← Акыда

Акыда · id 11250

شرح العقيدة الواسطية - العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (835 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والشاهد قوله: ﴿رَبُّكَ مُوسَى﴾: فسر النداء بقوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فالنداء يدل على أنه بصوت، و ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: يدل على أنه بحرف. الآية العاشرة: قوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]. ﴿وَنَادَاهُمَا﴾: ضمير المفعول يعود على آدم وحواء. ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾: يقرر أنه نهاهما عن تلكما الشجرة, وهذا يدل على أن الله كلمهما من قبل، وأن كلام الله بصوت وحرف، ويدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾؛ فإن هذا القول بعد النهي، فيكون متعلقاً بالمشيئة. الآية الحادية عشرة: قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]. يعني: واذكر يوم يناديهم، وذلك يوم القيامة, والمنادي هو الله : ﴿فَيَقُولُ﴾. وفي هذه الآية إثبات الكلام من وجهين: النداء والقول. وهذه الآيات تدل بمجموعها على أن الله يتكلم بكلام حقيقي، متى شاء, بما شاء, بحرف وصوت مسموع، لا يماثل أصوات المخلوقين. وهذه هي العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة.

стр. 422

إثبات أن القرآن كلام الله تعالى الشرح: ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله. وهذه المسألة وقع فيها النزاع الكثير بين المعتزلة وأهل السنة, وحصل بها شر كثير على أهل, وممن أوذي في الله في ذلك الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل السنة، الذي قال فيه بعض العلماء: "إن الله حفظ الإسلام (أو قال: نصره) بأبي بكر يوم الردة، وبالإمام أحمد يوم المحنة" (١). والمحنة: هو أن المأمون عفا الله عنا وعنه أجبر الناس على أن يقولوا بخلق القرآن, حتى إنه صار يمتحن العلماء ويقتلهم إذا لم يجيبوا, وأكثر العلماء رأوا أنهم في فسحة من الأمر، وصاروا يتأولون: إما بأن الحال حال إكراه, والمكره إذا قال الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فإنه معفو عنه. وإما بتنزيل اللفظ على غير ظاهره؛ يتأولون، فيقولون مثلاً: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور؛ هذه مخلوقة. وهو يتأول أصابعه.

стр. 423

أما الإمام أحمد ومحمد بن نوح رحمهما؛ فأبيا ذلك، وقالا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. ورأيا أن الإكراه في هذا المقام لا يسوغ لهما أن يقولا خلاف الحق؛ لأن المقام مقام جهاد, والإكراه يقتضي العفو إذا كانت المسألة شخصية؛ بمعنى أن تكون على الشخص نفسه، أما إذا كانت المسألة شخصية؛ بمعنى أن تكون على الشخص نفسه, أما إذا كانت المسألة لحفظ شريعة الله . لو قال الإمام أحمد في ذلك الوقت: إن القرآن مخلوق, ولو بتأويل أو لدفع الإكراه؛ لقال الناس كلهم: القرآن مخلوق! وحينئذ يتغير المجتمع الإسلامي من أجل دفع الإكراه، لكنه صمم, فصارت العاقبة له، ولله الحمد. المهم أن القول في القرآن جزء من القول في كلام الله على العموم, لكن لما وقعت فيه المحنة، وصار محك النزاع بين المعتزلة وأهل السنة؛ صار الناس يفردون القول في القرآن بكلام خاص، والمؤلف ﵀ من الآن ساق الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله في آيات متعددة. الآية الأولى: قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]. ﴿أَحَدٌ﴾: هذه اسم, و ﴿وَإِنْ﴾: أداة الشرط, والاسم إذا ولي أداة الشرط؛ فقد ولي أداة لا يليها إلا الفعل، فاختلف النحويون في هذا:

стр. 424

فقال بعضهم: إنه فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده, وعليه يكون ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل لفعل محذوف, والتقدير: وإن استجارك أحد من المشركين؛ فأجره، ومثلها: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فـ ﴿السَّمَاءُ﴾ فاعل لفعل محذوف, والتقدير: إذا انشقت السماء. القول الثاني: وهو قول الكوفيين وهم في الغالب أسهل من البصريين: أن ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل مقدم، والفعل استجارك مؤخر, ولا حاجة للتقدير. القول الثالث: أن ورود الأسماء بعد أدوات الشرط في القرآن كثيراً يدل على عدم امتناعه، وعلى هذا القول يكون الإسم الواقع بعد أداة الشرط مبتدأ إذا كان مرفوعاً، فيكون ﴿أَحَدٌ﴾: مبتدأ, و ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: خبر المبتدأ. والقاعدة عندي أن ما كان أسهل من أقوال النحويين؛ فهو المتبع، حيث لا مانع شرعاً من ذلك. قوله: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾؛ أي: طلب جوارك، والجوار: بمعنى العصمة والحماية. ﴿حَتَّى يَسْمَعَ﴾: ﴿حَتَّى﴾: للغاية؛ والمعنى: إن أحد استجارك ليسمع كلام الله؛ فأجره حتى سمع كلام الله؛ أي: القرآن، وهذا بالاتفاق. وإنما قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾؛ لأن سماع كلام الله مؤثر ولا بد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ

стр. 425

قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، وكم من إنسان سمع كلام الله فآمن, لكن بشرط أن يكون يفهمه تماماً. وقوله: ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾: أضاف الكلام إلى نفسه, فقال: ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾ , فدل هذا على أن القرآن كلام الله، وهو كذلك. وعقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن؛ يقولون: إن القرآن كلام الله, منزل, غير مخلوق منه بدأ, وإليه يعود. قولهم: "منزل": دليلة قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] , وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] , وقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦]. وقولهم: "غير مخلوق": دليله: قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]؛ فجعل الخلق شيئاً والأمر شيئاً آخر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة, والقرآن من الأمر؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]؛ فإذا كان القرآن أمراً, وهو قسيم للخلق؛ صار غير مخلوق؛ لأنه لو كان مخلوقاً؛ ما صح التقسيم. وهذا دليل سمعي. أما الدليل العقلي ؛ فنقول: القرآن كلام الله، والكلام ليس

