في هذه الآيات الكريمات إثبات معية الله – تعالى – لخلقه. "والمعية في كتاب الله على وجهين: عامة، وخاصة.
فالعامة كقوله – تعالى –: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] .
فهذه معية عامة لكل متناجيين، وكذلك الأولى عامة لجميع الخلق"١.
"وأما المعية الخاصة ففي قوله – تعالى –: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ، وقوله – تعالى – لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، وقال – تعالى-: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] يعني النبي ﷺ ، وأبا بكر ﵁ فهو مع موسى، وهارون دون فرعون، ومع محمد، وصاحبه دون أبي جهل، وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا، والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين"٢.
وقد دل على معية الله – تعالى – لخلقه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع "الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله"٣.
و"لفظ المعية قد استعمل في الكتاب، والسنة في مواضع يقتضي في
стр. 72
كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر"١.
فالمعية العامة التي في مثل قوله – تعالى-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وفي قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قد "دل ظاهر الخطاب أن حكم هذه المعية، ومقتضاها، أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه"٢.
أما المعية الخاصة فقد دل سياق آياتها "على أن المقصود ليس مجرد علمه، وقدرته، بل هو معهم في ذلك بتأييده، ونصره، وأنه يجعل للمتقين مخرجاً، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون"٣، فهو – سبحانه – "معهم بالنصر، والتأييد، والإعانة على عدوهم"٤. وهذه المعية التي يثبتها أهل السنة والجماعة "ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب – – مختلطة بالخلق"٥، أو "أنه بذاته في كل مكان، أو أن وجوده عين وجود المخلوقات، ونحو ذلك من مقالات الجهمية"٦ كما سيأتي بيانه.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ،
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] ،
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] ،
وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] ،
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ،
стр. 73
وقوله: ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ،
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ،
في هذه الآيات إثبات صفة الكلام لله – تعالى-، وهي صفة جليلة ثابتة، "بالإجماع، والنقل المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم"١، وقد مضى على هذا سلف الأمة، وأئمتها. "فالسلف، والأئمة نصوا على أن الرب – تعالى – لم يزل متكلماً إذا شاء وكما شاء، كما نص على ذلك عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة الدين، وسلف المسلمين"٢.
وإنكار هذه الصفة، وتحريفها أمر خطير، فهو "في الحقيقة تكذيب للرسل الذين إنما أخبروا الأمم بكلام الله الذي أنزل إليهم"٣. "فالإيمان بكلام الله داخل في الإيمان برسالة الله إلى عباده، والكفر بذلك هو الكفر بهذا، فتدبر هذا الأصل، فإنه فرقان هذا الاشتباه، ولهذا كان من يكفر بالرسل، تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على البشر كما أنه قد يكفر برب العالمين مثل فرعون، وقومه، قال الله – تعالى –: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] الآية، وقال – تعالى – عن نوح، وهود: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] ، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى آخر الكلام"٤.
وهذه الصفة كسائر الصفات في الكتاب، والسنة لا يلزم من إثباتها أي لازم باطل، بل "كلام الله – تعالى – لا يماثل كلام المخلوقين كما لا يماثل في شيء من صفاته صفات المخلوقين"٥.
стр. 74
وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] ،
وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠] ،
وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] ،
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ،
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ،
في هذه الآيات "إثبات النداء لله – تعالى – وقد أخبر الله – تعالى – في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتاً باتفاق أهل اللغة، وسائر الناس"١، وقد "استفاضت الآثار عن النبي ﷺ ، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة أنه – سبحانه – ينادي بصوت: نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بصوت"٢.
"والنداء في لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة، ولا مجازاً"٣ "باتفاق أهل اللغة"٤. و"هذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم"٥.
стр. 75
وهذه الآيات تدل على أن الله – تعالى – يوصف بالصفات الاختيارية الفعلية، فإنه – سبحانه – لما ذكر النداء فيها وقته "بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه"١.
وهذا يدل لصحة ما ذهب إليه السلف، وأئمة السنة من أن صفة الكلام "صفة ذات، وفعل"٢، فالله – جل وعلا – "لم يزل متكلماً إذا شاء، كيف شاء"٣، والآيات بينة الدلالة على هذا، فإن النداء المذكور في قصة موسى "إنما ناداه حين جاء لم يكن النداء في الأزل كما يقول الكلابية"٤، ونداؤه آدم، وحواء، لما أكلا من الشجرة إنما كان "لما أكلا منها ناداهما، لم ينادهما قبل ذلك"٥، وكذلك النداء يوم القيامة، فإنه "في يوم معين، وذلك اليوم حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو حينئذ يناديهم، لم ينادهم قبل ذلك"٦.
وقوله: ﴿أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] ،
وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] ،
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] ،
стр. 76
وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] ،
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ،
وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ،
وقوله: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] ،
وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠١ – ١٠٣] ،
في هذه الآيات إثبات أن القرآن المجيد كلام الله – تعالى-. فإن الله – ﵎ – قد أضافه إلى نفسه – سبحانه-، فدل على أنه كلامه الذي تكلم به، إذ "لا يعرف قط أنه أضيف إلى الله كلام إلا كلام تكلم الله به"١.
وأخبر في هذه الآيات بأن القرآن منزل منه – سبحانه-. و "النزول في كتاب الله – – ثلاثة أنواع: نزول مقيد بأنه منه، ونزول مقيد بأنه من السماء، ونزول غير مقيد لا بهذا، ولا بهذا"٢، والأول منها هو المتعلق بهذه الصفة.
