← Акыда

Акыда · id 11249

شرح العقيدة الواسطية - خالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قدرته، فإنه مع حفظه للسماوات والأرض لا يثقل ذلك عليه كما يثقل على من في قوته ضعف"١. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] . "ختم هذه الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته، وعظمته في نفسه"٢. واسمه – تبارك، وتعالى – العلي "يفسر بأنه أعلى من غيره قدراً، فهو أحق بصفات الكمال. ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر، والغلبة، فيعود إلى أنه القادر عليهم، وهم المقدورون، وهذا يتضمن كونه خالقاً لهم، ورباً لهم، وكلاهما يتضمن أن نفسه فوق كل شيء، فلا شيء فوقه"٣. وأما اسمه العظيم فهو "متضمن لصفات عديدة، فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال"٤، فهو من الأسماء الدالة"على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة"٥. ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح. وبيان هذا أنه "قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة

стр. 37

بعد ليلة، وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ : "ما فعل أسيرك البارحة؟ "، فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: "كذبك، وإنه سيعود"، فلما كان في المرة الثالثة، قال: دعني أعلمك ما ينفعك، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ قال: "صدقك، وهو كذوب! "، وأخبره أنه شيطان١. ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها ... "٢. وقوله – سبحانه – ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] ، في هذه الآية الكريمة إثبات أنه الحي الذي لا يموت، وبهذا وصفته الرسل – عليهم الصلاة والسلام-٣، فإن"الحياة صفة كمال يستحقها بذاته، والموت مناقض لها، فلم يوصف بالحياة لأجل نفي الموت، بل وصفه بالحياة يستلزم نفي الموت فينفى عنه الموت؛ لأنه حي"٤، ولكونه "مناقضاً لما علم من صفاته الكاملة"٥. وقوله – سبحانه-: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] ،

стр. 38

في هذه الآية الكريمة إثبات هذه الأسماء الأربعة لله – تعالى-، وأما تفسيرها "فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء" ١"٢. وقال ابن زمنين في تفسير هذه الأسماء الأربعة: "هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية، ولاشيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن بطن علمه بخلقه"٣. واسمه – جل وعلا – الظاهر "ضمن معنى العالي كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] ... ، فكلما علا الشيء ظهر، ولهذا قال: "أنت الظاهر، فليس فوقك شيء" فأثبت الظهور، وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء"٤. "فهذا أخبر بأنه ليس فوقه شيء في ظهوره، وعلوه على الأشياء"٥. واسمه – جل وعلا – الباطن "أوجب أن لا يكون شيء دونه، فلا شيء دونه باعتبار بطونه"، و "في هذا اللفظ معنى القرب، والبعد من وجه، ومعنى الاحتجاب، والاختفاء من وجه، فقوله: "وأنت الباطن، فليس دونك شيء " نفى أن يكون شيء دونه، كما نفى أن يكون فوقه، ولو قدر فوقه شيء لكان أكمل منه في العلو والبيان، إذ هذا شأن الظاهر، ولو كان دونه شيء لكان أكمل منه في الدنو، والاحتجاب، وهذا شأن الباطن، وهذا يوافق قوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو

стр. 39

ساجد" ١"٢. "ولهذا لم يجئ هذا الاسم الباطن كقوله: "وأنت الباطن، فليس دونك شيء " إلا مقروناً بالاسم الظاهر الذي فيه ظهوره، وعلوه، فلا يكون شيء فوقه؛ لأن مجموع الاسمين يدلان على الإحاطة، والسعة، وأنه الظاهر، فلا شيء فوقه، والباطن، فلا شيء دونه"٣. "فأولية الله سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته – سبحانه – فوقيته، وعلوه على كل شيء. ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء ما علا منه، وأحاط بباطنه، وبطونه – سبحانه – إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون، وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية، ومكانية ... "٤. الزمانية في قوله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ ، والمكانية في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ، ثم أكد تمام الإحاطة في آخر الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] ، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢] ، وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي

стр. 40

ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ، في هذه الآيات الكريمات إثبات صفتي العلم، والحكمة لله – تعالى-. فأما صفة علم الله – تعالى – فأدلة إثباتها كثيرة، فإن "في القرآن والحديث، والآثار ما لا يكاد يحصر"١من النصوص الدالة على ثبوت صفة العلم لله – تعالى – و"هو – سبحانه – يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون"٢. "ولهذا كان قول المرسلين: إن الله أحصى كل شيء عدداً، فهو يعلم أوزان الجبال، ودورات الزمان، وأمواج البحار، وقطرات المطر، وأنفاس بني آدم: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ٣. وهو – سبحانه – "يعلم المعدومات، والممتنعات التي ليست مفعولة، وكما يعلم المقدرات كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وإن كان وجود إله غيره ممتنعاً، فعلمه – سبحانه – بما يعلمه، ليس من شرطه كونه مفعولاً له، بل كونه مفعولاً له دليل على أنه يعلمه، والدليل لا ينعكس"٤. فالله – جل شأنه – "العليم الذي له العلم العام للواجبات، والممتنعات، والممكنات، فيعلم نفسه الكريمة، وصفاته المقدسة، ونعوته العظيمة، وهي الواجبات التي لا يمكن إلا وجودها، ويعلم الممتنعات

