هذه الرسالة المباركة بالبسملة، وافتتاح الرسائل، والكتب، والمؤلفات بالبسملة مما جرى عليه عمل العلماء خلفاً، وسلفاً تأسياً بكتاب الله – تعالى – واتباعاً لسنة النبي ﷺ .
والبسملة "جملة تامة: إما اسمية على أظهر قولي النحاة، أو فعلية"١. وقد اختلف النحاة، وأهل اللغة في تقدير متعلق البسملة، فمن "الناس من يضمر في مثل هذا: ابتدائي بسم الله، أو: ابتدأت بسم الله"٢.
والأحسن إضمار ما يناسب الحال، "لأن الفعل كله مفعول بسم الله ليس مجرد ابتدائه، كما أظهر المضمر في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] !، وفي قوله ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] ...."٣.
فالمناسب هنا أن يقدر متعلق البسملة: بسم الله اقرأ بالنسبة للقارئ.
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى، ودين الحق،
ثم ذكر بعد البسملة الحمد، وذلك لأن "الحمد مفتاح كل أمر ذي بال من مناجاة الرب، ومخاطبة العباد"٤. و"الحمد: هو الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له"٥. و"ذكر الحمد بالألف، واللام التي
стр. 5
تقتضي الاستغراق لجميع المحامد، فدل على أن الحمد كله لله"١.
والرب – – إذا حمد نفسه في كتابه ذكر أسماءه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الجميلة٢، ولهذا ذكر المؤلف – ﵀ – بعد حمد الله فعلاً من أفعال الله الجميلة، وهو إرساله رسوله ﷺ بالهدى، ودين الحق. "فالهدى كمال العلم، ودين الحق كمال العمل"٣ وبهما يحصل "صلاح القوة النظرية العلمية، والقوة الإرادية العملية"٤ وذلك لأن الهدى يتضمن العلم النافع، ودين الحق يتضمن العمل الصالح"٥.
ليظهره على الدين كله،
لا ريب أن "دين الحق الذي بعث به رسوله ﷺ ظاهر على كل تقدير"٦، فإن "الله وعد بإظهاره على الدين كله: ظهور علم وبيان، وظهور سيف وسنان، فقال-تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] "٧، "فيظهره بالدلائل، والآيات العلمية التي تبين أنه حق، ويظهره أيضاً بنصره، وتأييده على مخالفيه، ويكون منصوراً"٨.
стр. 6
وكفى بالله شهيداً
وذلك لأن "شهادته وحده – سبحانه – كافية بدون ما ينتظر من الآيات، كما قال – تعالى –: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب﴾ [الرعد: ٤٣] .
وشهادته للقرآن، ولمحمد ﷺ تكون بأقواله التي أنزلها قبل ذلك على أنبيائه، كما قال – تعالى – عن أهل الكتاب: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠] ، وتكون بأفعاله، وهو ما يحدثه من الآيات، والبراهين الدالة على صدق رسله، فإنه صدَّقهم بها فيما أخبروا به عنه، وشهد لهم بأنهم صادقون"١.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وَسَلَّمَ تسليماً مزيداً.
في هذا الشهادة لله – تعالى – بالتوحيد، وللنبي ﷺ بالرسالة والعبودية.
والتشهد مشروع في الخطب والثناء على الله – تعالى٢-، وذلك لأن "التوحيد أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار، وهو ثمن الجنة, ولا يصح إسلام أحد إلا به"٣، فناسب أن يذكر في الخطب والثناء تذكيراً بأصل الدين وأساس الملة.
وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي سؤال الله – تعالى – أن يثني على رسوله، وأن يظهر فضله وشرفه، وأن يكرمه، ويقربه. فصلاة الله على
стр. 7
رسوله "هي ثناؤه – سبحانه – عليه، وإظهاره لفضله، وشرفه، وإرادة تكريمه، وتقريبه"١.
أما بعد،
فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة.
في هذا بيان موضوع هذه الرسالة المباركة، وأنها قد اشتملت على عقيدة الفرقة الناجية من الأهواء والبدع في الدنيا، والناجية من النار في الآخرة، والموعودة بالنصر، والظهور إلى يوم القيامة.
ووصف هذه الفرقة بالنجاة جاء في بعض روايات حديث: "صحيح مشهور في السنن والمسانيد كسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم. ولفظه: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"، وفي لفظ: "على ثلاث وسبعين ملة" ٢، وفي رواية قالوا: يا رسول الله من الفرقة الناجية؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ٣، وفي رواية قال: " هي الجماعة، يد الله على الجماعة" ٤، ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة"٥.
стр. 8
"وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة "١"٢، وقد جاء هذا الحديث بلفظ: " لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة "٣.
وهذا الوعد الصادق متحقق، ولله الحمد، "فإنه لم يزل، ولا يزال فيه طائفة قائمة بالهدى، ودين الحق، ظاهرة بالحجة، والبيان، واليد، والسنان إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها، وهو خير الوارثين"٤.
ومع قيام هذه الطائفة، وظهورها فإنه "لا يتمكن ملحد، ولا مبتدع من إفساد بغلو، أو انتصار على أهل الحق"٥.
وبالنظر إلى أحوال الفرق، وأقوالهم، وما هم عليه يتبين "أن أحق الناس بأن تكون الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة"٦، إذ هم "المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب"٧، فهم أهل هذا الوصف، وأحق به.