стр. 426

عيناً قائمة بنفسها حتى يكون بائناً من الله، ولو كان عيناً قائمة بنفسها بائنة من الله؛ لقلنا: إنه مخلوق, لكن الكلام صفة للمتكلم به، فإذا كان صفة للمتكلم به، وكان من الله؛ كان غير مخلوق؛ لأن صفات الله كلها غير مخلوقة. وأيضاً؛ لو كان مخلوقاً؛ لبطل مدلول الأمر والنهي والخبر والاستخبار؛ لأن هذه الصيغ لو كانت مخلوقة. لكانت مجرد أشكال خلقت على هذه الصورة لا دلالة لها على معناها؛ كما يكون شكل النجوم والشمس والقمر ونحوها. وقولهم: "منه بدأ"؛ أي: هو الذي ابتدأ به، وتكلم به أولاً. والقرآن أضيف إلى الله وإلى جبريل وإلى محمد, ﷺ . مثال الأول: قول الله : ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] , فيكون منه بدأ؛ أي: من الله ﷻ , ومنه: حرف جر وضمير قدم على عامله لفائدة الحصر والاختصاص. ومثال الثاني -إضافته إلى جبريل-: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠]. ومثال الثالث- إضافته إلى محمد ﵊: قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحافة: ٤٠ - ٤١] , لكن أضيف إليها لأنهما يبلغانه، لا لأنهما ابتدأاه. و قولهم: "وإليه يعود": في معناه وجهان:

стр. 427

الأول: أنه كما جاء في بعض الآثار: يسرى عليه في ليلة, فيصبح الناس ليس بين أيديهم قرآن؛ لا في صدورهم, ولا في مصاحفهم, يرفعه الله (١). وهذا-والله أعلم-حينما يعرض عنه الناس إعراضاً كلياً؛ لا يتلونه لفظاً ولا عقيدة ولا عملاً؛ فإنه يرفع؛ لأن القرآن أشرف من أن يبقى بين يدي أناس هجروه وأعرضوا عنه فلا يقدرونه قدره، وهذا-والله أعلم-نظير هدم الكعبة في آخر الزمان (٢)؛ حيث يأتي رجل من الحبشة قصير أفحج أسود, يأتي بجنوده من البحر إلى المسجد الحرام، وينقض على الكعبة حجراً حجراً، كلما نقض حجراً؛ مده للذي يليه .... وهكذا يتمادون الأحجار إلى أن يرموها في البحر، والله يمكنهم من ذلك، مع أن أبرهة جاء بخيله

стр. 428

ورجله وفيله فصمه الله قبل أن يصل إلى المسجد هيبته وعظمته، ولكن آخر الزمان لن يبعث نبي بعد محمد ﵊، وإذا أعرض الناس عن تعظيم هذا البيت نهائياً؛ فإنه يسلط عليه هذا الرجل من الحبشة؛ فهذا نظير رفع القرآن. والله أعلم. الوجه الثاني: في معنى قولهم: "وإليه يعود": أنه يعود إلى الله وصفاً؛ أي أنه لا يوصف به أحد سوى الله فيكون المتكلم بالقرآن هو الله ، وهو الموصوف به. ولا مانع أن نقول: إن المعنيين كلاهما صحيح. هذا كلام أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم. ويرى المعتزلة أن القرآن مخلوق، وليس كلام الله! ويستدلون لذلك بقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] , والقرآن شيء, فيدخل في عموم قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ , ولأنه ما ثم إلا خالق ومخلوق, والله خالق, وما سواه مخلوق. والجواب من وجهين: الأول: أن القرآن كلام الله تعالى، وهو صفة من صفات الله, وصفات الخالق غير مخلوقة. الثاني: أن مثل هذا التعبير ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ عام قد يراد به الخاص؛ مثل قوله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾

стр. 429

[النمل:٢٣]، وقد خرج شيء كثير لم يدخل في ملكها منه شيء؛ مثل ملك سليمان. فإن قال قائل: هل هناك فرق كبير بين قولنا: إنه منزل, وقولنا: إنه مخلوق؟ فالجواب: نعم؛ بينهما فرق كبير، جرت بسببه المحنة الكبرى في عصر الإمام أحمد. فإذا قلنا: إنه منزل. فهذا ما جاء به القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]. وإذا قلنا: إنه مخلوق. لزم من ذلك: أولاً: تكذيب للقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، فجعله الله تعالى موحى إلى الرسول ﵊, ولو كان مخلوقاً؛ ما صح أن يكون موحى؛ فإذا كان وحياً لزم ألا يكون مخلوقاً؛ لأن الله هو الذي تكلم به. ثانياً: إذا قلنا: إنه مخلوق؛ فإنه يلزم على ذلك إبطال مدلول الأمر والنهي والخبر والاستخبار؛ لأن هذه الصيغ لو كانت مخلوقة؛ لكانت مجرد شكل خلق على هذه الصورة؛ كما خلقت الشمس على صورتها, والقمر على صورته، والنجم على صورته .. وهكذا, ولم تكن أمراً ولا نهياً ولا خبراً ولا استخباراً؛ فمثلاً: كلمة (قل) (لا تقل) (قال فلان) (هل قال فلان) كلها نقوش على هذه الصورة, فتبطل دلالتها على الأمر والنهي