стр. 41

حال امتناعها، ويعلم ما يترتب على وجودها لو وجدت، كما قال – تعالى –: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] "١، "ويعلم – تعالى – الممكنات، وهي التي يجوز وجودها، وعدمها، ما وجد منها، وما لم يوجد، وما لم تقتض الحكمة إيجاده"٢، وقد أحاط علمه – سبحانه – "بجميع الأزمان الحاضرة، والماضية، والمستقبلة"٣. "واسمه العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلوماً تعلق بكل شيء"٤، فعلمه – سبحانه – "له عموم التعلق: يتعلق بالخالق، والمخلوق، والموجود، والمعدوم"٥. وقد ضل في هذه الصفة العظيمة فرق أبرزها: الأولى: الفلاسفة، فقالوا بأن الله – تعالى-: "يعلم الكليات دون الجزئيات"٦، وهذا كذب، وضلال مبين، وهو "من أخبث الأقوال، وشرها، ولهذا لم يقل به أحد من طوائف الملة، وهؤلاء شر من المنكرين للعلم القديم من القدرية، وغيرهم"٧. ومما يبين ذلك أن "القرآن فيه إخبار الله بالأمور المفصلة عن الشخص، وكلامه المعين، وفعله المعين، وثوابه، وعقابه المعين، مثل: قصة آدم، ونوح، وهود، وصالح، وموسى، وغيرهم ما يبين أنهم أعظم الناس تكذيباً لرسل الله – تعالى-، وكذلك إخباره عن أحوال محمد ﷺ ، وما جرى ببدر، وأحد، والأحزاب، والخندق، والحديبية، وغير ذلك من الأمور الجزئية أقوالاً، وأفعالاً.

стр. 42

وإخباره أنه يعلم السر، وأخفى، وأنه عليم بذات الصدور، وأنه يعلم ما تنقص الأرض من الموتى، وعنده كتاب حفيظ، وأنه يعلم ما في السماوات، والأرض، وأن ذلك في كتاب"١. الثانية: غلاة القدرية، "الذين يزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها"٢، "وهذا القول مهجور باطل مما اتفق على بطلانه سلف الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر علماء المسلمين، بل كفروا قائله. والكتاب، والسنة مع الأدلة العقلية تبين فساده"٣. أما صفة الحكمة فقد "أجمع المسلمون على أن الله – تعالى – موصوف بالحكمة"٤ فله – سبحانه – الحكمة الباهرة في خلقه، وله الحكمة البالغة في شرعه٥، وقد دل على هذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ "في مواضع لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها"٦، فإن "القرآن مملوء بذلك في الخلق، والأمر"٧. ومن المهم التنبه إلى أن"تفصيل حكمة الله في خلقه، وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر"٨، و"ليس للعباد أن يعلموا تفصيل حكمة الله – تعالى-، بل يكفيهم العلم العام، والإيمان التام"٩.

стр. 43

وقد ضل في هذه الصفة طوائف، فأنكرها الجهمية، والأشعرية١. ونفي الحكمة أمر خطير، فإنه "يتضمن نفي الإرادة، ونفي القدرة"٢. ولازم هذا "نفي فعل الرب، ونفي الأحداث، ومن نفى ذلك يلزمه امتناع حدوث حادث في الوجود"٣. فإثبات"الحكمة لازم لكل طائفة على أي قول قالوه"٤؛ لأنهم لابد أن يثبتوا إلهاً قادراً، أو يثبتوا حوادث في الوجود، وهذه القدرة، والإحداث إما أن يكونا لحكمة أو لا، وعدم الحكمة عبث ونقص ينزه عنه الرب، وإثبات الحكمة كمال واجب له – سبحانه – كما قال – تعالى –: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ [النحل: ٦٠] . وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] . في هاتين الآيتين الكريمتين إثبات قدرة الله – تعالى – وقوته. فهو – جل وعلا – القوي القدير. وقد"اتفق المسلمون، وسائر أهل الملل على أن الله على كل شيء قدير، كما نطق بذلك القرآن في مواضع كثيرة جداً"٥. وهاتان الصفتان معناهما متقارب، فإن "لفظ القوة قد يراد به ما كان في القدرة أكمل من غيره، فهو قدرة أرجح من غيرها، أو القدرة التامة"٦.

стр. 44

"والقدرة: هي قدرته على الفعل. والفعل نوعان: لازم، ومتعد. والنوعان في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] ، فالاستواء والإتيان والمجيء، والنزول، ونحو ذلك أفعال لازمة، لا تتعدى إلى مفعول، بل هي قائمة بالفاعل، والخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والإعطاء، والمنع، والهدى، والنصر، والتنزيل، ونحو ذلك تتعدى إلى مفعول"١. "فيدخل في ذلك – أي في آيات إثبات قدرته – سبحانه – أفعال العباد٢، وغير أفعال العباد". ومما "يدخل في ذلك أفعال نفسه. وقد نطقت النصوص بهذا، وهذا كقوله – تعالى – ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: ٨١] ، ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] ، ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] ، ونظائره كثيرة"٣. وقد اختلف الناس في متعلق القدرة، والذي عليه أهل السنة "أن الله – تعالى – على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا"٤، "فكل ما يصلح أن يشاء فهو عليه قدير، وإن شئت قلت: قدير على ما يصلح أن يقدر عليه"٥. وأما الممتنع "المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجوداً معدوماً فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئاً باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب: خلق مثل نفسه، وأمثال ذلك"٦، ولذلك فإن الممتنع لنفسه غير داخل في عموم قوله – تعالى –: ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] ٧.

