Полный текст (1 235 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الإهداء
أهدي أجر وثواب هذا العمل إلى روح جدَّتي العزيزة الغالية
التي افتقتدتها في الأيام الماضية
عسى الله أن ينفعها به في برزخها
وأن يجعله ذخراً لها يوم القيامة
стр. 2
كلمة الأستاذ الدكتور عبد الملك السعدي
المشرف الأول على رسالة الدكتوراه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على مصطفاه، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبع هداه.
وبعد: فكان من فضل الله علي أن منحني مواكبة صنيع الدكتور صلاح محمد أبو الحاج في دراسته وتحقيقه للكتاب الموسوم «شرح الوقاية» لصدر الشريعة إشرافاً ومتابعة، فوجدتُه شاباً له باعه الطولى في التحقيق والتدقيق، وأهلاً لخوض معركة تحقيق التراث، وفارساً في ميدان حلبته فقد أجاد وأفاد، ولم يغادر غامضة إلاَّ وضَّحها ولا عويصةً إلا شرحَها وبيَّنها.
فقد وشَّحَ هذا الكتاب بتحقيقات عليّة وتعليقات سنيّة إلى أن صار الكتاب إلى ما هو عليه اليوم، فقد ساهم مع أهل التحقيق في إخراج هذا الكنْز من رفوف الحبس والإهمال إلى رفوف الخزانات في المكتبة الإسلامية، وليصطف إلى جانب تلك المصنفات لإرفاد الدارسين والطالبين والمتعلمين والقارئين.
ولا غرابة أن أنصفته لجنة المناقشة حينما منحته درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية بتقدير ممتاز مع إيصائها بطبعه.
فبارك الله في أبي الحاج، وجعله صلاحاً له وللأمة، وزاده عطاء علمياً وتقى.
طالباً له من الله التوفيق، ومنه صالح الدعاء.
والحمد لله رب العالمين
أ. د عبد الملك عبد الرحمن السعدي العراقي
جامعة مؤتة كلية الشريعة
١٥ رجب ١٤٢٣
٢٣ أيلول ٢٠٠٢
стр. 3
كلمة الأستاذ الدكتور محمد رمضان عبد الله
المشرف الثاني على رسالة الدكتوراه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه الرسالة الموسومة «شرح الوقاية» لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود العُباديّ المحبوبي الحنفي التي قام بتحقيقها ودراستها الباحث صلاح محمد سالم أبو الحاج قد تمّت بإشرافي، وهي رسالةٌ ممتازة أتى فيها الباحثُ بكلِّ ما يطلب منها من حيث تحقيقها ودراستها بشكل رائع.
والباحث صلاح محمد سالم من أهل العلم؛ إذ أنه لم يكن مكتفياً بما تلقاه في دراسته الأكاديمية في كلية العلوم الإسلامية، بل كان يحضر دروس المشايخ في المساجد حيث درس مختلف علومنا الإسلامية في المساجد كشرح عقائد الدواني والمطول في البلاغة وهذا ما أشهده له بحضوره في دروسي التي ألقيتها في جامع البنية وجامع الإمام أحمد بن حنبل، وقد درس على غيري من مشايخ العراق؛ فلذلك أتوقع له مستقبلاً علميّاً جيداً، وأسأل الله أن يوفِّقه لخدمة العلم والدين.
أ. د محمد رمضان عبد الله
٢٠ ربيع الأول ١٤٢٣ هـ
١ حزيران ٢٠٠٢ م
стр. 4
كلمة الأستاذ الدكتور فرج توفيق الوليد
رئيس لجنة مناقشة رسالة الدكتوراه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الهداة وأصحابه التقاة، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم لقاه.
أما بعد:
فقد ناقشت الدكتور صلاح محمد سالم أبو الحاج في أطروحته للدكتوراه الموسومة «شرح الوقاية» بعد قراءتها، ووجدت فيها مادةً علميّةً قيمة وممتازة، لا سيما وأنها تخصّ كتاباً من أبرز كتب الفقه في المذهب الحنفي؛ لذلك فالرسالة تعدُّ لبنة كبرى ومهمة من لبنات البناء الذي اختطته كلية العلوم الإسلامية جامعة بغداد في تحقيق أمهات الكتب الإسلامية وإخراجها إلى النور بعد سباتها العميق في طيات المكتبات العامة.
بارك الله للدكتور أبي الحاج جهوده وأمدَّه الله لأن يتحفنا بتحقيقات جديدة، وبمستوى رسالته هذه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أ. د فرج توفيق حمود الوليد
١٩/ ٥/ ٢٠٠٢
стр. 5
كلمة الأستاذ الدكتور محيي هلال السرحان
أحد أعضاء لجنة مناقشة رسالة الدكتوراه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بين يدي الكتاب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومَن سار على هداه.
أما بعد:
فإن كتاب «الوقاية» وشرحها من الكتب النفيسة في الفقه الحنفي، ولقد طالما منيت النفس برؤيتها؛ إذ كان الحصول على نسخة مخطوطة أسهل من الحصول على نسخة مطبوعة منه، علماً بأنه قد طبع أكثر من طبعة، وفي أكثر من قطر، فلَمَّا اتّجهت همّة ولدنا العزيز الدكتور صلاح إلى تحقيقه، فرحت كثيراً، لكنني أشفقت عليه لكثرة مخطوطات الكتاب وتفرّقها في مشارق الأرض ومغاربها، ولكن دأبه وحرصه وهمّته العالية ذلَّلت تلك الصعوبات، فجاء تحقيقه للكتاب فخراً عظيماً يفخر به؛ إذ قد بذل جهداً عظيماً في قراءته، ومقابلة نسخه المخطوطة، وخدمة النصّ بتوثيقه، وتخريج أحاديثه، وشرح بعض غوامضه، وترجمة أشهر الرجال المذكورين، والإحالة على مصادر مسائله بروح عالية من التواضع والإخلاص والدقة والأمانة العلمية.
فجزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين؛ بإحيائه هذا التراث النفيس، والأثر الخالد، ووفقه الله، وأخذ بأيدينا وأيديه إلى ما فيه الخير، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وإنه لنعم المولى ونعم النصير.
أ. د محيي هلال السرحان
٢٠ ربيع الأول ١٤٢٣ هـ
١ حزيران ٢٠٠٢ م
стр. 6
كلمة شيخنا العلامة قاسم بن نعيم الطائي الحنفي
الإمام والمدرس بمدرسة السليمانية ببغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي زيَّن الوجود بعرفان الكَمَلة من عبادِه الأعيان، وأَناطَ بعُهدتِهِم القيامَ بمهمات الأمور في جميع الأحيان، فهم النخبةُ الذين بهم ينتظم أمر الدين والدنيا، وهم الخلاصةُ الذين تبوّؤا أسمى الدرجات العليا، فسبحانه من إله استوجبَ دوام الحمد من جميع الخلائق، على ذلك الاعتناء الذي هو من أجل إنعامه الفائق، والصلاة والسلام على الفرد المتولّي رئاسة الختام سيدنا محمّد أشرف الرسل العظام الذي جاء بالحقّ، وبه الباطل زهق، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار، ما دام الليل والنهار
أما بعد: فإنّ الأئمة الفقهاء قد بذلوا الجهود في تحقيق المسائل الشرعية، وتدقيق النظائر الفرعية، واستنباط أحكام الفروع من أدلتها التفصيلية، فاتفاقهم حجّة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة، قوام الدين بهم، وثبات الشرع بفقههم.
ومن الفقهاء المبرزين الذين شاع فقههم في الأمصار، واشتهر آثار علمهم في الأقطار، ونقلت أقوالهم وأنظارهم بطريق التواتر والاشتهار، الأئمة الأربعة المتبوعون أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد نجومُ الفقهِ وتنميةِ المَلَكات، وبهم الناسُ يهتدون في الظلمات.
وكان الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم أبو حنيفة النعمان الكوفي ﵁ من أوائل الفقهاء تأصيلاً وتدليلاً، واستنباطاً وتعليلاً، بل كان أوّل من أقامَ مجلساً فقهيًا عظيماً يضم كبار الأئمة من أصحابه ينظر معهم في الأدلة والنوازل ويناظرهم، ويحقق المسائل، ويدقق الدلائل، وقد يبقى في المسألة شهراً ناظراً وعيناه في لذّة السَّهَر ناضرةٌ.
ثمّ إذا ما استعرضَ هو وأصحابُه الأدلةَ، ودقَّقوا النظرَ في وجوه الدلالة بَتُّوا في المسألة، وما قلناه مشروح في كتب الحنفية التي ذكرت طريقة تفقيه الإمام الأعظم
стр. 7
لأصحابه، وهو أعظم ردّ لكلِّ أفاكٍ يتهمُ هذا الإمام في خروجه عن طريق سلف الأمة في الاستنباط والنظر.
ولو وقع منه ـ فرضاً وتقديراً ـ خطأ في ذلك لردّه أصحابه الأئمة الفقهاء والمحدثون إلى الصواب، فهذا أبو يوسف إمامٌ مقدّمٌ في حفظِ الآثارِ وأقضية الصحابة والتابعين، والحسن بن زياد إمامٌ مقدّمٌ في التفريع والسؤال، وزفر بن الهذيل إمامٌ مقدّمٌ في القياس، ومحمّد بن الحسن إمامٌ مقدّمٌ في الفطنة وعلم الإعراب والحساب، وعبد الله بن المبارك مقدّمٌ في معرفة الرجال وحفظ الأقوال، وداود الطائي إمامٌ مقدّمٌ في الورع والزهد وضبط الأحوال، وغير هؤلاء ممن جُمِعَ فيهم علوم المعقول والمنقول.
وكان أكثر أصحابه تأليفاً وجمعاً للمسائل وتصنيفاً محمد بن الحسن، فإنّه رحمه الله تعالى كتب المصنّفات التي جمعت قولَ شيخيه: أبي حنيفة وأبي يوسف، ودلائلهما ومداركهما الفقهية، وقولَه في المسائل الفرعية ودقّتَه في فهم كلام العرب وتقعيدِ قواعد المذهب.
لذا أصبحت مرجعاً لفقهائنا الحنفية، عليها يعوّل ويعتمد، وإليها يرجع ويستند، ولما جاء دور أصحاب أصحابه جمعوا ما كتبه وضمّوا إلى ذلك ما قرَّروه في المسائل التي لا رواية للإمام وأصحابه فيها، وما رجَّحوه فيما ظهر لهم من وجوه الترجيح.
ثمّ جاء دور المتأخِّرين فاختصروا مطوّلات المتقدمين تسهيلاً؛ لحفظ المذهب، وجمعوا الأشباه والنظائر، وميَّزوا ظاهر الرواية عن غيرها، ووسَّعوا وجوه التعليل، ونصُّوا على الصحيح المختار والمفتى وما عليه الاختيار، شكَّرَ الله سعيهم.
وكان ممن جمع عيون الروايات ومتون الدرايات مؤلف «الوقاية» صدر صدور فقهاء عصره الإمام الشيخ برهان الشريعة محمود المحبوبي رحمه الله تعالى، فإنّه جَمَع فأوعى بأحسن عبارة وألطف إشارة مع إيجاز في التقرير ودقّة في التعبير.
لذلك امتدت أعناق ذوي التحقيق نحو حقيقته واشتدت رغباتهم في الاعتناء بحلّ لفظه وتطبيقه، فكتبوا له شروحاً، وجعلوه مبيّناً مشروحاً.
وكان شرح عين عيون الفقهاء، صدر الملة والشريعة، الإمام الشيخ عبيد الله بن مسعود المحبوبيّ من أوسع الشروح وأنفعها وأدقّها وأجمعها؛ لما حوى من دفع إيرادات، وحل إشكالات، وزيادة فرائد سوانح خطرت بالبال، وفوائد عوائد أهل الفضل والكمال.
