معنوي, وعلو ذاتي:
١ - أما العلو المعنوي؛ فهو ثابت لله بإجماع أهل القبلة؛ أي: بالإجماع من أهل البدع وأهل السنة؛ كلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علواً معنوياً.
٢ - وأما العلو الذاتي؛ فيثبته أهل السنة, ولا يثبته أهل البدعة؛ يقولون: إن الله تعالى ليس عالياً علواً ذاتياً.
فنبدأ أولاً بأدلة أهل السنة على علو الله الذاتي فنقول: إن أهل السنة استدلوا على علو الله تعال علواً ذاتياً بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة:
أولاً: فالكتاب تنوعت دلالته على علو الله؛ فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر القوقية, وتارة بذكر نزول الأشياء من عنده، وتارة بذكر صعودها إليه، وتارة بكونه في السماء ...
١) فالعلو مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] , ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
٢) والفوقية: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠].
٣) ونزول الأشياء منه؛ مثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] , ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ... وما أشبه ذلك.
стр. 387
٤) وصعود الأشياء إليه؛ مثل قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] , ومثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].
٥) كونه في السماء؛ مثل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦].
ثانياً: وأما السنة فقد تواترت عن النبي ﷺ من قوله وفعله وإقراره:
١) فأما قول الرسول ﵊:
فجاء بذكر العلو والفوقية, ومنه قوله ﷺ "سبحان ربي الأعلى" (١)، وقوله لما ذكر السماوات؛ قال: "والله فوق العرش" (٢).
وجاء بذكر أن الله في السماء؛ مثل قوله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" (٣).
стр. 388
٢) وأما الفعل؛ فمثل رفع أصبعه إلى السماء, وهو يخطب الناس في أكبر جمع, وذلك في يوم عرفة, عام حجة الوداع؛ فإن الصحابة لم يجتمعوا اجتماعاً أكبر من ذلك الجمع؛ إذ إن الذي حج معه بلغ نحو مئة ألف, والذي مات عنهم نحو مئة وأربعة وعشرين ألفاً: يعني: عامة المسلمين حضروا ذلك الجمع، فقال ﵊: "ألا هل بلغت؟ ". قالوا: نعم. "ألا هل بلغت؟ ". قالوا: نعم. "ألا هل بلغت؟ وكان يقول: "اللهم أشهد"؛ يشير إلى السماء بأصبعه, وينكتها إلى الناس (١).
ومن ذلك رفع يديه إلى السماء في الدعاء.
وهذا إثبات للعلو بالفعل.
٣) وأما التقرير؛ فإنه في حديث معاوية بن الحكم ﵁؛ أنه أتى بجارية يريد أن يعتقها, فقال لها النبي ﷺ : "أين الله؟ ". قالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ ". قالت: رسول الله. قال: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة" (٢).
فهذه جارية لم تتعلم, والغالب على الجواري الجهل, لا سيما أمة غير حرة, لا تملك نفسها, تعلم أن ربها في السماء، وضلال بني آدم ينكرون أن الله في السماء, ويقولون: إما
стр. 389
أنه لا فوق العالم ولا تحته ولا يمين ولا شمال! أو أنه في كل مكان!!
ثالثاً: وأما دلالة الإجماع؛ فقد أجمع السلف على أن الله تعالى بذاته في السماء, من عهد الرسول ﵊, إلى يومنا هذا.
إن قلت كيف أجمعوا؟
نقول: إمرارهم هذه الآيات والأحاديث مع تكرار العلو فيها والفوقية ونزول الأشياء منه وصعودها إليه دون أن يأتوا بما يخالفها إجماع منهم على مدلولها.
ولهذا لما قال شيخ الإسلام: "إن السلف مجمعون على ذلك"؛ قال: "ولم يقل أحد منهم: إن الله ليس في السماء, أو: إن الله في الأرض, أو: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل، أو: إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه".
رابعاً: وأما دلالة العقل؛ فنقول: لا شك أن الله إما أن يكون في العلو أو في السفل, وكونه في السفل مستحيل؛ لأنه نقص يستلزم أن يكون فوقه شيء من مخلوقاته فلا يكون له العلو التام والسيطرة التامة والسلطان التام فإذا كان السفل مستحيلاً؛ كان العلو واجباً.
стр. 390
وهناك تقرير عقلي آخر, وهو أن نقول: إن العلو صفة كمال باتفاق العقلاء, وإذا كان صفة كمال؛ وجب أن يكون ثابتاً لله؛ لأن كل صفة كمال مطلقة؛ فهي ثابتة لله.
وقولنا: "مطلقة": احترازاً من الكمال النسبي, الذي يكون كمالاً في حال دون حال؛ فالنوم مثلاً نقص، ولكن لمن يحتاج إليه ويستعيد قوته به كمال.
خامساً: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة؛ فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء, ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه، وإنما تتوجه إلى الله تعالى بدفعه؛ فإن قلبك ينصرف إلى السماء حتى الذين ينكرون علو الذات لا يقدرون أن ينزلوا أيديهم إلى الأرض.
وهذه الفطرة لا يمكن إنكارها.
حتى إنهم يقولون: إن بعض المخلوقات العجماء تعرف أن الله في السماء كما في الحديث الذي يروى أن سليمان بن داود ﵊ وعلى أبيه خرج يستسقي ذات يوم بالناس, فلما خرج؛ رأى نملة مستلقية على ظهرها, رافعة قوائمها نحو السماء، تقول:
"اللهم! إنا خلق من خلقك, ليس بنا غنى عن سقياك". فقال: "ارجعوا؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم" (١). وهذا إلهام فطري.
стр. 391
فالحاصل أن: كون الله في السماء أمر معلوم بالفطرة.
والله؛ لولا فساد فطرة هؤلاء المنكرين لذلك؛ لعلموا أن الله في السماء بدون أن يطالعوا أي كتاب؛ لأن الأمر الذي تدل عليه الفطرة لا يحتاج إلى مراجعة الكتب.
والذين أنكروا علو الله بذاته يقولون: لو كان في العلو بذاته؛ كان في جهة، وإذا كان في جهة؛ كان محدوداً وجسماً, وهذا ممتنع!