стр. 77
"فالأول لم يرد إلا في القرآن، كما قال – تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] ، وقال تعالى: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] ، وقال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ...."١. "ولهذا قال السلف: القرآن كلام الله ليس بمخلوق منه بدأ، قال أحمد وغيره: وإليه يعود، أي هو المتكلم به، وقال: كلام الله من الله ليس ببائن منه، أي لم يخلقه في غيره فيكون مبتدأ منزلاً من ذلك المخلوق، بل هو منزل من الله، كما أخبر به، ومن الله بدأ لا من المخلوق فهو الذي تكلم به لخلقه"٢.
"فأخبر – سبحانه – أنه منزل من الله، ولم يخبر عن شيء أنه منزل من الله إلا كلامه"٣.
وقد وصف الله – سبحانه – كلامه بأنه يقص، ووصفه في غير هذه الآيات بأنه يحكم ويفتي "كقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء﴾ [النساء: ١٢٧] ، أي: وما يتلى عليكم يفتيكم فيهن. وقوله: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وإذا أضيف الحكم، والقصص، والإفتاء إلى القرآن الذي هو كلام الله، فالله هو الذي حكم به، وأفتى، وقضى به كما أضاف ذلك إلى نفسه في غير موضع"٤.
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢- ٢٣] ،
стр. 78
وقوله: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] ،
وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ،
وقوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] .
في هذه الآيات إثبات رؤية المؤمنين ربهم – جل وعلا-١، وأن الله – سبحانه – يرى عياناً بالأبصار يوم القيامة، ففي الآية الأولى "إضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله، وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين"٢، فإن تعدية النظر بإلى معناه المعاينة بالأبصار، "وقد نقل أن كثيراً من السلف فهموا الرؤية"٣ من هذه الآية.
وكذلك في قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، فالزيادة "هي النظر إلى الله سبحانه "٤.
وكذا في قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ، "وهو ما لم يبلغه علمهم ليشتهوه، كما قال ﷺ : " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "٥، "وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن الأسود بن عامر قال: ذكر لي عن شريك عن أبي اليقظان عن أنس ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: يتجلى لهم كل جمعة"٦.
وسيأتي مزيد كلام على هذه الصفة، إن شاء الله.
وهذا الباب في كتاب الله – تعالى – كثير.
ووجه كثرة آيات الصفات في كتاب الله – تعالى – أنه "كلما كانت
стр. 79
حاجة الناس إلى معرفة الشيء، وذكره أشد، وأكثر كانت معرفتهم به، وذكرهم له أعظم، وأكثر، وكانت طرق معرفته أكثر، وأظهر، وكانت الأسماء المعرفة له أكثر، وكانت على معانيه أدل"١، "ولما كانت حاجة النفوس إلى معرفة ربها أعظم الحاجات كانت طرق معرفتهم له أعظم من طرق معرفة ما سواه، وكان ذكرهم لأسمائه أعظم من ذكرهم لأسماء ما سواه"٢، "فإن أصل عبادته معرفته بما وصف به نفسه في كتابه، وما وصفه به رسله"٣– صلوات الله وسلامه عليهم.
من تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق.
وذلك "أن الكتاب، والسنة يحصل منه كمال الهدى، والنور لمن تدبر كتاب الله، وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله، وآياته"٤.
وما ضل من ضل في هذا الباب، وغيره إلا لإعراضهم عن الكتاب، ومعارضتهم له. فهم "لا يطلبون الهدى منه، بل إما أن يعرضوا عن فهمه، وتدبره كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإما أن يحرفوه بالتأويلات الفاسدة"٥، فيحرمون الانتفاع بالقرآن العظيم.
فصل
فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما
стр. 80
وصف الرسول ﷺ به ربه – – من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان بها كذلك.
فسنة النبي ﷺ "مفسرة للقرآن مبينة له كما قال – تعالى – له: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، فبين ما أنزل الله لفظه، ومعناه. فصار معاني القرآن التي اتفق عليها المسلمون اتفاقاً ظاهراً مما توارثته الأمة عن نبيها كما توارثت عنه ألفاظ القرآن"١. و "قد اتفق الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة الدين أن السنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مجمله، وأنها تفسر مجمل القرآن من الأمر، والخبر"٢، "فإن الرسول ﷺ بين للناس لفظ القرآن، ومعناه"٣.
"والأحاديث جاءت في هذا الباب كما جاءت الآيات مع زيادة تفسير في الحديث، كما أن أحاديث الأحكام تجيء موافقة لكتاب الله مع تفسيرها لمجمله، ومع ما فيها من الزيادات التي لا تعارض القرآن، فإن الله- – أنزل على نبيه الكتاب، والحكمة ... "٤، وقال النبي ﷺ : "ألا وإني أوتيت الكتاب، ومثله معه" ٥. وفي رواية: "ألا إنه مثل القرآن، وأكثر "٦، "فالحكمة التي أنزلها الله عليه مع القرآن، وعلمها لأمته تتناول ما تكلم به في الدين من غير القرآن من أنواع الخبر، والأمر"٧.
стр. 81
مثل:
قوله ﷺ : " ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " متفق عليه١.