стр. 8
وكم كانت النفوس تتوق لرؤية هذا الشرح مطبوعاً تتناولة الأيدي حتى نهض أخونا وفرحة خاطرنا المفضال الهمّام، صاحبُ الذهنِ الثاقب، والرأيِ الصائبِ، فضيلةُ الدكتور صلاح أبو الحاج ـ دام عمره في عافية ـ، فأخرجه من دور المخطوطات وقابله وصحَّحه وبلغ في تنقيحه أقصى جهده، وكم ترك المنام لفتح المغلقات، وكتابة التعليقات، وترك الأحبة لجمع المتفرِّقات حتى أكمل هذا العمل الشاق.
وقد أطلعني فضيلتُه على تعليقاتِه التي استقاها من مصادر معتمدة، ومراجع مهمة محررة مخطوطة ومطبوعة، فقرأت كلَّ المتن والشرح والتعليقات فوجدتُ ما كتبَه حريّاً بالقبول لجمعه المعقول والمنقول، واشتماله على الفروع والأصول، بعبارات جزيلة وإشارات جليلة، فبَخٍ بَخٍ لمساعيه الخيرية، وأعماله المرضية، ووفَّقه الله لكلِّ خير ودفع عنه كلَّ ضير، إنه أكرمَ مسؤول وخير مأمول.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم، كلَّما ذكرك الذاكرون، وغَفِلَ عن ذكرك وذكره الغافلون.
وكتبه الفقير إلى ألطاف مولاه الغني
قاسم بن نعيم الطائي الحنفي
الإمام والمدرس
في مسجد ومدرسة السليمانية
ببغداد المحمية
стр. 9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رزقنا الهداية، ورحمنا بالعناية، ونجَّانا بالوقاية، وأسلكنا السبيل بالنقاية، فمنه الدراية، ورضاه الغاية، والصلاة والسلام على المصطفى برهان الشريعة، وعلى صحابته وتابعيه الذين هم صدر الشريعة، ومَن تبعهم بإحسان وسار على دربهم إلى يوم القيام.
أما بعد:
فإنّ دراستي في مرحلة الماجستير كانت عن أحد متأخّري الأحناف المحقِّقين، وهو الإمام اللكنوي، وقد لمستُ فيها عظم الفقه الحنفيّ، والحاجة إلى ضبط مسائله ودقائقه الفريدة؛ إذ كان المعوّل عليه في الحكم والقضاء والفتوى في أكثر الخلافات والدول الإسلامية التي مضت، فعاشر الناس وعايشهم، وبنايته كانت على حسب حاجتهم.
والحاجة إلى الاختصاص مطلوبة؛ لأن العلومَ كثيرةٌ ومتفرِّعة، وكلٌّ منها له دقائقه الخاصّة به، التي لا يدركها إلا غاص فيه، ولا سيما أن الإحاطة بالعلوم مستحيلة:
ما حوى العلم جميعاً أحد … لا ولو مارسه ألف سنة
إنما العلم منيع عوره … فخذوا من كل علم أحسنه (١)
وفي هذا العصر خاصّة امتازت الشعوب عن بعضها بقدر اهتمامها بالتخصص: أي بعناية كلِّ فردٍ منها بأمر والتعمُّق فيه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ لمعرفة كنوزه وأسراره وإبرازها للناس.
_________
(١) ينظر: «مفتاح السعادة» (١: ٦).
стр. 10
ومن أشرف العلوم الشرعية علم الفقه إذ هو ثمرتها العملية التي يحتاج إليها المسلمون في حياتهم اليومية، فبأحكامه يتعبُّد الناسُ ربَّهم، وتنتظم الحياة فيما بينهم، وهو من العلوم الصعبة التي تحتاج إلى التفرّغ التامّ لضبطه وإدراك جزئياته، قال ساجقلي زاده: فن الفقه أصعب الفنون وأطولها، وهو علم الأئمة المجتهدين، وأغلب ما يحتاج إليه العالمون، بحر لجيّ، لا يغوص فيه إلا ذكي أوحديّ ماهر في أصوله، ولا تحصل البضاعة فيه إلا بسعي بليغ في مدّة مديدة بهمة عالية بدراسة مثل كتاب «الهداية» مع شرحها الأكمليّ، وأما التبحّر فيه، فهو يكاد أن يستغرق العمر، وكاشف المشكلات فيه، فهو أعزّ من الكبريت الأحمر، ولا تحصى مسائله التي تحيَّر فيها العلماء. انتهى (١).
ولا ينقص من مكانة الفقه قلّة المشتغلين والمعتنين به، وإعراض الناس عنه:
عاب التفقهَ قومٌ لا عقول لهم … وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضرَّ شمس الضحى والشمس طالعة … أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر (٢)
ورغبتي للتخصص في الفقه الحنفي جعلتني أبحث عن أشهر كتبه وأكثرها إتقاناً وتحقيقاً واعتماداً في المذهب، وفي الوقت نفسه لم يخدم ولم يطبع طبعة محقَّقةً تليق بمكانته، فيكون تحقيقُه سبيلاً لضبطي المذهب، وسبباً في استفادة الناس منه، ونشره في البلاد وبين العباد، فرأيت ما أردت متحقّقاً في «شرح الوقاية» لصدر الشريعة، فـ «الوقاية» تعتبر أحد المتون الثلاثة أو الأربعة المعتمدة في المذهب الحنفي، وعليها التعويل في الفتوى، وأشهر شروحها هو شرح صدر الشريعة الذي ألف جدُّه «الوقاية» من أجلِّه، فإذا أطلق أريد هو، ووجد هذا الكتاب عناية كبيرةً من علماء المذهب الحنفي، فهو الذي كان يدرس في مدارس الدولة العثمانية، وفي بلاد الهند وغيرها كما سيأتي تفصيله؛ لذلك كثر الشرّاح والمحشّون والمعلّقون عليهما حتى إنِّي جمعت ما يقارب مئة شرح وحاشيةٍ عليهما، وسيأتي ذكرهم في الدراسة، وكذا نظم من قبل أكثر من شخص، وترجم إلى أكثر من لغة، وحدَّثني أحد من يعمل في دار البشائر الإسلامية أنه قد تم طبعه قبل سنوات في دارهم مترجماً إلى اللغة التركية.
_________
(١) من «ترتيب العلوم» (ص ١٦٠).
(٢) ينظر: «وفيات الأعيان» (٥: ٢٩).
стр. 11
وليس يزيد الشمس نوراً وبهجةً … إطالة ذي وصف وإكثار مادح (١)
وخطتي في البحث تنقسم إلى قسمين:
الأول: في دراسة عن المؤلّفين والكتابين، وتشتمل على فصلين:
الفصل الأول: في حياة المؤلِّف والشارح، ويشتمل على تمهيد ومباحث:
التمهيد: في العصر الذي عاشا فيه.
المبحث الأول: في لقب صدر الشريعة.
المبحث الثاني: في اسم صاحب «الوقاية».
المبحث الثالث: في نسب صاحب «الوقاية».
المبحث الرابع: فيما وقع من العلماء من الخلط في نسب صدر الشريعة.
المبحث الخامس: في أسرته العلمية وطلبه للعلم وشيوخه ومن تفقَّه عليهم.
المبحث السادس: في مكانة الشارح العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث السابع: في تلاميذ الشارح ومنهجه في التدريس.
المبحث الثامن: في مؤلفات الشارح.
المبحث التاسع: في وفاة الشارح ومكان قبره.
والفصل الثاني: في دراسة عن «الوقاية» و «شرح الوقاية»، ويشتمل على مباحث:
المبحث الأول: في اسم وسبب تأليف وصحة نسبة «الوقاية»، و «شرح الوقاية» لمؤلفيهما.
المبحث الثاني: في مكانة «الوقاية» و «شرح الوقاية» بين كتب الفقه الحنفي.
المبحث الثالث: في شروح «الوقاية».
المبحث الرابع: في حواشي «شرح الوقاية».
_________
(١) ينظر: «الضوء اللامع» (٣: ١٣٧).
стр. 12
المبحث الخامس: في منهج الماتن والشارح في المتن والشرح ومميزاتهما.
المبحث السادس: في المصادر التي اعتمد عليها صدر الشريعة في «شرح الوقاية».
المبحث السابع: في الاصطلاحات الفقهية في «شرح الوقاية» وكتب الأحناف.
المبحث الثامن: في مخطوطات «الوقاية».
المبحث التاسع: في مخطوطات «شرح الوقاية».
المبحث العاشر: ترجة أئمة المذهب الذي تدور على قولهم مسائل الكتاب.
المبحث الحادي عشر: في المنهج المتبع في تحقيق الكتاب.
المبحث الثاني عشر: في النسخ المعتمدة في تحقيق الكتاب.
والثاني: يشتمل على الكتاب محققاً بالكامل.
مزيَّناً بتعليقات منتخبة من أمهات كتب الفقه الحنفي كنت أظمأت نهاري وأسهرت ليلي في جمعها مدَّة سنتين متتاليتين، وحين بدأت فيها أردت أن أجمع في كل مسألة من مسائلها ما وقع من الاختلاف في المذهب، مع بيان المصحح به والمفتى، ولكن ما نعانيه من قيود الدراسات الأكاديمية لم تساعدني في تحقيق ما طمحت فيه، فاكتفيت بما تراه بين يديك، على أن أتتمم ما في نفسي في عمل قادم إن شاء الله تعالى، وسمَّيت هذه الحواشي «منتهى النقاية على شرح الوقاية».
ويشرفني في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الجزيل لشيخي وأستاذي ومشرفي الفاضل النبيل الأستاذ الدكتور محمد رمضان عبد الله عميد كلية العلوم الإسلامية في جامعة بغداد سابقاً، وعميد كلية العقيدة والفكر في جامعة صدام للعلوم الإسلامية الآن على موافقته بقبول الإشراف عليَّ في هذه الرسالة، وعلى نصحه وإرشاده لي.
وكذا أتقدم بالشكر الجزيل إلى شيخي العزيز فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الملك السعدي مشرفي الأول على هذه الرسالة، والذي انقطع إشرافه عنِّي بسبب سفره إلى الأردن، ومع ذلك لم ينقطع الودّ والاستشارة له.
стр. 13
وإلى شيخي وأستاذي المفضال الشيخ قاسم بن نعيم الطائي الحنفي الذي كنت أجد عنده ضالتي فيما أبتغيه، وعلى ما بذله من جهد في مراجعة هذا العلم الكبير.
كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى رئيس وأعضاء اللجنة الموقَّرة على ما أغدقوا عليَّ من كرمهم بتقديرهم هذا الجهد المبذول؛ إذ أعطوه أعلى درجة وهي: امتياز عالٍ مع التوصية بالطبع على نفقة الجامعة، وشهدوا أثناء المناقشة أن هذه الرسالة تعدَّ أفضل رسالة تحقيق تقدم إلى جامعة بغداد، فالحمد لله على فضله.
وفي الختام أسأل الله أن أكون وفِّقت فيما قمت به من خدمة لهذا السفر العظيم، وأن يتقبّل منِّي هذا العمل ويجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن يغفر لي ولوالدي وجدتي ومشايخي وزجي والمسلمين والمسلمات، وأن ينفع به المؤمنين ويجعله لبنة من لبنات إعادة هذه الأمة إلى دينها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
وكتبه
العبد الفقير إلى رحمة ربّه
صلاح محمد أبو الحاج
١٩/رجب/١٤٢٣ هـ
الموافق ٢٦/أيلول/٢٠٠٢ م
في مدينة صويلح/ عمان
стр. 14
الباب الأول الدراسة
وتشتمل الدراسة على فصلين، وهما:
الفصل الأول: في حياة المؤلّف والشارح
الفصل الثاني: في دراسة عن «الوقاية» و «شرح الوقاية»
стр. 15
الفصل الأول في حياة المؤلّف والشارح
ويشتمل على تمهيد ومباحث:
التمهيد في العصر الذي عاشا فيه.
المبحث الأول: في لقب صدر الشريعة.
المبحث الثاني: في اسم صاحب «الوقاية».
المبحث الثالث: في نسب صاحب «الوقاية».
المبحث الرابع: فيما وقع من العلماء من الخلط في نسب صدر الشريعة.