والجواب عن قولهم: "إنه يلزم أن يكون محدوداً وجسماً، وهذا ممتنع! والجواب عن قولهم: "إنه يلزم أن يكون محدوداً وجسماً"؛ نقول:
أولاً: لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذه التعليلات, ولو جاز هذا؛ لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النص أن يعلله بمثل هذه العلل العليلة.
فإذا كان الله أثبت لنفسه العلو, ورسوله, ﷺ أثبت له العلو، والسلف الصالح أثبتوا له العلو؛ فلا يقبل أن يأتي شخص ويقول: لا يمكن أن يكون علو ذات؛ لأنه لو كان علو ذات؛ لكان كذا وكذا.
ثانياً: نقول: إن كان ما ذكرتم لازماً لإثبات العلو لزوماً صحيحاً؛ فلنقل به؛ لأن لازم كلام الله ورسوله حق؛ إذ أن الله تعالى يعلم ما يلزم من كلامه. فلو كانت نصوص العلو تستلزم معني فاسداً، لبينه، ولكنها لا تستلزم معني فاسداً.
стр. 392
ثالثاً: ثم نقول: ما هو الحد والجسم الذي أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم فيها.
أتريدون بالحد أن شيئاً من المخلوقات يحيط بالله؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، وليس بلازم من إثبات العلو لله أو تريدون بالحد أن الله بائن من خلقه غير حال فيهم؟ فهذا حق من حيث المعني، ولكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً، لعدم ورود ذلك.
وأما الجسم، فنقول: ماذا تريدون بالجسم؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أم تريدون بالجسم ما هو قائم بنفسه متصف بما يليق به؟ فهذا حق من حيث المعني، لكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً، لما سبق.
وكذلك نقول في الجهة، هل تريدون أن الله تعالي له جهة تحيط به؟ فهذا باطل، وليس بلازم من إثبات علوه. أم تريدون جهة علو لا تحيط بالله؟ فهذا حق لا يصح نفيه عن الله تعالي.
الآية الثانية: قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [ النساء: ١٥٨].
﴿بَل﴾: للإضراب الإبطالي، لإبطال قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، فكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
стр. 393
والشاهد قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، فإنه صريح بأن الله تعالي عال بذاته، إذ الرفع إلي الشيء يستلزم علوه.
الآية الثالثة: قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
﴿إِلَيْهِ﴾: إلي الله .
﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: و ﴿الكَلِمُ﴾ هنا اسم جمع، مفرده كلمة، وجمع كلمة كلمات، والكلم الطيب يشمل كل كلمة يتقرب بها إلي الله، كقراءة القرآن والذكر والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل كلمة تقرب إلي الله ، فهي كلمة طيبة، تصعد إلي الله ، وتصل إليه، والعمل الصالح يرفعه الله إليه أيضاً.
فالكلمات تصعد إلي الله، والعمل الصالح يرفعه الله، وهذا يدل على أن الله عال بذاته، لأن الأشياء تصعد إليه وترفع.
الآية الرابعة: قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧].
هامان وزير فرعون، والآمر بالبناء فرعون.
﴿صَرْحاً﴾، أي بناء عالياً.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ , يعني: لعلي أبلغ الطرق التي توصل إلي السماء.
стр. 394
﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، يعني: أنظر إليه، وأصل إليه مباشرة، لأن موسي قال له: أن الله في السماء. فموه فرعون على قومه بطلب بناء هذا الصرح العالي ليرقي عليه ثم يقول: لم أجد أحداً، ويحتمل أنه قاله على سبيل التهكم، يقول: إن موسي قال: إلهه في السماء، اجعلونا نرقي لنراه!! تهكماً.
وأيا كان، فقد قال: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾، للتمويه على قومه، وإلا، فهو يعلم أنه صادق، وقد قال له موسي: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، فلم يقل: ما علمت! بل أقره على هذا الخبر المؤكد باللام و (قد) والقسم. والله يقول في آية أخري: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤].
الشاهد من هذا: أن أمر فرعون ببناء صرح يطلع به على إله موسي يدل على أن موسي صلي الله عليه وسلم قال لفرعون وآله: إن الله في السماء. فيكون علو الله تعالى ذاتياً قد جاءت به الشرائع السابقة.
الآية الخامسة والسادسة: قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧].
والذي في السماء هو الله ، لكنه كنى عن نفسه بهذا، لأن المقام مقام إظهار عظمته، وأنه فوقكم، قادر عليكم، مسيطر عليكم، مهيمن عليكم، لأن العالي له سلطة على من تحته.
﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾، أي: تضطرب.
стр. 395
والجواب: لا تأمن والله! بل نخاف على أنفسنا إذا كثرت معاصينا أن تخسف بنا الأرض.
والانهيارات التي يسمونها الآن: أنهياراً أرضياً، وانهياراً جبلياً .. وما أشبه ذلك هي نفس التي هدد الله بها هنا، لكن يأتون بمثل هذه العبارات ليهونوا الأمر على البسطاء من الناس.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾، يعني بل أأمنتم، و (أم) هنا بمعني (بل) والهمزة.
﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾: الحاصب عذاب من فوق يحصبون به، كما فعل بالذين من قبلهم، كقوم لوط وأصحاب الفيل، والخسف من تحت.
فالله هددنا من فوق ومن تحت، قال الله تعالي: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، أربعة أنواع من العذاب.
وهنا ذكر الله نوعين منها: الحاصب والخسف.
والشاهد من هذه الآية هو قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾.
والذي في السماء هو الله وهو دليل على علو الله بذاته.
ولكن ها هنا إشكال، وهو أن (في) للظرفية، فإذا كان الله في السماء، و (في) للظرفيه، فإن الظرف محيط بالمظروف! أرأيت لو
стр. 396
قلت: الماء في الكأس، فالكأس محيط بالماء وأوسع من الماء! فإذا كان الله يقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، فهذا ظاهره أن السماء محيطة بالله، وهذا الظاهر باطل، وإذا كان الظاهر باطلاً، فإننا نعلم علم اليقين أنه غير مراد لله، لأنه لا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة باطلاً.