وإنما سموا أهل السنة، لأنه "ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله، وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها، وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباع لها تصديقاً، وعملاً، وحباً، وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب، والحكمة، فلا
стр. 9
ينصبون مقالة، ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه، ويعتمدونه"١.
وسموا أهل الجماعة، "لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة"٢، و"الجماعة هم المجتمعون الذين ما فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً"٣، "فإن الله – تعالى – أمر بالجماعة والائتلاف، وذم التفرق والاختلاف"٤.
وهم أهل الجماعة أيضاً، لأن الإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين٥ "فمن قال بالكتاب، والسنة، والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"٦.
وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
بدأ ﵀ ذكر عقيدة الفرقة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة بذكر الإيمان العام المجمل الذي يجب على كل أحد، "فإنه يجب على المكلف أن يؤمن بالله، ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول: من أمر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وما أمر به الرسول، ونهى، بحيث يقر بجميع ما أخبر به، وما أمر به"٧،
стр. 10
هذا هو الإيمان المجمل الواجب على كل أحد. فإن "من لقي الله بالإيمان بجميع ما جاء به الرسول مجملاً، مقراً بما بلغه من تفصيل الجملة غير جاحد لشيء من تفاصيلها فإنه يكون بذلك من المؤمنين، إذ الإيمان بكل فرد من تفصيل ما أخبر الرسول، وأمر به غير مقدور للعباد، إذ لا يوجد أحد إلا وقد خفي عليه بعض ما قاله الرسول"١. ولذلك فإنه "يصح الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة، والنار، ومعلوم أنا لا نحيط علماً بكل شيء من ذلك على جهة التفصيل، وإنما كلفنا الإيمان بذلك في الجملة، ألا ترى أنا لا نعرف عدة من الأنبياء، وكثيراً من الملائكة، ولا نحيط بصفاتهم ثم لا يقدح ذلك في إيماننا بهم"٢. "فلا يشترط في الإيمان المجمل العلم بمعنى كل ما أخبر به"٣ الله، ورسوله ﷺ . فكل من آمن بما جاء به الرسول إيماناً مجملاً، ثم "عمل بما علم أن الله أمر به مع إيمانه، وتقواه فهو من أولياء الله – تعالى –"٤.
وأول ما يجب الإيمان به على كل أحد الإيمان بهذه الأصول، والقواعد الستة "التي لا يكون أحد مؤمناً إلا بها"٥، وهى كما يلي:
أولاً: الإيمان بالله – تعالى-، ويتضمن ذلك الإيمان بربوبية الله، وصفات كماله، ونعوت جلاله، وأسمائه الحسنى، وعموم قدرته، ومشيئته وكمال علمه، وحكمته"٦، و"إثبات ما أثبته لنفسه، وتنزيهه عما نزه نفسه عنه"٧.
ومن الإيمان بالله – تعالى – توحيده، وإخلاص الدين له
стр. 11
في عبادته، "بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام، وآخره"١.
ثانياً: -الإيمان بالملائكة، ويتضمن ذلك الإيمان، "بأنهم أحياء ناطقون"٢وأنهم "مخلوقون من نور"٣، وأنهم"لا يحصي عددهم إلا الله"٤، وأن "لهم من العلوم، والأحوال، والإرادات، والأعمال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال"٥ و"أنهم معبّدون أي: مذللون مصرفون، مدينون مقهورون"٦ لله الواحد القهار جل وعلا، ويتضمن أيضاً الإيمان بمن سماه الله منهم في كتابه ٧ أو جاءت به السنة.
ثالثاً: الإيمان بكتب الله – تعالى-، ويتضمن ذلك الإيمان "بكل كتاب أنزل الله"٨، "بما سمى الله من كتبه في كتابه من التوراة، والإنجيل، والزبور خاصةً"٩، وأن لله سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها، وعددها إلا الذي أنزلها"١٠، ويتضمن أيضاً الإيمان بالقرآن العظيم، وأنه كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود كما سيأتي تقريره. "فهو المتكلم بالقرآن، والتوراة، والإنجيل، وغير ذلك من كلامه"١١، ويتميز القرآن عن سائر كتب الله بالنسبة لهذه الأمة بوجوب اتباعه١٢، تصديقاً لأخباره، وعملاً بأحكامه.
стр. 12
رابعاً: الإيمان بالرسل، ويتضمن ذلك الإيمان "بكل نبي أرسله الله"١، "وبما سمى الله في كتابه من رسله"٢، و"بأن لله سواهم رسلاً، وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم"٣، و "أن محمداً ﷺ خاتم النبيين، لا نبي بعده، وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين من الإنس، والجن"٤.
خامساً: الإيمان باليوم الآخر، ويتضمن ذلك "الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت"، وسيأتي لهذا بسط، وبيان في هذه الرسالة المباركة إن شاء الله – تعالى-.
سادساً: الإيمان بالقدر خيره وشره ٥، وسيأتي بسط، وبيان لهذا الأصل في هذه الرسالة المباركة إن شاء الله – تعالى-.
ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
هذا شروع في بيان بعض ما يتضمنه الإيمان بالله، وهو الإيمان بأسماء الله – تعالى – وصفاته، و "القول الشامل في جميع هذا الباب"٦ "ما أجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها"٧، من"أنهم يصفون الله – تعالى – بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير
стр. 13
تكييف، ولا تمثيل"١. "قال الإمام أحمد: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن، والحديث"٢، وذلك أن "من تأمل نصوص الكتاب، والسنة وجدها في غاية الإحكام، والإتقان، وأنها مشتملة على التقديس لله عن كل نقص، والإثبات لكل كمال"٣.