стр. 430

والخبر والاستخبار, وتبقى كأنها صور ونقوش لا تفيد شيئاً. ولهذا قال ابن القيم في "النونية": "إن هذا القول يبطل به الأمر والنهي؛ لأن الأمر كأنه شيء خلق على هذه الصورة دون أن يعتبر مدلوله، والنهي خلق على هذه الصورة دون أن يعتبر مدلوله, والنهي خلق على هذه الصورة دون أن يقصد مدلوله، وكذلك الخبر والاستخبار". ثالثاً: إذا قلنا: إن القرآن مخلوق، وقد أضافه إلى نفسه إضافة خلق؛ صح أن نطلق على كل كلام من البشر وغيرهم أنه كلام الله؛ لأن كل كلام الخلق مخلوق، وبهذا التزم أهل الحلول والاتحاد؛ حيث يقول قائلهم: وكل كلام في الوجوه كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه (١) وهذا اللازم باطل، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم. فهذه ثلاثة أوجه تبطل القول بأنه مخلوق. والوجه الرابع: أن نقول: إذا جوزتم أن يكون الكلام-وهو معنى لا يقوم إلا بمتكلم – مخلوقاً؛ لزمكم أن تجوزوا أن تكون جميع صفات الله مخلوقة؛ إذ لا فرق؛؛ فقولوا إذا: سمعه مخلوق, وبصره مخلوق .... وهكذا. فإن أبيتم إلا أن تقولوا: إن السمع معنى قائم بالسامع لا

стр. 431

يسمع منه ولا يرى، بخلاف الكلام؛ فإنه جائز أن الله يخلق أصواتاً في الهواء فتسمع!! قلنا لكم: لو خلق أصواتاً في الهواء، فسمعت؛ لكان المسموع وصفاً للهواء, وهذا أنتم بأنفسكم لا تقولوه؛ فكيف تعيدون الصفة إلى غير موصوفها؟! هذه وجوه أربعة كلها تدل على أن القول بخلق القرآن باطل، ولو لم يكن منه إلى إبطال الأمر والنهي والخبر والاستخبار؛ لكان ذلك كافياً. الآية الثانية: قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]. هذا في سياق قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾؛ يعني: لا تطمعون أن يؤمنوا لكم؛ أي: اليهود. ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: طائفة منهم، وهم علماؤهم. ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾: يحتمل أن يراد به القرآن, وهو ظاهر صنيع المؤلف، فيكون دليلاً على أن القرآن كلام الله. ويحتمل أن يراد به كلام الله تعالى لموسى حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات الله تعالى، فكلمه الله وهم يسمعون, فحرفوا كلام الله تعالى من بعدما عقلوه وهم يعلمون. ولم أر الاحتمال الأول لأحد من المفسرين. أيا كان؛ ففيه إثبات أن كلام الله بصوت مسموع, والكلام

стр. 432

صفة المتكلم, وليس شيئاً بائناً منه؛ فوجب أن يكون القرآن كلام الله لا كلام غيره. ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾: أي: يغيرون معناه. وقوله:: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ هذا أشد في قبح عملهم وجرأتهم على الله : أن يحرفوا الشيء من بعد ما عقلوه ووصل إلى عقولهم وهم يعلمون أنهم محرفون له؛ لأن الذي يحرف المعنى عن جهل أهون من الذي يحرفه بعد العقل والعلم. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥]. في هذه الآية إثبات أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. والضمير يعود على الأعراب الذين قال الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: ١٥]؛ فهؤلاء أرادوا أن يبدلوا كلام الله, فيخرجوا مع الرسول ﵊, ولكن الله تعالى إنما كتب المغانم لقوم معينين, للذين غزوا في الحديبية, وأما من تبعوه لأخذ الغنائم فقط؛ فلا حق لهم فيها.

стр. 433

وفي الآية ايضاً إثبات القول لله تعالى؛ لقوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. الآية الرابعة: قوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]. قوله: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾؛ يعني: القرآن, والوحي لا يكون إلا قولاً؛ فهو إذا غير مخلوق. وقوله: ﴿مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: أضافه إليه ؛ لأنه هو الذي تكلم به، أنزله على محمد, ﷺ بواسطة جبريل الأمين. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ يعني: لا أحد يبدل كلمات الله, أما الله ؛ فيبدل آية مكان آية؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١]. وقوله: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: يشمل الكلمات الكونية والشرعية: أما الكونية: فلا يستثنى منها شيء, لا يمكن لأحد أن يبدل كلمات الله الكونية: إذا قضي الله على شخص بالموت؛ ما استطاع أحد أن يبدل ذلك. إذا قضى الله تعالى بالفقر؛ ما استطاع أحد أن يبدل ذلك. إذا قضى الله تعالى بالفقر؛ ما استطاع أحد أن يبدل ذلك.

стр. 434

إذا قضى الله تعالى بالجدب؛ ما استطاع أحد أن يبدل ذلك. وكل هذه الأمور التي تحدث في الكون؛ فإنها بقوله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. أما الكلمات الشرعية؛ فإنها قد تبدل من قبل أهل الكفر والنفاق، فيبدلون الكلمات: إما بالمعنى، وإما باللفظ إن استطاعوا، أو بهما. وفي قوله: ﴿لِكَلِمَاتِهِ﴾ دليل على أن القرآن كلام الله تعالى. الآية الخامسة: قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]. الشاهد قوله: ﴿يَقُصُّ﴾ , والقصص لا يكون إلا قولاً؛ فإذا كان القرآن هو الذي يقص؛ فهو كلام الله؛ لأن الله تعالى هو الذي قص هذه القصص؛ قال الله لأن الله تعالى هو الذي يقص؛ فهو كلام الله؛ لأن الله تعالى هو الذي قص هذه القصص؛ قال الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣] , وحينئذ يكون القرآن كلام الله .