المبحث الخامس: في أسرته العلمية وطلبه للعلم وشيوخه ومَن تفقَّه عليهم.
المبحث السادس: في مكانة الشارح العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث السابع: في تلاميذ الشارح ومنهجه في التدريس.
المبحث الثامن: في مؤلفات الشارح.
المبحث التاسع: في وفاة الشارح ومكان قبره.
стр. 16
تمهيد
عاش المؤلِّفُ والشارحُ في الوقت الذي سيطرَ فيه المغولُ على بلاد ما وراء النهر وعاثوا فيها فساداً ودماراً ولا سيما بخارا؛ إذ خربت على يد جنكيزخان عام (٦١٦ هـ)، قال ابن بطوطة (١) عنها: كانت بُخارا قاعدة ما وراء نهر جيحون من البلاد التي خرَّبها جنكيز التتريّ، فمساجدُها الآن ومدارسُها وأسواقُها خربةً إلاَّ القليل، وأهلُها أذلاّء، وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها؛ لاشتهارهم بالتعصّب ودعوى الباطل وإنكار الحقّ، وليس بها اليوم مَن يُعَلِّم الناس شيئاً من العلم ولا مَن له عناية به. انتهى (٢).
ثمَّ أعيد بناؤها على يد أوكيدى خان، وهو الابن الثالث لجنكيز خان وولي عهده، جلس على العرش بعد أبيه سنة (٦٢٤ هـ)، وفي سنة (٦٣٦ هـ) ثار الشعب ضد المغول وطبقة الملاك، ولكن هذه الثورة أخمدت، وفي سنة (٦٧١ هـ) فتح مغول فارس بخارا وظلّوا يعملون فيها السلب والنهب سبعةَ أيّام متواصلة، فدبّ فيها الخراب وتمّ تخريبها بعد ذلك بثلاثة أعوام على يدي الأميرين جوبه وقان، وهما من الأتراك الجغتاي، وظلّت سبعة أعوام لا تدب فيها نسمة، وفي عام (٦٨٢ هـ) أعاد تعميرها الأمير قيدومسعود بك وجلب إليها السكان، وفي (٧١٦ هـ) أغار عليها مغول فارس مرّة أخرى وأخرجوا أكثر أهلها وأسكنوهم إقليم جيحون مرغمين (٣).
_________
(١) كانت رحلة ابن بطوطة لبخارا في أوائل القرن الثامن. وابن بطوطة: هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، المعروف بابن بطوطة، طاف البلاد واتصل بكثير من الملوك والأمراء ومدحهم، وكان ينظم الشعر، واستعان بهباتهم على أسفاره، واستغرقت رحلاته (٢٧) سنة، من مؤلفاته: «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، (٤٠٣ - ٧٧٩ هـ). ينظر: «الدرر الكامنة» (٣: ٤٨٠ - ٤٨١). «إيضاح المكنون» (١: ٢٦٢). «هدية العارفين» (٢: ١٦٩).
(٢) من «رحلة ابن بطوطة» (١: ٢٣٧).
(٣) ينظر: «مقدمة تاريخ بخارا» (ص ١١). و «علماء النظاميات» (ص ١١٥ - ١١٦).
стр. 17
هذا الاضطراب الذي مرّت به بُخارا، وتغيّر أحوال أهلها كما وصف ابن بطوطة أدَّى إلى خروج عائلة المحبوبي منها إلى كِرمان إذ توفِّي بها جدَّي صدر الشريعة كما سيأتي، وعليه تكون نشأة صدر الشريعة في كِرمان. والله أعلم.
وسيأتي معنا نصوص تدلُّ على أنّ مكان إقامة صدر الشريعة كان في هرات، ولكنّه كان رغم ذلك على اتصال ببخارا فيذهبُ إليها؛ إذ هي موطن الآباء والأجداد، وكانت وفاته فيها على ما سيأتي.
وهرات في القرن الثامن على ما قال ابن بطوطة: أكبرُ المدن العامرة بخُراسان، ومدن خُراسان العظيمة أربع: ثنتان عامرتان، وهما: هرات ونيسابور، وثنتان خربتان وهما: بلخ ومرو، ومدينة هرات كبيرة عظيمة كثيرة العمارة ولأهلها صلاح وعفاف وديانة، وهم على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، وبلدهم طاهر من الفساد. انتهى (١).
أما هرات الآن: فهي المحافظة الثالثة في أفغانستان ـ التي يقطر القلب دماً على ما أصاب المسلمين فيها من قوى الكفر والإلحاد وأذيالهم وما سيصيبهم ـ، وتقعُ هرات إلى الغرب من أفغانستان، وتبعدُ عن كابل (١٠٤٢ كم)، ومنطقتها خضراء يانعة خلاّبة تروى من نهر هريرود اربوس (٢).
وأما بُخارا الآن: فقد قسمت جمهورية بُخارا عام (١٩٢٤ مـ) بين جمهورية تاجيكستان وعاصمتها دوشنبة، وجمهورية أوزبيكستان وعاصتها طشقند، وجمهورية تركمانستان وعاصمتها عشقاباد، وهذه الجمهوريات الثلاث وقعت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سابقاً، ومدينة بُخارا إحدى المدن الهامة في جمهورية أوزبيكستان (٣).
_________
(١) من «رحلة ابن بطوطة» (١: ٢٤٥).
(٢) ينظر: «هرات تاريخها آثارها» (ص ٩).
(٣) ينظر: «مقدمة تاريخ بخارا» (ص ١٤).
стр. 18
المبحث الأول: لقب صدر الشريعة
غلبَ عليه لقبه: صدر الشريعة؛ أكثر من اسمه، وبه عرف بين الطلبة (١) وفي كتب الفقه والأصول وغيرها، كما لا يخفى على المتتبع، ويبدو لي أن لقبَ صدر الشريعة كان منتشراً في تلك البلاد وفي ذلك العصر وإن لم يكن عُرِفَ به من أهل العلم سوى المُتَرْجَم، وصار عَلَماً عليه، يدلُّ على ذلك كلامُ (٢) ابن بطوطة أثناء حديثه في رحلته (٣) بين خَوارزم وبُخارا: «وصلنا إلى مدينة الكات … وسمع بقدومي قاضي الكات ويسمَّى صدر الشريعة وكنت لقيته بدار قاضي خَوارزم فجاء إليَّ مسلماً مع الطلبة … »، وهذا غير المترجم له؛ لأنه ذكره بعد صحيفتين بعبارة سيأتي ذكرها تدلّ على أنه غيره.
وسبب إطلاق هذ الألقاب كما نبَّه عليه أصحابُ كتب التراجم (٤) أنه غَلَبَ على أهلِ خُراسان وما وراء النهر المغالات في الترفُّع على غيرهم: كشمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الإسلام، وصدر جهان، وتاج الشريعة، وبرهان الشريعة، وصدر الشريعة، ونحو ذلك، بخلاف ما غلب على فقهاء العراق من السذاجة في الألقاب والاكتفاء بالنسبة إلى صناعة أو محلّة أو قبيلة أو قرية كالجَصَّاص والقُدوري والكَرْخي والصَّيْمريّ، وهذا في الأزمنة المتأخّرة، وأما في الأزمنة المتقدمة، فكلُّهم بريئون من أمثال ذلك.
_________
(١) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ)، و «الفوائد البهية» (ص ١٨٥).
(٢) وأيضاً كلام أرمينيوس فامبري في «تاريخ بُخارا» (ص ٢٠٣) الذي ترجمه الدكتور أحمد الساداتي إذ قال: «وبهذا صار رجال الدين بدورهم حماة لمن يعيشون في دائرتهم حتى لنرى ابتداءً من ذلك صدر الشريعة ورؤساء القضاء، بل وكل من يشتهرون بالورع والتقوى يستمتعون في بلاد ما وراء النهر بنفوذ لم تعرف له البلاد الإسلامية الأخرى نظيراً». اهـ. فالعبارة وإن كانت غير مستقيمة، ولا نعرف إذا كان عدم استقامتها من المؤلّف أو المترجم أو الطبّاع، المهمّ أنه ذكر صدر الشريعة، ولم يرد به شخصاً معيَّناً وإنما مجموعة من الناس هم من أهل العلم، فلعلَّه وقع نظره كثيراً على من سمِّي بصدر الشريعة فظنَّ أن مَن كان فقيهاً يسمَّى بذلك، والله أعلم.
(٣) رحلة ابن بطوطة» (١: ٢٣٦).
(٤) ينظر: «الفوائد البهية» (ص ٤٠٩ - ٤١٠).
стр. 19
وأنكر بعضُ العلماء هذه الألقاب:
منهم: القرطبيُّ في «شرح أسماء الله الحسنى»، فقال: قد دلَّ الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، قال علماؤنا: ويجري هذا المجرى ما كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العرب والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء كزكي الدين، ومحيي الدين، وعلم الدين وشبه ذلك (١).
ومنهم: ابن النحاس (٢) في «تنبيه الغافلين» عند ذكر المنكرات: فمنها ما عمَّت به البلوى في الدين من
الكذب الجاري على الألسن وهو ما ابتدعوه من الألقاب: كمحيي الدين، ونور الدين، وعضد الدين، وغياث الدين، ومعين الدين، وناصر الدين، ونحوها من الكذب الذي يتكرر على الألسن حال النداء والتعريف والحكاية، وكل ذلك بدعة في الدين ومنكر. انتهى (٣).
ولكن اللكنوي (٤) أجابهم بعد ذكر كلامهم بقوله: هذا إذا لم يكن مَن وُصِفَ به أهلاً له أو كان أهلاً وأرادَ به تزكيةَ نفسه. انتهى (٥).
ويؤيِّدُ هذا أن مَن لُقِّبَ بهذه الألقاب هم كبارُ العلماء والفقهاء العارفين بأحكام الدين، فلو لم يكن ذلك جائزاً شرعاً لَمَا ارتضوه، وأطلقوه على بعضهم. والله أعلم.
_________
(١) ينظر: «الفوائد البهية» (ص ٤١٠).
(٢) وهو أحمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الدمياطي، محيي الدين، المعروف بابن النحاس، قال السخاوي: كان حريصاً على أفعال الخير مؤثراً للخمول كثير المرابطة والجهاد. من مؤلفاته: «مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق»، و «مثير الغرام إلى دار السلام»، و «المنكرات والبدع»، (ت ٨١٤ هـ). ينظر: «الضوء اللامع» (١: ٢٠٣ - ٢٠٤). «الطبقات السنية» (ص ٤٠٩).
(٣) من «الفوائد البهية» (ص ٤١٠).
(٤) وهو محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي الأنصاري الحنفي، وهو أحد مجدِّدي المئة الثالثة عشرة الهجرية، له: «حاشية الهداية»، و «التعليق الممجد على موطأ محمد»، و «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل»، (ت ١٣٠٤ هـ). ينظر: «مقدمة التعليق» (١: ١٠٩ - ١١٣). «الإمام عبد الحي» (ص ٥٥ - ٩٠). «المنهج الفقهي» (ص ٢٩ - ١٣٩).
(٥) من «الفوائد البهية» (ص ٤١٠).
стр. 20
المبحث الثاني
اسم صاحب «الوقاية»
اختلف العلماءُ اختلافاً كبيراً في اسم صاحب «الوقاية» بعدما اتّفقوا على أنه جدّ لصدر الشريعة الأصغر عبيدِ الله بن مسعود، وابن لصدر الشريعة الأكبر، وأن لقبه برهان الشريعة، وأن جدَّ صدر الشريعة الصحيح هو تاج الشريعة، وهو شارح «الهداية» (١)، وهذا ما نصّ عليه صدر الشريعة في ديباجة «النقاية» إذ قال: وبعد؛ فإنّ العبد المتوسّل إلى الله بأقوى الذريعة عبيد الله صدر الشريعة بن مسعود بن تاج الشريعة سعد جده، يقول: قد ألّف جدّي ومولاي العالم الربّانيّ، والعامل الصمدانيّ، برهان الشريعة والحقّ والدين: محمود بن صدر الشريعة جزاه الله عنِّي وعن سائر المسلمين خيرَ الجزاء؛ لأجل حفظي كتاب «وقاية الرواية في مسائل الهداية» … الخ (٢).