فما الجواب على هذا الإشكال؟
قال العلماء: الجواب أن نسلك أحد طريقين:
١ - فإما أن نجعل السماء بمعني العلو، والسماء معني العلو وارد في اللغة، بل في القرآن, قال تعالي: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، والمراد بالسماء العلو، لأن الماء ينزل من السحاب لا من السماء التي هي السقف المحفوظ، والسحاب في العلو بين السماء والأرض، كما قال الله تعالي: ﴿الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
فيكون معني ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: من في العلو.
ولا يوجد إشكال بعد هذا، فهو في العلو. ليس يحاذيه شئ، ولا يكون فوقه شئ.
٢ - أو نجعل (في) بمعني (علي) , ونجعل السماء هي السقف المحفوظ المرفوع، يعني: الآجرام السماوية، وتأتي (في) بمعني (علي) في اللغة العربية، بل في القرآن الكريم، قال فرعون لقومه السحرة الذين آمنوا: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:
стр. 397
٧١] , أي: على جذوع النخل.
فيكون معني ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: من على السماء.
ولا إشكال بعد هذا.
فإن قلت: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]؟!
فالجواب: أن نقول:
أما الآية الأولي، فإن الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فالظرف هنا لألوهيته، يعني: أن ألوهيته ثابتة في السماء وفي الأرض، كما تقول: فلان أمير في المدينة ومكة، فهو نفسه في واحدة منهما، وفيهما جميعاً بإمارته وسلطته، فالله تعالي ألوهيته في السماء وفي الأرض، وأما هو ففي السماء.
أما الآية الثاني: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فنقول فيها كما قلنا في التي قبلها: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾، أي: وهو الإله الذي ألوهيته في السماوات وفي الأرض، أما هو نفسه، ففي السماء. فيكون المعني: هو المألوه في السماوات المألوه في الأرض، فألوهيته في السماوات وفي الأرض.
فتخرج هذه الآية كتخريج التي قبلها.
وقيل المعني: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ثم تقف، ثم تقرأ:
стр. 398
﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾، أي أنه نفسه في السماوات، ويعلم سركم وجهركم في الأرض، فليس كونه في السماء مع علوه بمانع من علمه بسركم وجهركم في الأرض.
وهذا المعني فيه شيئ من الضعف، لأنه يقتضي تفكيك الآية وعدم ارتباط بعضها ببعض، والصواب الأول: أن نقول: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾، يعني أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض، فتطابق الآية الأخري.
من الفوائد المسلكية في هذه الآيات:
أن الإنسان إذا علم بأن الله تعالي فوق كل شيء، فإنه يعرف مقدار سلطانه وسيطرته على خلقه، وحينئذ يخافه ويعظمه، وإذا خاف الإنسان ربه وعظمه، فإنه يتقيه ويقوم بالواجب ويدع المحرم.
إثبات معية الله لخلقه
الشرح:
شرع المؤلف بسوق أدلة المعية؛ أي: أدلة معية الله تعالى لخلقه، وناسب أن يذكرها بعد العلو؛ لأنه قد يبدون للإنسان أن هناك تناقضاً بين كونه فوق كل شيء وكونه مع العباد، فكان من المناسب جداً أن يذكر الآيات التي تثبت معية الله للخلق بعد ذكر آيات العلو.
стр. 399
وفي معية الله تعالى لخلقه مباحث:
المبحث الأول: في أقسامها:
معية الله تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة.
والخاصة تنقسم إلى قسمين: مقيدة بشخص, ومقيدة بوصف.
أما العامة؛ فهي التي تشمل كل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر. ودليلها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
أما الخاصة المقيدة بوصف؛ فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
وأما الخاصة المقيدة بشخص معين؛ فمثل قوله تعالى عن نبيه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
وهذه أخص من المقيدة بوصف.
فالمعية درجات: عامة مطلقة، وخاصة مقيدة بوصف، وخاصة مقيدة بشخص.
فأخص أنواع المعية ما قيد بشخص, ثم ما قيد بوصف، ثم ما كان عاماً.
فالمعية العامة تستلزم الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسمعاً
стр. 400
وبصراً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته، والمعية الخاصة بنوعيها تستلزم مع ذلك النصر والتأييد.
المبحث الثاني: هل المعية حقيقية أو هي كتابة عن علم الله وسمعه وبصره وقدرته وسلطانه وغير ذلك من معاني ربوبيته؟
أكثر عبارات السلف ﵏ يقولون: إنها كتابة عن العلم وعن السمع والبصر والقدرة وما أشبه ذلك, فيجعلون معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: وهو عالم بكم سميع لأقوالكم, بصير بأعمالكم, قادر عليكم حاكم بينكم .... وهكذا, فيفسرونها بلازمها.
واختار شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب وغيره أنها على حقيقتها, وأن كونه معنا حق على حقيقته, لكن ليست معيته كمعية الإنسان للإنسان التي يمكن أن يكون الإنسان مع الإنسان في مكانه؛ لأن معية الله ثابتة له وهو في علوه؛ فهو معنا وهو عال على عرشه فوق كل شيء, ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معنا في الأمكنة التي نحن فيها.
وعلى هذا، فإنه يحتاج إلى الجمع بينها وبين العلو.
والمؤلف عقد لها فصلاً خاصاً سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأنه لا منافاة بين العلو والمعية، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو علي في دنوه، قريب في علوه (١).
стр. 401
وضرب شيخ الإسلام ﵀ لذلك مثلاً بالقمر، قال: إنه يقال: مازلنا نسير والقمر معنا، وهو موضوع في السماء، وهو من أصغر المخلوقات، فكيف لا يكون الخالق مع الخلق، الذي الخلق بالنسبة إليه ليسوا بشيء، وهو فوق سماواته؟!
وما قاله ﵀ فيه دفع حجة بعض أهل التعطيل حيث احتجوا على أهل السنة، فقالوا: أنتم تمنعون التأويل، وأنتم تؤولون في المعية، تقولون: المعية بمعنى العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وما اشبه ذلك.