стр. 45

وفي الآية الثانية إثبات أنه – سبحانه – الرزاق، وأنه سبحانه – المتين. والرزاق في صفاته يشمل ما كان على يد رسول ﷺ من رزق القلوب بالعلم، والإيمان، ورزق الأبدان الذي لا تبعة فيه. ويتضمن أيضاً الرزق العام لكل أحد كما قال – تعالى –: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] ١. أما المتين فمعناه الشديد القوي فهو يفيد التناهي في القوة والقدرة. وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] ، في هاتين الآيتين إثبات صفتي السمع والبصر لله – تعالى-. "وقد دل الكتاب، والسنة واتفاق سلف الأمة، ودلائل العقل على أنه سميع بصير"٢، والسمع الذي أثبته الله – سبحانه، وتعالى – لنفسه في الكتاب، والسنة نوعان: النوع الأول: السمع العام، "ويراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى"٣، فسمع الله – تبارك، وتعالى – شامل لجميع الأصوات؛ "لأنه سميع لكل مسموع"٤، قالت عائشة ﵂: الحمد لله الذي وسع سمعه

стр. 46

الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشتكي إلى رسول الله ﷺ ، وأنا في جانب الحجرة يخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] ١. النوع الثاني: السمع الخاص، "وهو سمع الإجابة، والقبول"٢. وهذا النوع متعلق بمشيئة الله – تعالى-، وقدرته٣. وذلك "كقوله: سمع الله لمن حمده، وقول الخليل: ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ [إبراهيم: ٣٩] ، وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠] "٤، "والمراد أنه يستجيب الدعاء"٥. أما البصر فهو إدراك جميع المبصرات، فالله – جل وعلا – قد أحاط بصره جميع المبصرات لا تخفى عليه خافية، فكل "ما خلقه الرب – تعالى-، فإنه يراه"٦. ومعنى سمع الله، وبصره الذي يثبته أهل السنة والجماعة "ليس هو مجرد العلم بالمسموعات، والمرئيات"٧، وذلك "لأن الله فرق بين العلم، وبين السمع والبصر، وفرق بين السمع والبصر، وهو لا يفرق بين علم وعلم؛ لتنوع المعلومات؛ قال – تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ، وفي موضع آخر: ﴿إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦] ، وقال: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] ذكر سمعه لأقوالهم، وعلمه؛ ليتناول باطن أحوالهم، وقال لموسى، وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قرأ على المنبر: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن

стр. 47

تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] ، ووضع إبهامه على أذنه؛ وسبابته على عينه١. ولا ريب أن مقصوده تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق، فلو كان السمع، والبصر العلم لم يصح ذلك"٢، وبهذا يتبين خطأ من أول هاتين الصفتين بالعلم. وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] ، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] ، وقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥] ، في هذه الآيات الكريمات إثبات صفة الإرادة لله – تعالى-، وهي "في كتاب الله نوعان"٣: النوع الأول: "إرادة شرعية دينية تتضمن محبته، ورضاه"٤. "فالإرادة الشرعية الأمرية لا تتعلق إلا بالطاعات"٥. "وهي المقارنة للأمر، والنهي،

стр. 48

والحب، والبغض، والرضا، والغضب"١، "كقوله – تعالى: - ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ، إلى قوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ ، [النساء: ٢٨] وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] "٢. وهذه الإرادة "قد يقع مرادها، وقد لا يقع"٣. النوع الثاني: إرادة كونية خلقية، وهي "المشيئة الشاملة لجميع الحوادث"٤. "فالإرادة الكونية هي مشيئة لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته، وإرادته الكونية"٥. "وهي المقارنة للقضاء، والقدر، والخلق، والقدرة"٦، "كقوله – تعالى –: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّماء﴾ [الأنعام: ١٢٥] ، وقول نوح: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] . ومن هذا النوع قول المسلمين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن النوع الأول قولهم لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله"٧. وهذه الإرادة مستلزمة لوقوع المراد٨، فما أراده الله – تعالى – كوناً فلا بد من وقوعه.

стр. 49

وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ، في هذه الآيات الكريمات: "إثبات محبة الله – تعالى – لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل ﷺ إمام الحنفاء"١، وهذا هو "الذي جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، وعليه مشايخ المعرفة، وعموم المسلمين: أن الله يُحِب، ويُحَب"٢. وفي هذه الآيات أيضاً أن من الأعمال ما يحبه الله – تعالى-. و "الأعمال التي يحبها من الواجبات، والمستحبات الظاهرة، والباطنة كثيرة ومعروفة"٣. "وهذه الآيات، وأشباهها تقتضي أن الله يحب أصحاب هذه الأعمال"٤. واسمه – سبحانه – الودود معناه: المحب، فإنه "هو الذي يود"٥ من شاء من خلقه.