وهذه الاحترازات المذكورة "من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل"تمحض سبيل أهل السنة والجماعة، وطريقة سلف الأمة وأئمتها، وتخلصها من الضلالة، والبدعة في هذا الباب، ويتبين ذلك ببيان ما تضمنته هذه الاحترازات.
فالمراد بالتحريف: التأويل المذموم الباطل الذي هو "صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، كتأويل من تأول: استوى بمعنى استولى، ونحوه، فهذا عند السلف، والأئمة باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله، وآياته"٤، إذ هو في الحقيقة صرف للنصوص عن مدلولها ومقتضاها ٥، و"إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى"٦، واستعمال التأويل بهذا المعنى "لا يوجد الخطاب به إلا في اصطلاح المتأخرين"٧ فقط. وأما السلف فالتأويل عندهم "بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب في اصطلاح المفسرين للقرآن"٨، وهو أيضاً "الحقيقة التي يؤول إليها الكلام"٩.
стр. 14
"وأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف الإعراض عن فهم كتاب الله – تعالى – كما فهمه الصحابة والتابعون، ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه، وهذا هو من أعظم المحادة لله ولرسوله، ولكن على وجه النفاق والخداع"١.
وأما التعطيل فالمراد به "نفي الصفات"٢، "ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات معطلة، لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله – تعالى-"٣. وقد سموا هذا العبث بالصفات توحيداً، "ففسروا التوحيد بتفسير لم يدل عليه الكتاب، والسنة، ولا قاله أحد من سلف الأمة، وأئمتها"٤.
وأما التكييف فالمراد به السؤال "عن الهيئة، والصورة"٥، وطلب حقيقة الشيء، وكنهه ٦.
وتكييف صفات الله – تعالى-: -"منفي بالنص"٧ في قوله – تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] ، "فالكيف هو التأويل الذي لا يعلمه
стр. 15
إلا الله"١، فإن معنى التأويل هو "الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب، وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها"٢، فتأويل "آيات الصفات يدخل في حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله"٣، فإن تأويل ما أخبر الله به عن نفسه هو "كنه ذاته، وصفاته التي لا يعلمها إلا الله"٤.
ولقد اتفق السلف على نفي المعرفة بماهية الله، وكيفية صفاته٥، ولا عجب فإن "العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، فإن كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع أن تعلم كيفية الصفة"٦.
أما التمثيل فالمراد به التسوية بين الله – تعالى – وغيره فيما يجب، أو يجوز أو يمتنع ٧، "فإن الرب – تعالى – منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوق، أو أن يكون له مماثل في شيء من صفات كماله، وكذلك يمتنع أن يشاركه غيره في شيء من أموره بوجه من الوجوه"٨.
و"نفي المثل عن الله، ونفي الشريك ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف"٩، "مع دلالة العقل على نفيه"١٠. فالواجب إثبات الصفات، ونفي التمثيل، فإنه "لا ريب أن القرآن تضمن إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات"١١. بل جميع "الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل مع تنزيهه عن أن يكون له مثيل"١٢.
ووجه الجمع بين التحريف، والتعطيل أن التحريف يفضي إلى
стр. 16
التعطيل، أما الجمع بين التكييف، والتمثيل فلأن التكييف يفضي إلى التمثيل، فالواجب في نصوص الكتاب، والسنة "أن تمر كما جاءت، ويؤمن بها، وتصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل"١
بل يؤمنون بأن الله – سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
في هذه الآية الكريمة دليل لصحة طريقة الفرقة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة، وسلامة سبيلهم، ومنهجهم في هذا الباب حيث إن "طريقة سلف الأمة، وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل"٢، "ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على أهل التمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد على أهل التعطيل"٣.
"ولا ريب أن أهل السنة، والجماعة، والحديث من أصحاب مالك والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم متفقون على تنزيه الله – تعالى – عن مماثلة الخلق، وعلى ذم المشبهة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه"٤، فإنه قد علم بالكتاب، والسنة، والإجماع ما يعلم بالعقل أيضاً أن الله – تعالى – ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص
стр. 17
المخلوقين؛ لأنه متصف بغاية الكمال منزه عن جميع النقائص، فإنه – سبحانه – غني عما سواه، وكل ما سواه مفتقر إليه"١، و "كما أن الرب نفسه ليس كمثله شيء فصفاته كذاته"٢.
وفي هذه الآية أيضاً "إثبات صفات الكمال على وجه الإجمال"٣، والمراد بالكمال المثبت له "الكمال الذي لا يماثله فيه شيء"٤.
فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه،
طريقة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة سالمة من نفي ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو في سنة رسوله ﷺ ؛ لأنه "لا يجوز النفي إلا بدليل كالإثبات"٥، "هذا هو الصواب عند السلف، والأئمة، وجماهير المسلمين"٦. وقد اتفق سلف الأمة على ذم من نفى بلا دليل٧ "فكيف ينفى بلا دليل ما دل عليه دليل إما قطعي، وإما ظاهري"٨؛ "فإن الله – تعالى – أخبر عن صفاته، وأسمائه بما لا يكاد يُعد من آياته"٩، ثم إن النفي "لا يؤمن معه إزالة ما وجب له – سبحانه-"١٠ من صفات الجلال، ونعوت الكمال، كما أن "النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء، هو كما قيل ليس
стр. 18
بشيء فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً"١، "وإنما يكون كمالاً إذا تضمن أمراً ثبوتياً كقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] "٢ فإن "نفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم"٣. فما جاء من وصفه – سبحانه – بالنفي "فالمقصود إثبات الكمال"٤.
"فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله، ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله، ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات، والنفي. فننثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني"٥.
ولا يحرفون الكلم عن مواضعه،
طريقة أهل السنة والجماعة سالمة أيضاً من تحريف الكلم عن مواضعه، وذلك بتغيير "معنى الكتاب، والسنة فيما أخبر الله به، أو أمر به"٦. ولما تورط أهل البدع، والأهواء في هذا حرفوا الكلم عن مواضعه، فإن "هذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آياته"٧. ولهذا فإن "تأويل هؤلاء المتأخرين عن الأئمة تحريف باطل"٨.
стр. 19
ولا يلحدون في أسماء الله وآياته،
طريق أهل السنة والجماعة سالمة أيضاً من الإلحاد في أسماء الله، وصفاته , وآياته، وذلك أن "الإلحاد يقتضي ميلاً عن شيء إلى شيء بباطل"١، ويكون ذلك بحمل أسماء الله، وآياته "على ما يعلم بالاضطرار أنه خلاف مراد الله، ورسوله"٢، فإن "كل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول حصل في نوع من الإلحاد بحسب ذلك"٣.
وقد ذم الله – تعالى – "الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال –تعالى-: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، وقال – تعالى –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شئْتُمْ﴾ ، [فصلت: ٤٠] "٤.
والإلحاد في أسماء الله – تعالى – أنواع:
"أحدها: أن تسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهاً، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم، وآلهتهم الباطلة.
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أباً.
الثالث: وصفه بما يتعالى عنه، ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود: إن الله فقير.
الرابع: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها.
خامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى عما يقول المشبهون علواً كبيراً"٥.
стр. 20
ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه، لأنه – سبحانه – لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له.
طريق أهل السنة والجماعة سالم من التكييف، والتمثيل، لأنه – ﵎: "لا مثل له، ولا سمي، ولا كفو. فلا يجوز أن يكون شيء من صفاته مماثلاً لشيء من صفات المخلوقات، ولا يكون المخلوق مكافئاً، ولا مسامياً له في شيء من صفاته – سبحانه –"١، فإنه – جل وعلا – نزه "نفسه عن النظير باسم الكفء، والمثل، والند، والسمي"٢.
وقد "نطق القرآن بنفيه عن الله في مواضع كقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢] "٣.
وفي هذه الآيات "نفي للشركاء، والأنداد، يدخل فيه كل من جعل شيئاً كفواً لله في شيء من خواص الربوبية مثل خلق الخلق، والإلهية كالعبادة له، ودعائه، ونحو ذلك"٤، وفيها أيضاً نفي "المثل، والكفو، والند، والشريك، والعديل ولو من بعض الوجوه، وهذا هو الحق، وذلك؛ لأن المخلوقات- وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه في مثل معنى الموجود، والحي، والعليم، والقدير- فليست مماثلة له بوجه من الوجوه، ولا مكافئة، بل هو – سبحانه – له المثل الأعلى في كل ما يثبت له، ولغيره، ولما ينفى عنه، وعن غيره، لا يماثله غيره في إثبات شيء، ولا في نفيه، بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله التي تعجز عقول البشر عن معرفتها، وألسنتهم عن صفاتها، ما لا يعلمه إلا الله"٥.
стр. 21
ولا يقاس بخلقه – سبحانه –
فلا يجوز قياس الله – تعالى – بخلقه في أمر من الأمور، "ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمول تستوي فيه أفراده، فإن الله-تعالى – ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها"١، "ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلاً أو شمولاً، كما قال – تعالى –: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] ٢.
ولا شك أن "أعظم المطالب العلم بالله – تعالى-، وصفاته، وأفعاله، وأمره، ونهيه، وهذا كله لا تنال خصائصه لا بقياس الشمول، ولا بقياس التمثيل، فإن الله – تعالى – لا مثل له فيقاس به، ولا يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، فلهذا كانت طريقة القرآن، وهي طريقة السلف، والأئمة أنهم لا يستعملون في الإلهيات قياس تمثيل، وقياس شمول تستوي أفراده، بل يستعملون من هذا، وهذا قياس الأولى، فإن الله له المثل الأعلى"٣.
وإنما ترك السلف قياس التمثيل، وقياس الشمول في المطالب الإلهية؛ لأنها لا توصل إلا إلى الحيرة، والاضطراب، والشك، والارتياب، و "لهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة، والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة، والاضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم، وتكافئها"٤.
стр. 22
فلا "تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته، وأسمائه على وجه اليقين"١، بل لا بد في معرفة الله – تعالى – من الوحي الذي بعث به رسله.
"أما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعاً للقرآن"٢، فهو طريق "فطري ضروري متفق عليه"٣، يتضمن "أن يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتاً لغيره"٤، وينزه "عن كل نقص ينزه عنه غيره، ويذم به سواه"٥. و "بهذه الطريقة جاء القرآن، وهي طريقة سلف الأمة، وأئمتها"٦. فكل "ما ثبت لغيره من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه فهو أحق به، وما نزه عنه غيره من النقائص فهو أحق بالتنزيه منه كما قال – تعالى –: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] ، وقال – تعالى –: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] "٧.