فنقول: إن المعية حق على حقيقتها، لكنها ليست في المفهوم الذي فهمه الجهمية ونحوهم، بأنه مع الناس في كل مكان وتفسير بعض السلف لها بالعلم ونحوه، بأنه مع الناس في كل مكان وتفسير بعض السلف لها بالعلم ونحوه تفسير باللازم.
المبحث الثالث: هل المعية من الصفات الذاتية أو منا لصفات الفعلية؟
فيه تفصيل:
- أما المعية العامة، فهي ذاتية، لأن الله لم يزل ولا يزال محيطاً بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته.
- وأما المعية الخاصة، فهي صفة فعلية، لأنها تابعة لمشيئة الله، وكل صفة مقرونة بسبب هي من الصفات الفعلية، فقد سبق لنا أن الرضى من الصفات الفعلية، لأنه مقرون بسبب، إذا وجد السبب الذي به يرضى الله، وجد الرضى، وكذلك المعية الخاصة
стр. 402
إذا وجدت التقوى أو غيرها من أسبابها في شخص، كان الله معه.
المبحث الرابع في المعية: هل هي حقيقة أو لا؟
ذكرنا ذلك، وأن من السلف من فسرها باللازم، وهو الذي لا يكاد يرى الإنسان سواه. ومنهم من قال: هي على حقيقتها، لكنها معية تليق بالله، خاصة به.
وهذا صريح كلام المؤلف هنا في هذا الكتاب وغيره، لكن تصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن الله معنا في الأرض ونحو ذلك، فإن هذا باطل مستحيل!
المبحث الخامس في المعية: هل بينها وبين العلو تناقض؟
الجواب: لا تناقض بينهما، لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الله جمع بينهما فيما وصف به نفسه، ولو كانا يتناقضان ما صح أن يصف الله بهما نفسه.
الوجه الثاني: أن نقول: ليس بين العلو والمعية تعارض، أصلاً، إذ من الممكن أن يكون الشيء عالياً وهو معك، ومنه ما يقوله العرب: القمر معنا ونحن نسير، والشمس معنا ونحن نسير، والقطب معنا ونحن نسير، مع أن القمر والشمس والقطب كلها في السماء، فإذا أمكن اجتماع العلو والمعية في المخلوق، فاجتماعهما في الخالق من باب أولى.
أرأيت لو أن إنساناً على جبل عالٍ، وقال للجنود: اذهبوا إلى مكان بعيد في المعركة، وأنا معكم، وهو واضع المنظار على
стр. 403
عينيه، ينظر إليهم من بعيد، فصار معهم، لأنه الآن يبصر كأنهم بين يديه، وهو بعيد عنهم، فالأمر ممكن في حق المخلوق، فكيف لا يمكن في حق الخالق؟!
الوجه الثالث: أنه لو تعذر اجتماعهما في حق المخلوق، لم يكن متعذراً في حق الخالق، لأن الله أعظم وأجل، ولا يمكن أن تقاس صفات الخالق بصفات المخلوقين، لظهور التباين بين الخالق والمخلوق.
والرسول ﷺ يقول في سفره: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل" (١)، فجمع بين كونه صاحباً له وخليفة له في أهله، مع أنه بالنسبة للمخلوق غير ممكن، لا يمكن أن يكون شخص ما صاحباً لك في السفر وخليفة لك في أهلك.
وثبت في الحديث الصحيح (٢): أن الله يقول إذا قال المصلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: "حمدني عبدي".
كم من مصل يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟
لا يحصون.
وكم من مصليين، أحدهما يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والثاني يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وكل واحد منهما له رد، الذي يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
стр. 404
الْعَالَمِينَ﴾: يقول الله له: "حمدني عبدي". والذي يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: يقول الله له: "هذا بيني وبين عبدي نصفين" .....
إذاً، يمكن أن يكون الله معنا حقاً وهو على عرشه في السماء حقاً، ولا يفهم أحداً أنهما يتعارضان، إلا من أراد أن يمثل الله بخلقه، ويجعل معية الخالق كمعية المخلوق.
ونحن بينا إمكان الجمع بين نصوص العلو ونصوص المعية، فإن تبين ذلك، وإلا، فالواجب أن يقول العبد: آمنت بالله ورسوله، وصدقت بما قال الله عن نفسه ورسوله، ولا يقول: كيف يمكن؟! منكراً ذلك!
إذا قال: كيف يمكن؟! قلنا: سؤالك هذا بدعة، لم يسأل عنه الصحابة، وهم خير منك، ومسؤولهم أعلم من مسؤولك وأصدق وأفصح وأنصح، عليك أن تصدق، لا تقل: كيف؟ ولا لم؟ ولكن سلم تسليماً.
تنبيه:
تأمل في الآية، تجد كل الضمائر تعود على الله : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى﴾، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾، فكذلك ضمير ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، فيجب علينا أن نؤمن بظاهر الآية الكريمة، ونعلم علم اليقين أن هذه المعية لا تقتضي أن يكون الله معنا في الأرض، بل هو معنا مع استوائه على العرش.
стр. 405
هذه المعية، إذا آمنا بها، توجب لنا خشية الله وتقواه، ولهذا جاء في الحديث: "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت" (١).
أما أهل الحلول، فقالوا: إن الله معنا بذاته في أمكنتنا، إن كنت في المسجد، فالله معك في المسجد والذين في السوق الله معهم في السوق!! والذين في الحمامات الله معهم في الحمامات!!
ما نزهوه عن الأقذار والأنتان وأماكن اللهو والرفث!!
المبحث السادس: في شبهة القائلين بأن الله معنا في أكنتنا والرد عليهم:
شبهتهم: يقولون: هذا ظاهر اللفظ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾؛ لأن كل الضمائر تعود على الله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ , ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ , ﴿يَعْلَمُ﴾ , ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ , وإذا كان معنا؛ فنحن لأنفهم من المعية إلا المخالطة أو المصاحبة في المكان!! والرد عليهم من وجوه:
أولاً: أن ظاهرها ليس كما ذكرتم؛ إذ لو كان الظاهر كما ذكرتم؛ لكان في الآية تناقض: أن يكون مستوياً على العرش، وهو
стр. 406
مع كل إنسان في أي مكان! والتناقض في كلام الله تعالى مستحيل.