في هذا الحديث الشريف إثبات نزول الله – تعالى – إلى السماء الدنيا. و "قد استفاضت به السنة عن النبي ﷺ ، واتفق سلف الأمة، وأئمتها، وأهل العلم بالسنة، والحديث على تصديق ذلك، وتلقيه بالقبول"٢، وهذا الحديث حديث مشهور "رواه عامة الصحابة"٣، ومع هذا الإثبات يصان – جل وعلا – عن الظنون الفاسدة، فإن "مذهب سلف الأمة أنه مع نزوله إلى سماء الدنيا لا يزال فوق العرش لا يكون تحت المخلوقات، ولا تكون المخلوقات محيطة به قط، بل هو العلي الأعلى، العلي في دنوه، القريب في علوه"٤.
وقد تأول هذه الصفة أهل الكلام بأنواع من التحريف المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة٥.
وفيه إثبات صفة الكلام لله – تعالى-، وقد تقدم تقرير ذلك في الكلام على الآيات، وسيأتي مزيد بحث فيه إن شاء الله – تعالى –.
стр. 82
وقوله ﷺ : "لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم براحلته" متفق عليه١.
وقوله ﷺ : "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة "متفق عليه٢.
وقوله ﷺ : " عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب "حديث حسن٣.
في هذه الأحاديث إثبات الفرح، والضحك، والعجب لله – تعالى – وجميعها من الصفات الاختيارية الفعلية.
فالفرح قد جاء في الحديث الأول، وهو دال على محبة الله – تعالى – للتوبة "إذ الفرح إنما يكون بحصول المحبوب"٤. "وهذا الحديث مستفيض عن النبي ﷺ في الصحيحين من غير وجه من حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم"٥.
وأما الضحك فأحاديثه "متواترة عن النبي ﷺ "٦. ولا يلزم من إثباته لله – تعالى – نقص، فإن "الضحك في موضعه المناسب له صفة
стр. 83
مدح، وكمال"١، "ولهذا قال النبي ﷺ : " ينظر إليكم الرب قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب "، فقال أبو رزين العقيلي: يا رسول الله أو يضحك الرب؟ قال: "نعم" قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً" ٢.
فجعل الأعرابي العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلاً على إحسانه، وإنعامه، فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال"٣.
وأما التعجب فقد جاء في القرآن الكريم، "قال – تعالى-: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] على قراءة الضم"٤، وقد جاء في أحاديث عديدة٥. ولا يلزم من إثباته أي لازم باطل، فالعجب الموصوف به الله – تعالى –ليس مقروناً بجهل، "بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيماً له، والله-تعالى- يعظم ما هو عظيم؛ إما لعظمة سببه، أو لعظمته"٦. وأما قوله في حديث التعجب: "وقرب غيره"، فالمراد "قرب تغيره من الجدب إلى الخصب"٧.
ولم يثبت أهل الكلام هذه الصفات جميعاً؛ لتوهم النقص فيها٨، ولعدم إثباتهم الصفات الاختيارية معتمدين في ذلك على أوهام كاذبة، وظنون فاسدة.
وقوله ﷺ : "لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من
стр. 84
مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله"، وفي رواية: "عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط" متفق عليه١.
في هذا الحديث إثبات القدم، والرجل لله – تعالى-، وهي صفة خبرية يثبتها أهل السنة والجماعة على الوجه اللائق بالله – تعالى-.
وقول جهنم: "هل من مزيد؟ على سبيل الطلب، أي: هل من زيادة تزاد فيّ؟ والمزيد ما يزيده الله فيها من الجن، والإنس"٢.
وقولها: "قط، قط"أي: "حسبي، حسبي"٣.
وقوله ﷺ : " يقول الله – تعالى-: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار". متفق عليه٤.
وقوله ﷺ : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه، وبينه ترجمان "٥.
في هذين الحديثين: "أن الله – تعالى – متكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح"٦، وأنه "– سبحانه – يتولى كلام عباده يوم القيامة"٧.
стр. 85
وظاهر حديث تكليم الله لعباده يوم القيامة عموم تكليمه لكل أحد حتى الكفار. و "القرآن، والحديث يدلان على أن الله يكلمهم تكليم توبيخ، وتقريع، وتبكيت لا تكليم تقريب، وتكريم، ورحمة، وإن كان من العلماء من أنكر تكليمهم جملة"١، وقد وردت أحاديث صحاح، وحسان "تصرح بأن جميع الناس ذكورهم، وإناثهم مشتركون"٢، في تكليم الله – تعالى – لهم٣.
وقد تقدم البحث في صفة الكلام، وسيأتي مزيد إن شاء الله – تعالى-.
وقوله ﷺ في رقية المريض: " ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا، وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ "حديث حسن رواه أبو داود وغيره٤.
وقوله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء "حديث صحيح٥.
وقوله ﷺ : " والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه "حديث حسن رواه أبو داود وغيره٦.
وقوله ﷺ للجارية: " أين الله؟ "، قالت: في السماء،
стр. 86
قال: "من أنا؟ "قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" رواه مسلم١.
في هذه الأحاديث إثبات علو الله – تعالى-، وفوقيته على جميع الخلق٢، وقد تواترت بذلك الأحاديث، وقد تقدم الكلام على هذا وسيأتي مزيد إن شاء الله – تعالى-.
وفي حديث الجارية "دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء كما قال الله، ورسوله لم تكن مؤمنة"٣.
وقوله ﷺ : " أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت "حديث حسن٤.