وقال في ديباجة «التوضيح»: وبعد: فإن العبد المتوسّل إلى الله تعالى بأقوى الذريعة عبيد الله بن مسعود ابن تاج الشريعة سعد جده وأنجح جده. انتهى (٣). ومثلُه في ديباجة «شرح الوقاية».
فعبارة صدر الشريعة تنصُّ على أن جدَّه الصحيح هو تاج الشريعة، وأن له جداً آخر لقبه برهان الشريعة ألَّف له «الوقاية»، واسمه محمود، فكلامه يحتمل وجهين:
_________
(١) كون تاج الشريعة هو شارح «الهداية» لم ينصّ عليه صدر الشريعة وإنما اتّفق عليه علماء المذهب الحنفي الذي أكثروا من النقل عنه في كتبهم، والاستفادة من تحقيقاته، منهم: العيني في مواضع كثيرة جداً من «البناية»، ومنهم ابن الهمام في (١٠) مواضع في «فتح القدير» منها (٨: ١٤)، ومنهم قاضي زاده في (٩٣) موضعاً في «نتائج الأفكار» منها (١٠: ٥١٢)، ومنهم ابن نجيم في (٢٢) موضع في «البحر» منها (٨: ٥٣٦)، ومنهم: ملا خسرو في (٥) مواضع في «درر الحكام» (١: ٢٥٢)، ومنهم: شيخ زاده في (٣) مواضع في «مجمع الأنهر» منها (١: ٤٦٨)، ومنهم: الشرنبلالي في (٢٨) موضعاً من «الشرنبلالية» (٢: ٣٧)، ومنهم: مؤلفو «الفتاوى الهندية» (٣: ٩)، ومنهم: الخادمي في (٣) مواضع في «بريقة محمودية» منها (٢: ١٠١)، ومنهم: ابن عابدين في (١١) موضعاً في «رد المحتار» (٦: ٥١٥) وفي موضعين في «العقود الدرية» منهما (٢: ١٢٧)، وفي (٦) مواضع في «منحة الخالق» منها (٢: ٣٨)، وغيرهم.
(٢) انتهى من «مختصر الوقاية» المسمَّى بـ «النقاية» (ص ٣).
(٣) من «التوضيح» (١: ٤ - ٥).
стр. 21
الأول: أن يكون تاج الشريعة هو برهان الشريعة، فيكون اسمه محموداً، ويكون هو شارح «الهداية»؛ لأن كلمة علماء الأحناف اتفقت على أن تاج الشريعة هو شارح «الهداية» كما سبق، وهذا ما اختاره الكَفَوي (١) في «كتائب أعلام الأخيار»، ومشى عليه
في ترجمة تاج الشريعة (٢)، وفي ترجمة صدر الشريعة (٣)، وابن قُطْلُوبُغا (٤)، وابن الحنائي (٥)، وطاشكبرى زاده (٦)، والزَّركلي (٧)، وكذا رأى مرتضى الزَّبيديّ (٨) نسبه في «تاريخ بخارا» (٩).
_________
(١) وهو محمود بن سليمان الكَفَوِيَ الرُّوميّ الحَنَفِي، من مؤلفاته: «كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار»، و «شرح آداب البحث»، (ت نحو ٩٩٠ هـ). ينظر: «التعليقات السنية» (ص ١٩). «الأعلام» (٨: ٤٩).
(٢) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٦٥/أ).
(٣) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
(٤) في «تاج التراجم» (ص ٢٠٣). وابن قطلوبغا هو قاسم بن قُطْلُوبُغَا بن عبد الله السُّودُونيّ المِصْرِي الحَنَفي، أبو العدل، زين الدِّين، من مؤلفاته: «تحفة الأحياء بتخريج أحاديث الإحياء»، «الأصل فِي بيان الفصل والوصل»، و «الترجيح والتصحيح على القدوري»، (٨٠٢ - ٨٧٩ هـ). ينظر: «الضوء اللامع» (٥: ١٨٤ - ١٩٠). «البدر الطالع» (٤٥ - ٤٧).
(٥) في «طبقات الحنفية» (ق ٢٦/أ). وابن الحنائي هو علي بن أمر الله بن عبد القادر الحميدي الرومي، الشهير بقنالي زاده، سيف الدين، له: «حاشية على الدرر»، و «طبقات الحنفية»، و «حاشية على البيضاوي»، (٩١٨ - ٩٧٩ هـ). ينظر: «الكشف» (٢: ١١٩). «مجلة المورد» العددان (٣ - ٤) مج ١٠،١٩٨١ (ص ٤٨٦ - ٤٩٧).
(٦) في «مفتاح السعادة» (٢: ١٧٠، ٢٤١). وطاشكبرى زاده هو أحمد بن مصطفى، أبو الخير، عصام الدين، من مؤلفاته: «الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية»، و «مفتاح السعادة ومصباح السيادة»، «حواشي على البيضاوي»، (٩٠١ - ٩٦٨ هـ). ينظر: «التعليقات السنية» (ص ١٢٣ - ١٢٤). «الشقائق» (ص ٣٢٥ - ٣٣١).
(٧) في «الأعلام» (٤: ٣٥٤).
(٨) وهو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق، الشهير بمرتضى الحسيني الهندي الأصل، الزَّبيدي المصري الحنفي. من مؤلفاته: «عقد الجواهر المنيفة في أدلة مذهب أبي حنيفة»، و «تاج العروس شرح القاموس»، و «إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء العلوم»، (١١٤٥ - ١٢٠٥ هـ). ينظر: «معجم المؤلفين» (٣: ٦٨١). «القول الجازم» (ص ١١).
(٩) ينظر: «دفع الغواية» (١: ٢).
стр. 22
والثاني: أن يكون تاج الشريعة هو الجد الصحيح لصدر الشريعة، وهو شارح «الهداية»، ويكون برهان الشريعة هو جدّه الفاسد، واسمه محمود، وتاج الشريعة وبرهان الشريعة، ابنان لصدر الشريعة الأكبر. وهو الذي أختاره لما ذكره صاحب «الكشف» (١) أثناء ذكر شروح «الهداية» نقلاً عن تاج الشريعة في «شرح الهداية» في آخر (كتاب الأيمان) أنه قال: أتمَّ تحريرَ فوائد كتاب الأيمان أبو عبد الله عمر بن صدر الشريعة في آخر شعبان سنة ثلاثٍ وسبعين وستمئة. انتهى (٢).
فهذه عبارة صريحة من تاج الشريعة على أن اسمه عمر، وليس محموداً، وأنه ابنٌ لصدر الشريعة الأكبر، وهذا ما اختاره القُهُسْتَانيُّ (٣)، وحاجي خليفة (٤)، واللَّكْنوي (٥)، وإسماعيل باشا (٦)، وعمر كحالة (٧)، وغيرهم.
_________
(١) وهو مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي، الشهير بالملا كاتب الجَلبِيّ، والمعروف بحاجي خليفة، من مؤلفاته: «تحفة الكبار في أسفار البحار»، و «تقويم التواريخ»، و «ميزان الصول إلى طبقات الفحول»، (١٠١٧ - ١٠٦٧ هـ). ينظر: «مقالات الكوثري» (ص ٥٤٢). «الأعلام» (٨: ١٣٨ - ١٣٩). «معجم المؤلفين» (٣: ٨٧٠ - ٨٧٠).
(٢) من «كشف الظنون» (٢: ٢٠٣٣).
(٣) في «جامع الرموز في شرح النقاية» ١: ١٠). والقهستاني هو محَمَّدُ الخُرَاسَانِي القُهُسْتَانيّ، شمس الدِّين، المفتي ببخارا، من مؤلفاته: «جامع الرموز في شرح النقاية»، (ت: نحو: ٩٥٣ هـ). ينظر: «غيث الغمام» (ص ٣٠). «الكشف» (٢: ١٩٧٢). «تذكرة الراشد» (ص ٥٦).
(٤) في «الكشف» (٢: ٢٠٣٣).
(٥) في «الفوائد» (ص ١٨٨)، و «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ٢٠)، و «دفع الغواية» (١: ٥).
(٦) في «هدية العارفين» (١: ٧٨٧،٢: ٤٠٦).
(٧) معجم المؤلفين» (١: ٥٥٢).
стр. 23
المبحث الثالث
نسب صاحب «الوقاية»
يتصل نسب صاحب «الوقاية» بعُبادة بن الصامت الصحابي الجليل ﵁، وممَّن ذكر نسبه القُرشي (١) والتميمي (٢) والكفوي (٣) والدِّمياطيّ (٤)، ووقع بينهما اختلاف في أسماء بعض أجداده، فكان على صورتين:
الأولى: هو ابن صدر الشريعة الأكبر أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن جعفر بن مروان بن محمد بن أحمد بن محبوب بن الوليد بن عُبادة بن الصامت العُباديّ المَحْبُوبِي البُخَاريّ الحَنَفيّ. هكذا ذكرَه القُرشيّ والتميميّ، والكفوي أوصله إلى عبد العزيز بن محمد.
والثانية: هو ابن صدر الشريعة الأكبر أحمد بن جمال الدين أبي المكارم عبيد الله ابن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمير بن عبد العزيز بن محمّد بن جعفر بن خلف ابن هارون بن محمّد بن محمّد بن مَحْبُوب بن الوليد بن عُبادة بن الصامت الصحابيّ الأنصاريّ المَحْبوبيّ، قاله عبدُ المولى الدِّمياطيّ في «تعاليق الأنوار على الدرّ المختار»: هكذا رأيتُه في مسلسلات شيخنا السّيدُ مرتضى الحُسينيّ، قال شيخنا: كذا رأيتُ نسبه في «تاريخ بُخارا» (٥).
فالعُبادي بضم العين نسبة إلى عُبادة بن الصامت ﵁.
والمَحْبُوبِيّ نسبة إلى مَحْبُوب أحد أجداده على ما مرّ.
_________
(١) في «الجواهر المضية» (١: ١٩٦، ٢: ٤٩٠). والقرشي هو محمد بن عبد القادر بن محمّد القرشي الحنفي، له: «الجواهر المضية في طبقات الحنفية»، و «البستان في مناقب إمامنا النعمان»، و «الدرر المنيفة في الردّ على ابن أبي شيبة عن الإمام أبي حنيفة»، (٦٩٦ - ٧٧٥ هـ). ينظر: «الجواهر» (١: ١٠ - ٥٨). «الفوائد» (ص ١٦٨ - ١٦٩).
(٢) في «الطبقات السنية» (١: ٣٧٦). والتميمي هو تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي المصري الحنفي، من مؤلفاته: «الطبقات السنية في تراجم الحنفية»، و «السيف البرّاق في عنق الولد العاق»، و «مختصر يتيمة الدهر»، (ت ١٠٠٥ هـ). ينظر: «الخلاصة» (١: ٤٧٩ - ٤٨٠). «الطبقات السنية» (١: ٣ - ٥).
(٣) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢١٧/أ).
(٤) وهو عبد المولى بن عبد الله بن عبد القادر الدِّمياطي المغربي الحنفي تلميذ الطحطاوي، من مؤلفاته: «تعاليق الأنوار على الدر المختار»، وصفها الإمام اللكنوي بأنها حاشية نفيسة، فرغ منها سنة (١٢٣٨ هـ) ينظر: «التعليقات السنية» (ص ٣١). «مقدمة العمدة» (١: ١٨).
(٥) هكذا في «الفوائد» (ص ١٨٥ - ١٨٦)، و «دفع الغواية» (١: ٢)، و «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨).