فإنه – سبحانه – أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من خلقه، ثم رسله صادقون مصدقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون،
في هذا بيان سبب وعلة وجوب الوقوف على ما أخبر الله به من
стр. 23
صفاته، فإن المتكلم "إذا كمل علمه، وقدرته، وإرادته كمل كلامه"١، وهذه الأوصاف كلها ثابتة للرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – فضلاً عن ثبوتها له – جل وعلا-. فإن"البيان التام هو ما بينه الرسول ﷺ ، فإنه أعلم الخلق بالحق، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق في بيان الحق، فما بينه من أسماء الله، وصفاته، وعلوه، وفوقيته هو الغاية في هذا الباب"٢.
"ولهذا أجمع أهل الملل قاطبة على أن الرسل معصومون فيما يبلغونه عن الله – ﵎ – لم يقل أحد قط إن من أرسله الله يكذب عليه، وقد قال – تعالى – لم يقل أحد قط إن من أرسله الله يكذب عليه، وقد قال – تعالى – ما يبين أنه لا يقر كاذباً عليه قال – تعالى –: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٧] "٣. فدل هذا على وجوب التسليم، والانقياد لما جاءت به الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم-.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ – ١٨٢] فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين، لسلامة ما قالوه من النقص، والعيب.
في هذه الآية الكريمة قال الله – تعالى –: " ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] أي: عما يصفه الكفار المخالفون للرسل، ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ؛ لسلامة ما قالوه من النقص،
стр. 24
والعيب ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل"١، "وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه نفسه سر عظيم من أسرار القرآن يتضمن الرد على كل مبطل، ومبتدع، فإنه نزه نفسه تنزيهاً مطلقاً كما نزه نفسه عما يقول خلقه، ثم سلم على المرسلين، وهذا يقتضي سلامتهم من كل ما يقول المكذبون لهم المخالفون لهم، وإذا سلموا من كل ما رماهم به أعداؤهم لزم سلامة كل ما جاؤوا به من الكذب، والفساد. وأعظم ما جاؤوا به التوحيد، ومعرفة الله، ووصفه بما يليق بجلاله مما وصف به نفسه على ألسنتهم"٢.
وهو – سبحانه – قد جمع فيما وصف، وسمى به نفسه بين النفي والإثبات.
وبيان هذا أن سبيل سلف الأمة، وأئمتها "في الصفات مبني على أصلين:
أحدهما: أن الله – سبحانه-، وتعالى – منزه عن صفات النقص مطلقاً كالسنة، والنوم، والعجز وغير ذلك"٣، "وكذلك ما كان مختصاً بالمخلوق فإنه يمتنع اتصاف الرب به، فلا يوصف الرب بشيء من النقائص، ولا بشيء من خصائص المخلوق، وكل ما كان من خصائص المخلوق فلا بد فيه من نقص"٤.
الثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه
стр. 25
الاختصاص بما له من الصفات التي لا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات"١، فإنه "يمتنع أن يماثله فيها شيء"٢.
وبهذا جاءت الأدلة فإن "الله – سبحانه – موصوف بالإثبات، والنفي. فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] "٣.
ويسلك أهل السنة والجماعة فيما ينفونه، ويثبتونه في باب الأسماء، والصفات طريقة الرسل، فإن الرسل – عليهم صلوات الله – جاؤوا بإثبات مفصل، ونفي مجمل"٤، "فهذه طريقة الرسل، وأتباعهم من سلف الأمة، وأئمتها"٥.
و"هي ما جاء بها القرآن، والله – تعالى – في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل، وينفي عنه على طريق الإجمال التشبيه، والتمثيل، فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه عزيز حكيم، غفور رحيم، وأنه سميع بصير، وأنه غفور ودود، وأنه – تعالى – على عظم ذاته يحب المؤمنين، ويرضى عنهم، ويغضب على الكفار، ويسخط عليهم، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليماً، وأنه تجلى للجبل فجعله دكاً، وأمثال ذلك، ويقول في النفي:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ، ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ – ٤] فيثبت الصفات، وينفي مماثلة المخلوقات"٦.
стр. 26
والنفي الذي جاءت به النصوص "يجمعه نوعان: نفي النقص، ونفي مماثلة غيره له في صفات الكمال"١، "فالرب – تعالى – موصوف بصفات الكمال التي لا غاية فوقها، منزه عن النقص بكل وجه، ممتنع من أن يكون له مثيل في شيء من صفات الكمال. فأما صفات النقص فهو منزه عنها مطلقاً، وأما صفات الكمال فلا يماثله – بل ولا يقاربه – فيها شيء من الأشياء"٢.
هذه هي طريقة الرسل، ومن تبعهم من سلف الأمة، وأئمتها، أما من خالفهم من المعطلة المتفلسفة، وغيرهم فقد عكسوا القضية ٣، فإن هؤلاء الملاحدة جاؤوا بنفي مفصل، وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا وكذا ولا كذا، فلا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء، ولا يرى في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يشار إليه، ولا يتعين، ولا هو مباين للعالم، ولا حال فيه، ولا خارجه، ولا داخله إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم"٤. "وهؤلاء المعطلة ينفون نفياً مفصلاً، ويثبتون شيئاً مجملاً يجمعون فيه بين النقيضين"٥، "ويثبتون ما لا يوجد إلا في الخيال"٦.
فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم: صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين.
стр. 27
وسبب هذا أنهم – ﵏ – "يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه، ويعتمدونه"١.
وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن.
المراد بالجملة ما تقدم من القواعد في باب أسماء الله – تعالى – وصفاته، فبعد أن ذكر طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين اطراد طريقتهم، واستقامة منهجهم في جميع ما أخبر الله – تعالى-به عن نفسه في كتابه من آيات الصفات، أو ما أخبر به رسول الله ﷺ من أحاديثها.
ومن ذلك ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص، فإن "هذه السورة اشتملت على جميع أنواع التنزيه، والتحميد، على النفي والإثبات، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن"٢، "وليس في القرآن سورة هي وصف الرحمن محضاً إلا هذه السورة"٣، "ولهذا تسمى سورة الإخلاص"٤، فقد "تضمنت هذه السورة من وصف الله – سبحانه، وتعالى – الذي ينفي قول أهل التعطيل، وقول أهل التمثيل، ما صارت به هي الأصل المعتمد في مسائل الذات"٥. والمراد بالذات "النفس الموصوفة التي لها وصف، ولها صفات"٦. ومن"الأصول المعروفة في هذا الباب أن القول في الصفات كالقول في الذات"٧.
стр. 28
وأما كون هذه السورة تعدل ثلث القرآن فلما ورد عن النبي ﷺ من وجوه عديدة، فإن الأحاديث "المأثورة عن النبي ﷺ في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث، وأشهرها، حتى قال طائفة من الحفاظ: لم يصح عن النبي ﷺ في فضل سورة من القرآن أكثر مما صح عنه في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، وجاءت الأحاديث بالألفاظ كقوله: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن" ١، وقوله: " من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن، من قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن كله" ٢، وقوله للناس: " احتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن"، فحشدوا حتى قرأ عليهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" ٣.
وأما توجيه ذلك فقد قالت طائفة من أهل العلم: "إن القرآن باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ هي صفة الرحمن، ونسبه، وهي متضمنة ثلث القرآن، وذلك أن القرآن كلام الله – تعالى-، والكلام إما إنشاء، وإما إخبار. فالإنشاء هو الأمر، والنهي، وما يتبع ذلك كالإباحة، ونحوها، وهو الأحكام. والإخبار: إما إخبار عن الخالق وإما إخبار عن المخلوق. فالإخبار عن الخالق هو التوحيد، وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته، والإخبار عن المخلوق هو القصص، وهو الخبر عما كان وعما يكون، ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء، وأممهم، ومن كذبهم، والإخبار عن الجنة، والنار، والثواب، والعقاب، قالوا: فبهذا الاعتبار تكون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن لما فيها من التوحيد الذي
стр. 29
هو ثلث معاني القرآن"١، فجعلت هذه السورة المباركة "تعدل ثلث القرآن؛ لأنها صفة الرحمن، وذكره محضاً لم تشب بذكر غيره"٢. وقد "اشتملت على التوحيد العلمي القولي نصاً، وهى دالة على التوحيد العملي لزوماً"٣، "ففي اسم الصمد إثبات كل الكمال، وفي نفي الكفء التنزيه عن التشبيه والمثال، وفي الأحد نفي كل شريك لذي الجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد"٤.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] .
في هذه الآية الكريمة "إثبات الأحدية لله المستلزمة نفي كل شركة عنه"٥، "فقوله: "أحد" يدل على نفي النظير"٦، "وأنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة"٧، فإن "قوله: "أحد" مع قوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ينفي المماثلة، والمشاركة"٨. "فظهر أن اسمه الأحد يوجب تنزيهه عن ما يجب نفيه عنه من التشبيه، ومماثلة غيره في شيء من الأشياء"٩.
و"لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده، وإنما يستعمل في غير الله في النفي"١٠.
стр. 30
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] .
في هذه الآية الكريمة إثبات اسم الصمد لله – تعالى-، "واسمه الصمد يتضمن إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص"١، "فالصمدية تثبت الكمال المنافي للنقائص، والأحدية تثبت الانفراد بذلك"٢.
"ولفظ "ص م د" يدل على الاجتماع، والانضمام المنافي للتفرق، والخلو، والتجويف"٣.
"والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما: أن الصمد هو الذي لا جوف له. والثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج. والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة، والتابعين، وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف، والخلف، وجمهور اللغويين"٤، و "الاشتقاق يشهد للقولين جميعاً؛ قول من قال: إن الصمد الذي لا جوف له، وقول من قال: إنه السيد، وهو على الأول أدل، فإن الأول أصل الثاني"٥، وعلم بهذا أن "معنى الصمد يوجب الاستسلام لله وحده المنافي للاستكبار، فإن الصمد يتضمن صمود كل شيء إليه، وفقره إليه"٦. فهو – سبحانه –"الذي يفتقر إليه كل شيء، ويستغني عن كل شيء، بل الأشياء مفتقرة من جهة الربوبية، ومن جهة إلهيته، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا يصلح، ولا ينفع، ولا يدوم"٧.
стр. 31
"فالصمدية تثبت له الكمال، والأحدية تنفي مماثلة شيء له في ذلك"١.
"وهذان الاسمان: الأحد، والصمد لم يذكرهما الله إلا في هذه السورة"٢.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] .