стр. 50

وصفة المحبة من الصفات الفعلية الاختيارية، فإن كل "ما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو من الصفات الاختيارية"١ الفعلية؛ "مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه؛ ومثل: خلقه، وإحسانه، وعدله؛ ومثل: استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز، والسنة"٢. ولا يشكل عليك في هذا التمثيل ذكر الكلام، والسمع، والبصر، والإرادة حيث إنهم يمثلون بها للصفات الذاتية، فهي كذلك باعتبار النوع، وهي فعلية باعتبار الآحاد، والأفراد فتنبه٣. وأهل السنة يثبتون هذا النوع من الصفات كسائر ما وصف الله به نفسه٤، فإن "من أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه من الصفات الفعلية"٥. "أما من ينفي الصفات من الجهمية، والمعتزلة فهم ينفون قيام الفعل به"٦، وكذلك ينفيها طائفة من مثبتة الصفات، "فإن ابن كلاب، والأشعري، وغيرهما ينفونها"٧. و"أول من عرف في الإسلام أنه أنكر أن الله يُحِبُّ، ويُحَبُّ الجهم بن صفوان، وشيخه الجعد بن درهم"٨. والمخالفون للسلف في هذه الصفة الجليلة طائفتان في الجملة:

стр. 51

الأولى: من أنكر أن يُحِبَّ الله عباده، أو يحبه عباده، وهذا مذهب الجهمية، فقد "أنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين"١. الثانية: من أثبت محبة العبد ربه، وأنكر محبة الله لعباده، وهذا قول الأشعرية٢، "وطائفة أخرى من الصفاتية"٣، وهم من يثبت لله – تعالى – الصفات في الجملة. "ثم هؤلاء الذين أنكروا حقيقة المحبة لم يمكنهم إنكار لفظها؛ لأنه جاء في الكتاب، والسنة"٤، فأول الجهمية محبة العبد ربه"بعبادته، وطاعته، وامتثال أمره، أو محبة أوليائه"٥، وأما محبة الله – تعالى – لعباده فقد"تأول الجهمية، ومن اتبعهم من أهل الكلام – محبة الله لعبده على أنها الإحسان إليه، فتكون من الأفعال، وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا: هي إرادة الإحسان"٦. وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] . وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] . وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] .

стр. 52

وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] . وقوله: ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] . في هذه الآيات الشريفة إثبات رحمة الله – تعالى-، وأنه الرحمن الرحيم "الذي يرحم العباد بمشيئته، وقدرته"١، وهذا أمر بين واضح اتفق عليه السلف والأئمة٢، وجرى عليه أهل السنة والجماعة٣. ورحمة الله – سبحانه – "اسم جامع لكل خير"٤. وأما "أهل البدع، والضلالة من الجهمية، ونحوهم"٥، "فهم يجحدون حقيقة كونه الرحمن أو أن يرحم"٦، ثم إنهم فسروا الرحمة "بالإرادة القديمة، أو صفة أخرى قديمة"٧، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، فأنكروا هذه الصفة العظيمة من صفات الله – تعالى-. وأما الفرق بين هذين الاسمين الكريمين الرحمن، الرحيم فهو "أن الرحمن دال على الصفة القائمة به – سبحانه-، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف-، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه. وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ، ولم يجئ قط رحمن بهم، فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة، والرحيم هو الراحم برحمته"٨.

стр. 53

وقوله: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] ، في هذه الآية الكريمة إثبات صفة الرضا، وهي من الصفات الفعلية التي أثبتها أهل السنة والجماعة لله – تعالى-، فإنها من "صفات الكمال، وأضدادها صفات نقص"١. وقد أنكر هذه الصفة من ينكر ثبوت الصفة الفعلية الاختيارية لله – تعالى – من الكلابية، والأشعرية، ونحوهم. وقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] ، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] ، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] ، وقوله: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] ، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] ، في هذه الآيات الكريمات إثبات صفة الغضب، والسخط، والأسف، والكره، والمقت. وهي من صفات الفعل التي يثبتها أهل السنة والجماعة لله – تعالى – على الوجه اللائق به – سبحانه٢ – والغضب المثبت له – جل، وعلا – لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فإن "الغضب على من يستحق الغضب عليه، من القادر على عقوبته، صفة كمال"٣.

стр. 54

"والرسل – صلوات الله عليهم أجمعين – إنما جاؤوا بإثبات هذا الأصل، وهو أن الله يحب بعض الأمور المخلوقة، ويرضاها، ويسخط بعض الأمور، ويمقتها، وأن أعمال العباد ترضيه تارة، وتسخطه أخرى"١ كما في الآيات المتقدمة، وغيرها. أما معنى الأسف المذكور في الآية الأخيرة فقال "ابن عباس: أغضبونا، قال ابن قتيبة: الأسف الغضب، يقال: أسفت أسفاً أي: غضبت"٢. وهذه الآيات دالة على أن الفعل حادث بعد أن لم يكن، "فإن الجزاء لا يكون قبل العمل، والقرآن صريح بأن أعمالهم ﴿كانت سبباً لذلك كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] ، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] ، وقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وأمثال ذلك"٣. وقد أنكر هذه الصفات من ينكر قيام الأفعال بالله – تعالى-، فقالوا: "هذه كلها أمور مخلوقة بائنة عنه ترجع إلى الثواب، والعقاب"٤، ومنهم من قال: ما ثم "إلا إرادة قديمة، أو ما يشبهها"٥، فأوَلَ جميع الصفات الفعلية بذلك. وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ،