стр. 24
المبحث الرابع
ما وقع من العلماء من الخلط في نسب صدر الشريعة
إذ تقرّر ما سبق من أنّ نسب صدر الشريعة هو: عبيد الله بن مسعود بن عمر تاج الشريعة بن أحمد صدر الشريعة الأكبر بن عبيد الله جمال الدين أبي المكارم بن إبراهيم بن أحمد … إلى أن يصل إلى عبادة بن الصامت ﵁ فإنّه وقع اضطراب وخلط كبير بين المترجمين لصدر الشريعة:
منهم: قاسم بن قُطْلُوبُغا إذ قال: محمود بن عبيد الله بن محمود. انتهى (١). فجعل عبيد الله والداً لمحمود مع أنه جدُّه ووالده هو أحمد، وجعل والد عبيد الله محموداً مع أن والده اسمه إبراهيم.
ومنهم: طاشكبرى زاده (٢) قال كما قال ابن قُطْلُوبُغا، ويبدو أنه اعتمدَ عليه، وجوابه كجوابه. وقال أيضاً: صدر الشريعة عبيد الله بن محمود بن محمد البرهاني. انتهى (٣). وفيه أن محمود بن محمد والد لعبيد الله، والصحيح أن والده مسعود بن عمر، وفيه أيضاً: أنه نسبه للبرهاني، وهذه النسبة لم تعرف له، وإنما عرف بها علماء آخرون.
ومنهم: القُهُسْتانيّ إذ قال: عمر بن صدر الشريعة عبيد الله بن محمود بن محمد. انتهى (٤). وفيه أن عبيد الله والد عمر، والصحيح أنه جدّه، وأيضاً: أن محمود بن محمد والد عبيد الله، والصواب أن والد عبيد الله هو إبراهيم بن أحمد. وقال أيضاً: محمود بن صدر الشريعة عبيد الله بن محمود بن محمد. انتهى (٥). وفيه أن صدر الشريعة الأكبر هو عبيد الله وهو والد محمود، والصحيح أن صدر الشريعة الأكبر هو أحمد، وأن عبيد الله هو جد محمود، وأيضاً: محمود بن محمد والد عبيد الله، والصواب أن إبراهيم بن أحمد هو والد عبيد الله.
_________
(١) من «تاج التراجم» (ص ٢٠٣).
(٢) في «مفتاح السعادة» (٢: ١٧٠).
(٣) من «الشقائق النعمانية» (ص ٦٤).
(٤) من «جامع الرموز» (١: ٩).
(٥) من «جامع الرموز» (١: ١٠).
стр. 25
ومنهم: ابن الحنائي: إذ قال: جمال الدين المحبوبي عبد الله بن إبراهيم. انتهى (١). والصواب أنه عبيد الله لا عبد الله.
ومنهم: القاري (٢) إذ قال في حرف العين: عبيد الله بن مسعود تاج الشريعة. انتهى (٣). وفيه أن مسعوداً هو تاج الشريعة والصحيح ان تاج الشريعة هو والد مسعود. وقال في حرف الميم: مسعود بن أحمد بن برهان الدين، صدر الشريعة. انتهى (٤). وفيه أن صدر الشريعة مسعود، والصواب أن صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود، وأيضاً: أن أحمد بن برهان الدين والد مسعود، والصحيح هو عمر بن أحمد هو والد مسعود.
ومنهم: اللكنوي إذ قال: عبيد الله بن أحمد بن عبد الملك. انتهى (٥). وفيه أن أحمد والد عبيد الله، والصواب أن والد عبيد الله هو إبراهيم.
ومنهم: الزَّركليّ إذ قال: صدر الشريعة الأصغر ابن صدر الشريعة الأكبر. انتهى (٦). وخطؤه بيِّنٌ فصدر الشريعة الأصغر هو ابن مسعود بن عمر تاج الشريعة بن أحمد صدر الشريعة الأكبر.
المبحث الخامس
أسرته العلمية وطلبه للعلم وشيوخه ومن تفقَّه عليهم
نشأ صدر الشريعة في أسرة عريقة النسب على ما مرَّ، ولها مكانتها العلمية المرموقة كما سيأتي بعد قليل عند ترجمة أجداده، ووجد عنايةً كبيرةً منهم ولا سيما من جدِّه مؤلِّف «الوقاية»، إذ ألَّفها من أجلِه لكي يحفظها كما صرَّح في ديباجتِها، وذلك بعد أن أتمَّ دراسة بعض العلوم الأخرى فقال: إنَّ الولدَ الأعزَّ عبيدَ الله صرف الله أيامه
_________
(١) من «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٥/أ).
(٢) وهو علي بن سلطان محمد الهَرَوي القَارِيّ الحَنَفي، أبو الحسن، نور الدين، له: «فتح باب العناية بشرح النقاية»، و «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»، و «الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة»، و «شرح مسند الإمام»، (٩٣٠ - ١٠١٤ هـ). ينظر: «الكواكب السائرة» (١: ٤٤٥ - ٤٤٦). «طرب الأماثل» (ص ٥١٥ - ٥١٧). «الإمام علي القاري» (ص ٤٤).
(٣) من «الأثمار الجنية في طبقات الحنفية» (ق ٣٦/أ).
(٤) من «الأثمار الجنية» (ق ٥٠/ب).
(٥) من «النافع الكبير» (ص ٥١).
(٦) من «الأعلام» (٤: ٣٥٤).
стр. 26
بما يحبُّه ويرضاهُ لما فرغَ من حفظ الكتب الأدبيَّة، وتحقيق لطائف الفضل، ونكت العربية، أحببت أن يحفظ في علم الأحكام كتاباً رائعاً، ولعيون مسائل الفقه راعياً، مقبول الترتيب والنظام، مستحسناً عند الخواص والعوامّ، وما ألفيت في المختصرات ما هذا شأنه، فألفتُ في رواية كتاب «الهداية» ـ وهو كتاب فاخر، وبحر مواج زاخر، كتاب جليل القدر عظيم الشأن، زاهر الخطر، باهر البرهان، قد تمَّت حسناته، وعمَّت بركاته، وبهرت آياته ـ مختصراً جامعاً لجميع مسائله، خالياً عن دلائله، حاوياً لما هو أصح الأقاويل والاختيارات، وزوائد فوائد الفتاوى والواقعات، وما يحتاج إليه من نظم الخلافيات، موجزاً ألفاظه نهاية الإيجاز، ظاهراً في ضبط معانيه، مخايلُ السحر ودلائل الاعجاز، موسوماً بـ «وقاية الرواية بمسائل الهداية»، والله المسؤول أن ينفع حافظيه والراغبين فيه عامةً، والولد الأعزَّ عبيد الله خاصة. انتهى.
стр. 27
وقال صدر الشريعة في ديباجة «شرح الوقاية»: «وقاية الرِّوايةِ في مسائلِ الهداية» … ألَّفها جَدِّي وأستاذي مولانا الأعظم، أستاذُ علماءِ العالَم، برهانُ الشَّريعةِ والحقِّ والدِّين، محمودُ بنُ صدرِ الشَّريعة، جزاهُ اللهُ عنِّي وعن جميعِ المسلمينَ خيرَ الجزاء؛ لأجلِ حفظي، والمولى المؤلِّفُ لمَّا ألَّفها سَبَقاً سَبَقاً، وكنتُ أجري في ميدانِ حفظِهِ طَلَقَاً طَلَقَاً، حتى اتَّفقَ اتمامُ تأليفِهِ مع اتمامِ حفظي. انتهى.
ومثله قال في ديباجة «مختصر الوقاية» المسمَّاة بـ «النقاية» (١).
ولم يكتف صدر الشريعة على حفظه «الوقاية» فحسب، بل كان ذا اهتمام كبير بتعلّم دقائق العلم، والوقوف على نكاته ولا سيما من جدِّه حتى قال الكفوي (٢) عنه: كان ذا عناية بتقييد نفائس جدِّه وجمع فوائده. انتهى. ولاحظت ذلك منه بوضوح في شرحه على «الوقاية» إذ في بعض المسائل يعلِّق، مرجعاً ذلك إلى جدِّه، كما سيأتي في موضعه.
قال الكفوي (٣) عن نشأته: نشأ في حجر الفضل ونال العلى، وحمل على أكتاف فحول الفقهاء وأسود العلماء، كفلَ به وربَّاه جدُّه، وعلَّمه في صباه، سعد جدّه وأنجح جده حتى حاز قصب السبق في الفروع والأصول، وكان فارس ميدانه في المعقول والمنقول، أخذ العلم عن جدِّه الإمام الفاضل. انتهى.
ومن أجداده الذين يفخر بهم علماء المذهب الحنفي، وقد ترجموا لهم وجعلوهم في طبقات فقهائهم؛ لِمَا كانوا عليهم من الاعتماد في الفروع والأصول:
الأول
جدُّه الفاسد، مؤلِّف «الوقاية»، ومن تعلَّم ودرَّس عليه: محمود بن أحمد بن عبيد الله
ابن إبراهيم المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ الحنفي، برهانُ الشَّريعة (٤).
قال الكفوي (٥): عالمٌ فاضل، نحريرٌ كامل، بحرٌ زاخر، حبرٌ فاخر، بارع متورع، محقّق مدّقق، صاحب التصانيف الجليلة.
من مؤلفاته: «وقاية الرواية في مسائل الهداية» وسيأتي تفصيل الكلام فيها في فصل الدراسة الخاصّ بها وبشرحها، و «الواقعات»، و «الفتاوى».
وقد أخطأ الكفوي في نسبة «شرح الهداية» له؛ لأنه لأخيه تاج الشريعة عمر، وغلط ابن الحنائيّ (٦) في نسبة «معراج الدراية شرح الهداية» له، فإنه للكاكي (٧).
ذكر عمر كحالة (٨) أنه توفِّي سنة (٦٧٣ هـ)، وقال إسماعيل باشا (٩) توفّي في حدود سنة (٦٧٣ هـ) (١٠).
وقال عبد الباقي الخطيب في «المدينة المنورة»: مات في كِرمان، ودفن فيها (١١).
_________
(١) النقاية» (ص ٣).
(٢) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
(٣) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
(٤) ترجمته في: «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٥/أ). «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٦٥/أ-ب). «الكشف» (٢: ٢٠٢٠). «الفوائد» (ص ٣٣٨ - ٣٣٩)، «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ٢٠). «دفع الغواية» (١: ٢ - ٦). «هدية العارفين» (٢: ٤٠٦). «معجم المؤلفين» (٣: ٨١٨). «معجم المطبوعات العربية والمعربة» لإلياس سركيس (١: ١١٩٩ - ١٢٠٠).
(٥) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٦٥/أ).
(٦) في «طبقات الحنفية» (ق ٢٥/أ).
(٧) وهو محمد بن محمد بن أحمد السنجاري، المعروف بالبُخَارِيّ الكاكي، قوام الدين، ومن مؤلفاته: «عيون المذهب» قال اللكنوي: وهو مختصر نافع، (ت ٧٤٩ هـ). ينظر: «الجواهر» (٤: ٢٩٤ - ٢٩٥). «الفوائد» (ص ٣٠٦). «الكشف» (٢: ٢٠٣٣).
(٨) في «معجم المؤلفين» (٣: ٨١٨).
(٩) في «هدية العارفين» (٢: ٤٠٦).
(١٠) وعليه فإن ما وقع من شيخنا وهبي سليمان غاوجي حفظه الله في «التعليق الميسر على الملتقى» (١: ٩): في أن وفاته سنة (٧٨١ هـ) زلة قلم. والله أعلم.
(١١) كما في «الفوائد» (ص ١٨٥). «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ١٩). و «دفع الغواية» (١: ٣).
стр. 28
الثاني
جدُّه الصحيح، شارح «الهداية»: عمر بن أحمد بن عبيد الله المحبوبي الحنفي، تاج الشريعة، جد صدر الشريعة الأصغر الصحيح (١).
أخذ العلم عن أبيه صدر الشريعة الأكبر أحمد.
قال طاشكبرى زاده (٢): عالم فاضل حبر كامل.
من مؤلفاته: «نهاية الكفاية في دراية الهداية»: أوله: نصر من الله وفتح قريب هو المحمود جلّ شأنه … الخ.
ونسب إليه إسماعيل باشا (٣): «مآثر الإقبال في مفاخر الشال» في التاريخ، فارسي من البعثة إلى خلافة علي ﵁.