وقوله ﷺ : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق قبل وجهه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه" متفق عليه٥.
وقوله ﷺ : " اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا، ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة، والإنجيل، والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته. أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك
стр. 87
شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر "رواه مسلم١.
وقوله ﷺ لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته "متفق عليه٢.
في هذه الأحاديث إثبات معية الله – تعالى – لخلقه، وفيها إثبات سعته، وإحاطته بكل شيء، فهو الأول الآخر الظاهر الباطن، وفيها إثبات قربه من عبده الداعي.
ففي الحديث الأول: إثبات معية الله – تعالى – لعباده، وهذه هي المعية العامة.
وفي الحديث الثاني: إثبات قربه من عبده المصلي مع علوه – سبحانه-٣، فإن "العبد إذا قام إلى الصلاة، فإنه يستقبل ربه، وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه لا من يمينه، ولا من شماله، ويدعوه من العلو لا من السفل"٤، فالحديث "حق على ظاهره، وهو – سبحانه- فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو يناجي الشمس، والقمر لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكانت أيضاً قبل وجهه"٥.
وفي الحديث الثالث: إثبات أوليته، وآخريته، وظاهريته، وباطنيته،
стр. 88
فإنه – سبحانه – قد "سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، وأحاط بكل شيء ببطونه"١، وقد تقدم الكلام على هذه الصفات.
وفي الحديث الرابع: إثبات قربه – جل وعلا – من عبده إذا دعاه٢.
وقوله ﷺ : " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، فافعلوا "متفق عليه٣.
في هذا الحديث إثبات رؤية الله – تعالى – يوم القيامة "وقد تواترت فيه الأحاديث عن النبي ﷺ عند علماء الحديث"٤. "وهذا الحديث متفق عليه من طرق كثيرة، وهو مستفيض، بل متواتر عند أهل العلم بالحديث اتفقوا على صحته"٥.
وفي الحديث "شبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات، إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه، وبين المرئي"٦، وذلك لبيان أنه "– سبحانه – يتجلى تجلياً ظاهراً، فيرونه كما يرون الشمس والقمر"٧.
وأما قوله في الحديث: "لا تضامون "فإنه "يروى بالتخفيف: أي لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن
стр. 89
كالهلال"١، "وقيل: لا تضامون، بالتشديد، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال"٢، فالمعنى: "لا يلحقكم ضير ولا ضيم"٣، وهذا كله "بيان لرؤيته في غاية التجلي والظهور بحيث لا يلحق الرائي ضير، ولا ضيم كما يلحقه عند رؤية الشيء الخفي، والبعيد، والمحجوب، ونحو ذلك"٤.
إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به، فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
وقد تقدم تفصيل هذا، وبيانه، ولله الحمد.
بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط بين الأمم.
وبيان هذا أن "أهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل"٥، وسيأتي ذكر نماذج لوسطية أهل السنة في بعض مسائل العقيدة، وليس ذلك خاصاً بهذه الأبواب التي ذكرها المؤلف ﵀، بل هم "كذلك في سائر أبواب السنة هم وسط، لأنهم متمسكون بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان"٦، فهم، ولله الحمد "متوسطون في جميع الأمور"٧.
стр. 90
أما وسطية أمة الإسلام بين الأمم فلا يشك منصف "أن المسلمين هم عدل، متوسطون، لا ينحرفون إلى غلو، ولا إلى تقصير. أما اليهود، والنصارى فهم على طرفي نقيض، هؤلاء ينحرفون إلى جهة، وهؤلاء ينحرفون إلى الجهة التي تقابلها كتقابلهم في النسخ، وكذلك تقابلهم في التحريم، والتحليل، والطهارة، والنجاسة"١. فالمسلمون "وسط كما قال – تعالى – فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدلاً خياراً"٢، وهذا في الحقيقة "باب يطول وصفه"٣.
فهم وسط في باب صفات الله – سبحانه، وتعالى – بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة،
وبيان هذا أن أهل السنة والجماعة في: "باب أسماء الله، وآياته، وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله، وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم، والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات"٤ فأهل السنة "يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله من غير تعطيل، ولا تمثيل، إثباتاً لصفات الكمال، وتنزيهاً له عن أن يكون له فيها أنداد، وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل"٥.
стр. 91
وهم وسط في باب أفعال الله – تعالى – بين الجبرية، والوعيدية من القدرية، وغيرهم،
بيان ذلك أن أهل السنة والجماعة "وسط في باب أفعال الله – – بين المعتزلة المكذبين بالقدر"١، "الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة، وخلقه لكل شيء"٢، وبين "الجبرية النافين لحكمة الله، ورحمته، وعدله، والمعارضين بالقدر أمر الله، ونهيه، وثوابه، وعقابه"٣، و "المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة، ولا قدرة، ولا عمل، فيعطلون الأمر، والنهي، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان، والصفات، والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة، وعمل، وأنه مختار، ولا يسمونه مجبوراً، إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله – سبحانه – جعل العبد مختاراً لما يفعله، فهو مختار مريد، والله خالقه، وخالق اختياره، وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله"٤.
وفي باب وعيد الله بين المرجئة، والوعيدية من القدرية، وغيرهم.