стр. 55

قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ، وقوله: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢١-٢٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥] ، وفي هذه الآيات المباركات إثبات إتيان الله ومجيئه يوم القيامة. "والأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في إتيان الرب يوم القيامة كثيرة، وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة"١، وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الكلمة من المسلمين على أنه ينزل يوم القيامة لفصل القضاء، ولم يشكوا في ذلك، وأن الإتيان المذكور، والمضاف إلى الله أنه إتيان الله بنفسه يوم القيامة٢. وقد ضل في هذه الصفة طوائف فإن "النفاة المعطلة ينفون المجيء، والإتيان بالكلية، ويقولون: ما ثم إلا ما يحدث في المخلوقات، والحلولية يقولون: إنه يأتي، ويجيء بحيث يخلو منه مكان، ويشغل آخر، فيخلو منه ما فوق العرش، ويصير بعض المخلوقات فوقه، فإذا أتى، وجاء لم يصر على قولهم العلي الأعلى، ولا كان هو العلي العظيم، لا سيما إذا قالوا: إنه يحويه بعض المخلوقات، فتكون أكبر منه، سبحانه وتعالى عما يقول هؤلاء علواً عظيماً ٣.

стр. 56

وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، في هاتين الآيتين الكريمتين إثبات الوجه لله – تعالى-، "وثبوت الوجه، والصورة لله قد جاء في نصوص كثيرة من الكتاب، والسنة، واتفق على ذلك سلف الأمة"١. وهو من الصفات الخبرية "السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع"٢. ومن المعلوم أن "أئمة أهل السنة، والحديث من أصحاب الأئمة الأربعة يثبتون الصفات الخبرية"٣، "كالوجه، واليدين، والعينين"٤. وما ذكر من إثبات الأشعرية للصفات الخبرية إنما هو قول متقدميهم، أما المتأخرون منهم فينفونها٥. وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] ، في هاتين الآيتين إثبات اليدين لله – تعالى-، "وإثبات اليدين له موجود في التوراة، وسائر النبوات كما هو موجود في القرآن"٦، وأهل السنة والجماعة على إثباتها٧.

стр. 57

وقد ورد ذكر هذه الصفة في الكتاب، والسنة بصيغة الإفراد، وبصيغة التثنية، وبصيغة الجمع١. ولا إشكال في ذلك، "فلغة العرب متنوعة في إفراد المضاف، وتثنيته، وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه"٢، فلا تعارض بين ذلك، فإن "المفرد المضاف يراد به ما هو أكثر من واحد"٣، و "كثيراً ما يراد به الجنس فيتناوله سواء كان واحداً، أو اثنين، أو ثلاثة"٤، فلا يعارض الإفراد التثنية، والجمع. أما صيغة الجمع فإن "صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه"٥ – سبحانه-، "ومثل هذا كثير في القرآن يسمي الرب نفسه من الأسماء المضمرة بصيغة الجمع على سبيل التعظيم لنفسه كقوله – تعالى -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١] ، وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] ٦. و"أما صيغة التثنية فإنها نص في مسماها، لأنها من أسماء العدد، وأسماء الأعداد نصوص"٧، وهذا يدل على صحة ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من إثبات اليدين له – سبحانه-. وقد أنكر هذه الصفة متأخرو الأشعرية، وحرفوها بتحريفات باردة ٨. وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] ، وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣ – ١٤] ،

стр. 58

وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ، في هذه الآيات إثبات العين لله – تعالى –، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة١. وقد جاء إثبات هذه الصفة في القرآن بلفظ الجمع، وبلفظ المفرد٢، "وأما لفظ عينين فليس هو في القرآن، ولكن جاء فيه حديث"٣، "كما قال عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن"، فإذا التفت قال له ربه: "إلى من تلتفت إلى خير لك مني "٤، وقول النبي ﷺ : "إن ربكم ليس بأعور "٥ صريح في أنه ليس المراد إثبات عين واحدة ليس إلا، فإن ذلك عور ظاهر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"٦. وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] ، وقوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] ، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون﴾ [الزخرف: ٨٠] ، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] .

стр. 59

وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] . وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨ – ٢٢٠] . وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] . في هذه الآيات الكريمات إثبات السمع، والرؤية لله – تعالى – وقد تقدم ذلك في أول سياق الآيات، وقد ذكر في هذه الآيات حكم هاتين الصفتين١، وفيها أن الله – جل شأنه –"قد يخص بالنظر، والاستماع بعض المخلوقات"٢. و "هذا التخصيص ثابت بالكتاب، والسنة، وهو تخصيص بمعنى يقوم بذاته بمشيئته، وقدرته"٣. وفيها أيضاً أن الله – تبارك، وتعالى – يسمع الأقوال، ويبصر الأعمال بعد أن خلقت، ووجدت، "وهذا قطعي لا حيلة فيه"٤، "فإذا وجدت الأقوال، والأعمال سمعها، ورآها"٥، "وعلى ذلك يدل الكتاب، والسنة مع الكتب المتقدمة: التوراة، والإنجيل، والزبور. فقد اتفق عليها نصوص الأنبياء، وأقوال السلف، وأئمة العلماء، ودلت عليها صرائح المقولات"٦. فإن "السمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم، فإذا خلق الأشياء رآها، وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم"٧. وما ذكره الله – تبارك، وتعالى – من "رؤيته الأعمال، وعلمه بها،