стр. 435

إثبات أن القرآن منزل من الله تعالى الشرح: ذكر المؤلف ﵀ الآيات التي فيها أن القرآن منزل من الله تعالى: الآية الأولى: قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [ الأنعام:١٥٥]. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾؛ أي: مكتوب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ, ومكتوب في الصحف التي بأيدي السفرة, ومكتوب في المصاحف التي بأيدينا. وقوله: ﴿مُبَارَكٌ﴾؛ أي: ذو بركة. فهو مبارك؛ لأنه شفاء لما في الصدور, إذا قرأه الإنسان بتدبر وتفكر؛ فإنه يشفي القلب من المرض, وقد قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]. مبارك في إتباعه؛ إذ به صلاح الأعمال الظاهرة والباطنة. مبارك في اثاره العظيمة؛ فقد جاهد المسلمون به بلاد الكفر؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٢]، والمسلمون فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بهذا القرآن حتى ملكوها, ولو رجعنا إليه؛ لملكنا مشارق الأرض ومغاربها بهذا القرآن حتى ملكوها, ولو رجعنا إليه؛ لملكنا مشارق الأرض ومغاربها؛ كما ملكها أسلافنا, ونسأل الله ذلك.

стр. 436

مبارك في أن من قرأه؛ فله بكل حرف عشر حسنات (١)؛ فكلمة (قال) مثلاً فيها ثلاثون حسنة, وهذا من بركة القرآن؛ فنحن نحصل خيرات كثيرة لا تحصى بقراءة آيات وجيزة من كلام الله . والحاصل: أن القرآن كتاب مبارك؛ فكل أنواع البركة حاصلة بهذا القرآن العظيم. والشاهد في قوله: ﴿أنْزَلْنَاهُ﴾. وثبوت نزوله من الله دليل على أنه كلامه. الآية الثانية: قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]. الجبل من أقسى ما يكون, والحجارة التي منها تتكون الجبال هي مضرب المثل في القساوة؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ولو نزل هذا القرآن على جبل؛ لرأيت هذا الجبل خاشعاً متصدعاً من خشية الله.

стр. 437

﴿خَاشِعاً﴾؛ أي: ذليلاً. ومن شدة خشيته لله يكون ﴿مُتَصَدِّعاً﴾ يتفلق ويتفتق. وهو ينزل على قلوبنا, وقلوبنا –إلا أن يشاء الله –تضمر وتقسو لا تتفتح ولا تتقبل. فالذين آمنوا إذا نزلت عليهم الآيات؛ زادتهم إيماناً، والذين في قلوبهم مرض؛ تزيدهم رجساً إلى رجسهم؛ والعياذ بالله! ومعنى ذلك: أن قلوبهم تتصلب وتقسو أكثر وتزداد رجساً إلى رجسها, نعوذ بالله من ذلك! وهذا القرآن لو أنزل على جبل؛ لتصدع الجبل وخشع؛ لعظمة ما أنزل عليه من كلام الله. وفي هذا دليل على أن للجبل إحساساً؛ لأنه يخشع ويتصدع, والأمر كذلك, قال النبي ﷺ في أحد: "هذا أحد جبل يحبنا ونحبه" (١). وبهذا الحديث نعرف الرد على المثبتين للمجاز في القرآن, والذي يرفعون دائماً علمهم مستدلين بهذه الآية: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]؛ يقول: كيف يريد الجدار؟! فنقول: يا سبحان الله! العليم الخبير يقول: ﴿يُرِيدُ أَنْ

стр. 438

يَنْقَضَّ﴾ , وأنت تقول: لا يريد! أهذا معقول؟ فليس من حقك بعد هذا أن تقول: كيف يريد؟! وهذا يجعلنا نسأل أنفسنا: هل نحن أوتينا علم كل شيء؟ فنجيب بالقول بأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلاً فقول من يعلم الغيب والشهادة: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾: لا يسوغ لنا أن نعترض عليه, فنقول: لا إرادة للجدار! ولا يريد أن ينقض! وهذا من مفاسد المجاز؛ لأنه يلزم منه نفي ما أثبته القرآن. أليس الله تعالى يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]؛ هل تسبح بلا إرادة؟! يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ﴾: اللام للتخصيص؛ إذا؛ هي مخلصة, وهل يتصور إخلاص بلا إرادة؟! إذا؛ هي تريد وكل شيء يريد لأن الله يقول: ﴿إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ﴾ , واظنه لا يخفى علينا جميعاً أن هذا من صيغ العموم؛ فـ (إن): نافية بمعنى (ما) , و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: نكرة في سياق النفي, ﴿إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ , فيعم كل شيء. فيا أخي المسلم! إذا رأيت قلبك لا يتأثر بالقرآن؛ فاتهم نفسك؛ لأن الله أخبر أن هذا القرآن لو أنزل على جبل لتصدع، وقلبك يتلى عليه القرآن, ولا يتأثر. اسأل الله أن يعينني وإياكم.

стр. 439

الآية الثالثة والرابعة والخامسة: قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٣]. قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: قوله: ﴿بَدَّلْنَا﴾؛ أي: جعلنا آية مكان آية, وهذا إشارة إلى النسخ المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فالله سبحانه إذا نسخ آية؛ جعل بدلها آية, سواء نسخها لفظاً, أو نسخها حكماً. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾: هذه جمله اعتراضية, وهي من أحسن ما يكون في هذا الموضع, والمعنى أن تبديلنا للآية ليس سفهاً وعبثاً, بل هو صادر عن علم بما يصلح الخلق، فنبدل آية مكان آية؛ لعلمنا أن ذلك أصلح للخلق وأنفع لهم. وفيها أيضاً فائدة أخرى، وهي أن هذا التبديل ليس من عمل الرسول ﵊. بل هو من الله, أنزله بعلمه, وأبدل آية مكان آية بعلمه، وليس منك أيها الرسول.