стр. 92
وبيان ذلك أن أهل السنة والجماعة وسطٌ "في باب الوعد، والوعيد بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار"١، و "يكذبون بشفاعة النبي ﷺ "٢، و "بين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد، وما فضل الله به الأبرار على الفجار"٣، و "مسألة الوعد والوعيد من أكبر مسائل العلم"٤. "فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين لا يخلدون في النار، بل يخرج منهم من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته"٥. "فأهل السنة والجماعة لا يوجبون العذاب في حق كل من أتى كبيرة، ولا يشهدون لمسلم بعينه بالنار لأجل كبيرة واحدة عملها، بل يجوز عندهم أن صاحب الكبيرة يدخله الله الجنة بلا عذاب، إما لحسنات تمحو كبيرته منه، أو من غيره؛ وإما لمصائب كفرتها عنه، وإما لدعاء مستجاب منه، أو من غيره فيه؛ وإما لغير ذلك. والوعيدية من الخوارج، والمعتزلة يوجبون العذاب في حق أهل الكبائر لشمول نصوص الوعيد لهم"٦، "فعارضهم غالية المرجئة بنصوص الوعد، فقال الأولون: لا تتناول إلا مؤمناً، وهؤلاء ليسوا بمؤمنين، وقال الآخرون: نصوص الوعيد لا تتناول إلا كافراً، وكل من القولين خطأ"٧.
"والتحقيق أن يقال: الكتاب، والسنة مشتملان على نصوص الوعد، والوعيد، وكل من النصوص يفسر الآخر، ويبينه، فكما أن نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر المحبط؛ لأن القرآن قد دل
стр. 93
على أن من ارتد فقد حبط عمله، فكذلك نصوص الوعيد للكفار، والفساق مشروطة بعدم التوبة؛ لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب، وهذا متفق عليه بين المسلمين"١.
ومما ينبغي أن يعلم في هذا الباب أن "تناول نصوص الوعد للشخص مشروط بأن يكون عمله خالصاً لوجه الله، موافقاً للسنة، فإن النبي ﷺ قيل له: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليقال؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"٢.
وكذلك تناول نصوص الوعيد للشخص مشروط بأن لا يكون متأولاً، ولا مجتهداً مخطئاً، فإن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان"٣.
وفي باب أسماء الإيمان، والدين بين الحرورية، والمعتزلة، وبين المرجئة، والجهمية.
"والمراد بالأسماء: أسماء الدين مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق"٤. فأهل السنة والجماعة"وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء"٥.
"فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض
стр. 94
الإيمان، وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة"١.
وأما الحرورية، وهم الخوارج، وكذلك المعتزلة فيقولون: "صاحب الكبائر الذي لم يتب منها مخلد في النار، ليس معه شيء من الإيمان، ثم الخوارج تقول: هو كافر. والمعتزلة توافقهم على الحكم لا على الاسم"٢، فيقولون فيه: "بل ينزل منزلة بين المنزلتين، فنسميه فاسقاً لا مسلماً، ولا كافراً"٣.
وأما المرجئة والجهمية فعندهم أن صاحب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان٤، فهؤلاء "وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان"٥.
"فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان"٦، وسيأتي مزيد بحث لهذا إن شاء الله – تعالى-.
وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج.
وبيان ذلك أن أهل السنة والجماعة "وسط في أصحاب رسول ﷺ بين الغالي في بعضهم، الذي يقول بإلهية أو نبوة أو عصمة، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه، وهم خيار هذه الأمة"٧.
فهم "وسط بين الغالية الذين يغالون في علي ﵁، فيفضلونه على أبي بكر، وعمر ﵄، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا، وفسقوا وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبياً
стр. 95
أو إلهاً، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره، وكفر عثمان ﵁، ويستحلون دماءهما، ودماء من تولاهما، ويستحبون سب علي، وعثمان، ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي ﵁ وإمامته"١.
وليعلم "أن أهل السنة في كل مقام أصح نقلاً، وعقلاً من غيرهم؛ لأن ذلك من تمام ظهور ما أرسل الله به رسوله ﷺ من الهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، ظهوره بالحجة، وظهوره بالقدرة"٢. فأهل"السنة نقاوة المسلمين"٣، والحمد لله رب العالمين.
فصل
وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله، الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة من أنه – سبحانه – فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه.
وبيان ذلك أن "كتاب الله – تعالى – من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة، والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة: مملوء بما هو إما نص، وإما ظاهر في أن الله – – هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء"٤. وأدلة هذا في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ "مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية، والمعنوية التي تورث علماً يقيناً من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول ﷺ
стр. 96
المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله – سبحانه – على العرش وأنه فوق السماء"١. والمنقول "عن السلف في ذلك – أي إثبات ما تقدم – من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفاً.
ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة – لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء، والاختلاف – حرف واحد يخالف ذلك، لا نصاً، ولا ظاهراً"٢. "بل أهل السنة، والحديث، وسلف الأمة متفقون على أنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، وعلى ذلك نصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وأئمة السنة، بل على ذلك جميع المؤمنين، والأولين، والآخرين"٣.
وهو – سبحانه – معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] .