وقد غلط الشُّرُنْبُلالِيّ (٤) في بعض رسائله بنسبة «الكفاية شرح الهداية» له فإنها لجلال الدين الكرلاني.
وذكر حاجي خليفة (٥) أنه توفِّي سنة (٦٧٢ هـ) وتبعه على ذلك عمر كحالة (٦)، مع أن حاجي خليفة ذكر بعدها بسطرين نقلاً عن تاج الشريعة كما مر سابقاً أنه أتمَّ كتاب الإيمان من شرحه للـ «هداية» سنة (٦٧٣ هـ)، فيعلم أن وفاته كانت بعد ذلك، والله أعلم. وذكر إسماعيل باشا (٧) أنه وفاته سنة (٦٧٣ هـ).
وقال عبد الباقي الخطيب في «المدينة المنورة»: مات في كِرمان، ودفن فيها (٨).
الثالث
والد جدِّه الصحيح والفاسد، وهو الذي أخذوا العلم عنه: أحمد بن عبيد الله
_________
(١) ترجمته في: «مفتاح السعادة» (٢: ٢٤٠ - ٣٤١). «الكشف» (٢: ٢٠٣٣). «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ٢٠). «دفع الغواية» (١: ٢ - ٦). «هدية العارفين» (١: ٧٨٧). «معجم المؤلفين» (٢: ٥٥٢).
(٢) في «مفتاح السعادة» (٢: ٢٤١).
(٣) في «هدية العارفين» (١: ٧٨٧).
(٤) كما نبه على ذلك اللكنوي في «الفوائد» (ص ١٠٠ - ١٠١).
(٥) في «الكشف» (٢: ٢٠٣٣).
(٦) في «معجم المؤلفين» (٢: ٥٥٢).
(٧) في «هدية العارفين» (١: ٧٨٧).
(٨) كما في «الفوائد» (ص ١٨٥). «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ١٩). و «دفع الغواية) (١: ٣).
стр. 29
ابن إبراهيم العُبادي المَحْبُوبيّ البُخاريّ، شمس الدين، صدر الشريعة الأكبر، أو الأوَّل (١).
قال عبد القادر القرشي (٢) والتميمي (٣): الإمام ابن الإمام الكبير.
قال الكفوي (٤): كان من كبار العلماء، بلغ عند أبيه في الفقاهة مبلغاً عظيماً، وله قدرة كاملة في الأصول والفروع.
تفقَّه على: أبيه الإمام الكبير عبيد الله بن إبراهيم.
وتفقه عليه: ابنه محمود بن أحمد المَحْبُوبيّ.
من مؤلَّفاته: «تنقيح (٥) العقول في فروق المنقول» (٦).
توفِّي سنة (٦٣٥ هـ) (٧).
الرابع
والد والد جدِّه أبي أبيه وأبي أمه، وهو الذي إليه في العلم استنادهم: عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد العُباديّ المَحْبُوبِي البُخَاريّ الحَنَفيّ، جمال الدين، المعروف بأبي حنيفة الثاني (٨).
_________
(١) ترجمته في: «الجواهر المضية» (١: ١٩٦). «تاج التراجم» (ص ١١٥). «كتائب أعلام الأخيار» (٢٣٨/ب-٢٣٩/أ). «الطبقات السنية» (١: ٢٧٦). «الفوائد» (ص ٤٨). «الكشف» (١: ٤٨١،٢: ١٢٥٨). «معجم المؤلفين» (١: ١٩١).
(٢) في «الجواهر المضية» (١: ١٩٦).
(٣) في «الطبقات السنية» (١: ٢٧٦)
(٤) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٣٨/ب).
(٥) وقع في «تاج التراجم» (ص ١١٥)، و «الفوائد» (ص ٤٨): تلقيح. وسمَّاه صاحب «معجم المؤلفين» (١: ١٩١): «تلقيح العقود في الفروق بين أهل النقول».
(٦) قال صاحب «الكشف» (٢: ١٢٥٨): «فروق الكرابيسي» المسمَّى بـ «تلقيح المحبوبي» ذكره صاحب «الأشباه» في أول الفروق.
(٧) انفرد بذكر وفاته صاحب «معجم المؤلِّفين» (٢: ١٩١).
(٨) ترجمته في: «العبر» (٥: ١٢٠). «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢١٧/أ-٢١٨/ب). «النافع الكبير» (ص ٥١ - ٥٢). «الفوائد» (ص ١٨٢ - ١٨٣). «الجواهر المضية» (٢: ٤٩٠). «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٥/أ). «الأثمار الجنية» (ق ٣٥/ب).
стр. 30
أخذ العلم عن: الشيخ الإمام المفتي إمام زاده صاحب «شرعة الإسلام»، والشيخ الإمام عماد الدين عمر بن بكر بن محمد الزرنجري، وهما عن شمس الأئمة بكر بن محمد ابن علي الزرنجري عن شمس الأئمة السرخسي عن شمس الأئمة الحَلْوانِيّ عن أبي علي النسفي عن أبي بكر محمد بن الفضل عبد الله السبذموني عن أبي عبد الله أبي حفص
الصغير عن أبيه أبي حفص الكبير عن محمد عن أبي حنيفة ﵁.
وتفقّه أيضاً على: بهاء الدين محمد بن أحمد الاسبيجابي (١)، والظهير أبي بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز البَلْخي، والشيخ الإمام الكاساني، والشيخ الإمام قاضي خان الأوزجندي، وغيرهم.
وتفقّه عليه: ابنه: شمس الدين أحمد، وحميد الدين الضرير علي بن محمد بن علي الرامشي البخاري، وحافظ الدين الكبير محمد بن محمد بن نصر البخاري، وغيرهم.
قال الذهبي (٢): عالم الشرق، وشيخ الحنفية (٣). وقال (٤): شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب.
وقال الكفوي (٥): وكان إماماً كاملاً معدوم النظير في زمانه، رأساً في الفقه وأصوله في أوانه، وكان فرد زمانه في معرفة المذهب والخلاف.
وقال ابن الحنائي (٦): كان شيخ الحنفية في عصره.
_________
(١) وهو محمد بن أحمد بن يوسف المَرْغِينانيّ الأَسْبِيجَابِيّ، أبي المحامد، بهاء الدين، المنسوب إلى أَسْبِيجاب، أستاذ الإمام جمال الدين عبيد الله البخاري المَحْبُوبِيّ. من مؤلفاته: «زاد الفقهاء شرح القدوري». ينظر: «الجواهر» (٣: ٧٤). «الفوائد» (ص ٢٦٠).
(٢) وهو محمد بن أحمد بن عثمان التُّرْكُماني الفاروقي الدِّمَشْقِيّ الذَّهَبِيّ الشَّافِعِيّ، أبو عبد الله، شمس الدين، له: «سير أعلام النبلاء»، و «العبر»، «تاريخ الإسلام»، (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ). ينظر: «الدرر الكامنة» (٣: ٣٣٦). «فوات الوفيات» (٣: ٣١٥ - ٣١٦). «طبقات الأسنوي» (١: ٢٨٢).
(٣) ينظر: «الجواهر المضية» (٢: ٤٩٠).
(٤) أي الذهبي في «العبر» (٥: ١٢٠).
(٥) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢١٧/ب).
(٦) في «طبقات الحنفية» (ق ٢٥/أ).
стр. 31
وهو المشهور في كتب الفقه بالمحبوبي، فإنه إذا أطلق ينظر إليه لا إلى صدر الشريعة.
ومن مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، وقد اتفق مَن ترجم له على نسبته إليه، وأما كتاب «الفروق»، فقد نسبه إليه الكفوي واللكنوي (١).
مولده في خامس عشرين جمادى الأولى، سنة ست وأربعين وخمسمئة.
ومات ليلة الخميس، ثامن جمادى الأولى، سنة ثلاثين وستمئة، وعمره أربع وثمانون سنة، وصلَّى عليه ابنه الإمام شمس الدين أحمد. ووفاته في هذه السنة باتفاق من ترجم له إلا القاري (٢) فإنه ذكره أنه توفِّي سنة اثنتين وستمئة (٣).
المبحث السادس
مكانة صدر الشريعة العلمية وثناء العلماء عليه:
لمَّا كان الاعتماد على كتبه في الفروع والأصول عند الأحناف كما سيأتي عند ذكر مؤلفاته وذكر الدراسة عن «شرح الوقاية»، حقَّ لنا أن نقول: إن صدر الشريعة مفخرة من مفاخر الحنفية؛ ولذلك نجد علماء المذهب الحنفي في كتبهم سواء أكانت فقهية أم أصولية، أم كتب الطبقات يُنْزلونه منْزلتَه، ويتسابقون في إلقاء عبارات المدح والثناء عليه، ولو تقصيت ذلك لطال بنا المقال وخرجنا عن المقام، فأذكر بعضها ممَّا تبيِّن لنا حالَه ودرجتَه بين العلماء.
قال الكفويّ (٤): هو الإمامُ المتَّفقُ عليه، والعلاَّمةُ المختلف إليه، حافظ قوانين الشريعة، ملخّص مشكلات الفرع والأصل، شيخ الفروع والأصول، عالم المعقول والمنقول، فقيهٌ أصوليُّ، خلافيٌّ جدليّ، محدِّثٌ مفسِّر، نحويّ لغويٌّ، أديبٌ نظّارٌ متكلّمٌ
_________
(١) في «النافع الكبير» (ص ٥١ - ٥٢)، و «الفوائد» (ص ١٨٢ - ١٨٣).
(٢) في «الأثمار الجنية» (ق ٣٥/ب).
(٣) هذا ما رأيته في النسخة المخطوطة التي بين يدي للـ «أثمار الجنية» للقاري، ونقل الإمام اللكنوي في «الفوائد» (ص ١٨٢) و «دفع الغواية» (١: ٤) من نسخته للـ «أثمار الجنية» أن وفاته سنة ثمانين وستمئة.
(٤) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
стр. 32
منطقيّ، عظيم القدر جليل المحلّ، كثيرُ العلم يضربُ به المثل، غذي بالعلم والأدب، وارث المجد عن أب فأب. انتهى.
وقال القُرشيّ (١): الإمام الكبير الأصوليّ، صاحب الفنون. انتهى.
وقال التفتازانيّ (٢): الإمام المحقِّق، والنحرير المدقِّق، علم الهداية، وعالم الدراية، معدل ميزان المعقول والمنقول، ومنقح أغصان الفروع والأصول صدر الشريعة والإسلام أعلى الله درجته في دار السلام. انتهى (٣).
وقال ابن بطوطة (٤): ولقيت بها ـ أي بخارا ـ الفقيه العالم الفاضل صدر الشريعة، وكان قد قدم من هرات، وهو من الصلحاء الفضلاء. انتهى.
وقال ابن قُطْلُوبُغا (٥) وابن الحنائي (٦)، وطاشكبرى زاده (٧): عالم محقِّق وحبر مدقّق. انتهى.
_________
(١) في «الجواهر المضية» (٤: ٣٦٩).
(٢) وهو مسعود بن عمر بن عبد الله التَّفْتَازَانِيّ، سعد الدِّين، قال الإمام اللكنوي: كل تصانيفه تنادي على أنه بحر بلا ساحل، وحبر بلا مماثل. له: «تهذيب المنطق»، و «شرح الشمسية»، و «شرح العقائد النسفية»، (٧١٢ - ٧٩٣ هـ). ينظر: «الدرر الكامنة» (٤: ٣٥٠). «التعليقات السنيية» (ص ١٣٦ - ١٣٧).
(٣) من «التلويح» (١: ١١ - ١٢).
(٤) في كتابه «رحلة ابن بطوطة» (١: ٢٣٨).
(٥) في «تاج التراجم» (ص ٢٠٣).
(٦) في «طبقاته» (ق ٢٦/أ).
(٧) في «مفتاح السعادة» (٢: ١٧٠).
стр. 33
وقال طاشكبرى زاده أيضاً (١): كان ﵀ بحراً زاخراً لا يدرك له قرار، وطوداً شامخاً لا يرتقي إلى قنته ولا يصار، ولقد كان آية كبرى في الفضل والتدقيق، وعروة وثقى في الإتقان والتحقيق، روَّح اللهُ روحَه، وزاد في غرف الجنان فتوحَه. انتهى.