ثانياً: قولكم: "إن المعية لا تعقل إلا مع المخالطة أو المصاحبة في المكان! هذا ممنوع؛ فالمعية في اللغة العربية أسم لمطلق المصاحبة، وهي أوسع مدلولاً مما زعمتم؛ فقد تقتضي الإختلاط, وقد تقتضي المصاحبة في المكان، وقد تقتضي مطلق المصاحبة وإن اختلف المكان؛ هذه ثلاثة أشياء:
١ - مثال المعية التي تقتضي المخالطة: أن يقال: اسقوني لبناً مع ماء؛ أي: مخلوطاً بماء.
٢ - ومثال المعية التي تقتضي المصاحبة في المكان: قولك: وجدت فلاناً مع فلان يمشيان جميعاً وينزلان جميعاً.
٣ - ومثال المعية التي تقتضي الإختلاط ولا المشاركة في المكان: أن يقال: فلان مع جنوده. وإن كان في غرفة القيادة, لكن يوجههم. فهذا ليس فيه اختلاط ولا مشاركة في مكان.
ويقال: زوجة فلان معه. وإن كانت هي في المشرق وهو في المغرب. فالمعية إذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكما هو ظاهر من شواهد اللغة: مدلولها مطلق المصاحبة، ثم هي بحسب ما تضاف إليه. فإذا قيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨]؛ فلا
стр. 407
يقتضي ذلك لا اختلاطاً ولا مشاركة في المكان, بل هي معية لائقة بالله, ومقتضاها النصر والتأييد.
ثالثاً: نقول: وصفكم الله بهذا! من أبطل الباطل وأشد التنقص لله , والله ذكرها هنا عن نفسه متمدحاً؛ أنه مع علوه على عرشه؛ فهو مع الخلق, وإن كانوا أسفل منه, فإذا جعلتم الله في الأرض؛ فهذا نقص. إذا جعلتم الله نفسه معكم في كل مكان, وأنتم تدخلون الكنيف؛ هذا أعظم النقص, ولا تستطيع أن تقوله ولا لملك من ملوك الدنيا: إنك أنت في الكنيف! لكن كيف تقوله لله ؟!
رابعاً: يلزم على قولكم هذا أحد أمرين لا ثالث لهما, وكلاهما ممتنع: إما أن يكون الله متجزئاً, كل جزء منه في مكان.
وإما أن يكون متعدداً؛ يعني: كل إله في جهة ضرورة تعدد الأمكنة.
خامساً: أن نقول: قولكم هذا أيضاً يستلزم أن يكون الله حالاً في الخلق؛ فكل مكان في الخلق؛ فالله تعالى فيه، وصار هذا سلماً لقول أهل وحدة الوجود.
فأنت ترى أن هذا القول باطل, ومقتضى هذا القول الكفر.
ولهذا نرى أن من قال: إن الله معنا في الأرض؛ فهو كافر؛ يستتاب, ويبين له الحق، فإن رجع، وإلا؛ وجب قتله.
стр. 408
وهذه آيات المعية:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]: والشاهد فيها قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ , وهذه من المعية العامة؛ لأنها تقتضي الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وسمعاً وبصراً وغير ذلك من معاني الربوبية.
الآية الثانية: قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
﴿مَا يَكُونُ﴾: ﴿يَكُونُ﴾؛ تامة يعني: ما يوجد.
وقوله: ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾: قيل: إنها من باب إضافة الصفة إلى الموصوف, وأصلها: من ثلاثة نجوى, ومعنى ﴿نَجْوَى﴾؛ أي: متناجين.
وقوله: ﴿إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ولم يقل: إلا هو ثالثهم؛ لأنه من غير الجنس, وإذا كان من غير الجنس, فإنه يؤتى بالعدد التالي، أما إذا كان من الجنس؛ فإنه يؤتى بنفس العدد، أنظر قوله تعالى عن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] , ولم يقولوا: ثالث أثنين؛ لأنه من الجنس على زعمهم فعندهم كل الثلاثة آلهة, فلما كان من الجنس
стр. 409
على زعمهم؛ قالوا فيه: ثالث ثلاثة.
قوله: ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ذكر العدد الفردي ثلاثة وخمسة، وسكت عن العدد الزوجي، لكنه داخل في قوله: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: الأدنى من ثلاثة أثنان, ﴿وَلا أَكْثَرَ﴾ من خمسة, ستة فما فوق.
ما من اثنين فأكثر يتناجيان بأي مكان من الأرض؛ إلا والله معهم.
وهذه المعية عامة؛ لأنها تشمل كل أحد: المؤمن, والكافر، والبر، والفاجر, ومقتضاها الإحاطة بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وتدبيراً وغير ذلك.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ يعني: أن هذه المعية تقتضي إحصاء ما عملوه؛ فإذا كان يوم القيامة؛ نبأهم بما عملوا؛ يعني: أخبرهم به وحاسبهم عليه؛ لأن المراد بالإنباء لازمه, وهو المحاسبة, لكن إن كانوا مؤمنين؛ فإن الله تعالى يحصي أعمالهم, ثم يقول: "سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١).
وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: كل شيء موجود أو معدوم, جائز أو واجب أو ممتنع, كل شيء؛ فالله عليم به.
стр. 410
وقد سبق لنا الكلام على صفة العلم, وأن علم الله يتعلق بكل شيء، حتى بالواجب والمستحيل والصغير والكبير, والظاهر والخفي.
الآية الثالثة: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
الخطاب لأبي بكر من النبي ﷺ : قال الله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
أولاً: نصره حين الإخراج و ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ثانياً: وعند المكث في الغار ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.
ثالثاً: عند الشدة حينما وقف المشركون على فم الغار: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾.
فهذه ثلاثة مواقع بين الله تعالى فيها نصره لنبيه ﷺ .