تقدم الكلام في إثبات معية الله – تعالى – العامة، والخاصة، وأن حكم معيته العامة، ومقتضاها أن الله – جل، وعلا – مع علوه وفوقيته على عباده، فإنه – سبحانه – يعلم ما الخلق عاملون، فقد أخبر – "أنه فوق العرش، يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا كما قال النبي ﷺ
стр. 97
في حديث الأوعال: "والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه "١"٢، وفي الآية دليل على الجمع بين علوه – سبحانه-، ومعيته، وفيها إخباره – تعالى-: "أنه خالق السماوات والأرض، وأنه استوى على عرشه، وأنه مع خلقه، يبصر أعمالهم من فوق عرشه، فعلوه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه، بل كلاهما حق"٣.
وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر، وغير المسافر أينما كان،
في هذا المقطع بيان بطلان ما توهمه الضالون، وشبه به المشبهون من أن إثبات المعية يقتضي أن تكون ذات الرب – جل وعلا – مختلطة بالخلق، وذلك من وجوه:
الأول: أن هذا التوهم لا توجبه اللغة، "وذلك أن كلمة "مع" في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال"٤. فلفظة "مع" في اللغة العربية إنما تدل على المصاحبة، والموافقة، والاقتران، ولا تدل على أن الأول مختلط بالثاني في عامة موارد الاستعمال"٥، كما في قوله:
стр. 98
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] ، وقوله: ﴿اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] ، وقوله: ﴿وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] "١، ومثل هذا كثير في كلام الله – تعالى – وسائر الكلام العربي. وإذا كانت لفظة ""مع" إذا استعملت في كون المخلوق مع المخلوق لم تدل على اختلاط ذاته بذاته، فهي أن لا تدل على ذلك في حق الخالق بطريق الأولى"٢. "فامتنع أن يكون قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق"٣؛ "لأن جميع استعمالات "مع" في الكتاب، والسنة لا توجب اتصالاً، واختلاطاً"٤.
الثاني: أن هذا الوهم خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، فقد "أجمع سلف الأمة، وأئمتها على أن الرب – تعالى – بائن من مخلوقاته"٥.
الثالث: أن هذا التوهم الفاسد خلاف ما فطر الله عليه الخلق، فعلم الخلق "بأن الله فوق العالم علم ضروري فطري"، فإن "الخلق كلهم إذا حزبهم شدة، أو حاجة في أمر وجهوا قلوبهم إلى الله يدعونه، ويسألونه"٦ "حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يده إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، وكل أحد بالله، وبمكانه أعلم من الجهمية"٧. و "لهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقده من المعارض لها،
стр. 99
فالنفاة لعلو الله إذا حزب أحدهم شدة وجه قلبه إلى العلو يدعو الله"١.
الرابع: أن مما يدفع هذا الخيال الفاسد، والتوهم الباطل من أن المعية تقتضي اختلاطه بخلقه "أن القرآن قد جعل المعية خاصة أكثر مما جعلها عامة، ولو كان اختلاط ذاته بالمخلوقات لكانت عامة لا تقبل التخصيص"٢، "فإنه قد علم أن قوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أراد به تخصيصه- ﷺ ، وأبا بكر دون عدوهم من الكفار، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] خصهم بذلك دون الظالمين، والفجار"٣.
الخامس: أن مما يدفع هذا الوهم الفاسد المثل المضروب، فقد ضرب مثلاً بالقمر، وهو من أصغر مخلوقات الله السماوية، فهو فوق الناس، وهو مع المسافر، وغير المسافر، ولا يشك عاقل أنه غير مخالط للناس مع كونه معهم حقيقة، "ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا، وإمكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق"٤.
وهو – سبحانه – فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم إلى غير ذلك من معاني الربوبية، وكل هذا الكلام الذي ذكره الله – سبحانه – من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف،
في هذا بيان مقتضى معية الله لخلقه، وحكمها، "فالله – تعالى – عالم بعباده، وهو معهم أينما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية"٥،
стр. 100
فمعية الله – تعالى – لخلقه لا تناقض علوه، وأنه – جل وعلا – فوق العرش، "فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة"١، و"لا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً ألبتة"٢. قال الله – تعالى-: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً﴾ النساء: ٨٢] .
لكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاء﴾ [الزخرف: ٨٤] أن السماء تقله، أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وهو الذي ﴿يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١] ، ﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه﴾ [الحج: ٦٥] ، ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ [الروم: ٢٥] .
في هذا بيان وجوب صيانة النصوص عن الظنون الكاذبة، والأوهام الفاسدة، وذلك لأن خبر الله، ورسوله ﷺ "صدق، موافق لما هو الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلاً، ولا مخالفاً لما هو الأمر عليه في نفسه"٣. وعدم صيانة النصوص عن هذه الظنون، والأوهام يؤدي إلى أن تبقى "النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله، ورسوله حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل، قد عطل ما أودع الله، ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله – تعالى –"٤.
стр. 101
وأما قوله – تعالى-: ﴿فِي السَّمَاء﴾ [الزخرف: ٨٤] فمعناه "أنه فوق السماء؛ لأن "في" بمعنى فوق، قال الله – تعالى-: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أي: فوقها"١، ثم إن "لفظ السماء في اللغة والقرآن اسم لكل ما علا، فهو اسم جنس للعالي"٢.
و"لما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله: ﴿فِي السَّمَاء﴾ [الزخرف: ٨٤] أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء"٣، "ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به، وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قوله – سبحانه-، ورسوله: "إن الله في السماء" أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئاً محالاً لا يفهمه الناس منه ثم يريد أنيتأوله"٤.