هذه الآية الكريمة تضمنت تنزيه الله "نفسه عن أن يكون له ولد، وأن يخرج منه شيء من الأشياء كما يخرج من غيره من المخلوقات، وهذا من تمام معنى الصمد كما سبق في تفسيره أنه الذي لا يخرج منه شيء، وكذلك تنزيه نفسه عن أن يولد – فلا يكون من مثله- تنزيه له أن يكون من سائر المواد بطريق الأولى، والأحرى"٣.
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
في هذه الآية الشريفة "نفي للشركاء، والأنداد، يدخل فيه كل من جعل شيئاً كفواً لله في شيء من خواص الربوبية مثل: خلق الخلق، والإلهية، كالعبادة له، ودعائه، ونحو ذلك"٤، فإنه "ليس شيء من الأشياء كفواً له في شيء من الأشياء؛ لأنه أحد"٥، فقوله في أول السورة: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مع هذه الآية "ينفي المماثلة، والمشاركة"٦.
стр. 32
وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتاب الله:
بيان هذا أنه يدخل فيما سبق من القواعد السلفية أيضاً ما وصف الله به نفسه في أعظم آية في كتابه في آية الكرسي، فإنها أعظم آية في كتاب الله، ودليل ذلك ما "في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: "يا أُبي، أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ " قال: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، فقال رسول الله ﷺ : " ليهنك العلم أبا المنذر" ١، فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن، وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان، وهذا غاية الفضل، فإن الأمر كله مجتمع في القرآن، والإيمان، فإذا كانت أعظم القرآن، وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان"٢. ولا غرو فإنه ليس "في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي"٣ من الصفات العظيمة، والمعاني الجليلة.
﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ،
في هذه الآية الكريمة العظيمة إثبات انفراد الله بالألوهية٤، وفيها إثبات اسم الحي، وصفة الحياة، واسم"الحي مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كان أعظم آية في القرآن ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ القيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وهو الاسم الأعظم، فاستلزم جميع الصفات، فلو اُكتُفيَ في الصفات بالتلازم لاُكتُفيَ بالحي"٥.
وفيها إثبات اسم القيوم، وصفة القيومية، ومعنى "القيوم، القائم
стр. 33
المقيم لما سواه"١، فهو "الدائم الباقي الذي لا يزول، ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه"٢.
واسمه – سبحانه – "الحي، القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات، ولهذا كان النبي ﷺ يقوله إذا اجتهد في الدعاء"٣.
وقال ابن القيم في نونيته:
وله الحياة كمالها فلأجل ذا
ما للممات عليه من سلطان
وكذلك القيوم من أوصافه
ما للمنام لديه من غشيان
وكذاك أوصاف الكمال جميعها
ثبتت له ومدارها الوصفان
وفي هذه الآية الكريمة وصف الله – تعالى – نفسه بالنفي، وذلك لكونه"متضمناً لإثبات مدح"٤، فإنه"– سبحانه – لا يمدح بالصفات السلبية إلا لتضمنها المعاني الثبوتية"٥، "فإذا وصف بالسلوب فالمقصود هو إثبات الكمال"٦. "فنفي السنة، والنوم يتضمن كمال الحياة، والقيومية، وهذه من صفات الكمال"٧، "فإن النوم ينافي القيومية، والنوم أخو الموت"٨، "فلو جعلت له سنة، أو نوم لنقصت حياته، وقيوميته، فلم يكن قائماً، ولا قيوماً"٩، ولهذا نفى الله – تعالى – عنه
стр. 34
جنس السنة، والنوم، لكون ذلك "مناقضاً لما علم من صفاته الكاملة"١.
﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ،
في هذا إثبات تمام ملكه – جل وعلا – لما في السماوات والأرض.
"فإنكاره، ونفيه أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه يتضمن كمال ملكه لما في السماوات، وما في الأرض، وأنه ليس له شريك، فإن من شفع عنده غيره بغير إذنه، وقبل شفاعته كان مشاركاً له، إذ صارت شفاعته سبباً لتحريك المشفوع إليه، بخلاف من لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإنه منفرد بالملك ليس له شريك بوجه من الوجوه"٢، وهذا "كمال الملك، والربوبية، وانفراده بذلك"٣.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ ،
في هذا أثبت سعة علمه – سبحانه –، ثم "بين أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما علمهم إياه، كما قالت الملائكة: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] ، فكان في هذا النفي إثبات أن عباده لا يعلمون إلا ما علمهم إياه"٤، "فهو العالم بالمعلومات، ولا يعلم أحد شيئاً إلا بتعليمه"٥،
стр. 35
"فبين أنه المنفرد بالتعليم، والهداية.... كما أنه المنفرد بالخلق والإحداث"١.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ ،
في هذا إثبات سعة كرسيه – جل وعلا-، و "الكرسي ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع جمهور السلف"٢، و "قد نقل عن بعضهم: أن كرسيه علمه، وهو قول ضعيف، فإن علم الله وسع كل شيء كما قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] ، والله يعلم نفسه ويعلم ما كان، وما لم يكن، فلو قيل: وسع علمه السماوات والأرض لم يكن هذا المعنى مناسباً، لا سيما وقد قال: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: لا يثقله، ولا يكرثه، وهذا يناسب القدرة لا العلم. والآثار المأثورة تقتضي ذلك"٣. و "قد قال بعضهم: إن الكرسي هو العرش، لكن الأكثرون على أنهما شيئان"٤. فعن "ابن عباس – ﵄ – قال: إن الكرسي الذي وسع السماوات والأرض لموضع القدمين، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه"٥.