وهذا الثالث حين وقف المشركون عليهم؛ يقول أبو بكر: "يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدمه؛ لأبصرنا" (١)؛ يعني: إننا على خطر؛ كقول أصحاب موسى لما وصلوا إلى البحر: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، وهنا قال النبي ﷺ , لأبي بكر ﵁: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. فطمأنه وأدخل الأمن في نفسه, وعلل ذلك بقوله:
стр. 411
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ﴾: نهي يشمل الهم مما وقع وما سيقع؛ فهو صالح للماضي والمستقبل.
والحزن: تألم النفس وشدة همها.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: وهذه المعية خاصة، مقيدة بالنبي صلى الله عليه وسلموأبي بكر، وتقتضي مع الإحاطة التي هي المعية العامة النصر والتأييد.
ولهذا وقفت قريش على الغار, ولم يبصروهما! أعمى الله أبصارهم.
وأما قول من قال: فجاءت العنكبوت فنسجت على باب الغار, والحمامة وقعت على باب الغار، فلما جاء المشركون, وإذا على الغار, حمامة وعش عنكبوت, فقالوا: ليس فيه أحد؛ فانصرفوا (١). فهذا باطل!!
الحماية الإلهية والآية البالغة أن يكون الغار مفتوحاً صافياً؛ ليس فيه مانع حسي, ومع ذلك لا يرون من فيه، هذه هي الآية!! أما أن تأتي حمامة وعنكبوت تعشش؛ فهذا بعيد, وخلاف قوله: "لو نظر أحدهم إلى قدمه، لأبصرنا".
стр. 412
المهم أن بعض المؤرخين – عفا الله عنهم – يأتون باشياء غريبة شاذة منكرة لا يقبلها العقل ولا يصح بها النقل.
الآية الرابعة: قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [ طه: ٤٦].
هذا الخطاب موجه لموسى وهارون, لما أمرهما الله أن يذهبا إلى فرعون؛ قال: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٦].
فقوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾: جملة استئنافية لبيان مقتضى هذه المعية الخاصة، وهو السمع والرؤية، وهذا سمع ورؤية خاصان تقتضيان النصر والتأييد والحماية من فرعون الذي قالا عنه: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾.
الآية الخامسة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
هذه جاءت بعد قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٧].
عقوبة الجاني بمثل ما عوقب به من باب التقوى, وأكثر ظلم وعدوان، والعفو إحسان, ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
والمعية هنا خاصة مقيدة بصفة: كل من كان من المتقين
стр. 413
المحسنين؛ فالله معه.
وهذا يثمر لنا بالنسبة للحالة المسلكية: الحرص على الإحسان والتقوى؛ فإن كل إنسان يحب أن يكون الله معه.
الآية السادسة: قوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [ الأنفال:٤٦].
سبق لنا أن الصبر حبس النفس على طاعة الله, وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط على أقدار الله؛ سواء باللسان أو بالقلب أو بالجوارح.
وأفضل أنواع الصبر: الصبر على طاعة الله، ثم عن معصية الله لأن فيهما اختياراً: إن شاء الإنسان فعل المأمور، وإن شاء لم يفعل, وإن شاء ترك المحرم وإن شاء ما تركه, ثم على أقدار الله؛ لن أقدار الله واقعة شئت أم أبيت؛ فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلو سلو البهائم.
والصبر درجة عالية لا تنال إلا بشيء يصبر عليه, أما من فرشت له الأرض وروداً, وصار الناس ينظرون إلى مايريد؛ فإنه لا بد أن يناله شيء من التعب النفس أو البدني الداخلي أو الخارجي.
ولهذا جمع الله لنبيه ﵊ بين الشكر والصبر.
فالشكر؛ كان يقوم حتى تتورم قدماه, فيقول: "أفلا أكون
стр. 414
عبداً شكوراً؟ " (١)
والصبر: صبر على ما أوذي, فقد أوذي من قومه ومن غيرهم من اليهود والمنافقين، ومع ذلك؛ فهو صابر.
الآية السابعة: قوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
﴿كَمْ﴾: خبرية, تفيد التكثير؛ يعني: فئة قليلة غلبت فئة كثيرة عدة مرات، أو فئات قليلة متعددة غلبت فئات كثيرة متعددة، لكن لا بحولهم ولا بقوتهم، بل بإذن الله, أي: بإرادته وقدرته.
ومن ذلك: أصحاب طالوت غلبوا عدوهم وكانوا كثيرين.
أصحاب بدر خرجوا لغير قتال، بل لأخذ عير أبي سفيان, وأبو سفيان لما علم بهم؛ أرسل صارخاً إلى أهل مكة يقول: أنقذوا عيركم، محمد وأصحابه خرجوا إلينا يريدون أخذ العير. فيها أرزاق كثيرة لقريش، فخرجت قريش بأشرافها وأعيانها وخيلائها وبطرها، يظهرون القوة والفخر والعزة, حتى قال أبو جهل: والله؛ لا ترجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ثلاثاً؛ ننحر الجزور، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب؛
стр. 415
فلا يزالون يهابوننا أبداً (١).
فالحمد لله, غنوا على قتله هو ومن معه!
كان هؤلاء القوم ما بين تسعمائة وألف، كل يوم ينحرون من الإبل تسعاً إلى عشر، والنبي ﵊ هو أصحابه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً, معهم سبعون بعيراً وفرسان فقط يتعاقبونها, ومع ذلك قتلوا الصناديد العظماء لقريش حتى جيفوا وانتفخوا من الشمس وسحبوا إلى قليب من قلب بدر خبيثة.
فـ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ لأن الفئة القليلة صبرت، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ صبرت كل أنواع الصبر؛ على طاعة الله, وعن معصية الله، وعلى ما أصابها من الجهد والتعب والمشقة في تحمل أعباء الجهاد، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
انتهت آيات المعية، وسيأتي للمؤلف ﵀ فصل كامل في تقريرها.
فما هي الثمرات التي نستفيدها بأن الله معنا ؟
أولاً: الإيمان بإحاطة الله بكل شيء, وأنه مع علوه
стр. 416
فهو مع خلقه، لا يغيب عنه شيء من أحوالهم أبداً.