стр. 440

قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]؛ فماذا كان الجواب؟ كان الجواب بأن أجاب عن شيء من كلامهم وترك شيئاً فقال تعالى ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، ولم يقل: ولا أتي بقرآن غيره. لماذا؟ لأنه قد يأتي بتبديل من عنده، وإذا كان لا يمكنه تبديله؛ فالإتيان بغيره أولى بالامتناع. فالمهم: أن الذي يبدل آية مكان آية، سواء لفظها أو حكمها, هو الله سبحانه. قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: الجملة جواب ﴿وَإِذَا﴾. قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾: الخطاب هنا لمحمد, ﷺ . قوله: ﴿مُفْتَرٍ﴾؛ أي: كذاب, بالأمس تقول لنا كذا, واليوم تقول لنا كذا, هذا كذب، بالأمس تقول لنا كذا، واليوم تقول لنا كذا، هذا كاذب, إنما أنت مفتر!! لكن هذا القول الذي يقولونه إزاء إتيانه بآية مكان آية هو قول سفه, ولو أمعنوا النظر؛ لعلموا علم اليقين أن الذي يأتي بآية مكان آية هو الله سبحانه، وذلك يدل على صدقه, ﷺ ؛ لأن الكذاب يحذر غاية الحذر أن يأتي بكلام غير كلامه الأول؛ لأنه يخشى أن يطلع على كذبه، فلو كان كاذباً كما يدعون أن ذلك من علامة الكذب؛ ما أتى بشيء يخالف الأول؛ لأنه إذا أتى بشيء يخالف الأول على زعمهم تبين كذبه بل إتيانه بما يخالف الأول دليل على صدقه بلا شك.

стр. 441

ولهذا قال هنا: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ , وهذا إضراب إبطالي؛ معناه: بل لست مفترياً, ولكن أكثرهم لا يعلمون, ولو أنهم كانوا من ذوي العلم لعلموا أنه إذا بدلت آية مكان آية فإنما ذلك دليل على صدق الرسول ﵊. قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: هو جبريل، ووصفه بذلك لطهارته من الخيانة ﵊. ولهذا قال في آية أخرى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠]. قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ , ولم يقل: من رب العالمين؛ إشارة إلى الربوبية الخاصة؛ ربوبية الله للنبي, ﷺ , وهي ربوبية أخص الخاصة. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾: إما أن يكون وصفاً للنازل أو للمنزول به. فإن كان وصفاً للنازل؛ فمعناه: أن نزوله حق، وليس بكذب. وإن كان وصفاً للمنزول به؛ فمعناه: أن ما جاء به فهو حق. وكلاهما مراد؛ فهو حق من عند الله, ونازل بالحق. قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥] , فالقرآن حق، وما نزل به حق. قوله: ﴿ليثبت الذين آمنوا﴾: هذا تعليل وثمرة عظيمةو ويثبت الذين آمنوا به, ويمكنهم من الحق, ويقويهم.

стр. 442

قوله: ﴿وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: هدى يهتدون به، ومناراً يستنيرون به، وبشارة لهم يستبشرون به. بشارة؛ لأن من عمل به، واستسلم له كان ذلك دليلاً على أنه من أهل السعادة، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]. ولهذا ينبغي للإنسان أن يفرح إذا رأى من نفسه الخير والثبات عليه والإقبال عليه، يفرح؛ لأن هذه بشارة له؛ فإن الرسول ﷺ لما حدث أصحابه؛ قال "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". قالوا أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: "لا؛ اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١) ". فإذا رأيت من نفسك أن الله قد من عليك بالهداية, والتوفيق والعمل الصالح ومحبة الخير وأهل الخير؛ فأبشر؛ فإن في هذا دليلاً على أنك من أهل اليسرى, الذين كتبت لهم السعادة. ولهذا قال هنا: ﴿وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.

стр. 443

قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ﴾ , ولم يقل: لقد علمنا؛ لأن قولهم هذا يتجدد, فكان التعبير بالمضارع أولى من التعبير بالماضي؛ لأنه لو قال: لقد علمنا؛ لتبادر إلى ذهن بعض الناس أن المعنى: علمنا أنهم قالوا ذلك سابقاً, لا أنهم يستمرون عليه. وسبب نزول هذه الآية أن قريشاً قالت: إن هذا القرآن الذي يأتي به محمد ليس من عند ربه، وإنما هو من شخص يعلمه ويقص عليه من قصص الأولين، ويأتي ليقول لنا: هذا من عند الله! أعوذ بالله!! ادعوا أنه كلام البشر! والعجيب أنهم يدعون أنه كلام بشر، ويقال لهم: ائتوا بمثله, ولا يستطيعون!! وقد أبطل الله افتراءهم هذا بقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ , ومعنى ﴿يُلْحِدُونَ﴾ يميلون؛ لأن قولهم هذا ميل عن الصواب بعيد عن الحق. والأعجمي: هو الذي لا يفصح بالكلام, وإن كان عربياً, والعجمي بدو همزة هو: المنسوب إلى العجم وإن كان يتكلم العربية. فلسان هذا الذي يلحدون إليه أعجمي لا يفصح بالكلام العربي. وأما القرآن؛ فإن الله قال فيه: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ

стр. 444

مُبِينٌ﴾. بين في نفسه مبين لغيره. فالقرآن كلام عربي، وهو أفصح الكلام, كيف يأتي من هذا الرجل الأعجمي، الذي لسانه لا يفصح بالكلام؟! والشاهد هو قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ , وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ , وقوله ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وكل هذه تدل على أن القرآن كلام الله تعالى منزل من عنده. والمؤلف ترك الآية التي بعدها؛ لأنه ليس فيها شاهد, ولكنها مفيدة؛ فنذكرها: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٤ - ١٠٥]. ومعنى هذه الآية: أن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولا ينتفعون بآياته، والعياذ بالله؛ فالهداية مسدودة عليهم. وهذه الحقيقة فيها فائدة كبيرة، وهي: أن من لم يؤمن بآيات الله لا يهديه الله ومفهوم المخالفة فيها: أن من آمن بآيات الله؛ هداه الله. مثال ذلك: أننا نجد من لم يؤمن بالآيات؛ لم يهتد لبيان وجهها؛ مثل قول بعضهم: يكف ينزل الله إلى السماء الدنيا وهو في العلو؟!