стр. 60

وإحصائه لها يتضمن الوعيد بالجزاء عليها...."١، فذكر الله – سبحانه – سمعه ورؤيته في هذه الآيات، ونظائرها يراد منه"إثبات علمه بذلك، وأنه يعلم هل ذلك خير، أو شر، فيثيب على الحسنات، ويعاقب على السيئات"٢، "فمدلول اللفظ مراد منه، وقد أريد أيضاً لازم ذلك المعنى"٣. وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] ، وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُم لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥- ١٦] ، في هذه الآيات الكريمات إثبات المحال، والمكر، والكيد لله – تعالى-، لكن "لما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن العاطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كانت مجازاً"٤، "وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له، وإذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً"٥، ولذلك فإن "الله – سبحانه – لم يصف نفسه بالكيد، والمكر، والخداع، إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق – سبحانه-؟ "٦.

стр. 61

والِمحَال المذكور في الآية "فسِّر بالكيد، والمكر"١. وهذا يدل على أن "إطلاق هذه الألفاظ عليه – سبحانه – لا يتوقف على إطلاقها على المخلوق"٢، ومن ذلك قوله: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون﴾ [الأعراف: ٩٩] ٣، ومنه أيضاً قوله – تعالى –: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥] ، أما من حيث الأفعال، والأسماء "فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقاً، فلا يقال: إنه – تعالى – يمكر، ويخادع، ويستهزئ، ويكيد"، و "كذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها"٤، فإن أسماءه كلها حسنى. وقوله: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] ، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] ، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، وقوله عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ، في هذه الآيات إثبات صفة العفو، والمغفرة، والرحمة لله – تعالى-، فإنه "لما كان قد ثبت بالقرآن أنه غفار للتائبين، رحيم بالمؤمنين، علم أنه موصوف بالمغفرة، والرحمة"٥. وفيها إثبات العزة لله – تعالى _، ومعنى هذه الصفة الكريمة دائر

стр. 62

على القوة والامتناع والغلبة، فإن "العرب تقول: عز يعز بالفتح إذا قوي وصلب، عز يعز بالكسر إذا امتنع، وعز يعز بالضم إذا غلب"١. وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ، في هذه الآية الكريمة إثبات "أن اسم الله مبارك تنال معه البركة"٢، وفيها إثبات الجلال، والإكرام لله – تعالى-، وهذا يستلزم كمال صفاته، فإنه "إذا كان مستحقاً للإجلال، والإكرام لزم أن يكون متصفاً في نفسه بما يوجب ذلك"٣. "والإجلال يتضمن التعظيم، والإكرام يتضمن الحب والحمد"٤. وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، وقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] ، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ، وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] ، وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] ، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ

стр. 63

نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ١- ٢] ، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١- ٩٢] ، وقوله: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، في هذه الآيات الكريمات نزه الله – تعالى – نفسه عن النقائص "تارة بنفيها، وتارة بإثبات أضدادها"١. وقد تقدم أن"مجرد النفي ليس فيه مدح، ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض"٢، ولذلك فإن "كل نفي لا يستلزم ثبوتاً، هو مما لم يصف الله به نفسه"٣. وقد نفى الله – تبارك، وتعالى- في هذه الآيات الكفء، والند، والمثل، والسمي، والشريك، والولي من الذل، ونفى عنه الولد، كل ذلك؛ لإثبات غاية الكمال له في الأسماء، والصفات، والأفعال. وقد سبح نفسه – تعالى-، وتسبيحه نفسه "يتضمن مع نفي صفات النقص عنه، إثبات ما يلزم ذلك من عظمته، فكان في التسبيح تعظيم له مع تبرئته من السوء"٤.

стр. 64

ونفي الولي عنه – سبحانه – ليس مطلقاً في الآية؛ فهو "لا يوالي أحداً، لذلته، بل هو العزيز بنفسه، ومن كان يريد العزة فلله العزة جميعاً، وإنما يوالي عباده المؤمنين، لرحمته، ونعمته، وحكمته، وإحسانه، وجوده، وفضله، وإنعامه"١. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ في سبعة مواضع: في سورة الأعراف قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وقال في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] ، وقال في سورة الرعد: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] ، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] ، وقال في سورة ألم السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] ، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] ، في هذه الآيات الكريمات إثبات استواء الله – تعالى – على عرشه، وقد دل على هذه الصفة "نصوص الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، وأئمة السنة، بل على ذلك جميع المؤمنين الأولين، والآخرين"٢.