وفيها "إثبات عظيم قدرة الرب – جل وعلا – حيث ذكر سعة كرسيه السماوات والأرض، وأنه – سبحانه – ﴿َلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، أي: لا يكرثه ولا يثقل عليه"٦كما تقدم، "وهذا النفي تضمن كمال
стр. 36
قدرته، فإنه مع حفظه للسماوات والأرض لا يثقل ذلك عليه كما يثقل على من في قوته ضعف"١.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
"ختم هذه الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته، وعظمته في نفسه"٢.
واسمه – تبارك، وتعالى – العلي "يفسر بأنه أعلى من غيره قدراً، فهو أحق بصفات الكمال. ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر، والغلبة، فيعود إلى أنه القادر عليهم، وهم المقدورون، وهذا يتضمن كونه خالقاً لهم، ورباً لهم، وكلاهما يتضمن أن نفسه فوق كل شيء، فلا شيء فوقه"٣.
وأما اسمه العظيم فهو "متضمن لصفات عديدة، فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال"٤، فهو من الأسماء الدالة"على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة"٥.
ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
وبيان هذا أنه "قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة
стр. 37
بعد ليلة، وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ : "ما فعل أسيرك البارحة؟ "، فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: "كذبك، وإنه سيعود"، فلما كان في المرة الثالثة، قال: دعني أعلمك ما ينفعك، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ قال: "صدقك، وهو كذوب! "، وأخبره أنه شيطان١.
ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها ... "٢.
وقوله – سبحانه – ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] ،
في هذه الآية الكريمة إثبات أنه الحي الذي لا يموت، وبهذا وصفته الرسل – عليهم الصلاة والسلام-٣، فإن"الحياة صفة كمال يستحقها بذاته، والموت مناقض لها، فلم يوصف بالحياة لأجل نفي الموت، بل وصفه بالحياة يستلزم نفي الموت فينفى عنه الموت؛ لأنه حي"٤، ولكونه "مناقضاً لما علم من صفاته الكاملة"٥.
وقوله – سبحانه-: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] ،
стр. 38
في هذه الآية الكريمة إثبات هذه الأسماء الأربعة لله – تعالى-، وأما تفسيرها "فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء" ١"٢.
وقال ابن زمنين في تفسير هذه الأسماء الأربعة: "هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية، ولاشيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن بطن علمه بخلقه"٣.
واسمه – جل وعلا – الظاهر "ضمن معنى العالي كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] ... ، فكلما علا الشيء ظهر، ولهذا قال: "أنت الظاهر، فليس فوقك شيء" فأثبت الظهور، وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء"٤. "فهذا أخبر بأنه ليس فوقه شيء في ظهوره، وعلوه على الأشياء"٥.
واسمه – جل وعلا – الباطن "أوجب أن لا يكون شيء دونه، فلا شيء دونه باعتبار بطونه"، و "في هذا اللفظ معنى القرب، والبعد من وجه، ومعنى الاحتجاب، والاختفاء من وجه، فقوله: "وأنت الباطن، فليس دونك شيء " نفى أن يكون شيء دونه، كما نفى أن يكون فوقه، ولو قدر فوقه شيء لكان أكمل منه في العلو والبيان، إذ هذا شأن الظاهر، ولو كان دونه شيء لكان أكمل منه في الدنو، والاحتجاب، وهذا شأن الباطن، وهذا يوافق قوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو
стр. 39
ساجد" ١"٢. "ولهذا لم يجئ هذا الاسم الباطن كقوله: "وأنت الباطن، فليس دونك شيء " إلا مقروناً بالاسم الظاهر الذي فيه ظهوره، وعلوه، فلا يكون شيء فوقه؛ لأن مجموع الاسمين يدلان على الإحاطة، والسعة، وأنه الظاهر، فلا شيء فوقه، والباطن، فلا شيء دونه"٣.
"فأولية الله سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته – سبحانه – فوقيته، وعلوه على كل شيء. ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء ما علا منه، وأحاط بباطنه، وبطونه – سبحانه – إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون، وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية، ومكانية ... "٤. الزمانية في قوله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ ، والمكانية في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ، ثم أكد تمام الإحاطة في آخر الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] ،
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢] ،
وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي
стр. 40
ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ،
وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ،
في هذه الآيات الكريمات إثبات صفتي العلم، والحكمة لله – تعالى-.
فأما صفة علم الله – تعالى – فأدلة إثباتها كثيرة، فإن "في القرآن والحديث، والآثار ما لا يكاد يحصر"١من النصوص الدالة على ثبوت صفة العلم لله – تعالى – و"هو – سبحانه – يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون"٢. "ولهذا كان قول المرسلين: إن الله أحصى كل شيء عدداً، فهو يعلم أوزان الجبال، ودورات الزمان، وأمواج البحار، وقطرات المطر، وأنفاس بني آدم: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ٣.
وهو – سبحانه – "يعلم المعدومات، والممتنعات التي ليست مفعولة، وكما يعلم المقدرات كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وإن كان وجود إله غيره ممتنعاً، فعلمه – سبحانه – بما يعلمه، ليس من شرطه كونه مفعولاً له، بل كونه مفعولاً له دليل على أنه يعلمه، والدليل لا ينعكس"٤. فالله – جل شأنه – "العليم الذي له العلم العام للواجبات، والممتنعات، والممكنات، فيعلم نفسه الكريمة، وصفاته المقدسة، ونعوته العظيمة، وهي الواجبات التي لا يمكن إلا وجودها، ويعلم الممتنعات