стр. 445

فنقول: آمن تهتد! فإذا آمنت بأنه ينزل حقيقة علمت أن هذا ليس بمستحيل: لأنه في جانب الله ، ولا يماثله شيء. ونجد من يقول في قوله تعالى: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧]: كيف يريد الجدار؟ فنقول: آمن بأن الجدار يريد أن يتبين لك أن هذا ليس بغريب. وهذه قاعدة ينبغي أن تكون أساسية عندك، وهي: آمن تهتد! والذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله، ويبقى القرآن عليهم عمى-والعياذ بالله - ولا يستطيعون الاهتداء به، نسأل الله لنا ولكم الهداية. ما نستفيده من الناحية المسلكية من هذه الآيات: نستفيد أننا إذا علمنا أن هذا القرآن تكلم به رب العالمين؛ أوجب لنا ذلك تعظيم هذا القرآن, واحترامه, وامتثال ما جاء فيه من الأوامر, وترك ما فيه من المنهيات والمحذورات, وتصديق ما جاء فيه من الأخبار عن الله تعالى وعن مخلوقاته السابقة واللاحقة.

стр. 446

إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة الشرح: ذكر المؤلف ﵀ آيات إثبات رؤية الله تعالى. الآية الأولى: قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾؛ يعني بذلك اليوم الآخر. قوله: ﴿نَاضِرَةٌ﴾؛ أي: حسنة، من النضارة؛ بالضاد, وهي: الحسن، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:١١]؛ أي: حسناً في وجوههم, وسروراً في قلوبهم. قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ﴿نَاظِرَةٌ﴾؛ بالظاء, من النظر, وهنا عدي النظر بـ (إلى) الدالة على الغاية، وهو نظر صادر من الوجوه، والنظر الصادر من الوجوه يكون بالعين؛ بخلاف النظر الصادر من القلوب؛ فإنه يكون بالبصيرة والتدبر والتفكر؛ فهنا صدر النظر من الوجوه إلى الرب ؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾. فنفيد الآية الكريمة: أن هذه الوجوه الناضرة الحسنة تنظر إلى ربها ، فتزداد حسناً إلى حسنها. وانظر كيف جعل هذه الوجوه مستعدة متهيئة للنظر إلى وجه الله ؛ لكونها نضرة حسنة متهيئة للنظر إلى وجه الله. ففي هذه الآية دليل على أن الله يرى بالأبصار

стр. 447

وهذا هو قول أهل السنة والجماعة. واستدلوا لذلك بالآيات التي ساقها المؤلف, واستدلوا أيضاً بالأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ والتي نقلها عنه صحابة كثيرون ونقلها عن هؤلاء الصحابة تابعون (١) كثيرون, ونقلها عن التابعين من تابع التابعين كثيرون. وهكذا. والنصوص فيها قطعية الثبوت والدلالة؛ لأنها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله, ﷺ المتواترة. وأنشدوا في هذا المعنى: مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتاً واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض فالمراد بقوله: "ورؤية" رؤية المؤمنين لربهم. وأهل السنة والجماعة يقولون: إن النظر هنا بالبصر حقيقة. ولا يلزم منه الإدراك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ كما أن العلم بالقلب أيضاً لا يلزم منه الإدراك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠]. ونحن نعلم ربنا بقلوبنا, لكن لا ندرك كيفيته وحقيقته, وفي

стр. 448

يوم القيامة نرى ربنا بأبصارنا، ولكن لا تدركه أبصارنا. الآية الثانية: قوله: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [ المطففين:٢٣]. ﴿الأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السرير الجميل المغطى بما يشبه الناموسية. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: لم يذكر المنظور إليه، فيكون عاماً لكل ما يتنعمون بالنظر إليه. وأعظمه وأنعمه النظر إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]؛ فسياق الآية يشبه قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ فهم ينظرون إلى كل ما يتنعمون بالنظر إليه. ومنه النظر إلى قرناء السوء يعذبون في الجحيم؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ قال أي: لأصحابه: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾: ﴿هَلْ﴾. للتشويق يطلعون على ماذا؟! على هذا القرين، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾!! أعوذ بالله! رآه في سوائها أي: في أصلها، وقعرها, سبحان الله هذا في أعلى عليين, وهذا في أسفل سافلين, وينظر إليه مع بعد المسافة العظيمة! لكن نظر أهل الجنة ليس كنظر أهل الدنيا، هناك ينظر الإنسان في ملكه في الجنة مسيرة ألفي عام ينظر أقصاه كما ينظر أدناه, من كمال النعيم؛ لأن الإنسان لو كان نظره كنظره في الدنيا؛

стр. 449

ما استمتع بنعيم الجنة؛ لأنه ينظر إلى مدى قريب, فيخفى عليه شيء كثير منه. اطلع من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فرآه في سواء الجحيم، قال يخاطبه: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾؛ وهذا يدل على أنه كان دائماً يحاول أن يضله, ولهذا قال: ﴿إِنْ كِدْتَ﴾ , وهذا يدل على أنه كان دائماً يحاول أن يضله, ولهذا قال: ﴿إِنْ كِدْتَ﴾؛ يعني: إنك قاربت, و ﴿إِنْ﴾ هذه المخففة لا الثقيلة, ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى آخر الآيات [الصافات: ٥٤ - ٥٨]. أقول: إن الناس سابقاً يمارون في مثل هذا؛ كيف يكون في أعلى مكان ويخاطب من ينظر إليه ويكلمه في أسفل مكان؟! ولكن ظهرت الآن أشياء من صنع البشر؛ كالأقمار الصناعية، والهواتف التليفزيونية .... وغير ذلك؛ يرى الإنسان م خلالها من يكلمه وينظر إليه وهو بعيد. مع أنه لا يمكن أن نقيس ما في الآخرة على ما في الدنيا. إذاً؛ ﴿يَنْظُرُونَ﴾: عامة: ينظرون إلى الله، وينظرون مالهم من النعيم، وينظرون ما يحصل لأهل النار من العذاب. إذا قال قائل: هذا فيه إشكال!! كيف ينظرون إلى أهل النار ينكتون عليهم ويوبخونهم؟! فنقول: والله؛ ما أكثر ما أذاق أهل النار أهل الجنة في الدنيا من العذاب والبلاء والمضايقة!!