стр. 65

"والآثار عن النبي ﷺ ، وأصحابه، وسائر علماء الأمة متواترة عند من تتبعها قد جمع العلماء فيها مصنفات صغاراً، وكباراً"١. "بل من أكثر النظر في آثار الرسول ﷺ علم بالاضطرار أنه ألقى إلى الأمة أن ربكم الذي تعبدونه فوق كل شيء، وعلى كل شيء، فوق العرش، وفوق السماوات، وعلم أن عامة السلف كان هذا عندهم مثل ما عندهم أن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير"٢. فأدلة ثبوت صفتي الاستواء على العرش، والعلو كثيرة جداً، فهي "مما لا يحصيه إلا الله مما هو أبلغ المتواترات اللفظية، والمعنوية"٣. وصفة "الاستواء من الصفات السمعية المعلومة بالخبر"٤، وهي من الصفات الفعلية. وهذا "قول أئمة أهل الحديث والسنة"٥. والمنقول عن السلف في معنى الاستواء لا يخرج عن أربعة معان٦. قد ذكرها ابن القيم – ﵀ – في نونيته عند كلامه على الاستواء فقال: - ولهم عبارات عليه أربع قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ار تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع ............................ وهذه المعاني كلها منقولة عن السلف، وهم "وإن اختلفت عباراتهم فمقصودهم واحد، وهو إثبات علو الله على عرشه"٧، فإنهم قد "فسروا الاستواء بما يتضمن الارتفاع فوق العرش"٨.

стр. 66

واستواء الله – تعالى – على عرشه هو علوه عليه، لكن "الاستواء علو خاص، فكل مستو على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستوياً عليه، ولهذا لا يقال لكل ما كان عالياً على غيره إنه مستو عليه، واستوى عليه، ولكن كل ما قيل فيه: إنه استوى على غيره فإنه عال عليه، والذي أخبر الله أنه كان بعد خلق السماوات، والأرض الاستواء لا مطلق العلو" "فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له كما أن عظمته وكبرياءه، وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله – سبحانه، وتعالى – بمشيئته، وقدرته"١. "فالاستواء من الألفاظ المختصة بالعرش لا تضاف إلى غيره لا خصوصاً، ولا عموماً"٢. ولذلك "اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء"٣ أي: على البحار، والأرض، وغيرها. وقد ضل في هذه الصفة طوائف، فأنكروا الاستواء، وسبب ذلك "أن عامة من ينكر هذه الصفة، وأمثالها إذا بحثت عن الوجه الذي أنكروه وجدتهم قد اعتقدوا أن ظاهر هذه الآية كاستواء المخلوقين، أو استواء يستلزم حدوثاً، ونقصاً، ثم يقولون: فيتعين تأويله: إما بالاستيلاء، أو بالظهور، والتجلي، أو بالفضل، والرجحان الذي هو علو القدر، والمكانة"٤. وتأويل الاستواء بالاستيلاء مردود من عدة وجوه، فهو باطل من حيث اللغة، واللسان، ومن حيث ما نقل عن السلف، فإن "أهل السنة، وسلف الأمة متفقون على أن من تأول استوى بمعنى استولى، أو بمعنى آخر ينفي أن يكون الله فوق سماواته فهو جهمي ضال"٥.

стр. 67

وهذا "أمر بين واضح لكل ذي عين بصيرة، وقلب سليم"١. وقد ضل في هذه الصفة أيضاً نفاة الصفات الاختيارية صفات الفعل عن الله – تعالى-، "ولهذا كان قول ابن كلاب، والأشعري، والقلانسي، ومن وافقهم من أتباع الأئمة، وغيرهم من أصحاب أحمد وغيرهم أن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش، ومعنى ذلك أنه يحدث في العرش قرباً فيصير مستوياً عليه من غير أن يقوم به – نفسه – فعل اختياري"٢. والقائلون بمنع قيام الصفات الاختيارية حجتهم داحضة وشبهتهم واهية٣. فإن "السلف، والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات، والأفعال مطلقاً"٤. "والنصوص الإلهية متظاهرة باتصاف الرب بالصفات، والأفعال. وهذا معلوم بالضرورة لمن سمع الكتاب والسنة"٥. وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] ، وقوله: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ، وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ

стр. 68

الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذبا ً﴾ [غافر: ٣٦- ٣٧] ، وقوله: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦- ١٧] ، هذه الآيات الكريمات فيها إثبات علو الله – تعالى – على خلقه. وذلك "معلوم بالاضطرار من الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة"١، بل "قد اتفقت الكلمة من المسلمين، والكافرين أن الله في السماء"٢. وهو "أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم"٣. "فإن فطرهم مقرة بأن الله فوق العالم"٤، كما أن "العقل دل على أن الله – تعالى – فوق العالم"٥، ولا عجب في ذلك، فإن "من أبين ما شهدت به الفطر، والعقول، والشرائع علوه – سبحانه – فوق جميع العالم، وأما تقرير ذلك بالأدلة العقلية الصريحة فمن طرق كثيرة جداً"٦. فدل على علو الرب – تبارك، وتعالى – على خلقه الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، "ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين"٧.

стр. 69

فالله – تبارك اسمه – هو العلي "الأعلى بجميع معاني العلو. وقد اتفق الناس على أنه علي على كل شيء بمعنى أنه قاهر له، قادر عليه، متصرف فيه، كما قال: ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وعلى أنه عالٍ عن كل عيب ونقص، فهو عالٍ عن ذلك، منزه عنه، كما قال-تعالى-: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٩– ٤٣] فقرن تعاليه عن ذلك بالتسبيح"١، فدل على أنه منزه عن كل عيب، ونقص – ﵎. أما علو الله بذاته على خلقه فهو محل الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين غيرهم من الفرق، فإن "المنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم"٢. والمخالفون لأهل السنة في صفة علو الله – تعالى –، ثلاث فرق: الأولى: معطلة الجهمية، "وهم الذين يقولون: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين له، ولا محايث له، فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما، كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم"٣. الثانية: حلولية الجهمية، وهم "الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان"٤.