فصل
وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه مجيب كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ، وقوله ﷺ :
стр. 102
"إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ١، وما ذكر في الكتاب، والسنة من قربه، ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه، وفوقيته، فإنه – سبحانه – ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه.
هذا الفصل فيه إثبات قرب الله – تعالى – من بعض عباده، و"هذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث. والنقل عنهم بذلك متواتر"٢.
ولفظ القرب المضاف إلى الله – تعالى – ذكر في الكتاب، والسنة "تارة بصيغة المفرد كقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ، وفي الحديث: "اربعوا على أنفسكم" إلى قوله: "إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ٣، وتارة بصيغة الجمع كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] "٤.
والقرب الذي وصف الله به نفسه خاص لا عام، فإنه "ليس في القرآن وصف الرب – تعالى – بالقرب من كل شيء أصلاً، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ، فهو-سبحانه – قريب ممن دعاه.
وكذلك ما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال: "أيها الناس
стр. 103
اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ١، فقال: إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم، لم يقل إنه قريب إلى كل موجود، وكذلك قول صالح ﵇: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] هو كقول شعيب: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠] ، ومعلوم أن قوله: ﴿قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] مقرون بالتوبة، والاستغفار، أراد به: قريب مجيب لاستغفار المستغفرين التائبين إليه، كما أنه رحيم ودود بهم، وقد قرن القريب بالمجيب، ومعلوم أنه لا يقال إنه مجيب لكل موجود، وإنما الإجابة لمن سأله ودعاه، فكذلك قربه – سبحانه، وتعالى –"٢.
وأما"قوله – تعالى – ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ، وقوله – تعالى-: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ، فإن "سياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة. فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ – ١٨] فقيد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقي المتلقيين: قعيد عن اليمين، وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ [ق: ١٨] . ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذكر القعيدين الرقيب والعتيد معنى مناسب.
وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢-٨٥] فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال، ولا قال: ﴿وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ، فإن هذا إنما يقال إذا
стр. 104
كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال، ولكن نحن لا نبصره، والرب – تعالى – لا يراه في هذه الحال لا الملائكة، ولا البشر.
وأيضاً فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] ، فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال، وذات الرب – – إذا قيل: هي في مكان، أو قيل: قريبة من كل موجود، لا يختص بهذا الزمان، والمكان، والأحوال، ولا يكون أقرب إلى شيء من شيء"١.
وثبوت هذه الصفة للرب – ﷻ – لا ينافي علوه، وفوقيته، فالرب "–تعالى– لا يكون شيء أعلى منه قط، بل هو العلي الأعلى، ولا يزال هو العلي الأعلى مع أنه يقرب إلى عباده، ويدنو منهم، وينزل حيث شاء، ويأتي كما شاء، وهو في ذلك العلي الأعلى الكبير المتعالي، علي في دنوه قريب في علوه، فهذا وإن لم يتصف به غيره، فلعجز المخلوق أن يجمع بين هذا، وهذا كما يعجز أن يكون هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن"٢.
فصل
ومن الإيمان بالله، وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق،
في هذا الفصل بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة القرآن، ووجه كون الإيمان بأن القرآن كلام الله من الإيمان بالله فذلك لأن الكلام صفته – جل شأنه-، كما أن: "الإيمان بكلام الله داخل في الإيمان
стр. 105
برسالة الله إلى عباده، والكفر بذلك هو كفر بهذا، فتدبر هذا الأصل، فإنه فرقان هذا الاشتباه، ولهذا كان من يكفر بالرسل، تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على بشر، كما أنه قد يكفر برب العالمين: مثل فرعون، وقومه قال الله – تعالى-: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] الآية، وقال – تعالى – عن نوح، وهود: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣، ٦٩] ، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى آخر الكلام فإن في هذه الآيات تقرير قواعد،، وقال عن التوحيد: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] ، ولهذا كان أصل الإيمان الإيمان بما أنزله، قال – تعالى-: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ١-٣] .."١ و "لهذا عظم تقرير هذا الأصل في القرآن، فتارة يفتتح به السورة؛ إما إخباراً كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] ، وقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] ... "٢، "وإما ثناء بإنزاله كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] الآية. وأما في أثناء السور فكثير جداً"٣.
"ومذهب سلف الأمة، وأئمتها من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وسائر المسلمين كالأئمة الأربعة، وغيرهم ما دل عليه الكتاب، والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق"٤.
"فأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب، والسنة، واتفق عليه سلف الأمة"٥.
стр. 106
وهذا هو "المستقر في فطر الناس الذي تلقته الأمة خلفاً عن سلف عن نبيها أن القرآن جميعه كلام الله"١. ومن المعلوم "بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن كلام الله"٢. فإن "من تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة، والتابعين بل المصنفة في السنة. رأى في ذلك من الآثار الثابتة عن الصحابة، والتابعين ما يعلم معه بالاضطرار أن الصحابة، والتابعين كانوا يقولون بما يوافق هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه المثبتين لرؤيته، القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه"٣.
"فكان الصحابة، والتابعون لهم بإحسان على أن القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغير ذلك من كلام الله، هو كلام الله الذي تكلم به، وأن الله أنزله، وأرسل به ملائكته، ليس هو مخلوقاً بائناً عنه خلقه في غيره"٤، وعلى هذا "استقر أهل السنة، والجماعة، وجماهير الأمة، وأعلام الملة في شرقها وغربها"٥.