стр. 450

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾: يضحكون سواء في مجالسهم, أو معهم, ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾؛ أي: انقلبوا متنعمين بأقوالهم، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ...﴾! قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ...﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٥]؛ ينظرون إليهم وهم-والعياذ بالله –في سواء الجحيم. إذاً؛ يكون هذا من تمام عدل الله ؛ بأن جعل هؤلاء الذين كانوا يضايقون في دار الدنيا، جعلهم الآن يفرحون بنعمة الله عليهم، ويوبخون هؤلاء الذين في سواء الجحيم. الآية الثالثة: قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [ يونس: ٢٦]. قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾: خبر مقدم. و ﴿الْحُسْنَى﴾: مبتدأ مؤخر, وهي الجنة. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: هي النظر إلى وجه الله. هكذا فسره النبي ﷺ : كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم" (١) وغيره. ففي هذه الآية دليل على ثبوت رؤية الله من تفسير الرسول ﵊, وهو أعلم الناس بمعاني القرآن بلا شك,

стр. 451

وقد فسرها بالنظر إلى وجه الله، وهي زيادة على نعيم الجنة. إذاً؛ فهي نعيم ليس من جنس النعيم في الجنة؛ لأن جنس النعيم في الجنة نعيم بدن، أنهار, وثمار, وفواكه، وأزواج مطهرة ..... وسرور القلب فيها تبع، لكن النظر إلى وجه الله نعيم قلب، لا يرى أهل الجنة نعيماً أفضل منه، نسأل الله أن يجعلنا ممن يراه. وهذا نعيم ما له نظير أبداً, لا فاكهة, ولا أنهار, ولا غيرها أبداً, ولهذا قال: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ أي: زيادة على الحسنى. الآية الرابعة: قوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ ق: ٣٥]. قوله: ﴿مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة كل ما يشاؤون. وقد ورد في الحديث الصحيح أن رجلاً قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! أفي الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل. فقال: "إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرساً, ومن ياقوتة حمراء, تطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت". وقال الأعرابي: يا رسول الله! أفي الجنة إبل؟ قال: "يا أعرابي! إن يدخلك الله الجنة؛ أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذة عينك" (١).

стр. 452

فإذا اشتهى أي شيء فإنه يكون يتحقق حتى إن بعض العلماء يقول: لو اشتهى الولد لكان له ولد, فكل شيء يشتهونه فهو لهم. قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]. وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ , أي: مزيد على ما يشاؤون. يعني: أن الإنسان إذا شاء شيئاً يعطى زيادة كما جاء في الحديث الصحيح في آخر أهل الجنة دخولاً يعطى الله نعيماً, نعيماً ... ويقول: له: "لك مثله وعشرة أمثاله" (١). فهو أكثر مما يشاء. وفسر المزيد كثير من العلماء بما فسر به النبي ﷺ الزيادة, وهي: النظر إلى وجه الله الكريم. فتكون الآية التي ساقها المؤلف لإثبات رؤية الله تعالى أربعة. وهناك آية الخامسة استدل بها الشافعي ﵀, وهي قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. ووجه الدلالة أنه ما حجب هؤلاء في الغضب, إلا رآه أولئك

стр. 453

في الرضى, فإذا كان الغضب محجوب عن الله فأهل الرضى يرون الله . وهذا استدلال قوي جداً لأنه لو كان الكل محجوبين لم يكن مزية لذة هؤلاء. وعلى هذا, فنقول: الآية خمس, ويمكن أن نلحق بها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] على ما سنقرره في الرد على النفاة إن شاء الله. فهذا قول أهل السنة في رؤية الله تعالى وأدلتهم, وهي ظاهر جلية, لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر. وخالفهم في ذلك طوائف من أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم, واستدلوا بأدلة سمعية متشابة وأدلة عقلية متداعية: أما الأدلة السمعية: فالأول: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ووجه الدلالة أن (لن) للنفي المؤبد, والنفي خبر, وخبر الله تعالى صدق, لا يدخله النسخ.

стр. 454

والرد عليهم من وجوه: - الأول: منع كون (لن) للنفي المؤبد؛ لأنه مجرد دعوى: قال ابن مالك في "الكافية": ومن رأى النفي بلن مؤبداً ... فقوله اردد وسواه فاعضدا - الثاني: أن موسى عليه صلاة والسلام لم يطلب من الله الرؤية في الآخرة؛ وإنما طلب رؤية حاضرة؛ لقوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: الآن. فقال الله تعالى له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ يعني: لن تستطيع أن تراني الآن, ثم ضرب الله تعالى له مثلاً بالجبل حيث تجلى الله تعالى له فجعله دكاً, فقال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ , فلما رأى موسى ما حصل للجبل؛ علم أنه هو لا طاقة برؤية الله, وخر صعقاً لهول ما رأى. ونحن نقول: إن رؤية الله تعالى في الدنيا مستحيلة؛ لأن الحال البشرية لا تستطيع تحمل رؤية الله كيف وقد قال النبي ﷺ عن ربه : "حجابه النور, لو كشف لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١). أما رؤية الله تعالى في الآخرة فممكنة؛ لأن الناس في ذلك اليوم يكونون في عالم آخرة تختلف فيه أحوالهم عن حالهم في الدنيا؛ كما يعلم ذلك من نصوص الكتاب والسنة فيما يجري للناس في عرصات القيامة وفي مقرهم في دار النعيم أو الجحيم. - الوجه الثالث: أن يقال استحالة رؤية الله في الآخرة عند