стр. 70

الثالثة: طائفة من أهل الكلام، والتصوف، وهم الذين يقولون: "إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان"١. والجواب عليهم مفصل في موضعه، فإنه قول باطل يلزم عليه لوازم فاسدة ينزه الله عنها٢. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] ، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] ، وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ، وقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، وقوله: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ،

стр. 71

في هذه الآيات الكريمات إثبات معية الله – تعالى – لخلقه. "والمعية في كتاب الله على وجهين: عامة، وخاصة. فالعامة كقوله – تعالى –: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] . فهذه معية عامة لكل متناجيين، وكذلك الأولى عامة لجميع الخلق"١. "وأما المعية الخاصة ففي قوله – تعالى –: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ، وقوله – تعالى – لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، وقال – تعالى-: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] يعني النبي ﷺ ، وأبا بكر ﵁ فهو مع موسى، وهارون دون فرعون، ومع محمد، وصاحبه دون أبي جهل، وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا، والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين"٢. وقد دل على معية الله – تعالى – لخلقه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع "الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله"٣. و"لفظ المعية قد استعمل في الكتاب، والسنة في مواضع يقتضي في

стр. 72

كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر"١. فالمعية العامة التي في مثل قوله – تعالى-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وفي قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قد "دل ظاهر الخطاب أن حكم هذه المعية، ومقتضاها، أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه"٢. أما المعية الخاصة فقد دل سياق آياتها "على أن المقصود ليس مجرد علمه، وقدرته، بل هو معهم في ذلك بتأييده، ونصره، وأنه يجعل للمتقين مخرجاً، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون"٣، فهو – سبحانه – "معهم بالنصر، والتأييد، والإعانة على عدوهم"٤. وهذه المعية التي يثبتها أهل السنة والجماعة "ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب – – مختلطة بالخلق"٥، أو "أنه بذاته في كل مكان، أو أن وجوده عين وجود المخلوقات، ونحو ذلك من مقالات الجهمية"٦ كما سيأتي بيانه. وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] ، وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] ، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] ، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ،

стр. 73

وقوله: ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، في هذه الآيات إثبات صفة الكلام لله – تعالى-، وهي صفة جليلة ثابتة، "بالإجماع، والنقل المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم"١، وقد مضى على هذا سلف الأمة، وأئمتها. "فالسلف، والأئمة نصوا على أن الرب – تعالى – لم يزل متكلماً إذا شاء وكما شاء، كما نص على ذلك عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة الدين، وسلف المسلمين"٢. وإنكار هذه الصفة، وتحريفها أمر خطير، فهو "في الحقيقة تكذيب للرسل الذين إنما أخبروا الأمم بكلام الله الذي أنزل إليهم"٣. "فالإيمان بكلام الله داخل في الإيمان برسالة الله إلى عباده، والكفر بذلك هو الكفر بهذا، فتدبر هذا الأصل، فإنه فرقان هذا الاشتباه، ولهذا كان من يكفر بالرسل، تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على البشر كما أنه قد يكفر برب العالمين مثل فرعون، وقومه، قال الله – تعالى –: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] الآية، وقال – تعالى – عن نوح، وهود: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] ، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى آخر الكلام"٤. وهذه الصفة كسائر الصفات في الكتاب، والسنة لا يلزم من إثباتها أي لازم باطل، بل "كلام الله – تعالى – لا يماثل كلام المخلوقين كما لا يماثل في شيء من صفاته صفات المخلوقين"٥.

стр. 74

وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] ، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠] ، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ، في هذه الآيات "إثبات النداء لله – تعالى – وقد أخبر الله – تعالى – في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتاً باتفاق أهل اللغة، وسائر الناس"١، وقد "استفاضت الآثار عن النبي ﷺ ، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة أنه – سبحانه – ينادي بصوت: نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بصوت"٢. "والنداء في لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة، ولا مجازاً"٣ "باتفاق أهل اللغة"٤. و"هذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم"٥.

стр. 75

وهذه الآيات تدل على أن الله – تعالى – يوصف بالصفات الاختيارية الفعلية، فإنه – سبحانه – لما ذكر النداء فيها وقته "بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه"١. وهذا يدل لصحة ما ذهب إليه السلف، وأئمة السنة من أن صفة الكلام "صفة ذات، وفعل"٢، فالله – جل وعلا – "لم يزل متكلماً إذا شاء، كيف شاء"٣، والآيات بينة الدلالة على هذا، فإن النداء المذكور في قصة موسى "إنما ناداه حين جاء لم يكن النداء في الأزل كما يقول الكلابية"٤، ونداؤه آدم، وحواء، لما أكلا من الشجرة إنما كان "لما أكلا منها ناداهما، لم ينادهما قبل ذلك"٥، وكذلك النداء يوم القيامة، فإنه "في يوم معين، وذلك اليوم حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو حينئذ يناديهم، لم ينادهم قبل ذلك"٦. وقوله: ﴿أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] ، وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] ، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] ،
следующие страницы →