وهذه المسألة قد جرى فيها على أهل السنة فتنة عظيمة زمن الإمام أحمد – ﵀، فكان أول من عرف أنه قال: القرآن مخلوق الجعد بن درهم، "ولم يكن الناس إذ ذاك أحدثوا شيئاً من نفي الصفات إلى أن ظهر الجعد بن درهم، وهو أولهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً – تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً – ثم نزل فذبحه،
стр. 107
وهذا كان بالعراق، ثم ظهر جهم من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم....."١، "وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد، وغيره من علماء السنة، فإنهم في إمارة المأمون قووا، وكثروا فإنه قد كان بخراسان مدة، واجتمع بهم ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها مات، وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد سنة عشرين ومائتين، وفيها كانت محنته مع المعتصم، ومناظرته لهم، فلما رد عليهم ما احتجوا به، وذكر أن طلبهم من الناس أن يوافقوهم جهل، وظلم. وأراد المعتصم إطلاقه أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه لئلا تنكسر حرمة الخلافة، فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة، وخافوا، وأطلقوه"٢.
وهذه المسألة "قد كثر فيها الاضطراب، حتى قال بعضهم: مسألة الكلام حيرت عقول الأنام"٣، وسبب هذا الضلال، والحيرة، والاضطراب القياس الفاسد في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات، "فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب مخالفين للكتاب، وقد قال – تعالى –: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] "٤، و"هذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب"٥.
و"الناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعاً كثيراً، والطوائف الكبار نحو ست فرق"٦ وأبرز هذه الأقوال ما يلي:
стр. 108
أولاً: "أنه متكلم حقيقة لكن كلامه مخلوق خلقه في غيره"، وهو قول المعتزلة، وغيرهم"١. "وهذا قول الجهمية والمعتزلة، وهذا القول مخالف للكتاب، والسنة، وإجماع السلف، وهو مناقض لأقوال الأنبياء، ونصوصهم"٢.
ثانياً: "أنه يتكلم بغير مشيئته، وقدرته بكلام قائم بذاته أزلاً، وأبداً"٣، "وأول من اشتهر عنه أنه قال هذا القول في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كلاب"٤. والقائلون بهذا القول "لهم قولان: منهم من قال: القديم معنى واحد، أو خمسة معان، وذلك المعنى يكون أمراً، ونهياً وخبراً، وهذه صفات له، لا أقسام له، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة"٥، و "هذا قول ابن كلاب، ومن وافقه كالأشعري، وغيره"٦.
منه بدأ، وإليه يعود
هكذا عبر غير واحد من السلف "قال الإمام أحمد بن حنبل، وغيره: منه بدأ، أي هو المتكلم به، لم يبتد من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقه في غيره، فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق"٧، وهذا معنى قول السلف: القرآن كلام الله منه بدأ
стр. 109
ومنه خرج"١، و"ليس معنى قول السلف، والأئمة: إنه منه خرج. ومنه بدأ، أنه فارق ذاته. وحل بغيره، فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته، ويحل بغيره"٢. و"لكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية، فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره، فيكون قد ابتدأ، وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة، فبين السلف، والأئمة أن القرآن من الله بدأ، وخرج"٣، "لم يبتدئ من غيره من الموجودات، كما قال – تعالى –: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ، وقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] ، وقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] "٤.
"وأما إليه يعود، فإنه يسرى به في آخر الزمان من المصاحف، والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف"٥.
بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله – تعالى – حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً،
وبيان هذا "أن أهل السنة يقولون: الكلام كلام من قاله مبتدئاً لا
стр. 110
كلام من قاله مبلغاً مؤدياً، فالرجل إذا بلغ قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" ١، كان قد بلغ كلام النبي ﷺ بحركاته، وأصواته، وكذا إذا أنشد شعر شاعر كامرئ القيس أو غيره، فإذا قال:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
...........................
كان هذا الشعر شعر امرئ القيس، وإن كان هذا قاله بحركاته، وأصواته. وهذا أمر مستقر في فطر الناس كلهم يعلمون أن الكلام كلام من تكلم به مبتدئاً، آمراً بأمره، ومخبراً بخبره، ومؤلفاً حروفه، ومعانيه، وغيره إذا بلغه عنه علم الناس أن هذا كلام للمبلغ عنه لا للمبلغ، وهم يفرقون بين أن يقوله المتكلم به، والمبلغ عنه، وبين سماعه من الأول، وسماعه من الثاني. ولهذا كان من المستقر عند المسلمين أن القرآن الذي يسمعونه هو كلام الله كما قال – تعالى –: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] مع علمهم بأن القارئ يقرؤه بصوته كما قال النبي ﷺ : " زينوا القرآن بأصواتكم" ٢، فالكلام كلام البارئ، والصوت هو صوت القارئ"٣، وقد "بين الإمام أحمد أن القائل إذا قال لما سمعه من المبلغين المؤدين: هذا كلام الله، فالإشارة إلى حقيقته التي تكلم الله بها، وإن كنا إنما سمعناها ببلاغ المبلغ، وحركته، وصوته. فإذا أشار إلى شيء من صفات المخلوق لفظه، أو صوته، أو فعله، وقال: هذا غير مخلوق فقد ضل وأخطأ.
فالواجب أن يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فالقرآن في المصاحف كما أن سائر الكلام في المصحف، ولا يقال: إن شيئاً من