стр. 455

المنكرين لها مبنية على أن إثباتها يتضمن نقصاً في حق الله تعالى! كما يعللون نفيهم بذلك, وحينئذ يكون سؤال موسى لربه الرؤية دائراً بين الجهل بما يجب لله ويستحيل في حقه أو الاعتداء في دعائه حين طلب من الله ما لا يليق به إن كان عالماً بأن ذلك مستحيل في حق اللهو وحينئذ يكون هؤلاء النفاة أعلم من موسى فيما يجب لله تعالى ويستحيل في حقه!! وهذا غاية الضلال! وبهذا الوجه يتبين أن في الآية دليلاً عليهم لا دليلاً لهم. وهكذا كل دليل من الكتاب والسنة الصحيحة يستدل به على باطل أو نفي حق فسيكون دليلاً على من أورده, لا دليلاً له. الدليل الثاني لنفاة رؤية الله تعالى: قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. والرد عليهم: أن الآية فيها نفي الإدراك, والرؤية لا تستلزم الإدراك؛ ألا ترى أن الرجل يرى الشمس ولا يحيط بها إدراكاً؟! فإذا أثبتنا أن الله تعالى يرى؛ لم يلزم أن يكون يدرك بهذه الرؤية لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية. ولهذا نقول: إن نفي الإدراك يدل على وجوه أصل الرؤية لأن نفي الأخص يدل على وجوه الأعم ولو كان الأعم منتفياً لوجب نفيه وقيل: لا تراه الأبصار, لأن نفيه يقتضي نفي الأخص ولا عكس ولأنه لو كان الأعم منتفياً لكان نفي

стр. 456

الأخص إيهاماً وتلبيساً ينزه عنه كلام الله . وعلى هذا يكون في الآية دليل عليهم لا دليل لهم. وأما أدلة نفاة الرؤية العقلية؛ فقالوا: لو كان الله يرى لزم أن يكون جسماً والجسم ممتنع على الله تعالى لأنه يستلزم التشبيه والتمثيل. والرد عليهم: أنه إن كان يلزم ن رؤية الله تعالى أن يكون جسماً فليكن ذلك, لكننا نعلم علم اليقين أنه لا يماثل أجسام المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. على أن القول بالجسم نفياً أو إثباتاً مما أحدثه المتكلمون وليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه. وقد أجاب النفاة عن أدلة أهل الإثبات بأجوبة باردة, فحرفوها تحريفاً لا يخفى على أحد وليس هذا موضع ذكرها وهي مذكورة في الكتب المطولة. ما نستفيد من الناحية المسلكية من هذا الآيات: أما في مسألة الرؤية؛ فما أعظم أثرها على الاتجاه المسلكي؛ لأن الإنسان إذا وجد أن غاية ما يصل إليه من الثواب هو النظر إلى وجه الله كانت الدنيا كلها رخيصة عنده؛ وكل شيء يرخص في جانب الوصول إلى رؤية الله لأنها غاية كل طالب, ومنتهى المطالب.

стр. 457

فإذا علمت انك سوف ترى ربك عياناً بالبصر فوالله لا تساوي الدنيا عندك شيئاً. فكل الدنيا ليست بشيء؛ لأن النظر إلى وجه الله هو الثمرة التي يتسابق فيها المتسابقون, ويسعى إليها الساعون وهي غاية المرام من كل شيء. فإذا علمت هذا فهل تسعى إلى الوصول إلى ذلك أم لا؟! والجواب: نعم؛ أسعى إلى الوصول إلى ذلك بدون تردد. وإنكار الرؤية في الحقيقة حرمان عظيم, لكن الإيمان بها يسوق الإنسان سوقاً عظيماً إلى الوصول إلى هذا الغاية؛ فهو يسر ولله الحمد؛ فالدين كله يسر حتى إذا وجد الحرج تيسر الدين فأصله ميسر وإذا وجد الحرج تيسر ثانية, وإذا لم يمكن القيام به أبداً سقط؛ واجب مع العجز, ولا حرام مع الضرورة. قال المؤلف ﵀: "وهذا الباب في كتاب الله كثير ومن تدبر القرآن طالباً للهدى تبين له طريق الحق". قوله: "وهذا الباب": الإشارة هنا إلى باب الأسماء والصفات. قوله: "في كتاب الله كثير": ولذلك؛ ما من آية من كتاب الله إلا وتجد فيها غالباً اسماً من أسماء الله أو فعلاً من أفعاله أو حكماً من أحكامه بل لو شئت لقلت: كل آية في كتاب الله

стр. 458

فهي صفة من صفات الله لأن القرآن الكريم كلام الله ؛ فكل آية منه فهي صفة من صفات الله . وقوله: "ومن تدبر القرآن": تدبر الشيء معناه: التفكر فيه, كان الإنسان يستدبره مرة ويستقبله أخرى فهو يكرر اللفظ ليفهم المعنى فالذي يتدبر القرآن بهذا الفعل واما النية فهي أن يكون "طالباً للهدى" منه فليس قصده بتدبر القرآن أن ينتصر لقوله, أو أن يتخذ منه مجادلة بالباطل, ولكن قصده طلب الحق فإنه سوف تكون النتيجة قول المؤلف: "تبين له طريق الحق". وما أعظمها من نتيجة!! لكنها مسبوقة بأمرين: التدبر وحسن النية بأن يكون الإنسان طالباً للهدى من القرآن فحينئذ يتبين له طريق الحق. والدليل على ذلك عدة آيات؛ منها: قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢].

стр. 459

والآيات في هذا كثيرة تدل على أن من تدبر القرآن - لكن بهذه النية, وهي طلب الهدى منه- لابد أن يصل إلى النتيجة وهي تبين طريق الحق. أما من تدبر القرآن ليضرب بعضه ببعض وليجادل بالباطل ولينصر قوله كما يوجد عند أهل البدع وأهل الزيغ فإنه يعمى عن الحق والعياذ بالله: لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ على تقدير (أما)؛ أي: وأما راسخون في العلم فـ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] , وإذا قالوا هذا القول؛ فسيهديهم إلى بيان هذا المتشابه ثم قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].

стр. 460

شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية شرحه سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين خرج أحاديثه واعتنى به سعد بن فواز الصميل [المجلد الثاني] دار ابن الجوزي
следующие страницы →