ثانياً: أننا إذا علمنا ذلك وآمنا به؛ فإن ذلك يوجب لنا كمال مراقبته بالقيام بطاعته وترك معصيته؛ بحيث لا يفقدنا حيث أمرنا, ولا يجدنا حيث نهانا, وهذه ثمرة عظيمة لمن آمن بهذه المعية.
إثبات الكلام لله تعالى:
الشرح:
ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على كلام الله تعالى وأن القرآن من كلامه تعالى.
الآية الأولى والثانية: قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢].
﴿وَمَنْ﴾: اسم استفهام بمعنى النفي, وإتيان النفي بصيغة الإستفهام أبلغ من إتيان النفي مجرداً؛ لأنه يكون بالاستفهام مشرباً معنى التحدي؛ كأنه يقول: لا أحد أصدق من الله حديثاً, وإذا كنت تزعم خلاف ذلك؛ فمن اصدق من الله؟
وقوله: ﴿حَدِيثاً﴾ و ﴿قِيلاً﴾: تمييز لـ ﴿أَصْدَقُ﴾.
وإثبات الكلام في هاتين الآيتين يؤخذ من: قوله: ﴿أَصْدَقُ﴾؛ لأن الصدق يوصف به الكلام, وقوله: ﴿حَدِيثاً﴾ لأن الحديث هو الكلام، ومن قوله في الآية الثانية: ﴿قِيلاً﴾؛ يعني: قولاً, والقول لا يكون إلا باللفظ.
стр. 417
ففيهما إثبات الكلام لله ، وأن كلامه حق وصدق, ليس فيه كذب بوجه من الوجوه.
الآية الثالثة: قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦].
قوله: ﴿يَا عِيسَى﴾: مقول القول، وهي جملة من حروف: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
ففي هذا إثبات أن الله يقول: وأن قوله مسموع، فيكون بصوت, وأن قوله كلمات وجمل, فيكون بحرف.
ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء, كيف شاء، بما شاء, بحرف وصوت، لا يماثل أصوات المخلوقين.
"متى شاء ": باعتبار الزمن.
"بما شاء": باعتبار الكلام؛ يعني: موضوع الكلام من أمر أو نهي أو غير ذلك.
" كيف شاء": يعني على الكيفية والصفة التي يريدها . قلنا: إنه بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين.
الدليل على هذا من الآية الكريمة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: هذا حروف.
стр. 418
وبصوت؛ لأن عيسى يسمع ما قال.
لا يماثل أصوات المخلوقين؛ لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الآية الرابعة: قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥].
﴿كَلِمَةُ﴾؛ بالإفراد، وفي قراءة ﴿كَلِمَاتُ﴾؛ بالجمع, ومعناها واحد؛ لأن ﴿كَلِمَةُ﴾ مفرد مضاف فيعم.
تمت كلمات الله على هذين الوصفين: الصدق والعدل، والذي يوصف بالصدق الخبر، والذي يوصف بالعدل الحكم، ولهذا قال المفسرون: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.
فكلمات الله في الأخبار صدق لا يعتريها الكذب بوجه الوجوه, وفي الأحكام عدل لا جور فيها بوجه من الوجوه.
هنا وصفت الكلمات بالصدق والعدل. إذا؛ فهي أقوال؛ لأن القول هو الذي يقال فيه: كاذب أو صادق.
الآية الخامسة: قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤].
стр. 419
﴿اللَّهُ﴾: فاعل؛ فالكلام واقع منه.
﴿تَكْلِيماً﴾: مصدر مؤكد, والمصدر المؤكد –بكسر الكاف-؛ قال العلماء: إنه ينفي احتمال المجاز. فدل على أنه كلام حقيقي؛ لأن المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز.
أرأيت لو قلت: جاء زيد. فيفهم أنه جاء هو نفسه، ويحتمل أن يكون المعنى جاء خبر زيد، وإن كان خلاف الظاهر, لكن إذا أكدت فقلت: جاء زيد نفسه. أو: جاء زيد. انتفى احتمال المجاز.
فكلام الله لموسى كلام حقيقي, بحرف وصوت سمعه, ولهذا جرت بينهما محاورة؛ كما في سورة طه وغيرها. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
﴿مِنْهُمْ﴾؛أي: من الرسل
﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: الاسم الكريم ﴿اللَّهُ﴾ فاعل كلم، ومفعولها محذوف يعود على ﴿مَنْ﴾ , والتقدير: كلمه الله.
الآية السابعة: قوله: وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
أفادت هذه الآية أن الكلام يتعلق بمشيئته, وذلك لأن الكلام صار حين المجيء., لا سابقاً عليه، فدل هذا على أن كلامه يتعلق بمشيئته. فيبطل به قول من قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس, وإنه لا يتعلق بمشيئته, وذلك لأن الكلام صار حين المجيء، لا سابقاً عليه، فدل هذا على أن كلامه يتعلق بمشيئته.
فيبطل به قول من قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس,
стр. 420
وإنه لا يتعلق بمشيئته؛ كما تقوه الأشاعرة.
وفي هذه الآية إبطال زعم من زعم أن موسى فقط هو الذي كلم الله, وحرف قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ إلى نصب الاسم الكريم؛ لأنه في هذه الآية لا يمكنه زعم ذلك ولا تحريفها.
الآية الثامنة: قوله: وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾. [مريم:٥٢].
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾: ضمير الفاعل يعود إلى الله, وضمير المفعول يعود إلى موسى؛ أي: نادى الله موسى.
﴿نَجِيّاً﴾: حال, وهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مناجي.
والفرق بين المناداة والمناجاة أن المناداة تكون للبعيد, والمناجاة تكون للقريب وكلاهما كلام.
وكون الله يتكلم مناداة ومناجاة داخل في قول السلف: "كيف شاء".
فهذه الآية مما يدل على أن الله يتكلم كيف شاء مناداة كان الكلام أو مناجاة.
الآية التاسعة: قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠].
﴿وَإِذْ نَادَى﴾؛ يعني: واذكر إذ نادى.