وقال القاري (٢): عمدة العلماء وزبدة الفضلاء، الجامع بين معرفة الفروع والأصول، والحاوي بين طريق المنقول والمعقول. انتهى.
المبحث السابع
تلاميذ صدر الشريعة ومنهجه في التدريس
لا شكَّ في أنه قد تلقَّى عليه العلم عدد لا يحصى من التلاميذ، وإن لم تكن المصادر التاريخية تسعفنا بذلك، وكان له اهتمام فائق بطلاب العلم نلاحظه عند الحديث عن مصنفاته التي ألَّفها لهم، وللارتقاء بحالهم، ومن ذلك كتابه «النُّقاية»، وهو في فروع الحنفية، اختصر فيه «الوقاية» لمن لا ترتقي نفوسهم لحفظ «الوقاية»، فقال في ديباجتها (٣): إنِّي لمَّا وجدتُ قصورَ هممِ بعضِ المحصِّلين عن حفظ «الوقاية»، اتخذتُ منه هذا «المختصر» مشتملاً على ما لا بد منه لطالب العلم عن حفظها، فكل من أحب استحضار مسائل «الهداية» فعليه حفظ «الوقاية»، ومن أعجلَه الوقتُ فليصرف إلى حفظ هذا «المختصر» عنان العناية، إنه ولي الهداية. انتهى.
ومن منهجه في التدريس أنه يأتِي للطلبة بالتدقيقات واللطائف البديعة والنكات الفائقة والتحريرات والأبحاث التي لم يسبقه إليها أحد من العلماء، فهو في دروسه وكتبه لا يسلِّم لمن يشرح كتابه إن رآه خالف قواعد العلم، أو مسألة من مسائله؛ لذا نرى بينه وبين العلماء الكبار ممن جاء بعده أبحاث عديدة، وسيأتي تفصيل الكلام فيه عند الحديث عن منهجه في «شرح الوقاية»، ويدلُّ على ذلك أكمل دلالة ما قاله طاشكبرى زاده (٤) عنه:
يحكى أن العلامة قطب الدين الرازي (٥) أراد أن يجتمع مع صدر الشريعة ويتباحث معه، فأرسل إليه أوّلاً من تلامذته مولانا مبارك شاه ـ وكان من غلمان الرازي، ربَّاه صغيراً وعلَّمه كبيراً، وتبنَّاه، فصار مشهوراً في الآفاق ـ ليتعرف الحال، فحضر مبارك شاه درس صدر الشريعة، وهو يومئذ بهرات، والعلامة بالرَّيّ، فوجده يدرس كتاب
_________
(١) في «مفتاح السعادة» (٢: ١٦٢).
(٢) في «فتح باب العناية» (١: ٣٤).
(٣) أي «النقاية» (ص ٣ - ٤).
(٤) في «مفتاح السعادة» (٢: ١٧١).
(٥) وهو محمد بن محمد الرازيّ، أبو عبد الله، قطب الدين، المعروف بالقطب التحتاني، قال ابن السبكي: كان إماماً في المنطق والحكمة، عالماً بالتفسير والمعاني والبيان، مشاركاً في النحو يتوقّد ذكاءً، له: «الرسالة القطبية»، ورسالة في التصور والتصديق، و «شرح المطالع»، و «شرح الشمسية»، و «شرح الإشارات»، (ت ٧٦٦ هـ). ينظر: «مفتاح السعادة» (١: ٢٧٥). «التعليقات السنية» (ص ٢١٢).
стр. 34
«الإشارات» لابن سينا (١)، ولا يتابع فيه المصنِّف ولا واحداً من شارحيه: الإمام (٢) والطوسي (٣)، فكتب مبارك شاه إلى مولاه العلامة أن الرجل نارٌ وقَّادة، والإقدام ربَّما يورث الملام، فعمل العلامة برأيه، وقبل نصحه ولم يتجاسر على ما قصده. انتهى.
وممَّن تفقَّه ودرس وأجيز بجميع مقروءات ومسموعات صدر الشريعة حافظ الحقِّ والدين أبو طاهر محمّد بن محمّد بن الحسن بن عليّ الطاّهري، قال الكفوي (٤): كان زبدة أرباب الفتوى وبقيّة أعلام الهدى، عارف أسرار الطريقة، كاشف رموز الحقيقة، فقيهاً أصولياً محدّثاً مفسّراً، أخذ عن صدر الشريعة، ووقع له الإجازة منه في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وسبعمئة في بخارا، وأجاز أبو طاهر في آواخر شعبان سنة ستّ وسبعين وسبعمئة لخواجه بارسا محمد بن محمد بن محمود الحافظي (٥) صاحب «فصل الخطاب»، وكان خواجه بارسا في هذه السنة ابن عشرين، وأخذ عن خواجه بارسا العالم العامل والفاضل الكامل المولى إلياس بن يحيى بن حمزة الرومي، قال طاشكبرى زاده (٦) عنه: كان مدرساً وقاضياً ومفتياً بمرزيفون، وذلك يوم الجمعة الحادي والعشرين من شعبان المعظَّم سنة إحدى وعشرين وثمانمئة ببخارا. انتهى.
_________
(١) وهو الحسين بن عبد الله بن الحسن البلخي البخاري، ويقلب بالشيخ الرئيس، أبو علي، الشهير بابن سينا، له: «القانون في الطب»، و «الموجز الكبير في المنطق»، و «لسان العرب في اللغة»، (٣٧٠ - ٤٢٨ هـ). ينظر: «الكشف» (١: ٩٤).
(٢) وهو محمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري الرازي، أبو عبد الله، فخر الدين، له: تفسير القرآن المسمَّى «مفاتيح الغيب»، و «لوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات»، و «أسرار التنْزيل»، (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ). ينظر: «وفيات» (٤: ٢٤٨). «النجوم الزاهرة» (٦: ١٩٧ - ١٩٨).
(٣) وهو محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، نصير الدين، له: «حواش على كليات القانون»، و «أساس الاقتباس»، و «قواعد العقائد»، (٥٩٧ - ٦٧٢ هـ). ينظر: «الكشف» (١: ٩٥). «معجم المؤلفين» (٣: ٦٣٦ - ٦٣٧).
(٤) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٣٠٨/ب-٣٠٩/أ). وينظر: «الفوائد» (ص ٣٠٧). «الشقائق» (ص ٦٤).
(٥) المتوفى بالمدينة الطيّبة سنة (٨٢٢ هـ). ينظر: «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٩).
(٦) في «الشقائق النعمانية» (ص ٦٤).
стр. 35
المبحث الثامن
مؤلفات صدر الشريعة
بلغ ﵀ ما بلغ من المنْزلة العالية في العلوم، وأتقن الفنون؛ لِمَا أعطاه الله تعالى من الذهن الثاقب والملكة القويّة؛ ولما وجدَ من الاعتناء به من قبل جدِّه صاحب «الوقاية»، فكان مرجعاً للعلماء، وكتبه محطّ أنظار الفقهاء، فسارت بها الركبان إلى كلِّ مكان.
ولم تختص مؤلفاته بعلم من العلوم فحسب، بل شملت أمَّهات فنون زمانه، والعلوم التي تدرس في أوانه، وكلٌّ من كتبه معتمد في فنِّه، والمعوَّل عليه في تحقيق مسائله، حتى قال اللَّكنوي (١) عنها: كلُّ تصانيف صدر الشريعة مقبولة عند العلماء، معتبرة عند الفقهاء. انتهى.
وهذا القبول الذي لقيته كتبه في مختلف العلوم يرجعُ إلى أمرين:
الأول: متانته في العلم، وقوَّة تحريره للمشكلات، وتمييزه بين مسائل العلم المعتبرة وإتيانه بها دون غيرها، وإيراده للنكات والأبحاث التي لم يُسبق إليها، واعتراف من بعده له بطول باعه ورسوخ قدمه في العلم.
والثاني: إخلاصه وصدقه مع الله تعالى، وهذا أمرٌ قلبيٌّ لا يطَّلِعُ عليه إلاَّ علاّم الغيوب، ولكن نلمسُه من القبول الذي يرزقه الله لبعض الكتب دون سواها، والله أعلم.
ومؤلفاته هي:
الأول: «تنقيح الأصول» المشهور بـ «التنقيح»، وهو متنٌ متينٌ في علم أصول فقه المذهب الحنفي، نسبه لنفسه بهذا الاسم في ديباجته (٢)، وفي ديباجة شرحه (٣) له، ونسبه إليه مَن ترجمَ (٤) له.
_________
(١) في «الفوائد» (ص ١٨٩).
(٢) أي «التنقيح» (١: ٥١).
(٣) المسمَّى «التوضيح في حل غوامض التنقيح» (١: ٣١).
(٤) مثل: صاحب «الجواهر المضية» (٤: ٣٦٩)، «تاج التراجم» (ص ٢٠٣)، و «مفتاح السعادة» (٢: ١٧٠)، و «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٦/أ)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ)، و «الأثمار الجنية» (٣٦/أ)، و «الفوائد» (ص ١٨٥)، وغيرهم.
стр. 36
قال صدر الشريعة (١) في سبب تأليف ووصفه: لَمَّا رأيتُ فحولَ العلماء مكبين في كل عهد وزمان على مباحثة «أصول الفقه» للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البَزْدَويّ بوأه الله تعالى دار السلام، وهو كتابٌ جليلُ الشأن، باهرُ البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عباراته، ومرموزُ غوامض نكته في دقائق إشاراته، ووجدتُ بعضَهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه (٢)، أردت تنقيحه وتنظيمه، وحاولتُ تبيينَ مراده وتفهيمه، وعلى قواعد المعقول تأسيسه وتقسيمه، مورداً فيه زبدةَ مباحثِ «المحصول» و «أصول» الإمام المدقق جمال العرب ابن الحاجب (٣)، مع تحقيقاتٍ بديعةٍ، وتدقيقات غامضة منيعةٍ، تخلو الكتب عنها، سالكاً فيه مسلك الضبط والإيجاز، متشبثاً بأهداب السحر، متمسكاً بعروة الإعجاز. انتهى.
وقال القُرشيّ (٤) عنه: جمع فيه بين كلام البَزْدَويّ وكلام ابن الحاجب، ورتَّبه ترتيباً حسناً، كما فعل ابنُ الساعاتي (٥) في كتابه «البديع»، جمعَ فيه بين كلام الآمدي وكلام فخر الإسلام البَزْدَويّ. انتهى. والمقصود بجمعه أن أورد فيه بعض الأبحاث التي لم يعتد متقدمو الأحناف الإتيان بها في كتب الأصول، مع ذكر خلاف الشافعي في كثير من مسائله ودليله، والإجابة عليه، وتأييد المذهب بالحجج النقلية والعقليّة. والله أعلم.
وشرحه غير مؤلِّفه، منها: شرحٌ للفاضل السيد عبد الله بن محمد الحسيني المعروف بنقره كار، (ت نحو ٧٥٠ هـ). وعلى هذا الشرح حاشية لقاسم بن قُطْلُوبُغا (٦).
_________
(١) في «التوضيح» (١: ١٠ - ١١).
(٢) أي لا يدركون بإمعان النظر ما يدركه هو بلحاظ عينه من غير أن ينظر إليه قصداً. ينظر: «التوضيح» (١: ١١).
(٣) وهو عثمان بن عمر بن أبي بكر الدّوَني الكردي الأَسْناوي المصري المالكي الأصولي النحوي، أبي عمرو، جمال الدين، المعروف بابن الحاجب، له: «مختصر منتهى السَّول والأمل في علمي الأصول والجدل»، و «الكافية والشافية»، و «جامع الأمهات»، (٥٧٠ - ٦٤٦ هـ). ينظر: «وفيات» (٣: ٢٤٨ - ٢٥٠). «مرآة الجنان» (٣: ١١٤).