стр. 421
والشاهد قوله: ﴿رَبُّكَ مُوسَى﴾: فسر النداء بقوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
فالنداء يدل على أنه بصوت، و ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: يدل على أنه بحرف.
الآية العاشرة: قوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢].
﴿وَنَادَاهُمَا﴾: ضمير المفعول يعود على آدم وحواء.
﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾: يقرر أنه نهاهما عن تلكما الشجرة, وهذا يدل على أن الله كلمهما من قبل، وأن كلام الله بصوت وحرف، ويدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾؛ فإن هذا القول بعد النهي، فيكون متعلقاً بالمشيئة.
الآية الحادية عشرة: قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].
يعني: واذكر يوم يناديهم، وذلك يوم القيامة, والمنادي هو الله : ﴿فَيَقُولُ﴾.
وفي هذه الآية إثبات الكلام من وجهين: النداء والقول.
وهذه الآيات تدل بمجموعها على أن الله يتكلم بكلام حقيقي، متى شاء, بما شاء, بحرف وصوت مسموع، لا يماثل أصوات المخلوقين.
وهذه هي العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة.
стр. 422
إثبات أن القرآن كلام الله تعالى
الشرح:
ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله. وهذه المسألة وقع فيها النزاع الكثير بين المعتزلة وأهل السنة, وحصل بها شر كثير على أهل, وممن أوذي في الله في ذلك الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل السنة، الذي قال فيه بعض العلماء: "إن الله حفظ الإسلام (أو قال: نصره) بأبي بكر يوم الردة، وبالإمام أحمد يوم المحنة" (١).
والمحنة: هو أن المأمون عفا الله عنا وعنه أجبر الناس على أن يقولوا بخلق القرآن, حتى إنه صار يمتحن العلماء ويقتلهم إذا لم يجيبوا, وأكثر العلماء رأوا أنهم في فسحة من الأمر، وصاروا يتأولون:
إما بأن الحال حال إكراه, والمكره إذا قال الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فإنه معفو عنه.
وإما بتنزيل اللفظ على غير ظاهره؛ يتأولون، فيقولون مثلاً: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور؛ هذه مخلوقة. وهو يتأول أصابعه.
стр. 423
أما الإمام أحمد ومحمد بن نوح رحمهما؛ فأبيا ذلك، وقالا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. ورأيا أن الإكراه في هذا المقام لا يسوغ لهما أن يقولا خلاف الحق؛ لأن المقام مقام جهاد, والإكراه يقتضي العفو إذا كانت المسألة شخصية؛ بمعنى أن تكون على الشخص نفسه، أما إذا كانت المسألة شخصية؛ بمعنى أن تكون على الشخص نفسه, أما إذا كانت المسألة لحفظ شريعة الله .
لو قال الإمام أحمد في ذلك الوقت: إن القرآن مخلوق, ولو بتأويل أو لدفع الإكراه؛ لقال الناس كلهم: القرآن مخلوق! وحينئذ يتغير المجتمع الإسلامي من أجل دفع الإكراه، لكنه صمم, فصارت العاقبة له، ولله الحمد.
المهم أن القول في القرآن جزء من القول في كلام الله على العموم, لكن لما وقعت فيه المحنة، وصار محك النزاع بين المعتزلة وأهل السنة؛ صار الناس يفردون القول في القرآن بكلام خاص، والمؤلف ﵀ من الآن ساق الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله في آيات متعددة.
الآية الأولى: قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].
﴿أَحَدٌ﴾: هذه اسم, و ﴿وَإِنْ﴾: أداة الشرط, والاسم إذا ولي أداة الشرط؛ فقد ولي أداة لا يليها إلا الفعل، فاختلف النحويون في هذا:
стр. 424
فقال بعضهم: إنه فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده, وعليه يكون ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل لفعل محذوف, والتقدير: وإن استجارك أحد من المشركين؛ فأجره، ومثلها: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فـ ﴿السَّمَاءُ﴾ فاعل لفعل محذوف, والتقدير: إذا انشقت السماء.
القول الثاني: وهو قول الكوفيين وهم في الغالب أسهل من البصريين: أن ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل مقدم، والفعل استجارك مؤخر, ولا حاجة للتقدير.
القول الثالث: أن ورود الأسماء بعد أدوات الشرط في القرآن كثيراً يدل على عدم امتناعه، وعلى هذا القول يكون الإسم الواقع بعد أداة الشرط مبتدأ إذا كان مرفوعاً، فيكون ﴿أَحَدٌ﴾: مبتدأ, و ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: خبر المبتدأ.
والقاعدة عندي أن ما كان أسهل من أقوال النحويين؛ فهو المتبع، حيث لا مانع شرعاً من ذلك.
قوله: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾؛ أي: طلب جوارك، والجوار: بمعنى العصمة والحماية.
﴿حَتَّى يَسْمَعَ﴾: ﴿حَتَّى﴾: للغاية؛ والمعنى: إن أحد استجارك ليسمع كلام الله؛ فأجره حتى سمع كلام الله؛ أي: القرآن، وهذا بالاتفاق.
وإنما قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾؛ لأن سماع كلام الله مؤثر ولا بد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ
стр. 425
قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، وكم من إنسان سمع كلام الله فآمن, لكن بشرط أن يكون يفهمه تماماً.
وقوله: ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾: أضاف الكلام إلى نفسه, فقال: ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾ , فدل هذا على أن القرآن كلام الله، وهو كذلك.
وعقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن؛ يقولون: إن القرآن كلام الله, منزل, غير مخلوق منه بدأ, وإليه يعود.
قولهم: "منزل": دليلة قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] , وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] , وقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦].
وقولهم: "غير مخلوق": دليله: قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]؛ فجعل الخلق شيئاً والأمر شيئاً آخر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة, والقرآن من الأمر؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]؛ فإذا كان القرآن أمراً, وهو قسيم للخلق؛ صار غير مخلوق؛ لأنه لو كان مخلوقاً؛ ما صح التقسيم. وهذا دليل سمعي.
أما الدليل العقلي ؛ فنقول: القرآن كلام الله، والكلام ليس