(٤) في «الجواهر المضية» (٤: ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٥) وهو أحمد بن علي بن ثعلب السَّاعَاتِيّ البعلبكي البغدادي، مظفر الدين، قال الكفوي: كان إمام العصر في العلوم الشرعية، ثقة حافظاً متقناً، أقرّ له شيوخ زمانه بأنه فارس جواد في ميدانه. وله: «مجمع البحرين»، (ت ٦٩٤ هـ). ينظر: «النافع الكبير» (ص ٢٥)، «مرآة الجنان» (٤: ٢٢٧).
(٦) ينظر: «الكشف» (١: ٤٩٩).
стр. 37
الثاني: «التوضيح في حل غوامض التنقيح» وهو شرح على متنه في أصول الفقه، نسبه لنفسه في ديباجته (١)، ونسبه إليه من ترجم (٢) له.
قال صدر الشريعة (٣) في سبب تأليفه ووصفه: لمَّا وفَّقني اللهُ بتأليف «تنقيح الأصول» أردتُ أن أشرحَ مشكلاته، وأفتح مغلقاته، معرضاً عن شرح المواضع التي مَن يحلها بغير إطناب لا يحل له النظر في ذلك الكتاب، واعلم أنَّي لَمَّا سودت كتاب «التنقيح»، وسارعَ بعضُ الأصحاب إلى انتساخِه ومباحثتِه، وانتشرَ النسخُ في بعض الأطراف، ثمَّ بعد ذلك وقعَ فيه قليلٌ من التغييرات، وشيءٌ من المحو والإثبات، فكتبتُ في هذا الشرح عبارة «المتن» على النمط الذي تقرَّر عندي؛ لتغيير النسخ المكتوبة قبل التغييرات إلى هذا النمط، ثمَّ لَمَّا تيسَّرَ إتمامُه وفُضَّ بالاختتام ختامُه مشتملاً على تعريفات، وحجج مؤسسة على قواعد المعقول وتفريعات، مرصصة بعد ضبط الأصول، وترتيب أنيق لم يسبقني على مثله أحدٌ، مع تدقيقات غامضة لم يبلغ فرسان هذا العلم إلى هذا الأمد. انتهى.
وقال التفتازاني (٤) في وصفه: كتابٌ شاملٌ لخلاصة كلِّ مبسوط وافٍ، ونصابٌ كاملٌ من خزانة كلِّ منتخب كاف، وبحر محيط بمستصفى كلِّ مديد وبسيط، وكنْزٌ مغنٍ عمّا سواه من كل وجيز ووسيط، فيه كفايةٌ لتقديم ميزان الأصول وتهذيب أغصانها، وهو نهايةٌ في تحصيل مباني الفروع وتعديل أركانها، نعم قد سلك منهاجاً بديعاً في كشف أسرار التحقيق، واستولى على الأمد الأقصى من رفع منار التدقيق، مع شريف زيادات ما مسّتها أيدي الأفكار، ولطيف ما فتق بها رتق آذانهم أولو الأبصار؛ ولهذا طار كالأمطار في الأقطار، وصار كالأمثال في الأمصار، ونال في الآفاق حظَّاً من الاشتهار، كاشتهار الشمس في نصف النهار، وقد صادفت مُجْتازي ما وراء النهر لكثير من فضلاء الدهر أفئدة تهوى إليه وأكباداً هائمة عليه، وعقولاً جاثية بين يديه، ورغبات مستوقفة المطايا لديه. انتهى.
_________
(١) التوضيح» (١: ٦).
(٢) مثل صاحب «الجواهر المضية» (٤: ٣٧٠)، «تاج التراجم» (ص ٢٠٣)، و «مفتاح السعادة» (٢: ١٧٠) و «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٦/أ)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ)، و «الأثمار الجنية» (٣٦/أ)، و «الفوائد» (ص ١٨٥)، وغيرهم.
(٣) في «التوضيح» (١: ٥ - ٦).
(٤) في «التلويح» (١: ٢ - ٣).
стр. 38
ووصفه القرشي (١) والكفوي (٢): بأنه شرحٌ نفيسٌ.
ولقي هذا الشرح ومتنه عناية فائقة من العلماء حفظاً وتدريساً وشرحاً وتحشيةً وتعليقاً؛ إذ عليه التعويل في معرفة أصول المذهب الحنفي ودراستها، قال المرجاني (٣): إن كتاب «التنقيح» وشرحه «التوضيح» هو المعوّل عند الطلبة عليه والرجوع في تحصيل الأصول إليه. انتهى. لذا أقبل الطلاب على متنه بالحفظ، والعلماء على شرحه بالتدريس والتوضيح لما أشكل من عباراته وغمض من ألفاظه.
وألفت كتب اقتفت أثره في الترتيب والألفاظ وذكر الأبحاث والتحقيقات البديعة إلا أنها آثرت بعض الألفاظ على بعض، مع زيادة ونقص في بعض الأبحاث، واعتراض وتحقيق في بعض آخر، منها: كتاب «مرآة الأصول شرح مرقاة الأصول» لملا خسرو، وكتاب «التجريد شرح تغيير التنقيح» لابن كمال باشا، إلا أن ابن كمال باشا أكثر من الاعتراض على صدر الشريعة وردَّ كثيراً من أبحاثه كعادته في مؤلفاته (٤)، والعلماء لم يسلِّموا له ذلك بل ردُّوا عليه، وكانوا ينتصرون لصدر الشريعة في غالب الأحيان (٥)، وسيأتي تفصيل هذا في الحديث عن منهجه في التأليف.
_________
(١) في «الجواهر المضية» (٤: ٣٧٠).
(٢) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
(٣) في «حزامة الحواشي لإزاحة الغواشي» (١: ٢).
(٤) قال عبد الرحمن في «ترغيب اللبيب» في بيان عادة ابن كمال باشا في تأليفاته: هذا العلامة وإن كان فريد دهره بلا ممانع ووحيد عصره بلا مدافع، لكنّه صرف عنان عزمه عن التحقيق في أكثر مصنفاته، وسلك مسلك الجدال والتغليظ في أشهر مؤلفاته ولا سيما في شرحه على «الهداية»، فإنه فيه وصل في الجدال إلى الغاية بحيث نزل مرتبة الشرّاح المكملين منْزلة العوام من الجهال المغفلين، وجعلَ مرتبة رتبة المشايخ العظام من المصنّفين، بل من المجتهدين كمرتبة الآحاد من المقلدين، والظاهر أن مراد ذلك العلامة من السلك في مثل هذا الطريق والانحراف عن سبيل التحقيق ليس إلا تعليم دقائق وجوه البحث للطالب الذكي وتفهيم طرق إلزام الخصم المعاند الغبي، ولا شك أنه هداية لطيفة، وعزيمة شريفة، فالعلامة بهذه النية مأجور، وسعيه بتلك العزيمة مشكور، وتمامه في «الكشف» (٢: ٢٠٣٩ - ٢٠٤٠).
(٥) قال حاجي خليفة في «الكشف» (١: ٤٩٩) عن كتاب ابن كمال باشا في الأصول الذي أكثر فيه من الاعتراض على صدر الشريعة: لكن الناس لم يلتفتوا إلى ما فعله، والأصل باق على رواجه والفرع على التنَزل في كساده.
стр. 39
ومن الشروح والحواشي التي زُيِّنَ بها الكتاب على ما ذكره حاجي خليفة (١):
حاشية عبد القادر بن أبي القاسم الأنصاري (ت نحو ٨٢٠ هـ).
«حزامة الحواشي لإزاحة الغواشي» للمرجاني (٢) أجاب فيها عن اعتراضات التفتازاني على صدر الشريعة ورد أبحاثه التي أتى بها، ونصر صدر الشريعة فيها (٣).
«التلويح في كشف حقائق التنقيح» للتفتازاني، وهو وإن كان اسمه دالاً على أنه شرح على «التنقيح»، لكنه في الحقيقة شرح على «التوضيح» يدلُّ على ذلك أنه كثيراً ما يقول: قوله: … . ويشرحه، وما يذكره بعد قوله: قوله؛ يكون كلاماً في «التوضيح» لا «التنقيح» (٤)، قال حاجي خليفة (٥) عنه: لما كان هذا الشرح كالمتن علَّقوا عليه شروحاً وحواشي، أعظمها وأولاها شرح التفتازاني. انتهى. وقد ارتبط «التوضيح» و «التلويح» ارتباطاً وثيقاً فأكثر العلماء من التحشية والتعليق عليهما من ذلك:
حاشية القاضي برهان الدين أحمد السيواسي (ت ٨٠٠ هـ)، المسمّاة بـ «الترجيح».
حاشية العلامة السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني (ت ٨١٦ هـ).
حاشية الشيخ علاء الدين علي بن محمد الشهير بمصنفك (ت ٨٧١ هـ).
حاشية المحقق المولى حسن بن محمد شاه الفناري (ت ٨٨٦ هـ) (٦)، على هذه الحاشية تعليقة لمصطفى بن محمد الشهير بمعمار زاده (ت ٩٦٨ هـ).
حاشية الملا علاء الدين علي الطوسي (ت ٨٨٧ هـ).
حاشية المولى الفاضل محمد بن فراموز الشهير بملا خسرو (ت ٨٨٥ هـ) (٧).
حاشية الملّوي علاء الدين علي بن محمد القوشي (ت ٨٧٩ هـ).
_________
(١) في «الكشف» (١: ٤٩٦ - ٤٩٩).
(٢) وهو الفقيه الأصولي المتكلم المؤرخ الشيخ شهاب الدين بن بهاء الدين المرجاني (١٢٣٣ - ١٣٠٦ هـ). وتمام ترجمته في «حسن التقاضي» (ص ٩٥).
(٣) وزيادة التفصيل في الحاشية، وهي مطبوعة في المطبعة الخيرية في مصر.
(٤) ينظر: «التلويح» (١: ١٩).
(٥) في «الكشف» (١: ٤٩٦).
(٦) وهي مطبوعة في المطبعة الخيرية في مصر.
(٧) وهي مطبوعة في المطبعة الخيرية في مصر.
стр. 40
حاشية مصلح الدين مصطفى بن يوسف، الشهير بخواجه زاده البرسوي (ت ٨٩٣ هـ)
حاشية محيي الدين محمد بن حسن السامسوني (ت ٩١٩ هـ).
حاشية الشيخ مصلح الدين مصطفى بن شعبان الشهير بالسرور ي (ت ٩٦٩ هـ).
حاشية ابن البردعي.
حاشية المولى الفاضل مصلح الدين مصطفى الشهير بحسام زاده العتيق.
حاشية العلامة الفاضل أبي بكر بن أبي القاسم السمرقندي.
حاشية الفاضل معين الدين التوني، وهي على أوائله.
حاشية العلامة مولانا زاده عثمان الخطابي.
تعليقة مولانا خضر شاه المتشوي (ت ٨٥٣ هـ).
تعليقة المولى عبد الكريم (ت نحو ٩٠٠ هـ)، وهي على أوائله.
تعليقة العلامة ابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ).
تعليقة المولى شمس الدين أحمد بن محمودالمعروف بقاضي زاده المفتي (ت ٩٨٨ هـ)
تعليقة على مباحث قصر العام من «التلويح» للمولى الفاضل أبي السعود بن محمد العمادي (ت ٩٨٣ هـ).
تعليقة المولى هداية الله العلائي (ت ١٠٣٩ هـ).
تعليقة المولى يوسف بالي بن المولى يكان على أوائله.
تعليقة محمد بن يوسف بالي الرومي.
الثالث: «المقدِّمات الأربع»؛ نسبه إليه الكفوي (١) واللكنوي (٢) بهذا الاسم، لكن كلام حاجي خليفة (٣) يفيد أنها ليست تأليفاً مستقلاً، وإنَّما هي ضمن كتابه «التوضيح»، أفردها العلماء بالتوضيح والتعليق لشدّة غموضها، فقال في وصفها: المقدمات الأربع من «التوضيح»، وهي مقدمات مشهورة غامضة في أواسط الكتاب،
_________
(١) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
(٢) في «الفوائد البهية» (ص ١٨٥).
(٣) في «الكشف» (١: ٤٩٨).
следующие страницы →