تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦].
* * *
* قوله: "وأما الشفاعة الثانية؛ فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة".
* وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط؛ وقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي كان في عَرَصات القيامة، بل هو قصاص أخص، يطهر الله فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن؛ فإذا هُذِّبوا ونُقّوا؛ أُذن لهم في دخول الجنة.
ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة؛ لا يجدونها مفتوحة كما يجد ذلك أهل النار؛ فلا تفتح الأبواب، حتى يشفع النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها، فيدخل كل إنسان من باب العمل الذي يكون أكثر اجتهادًا فيه من غيره، وإلا، فإن المسلم قد يدعى من كل الأبواب.
* وهذه الشفاعة يشير إليها القرآن؛ لأن الله قال في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وهذا يدل أن هناك شيئًا بين وصولهم إليها وبين فتح الأبواب.
стр. 632
وهو صريح فيما رواه مسلم (١) عن حذيفة وأبي هريرة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة ... " وذكر الحديث، وفيه: "فيأتون محمدًا، فيقوم، فيؤذن له. . ." الحديث.
* * *
* قوله: "وهاتان الشفاعتان خاصتان له"، يعني: الشفاعة في أهل الموقف أن يقضى بينهم، والشفاعة في دخول الجنة.
* "خاصتان له"؛ أي: للنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك يعتذر عنهما آدم وأولو العزم من الرسل.
* * *
* وهناك أيضًا شفاعة ثالثة خاصة بالنبي ﷺ ، لا تكون لغيره، وهي الشفاعة في عمه أبي طالب.
* وأبو طالب -كما في "الصحيحين" (٢) وغيرهما- مات على الكفر.
* فأعمام الرسول ﵊ عشرة، أدرك الإسلام
стр. 633
منهم أربعة؛ فبقي اثنان على الكفر وأسلم اثنان:
- فالكافران هما:
أبو لهب: وقد أساء إلى النبي ﷺ إساءة عظيمة، وأنزل الله تعالى فيه وفي امرأته حمالة الحطب سورة كاملة في ذمهما ووعيدهما.
والثاني: أبو طالب، وقد أحسن إلى الرسول ﵊ إحسانًا كبيرًا مشهورًا، وكان من حكمة الله أن بقي على كفره؛ لأنه لولا كفره؛ ما حصل هذا الدفاع عن الرسول ﵊، بل كان يؤذى كما يؤذى الرسول ﵊، لكن بجاهه العظيم عند قريش وبقائه على دينهم صاروا يعظمونه وصار للنبي ﵊ جانب من الحماية بذلك.
- واللذان أسلما هما العباس وحمزة، وهو أفضل من العباس، حتى لقبه الرسول ﵊ أسد الله، وقتل شهيدًا في أحد ﵁ وأرضاه، وسماه النبي ﷺ سيد الشهداء (١).
فأبو طالب أذن الله لرسوله ﷺ أن يشفع فيه، مع أنه كافر،
стр. 634
فيكون هذا مخصوصًا من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، ولكنها شفاعة لم تخرجه من النار، بل كان في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه؛ قال الرسول ﵊: "ولولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل كان النار" (١)، وليس هذا من أجل شخصية أبي طالب، لكن من أجل ما حصل من دفاعه عن النبي ﷺ وعن أصحابه.
* * *
* قوله: "وأما الشفاعة الثالثة، فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها".
* قوله: "وأما الشفاعة الثالثة، فيشفع فيمن استحق النار"؛ أي: من عصاة المؤمنين.
وهذه لها صورتان: يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
- أما فيمن دخلها أن يخرج منها؛ فالأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، بل متواترة.
- وأما فيمن استحقها أن لا يدخلها؛ فهذه قد تستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم؛ فإنه
стр. 635
من لازم ذلك أن لا يدخل النار؛ كما قال النبي ﵊: "اللهم! اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين ... " الحديث (١).
* لكن هذه شفاعة في الدنيا؛ كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا؛ إلا شفعهم الله فيه" (٢).
* وهذه الشفاعة ينكرها من أهل البدع طائفتان؛ المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج مذهبهما في فاعل الكبيرة أنه مخلد في نار جهنم، فيرون من زنى كمن أشرك بالله؛ لا تنفعه الشفاعة، ولن يأذن الله لأحد بالشفاعة له.
وقولهم مردود بما تواترت به الأحاديث في ذلك.
* قوله: "وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم"؛ فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، يعني: أنها ليست خاصة بالنبي ﷺ ، بل تكون للنبيين؛ حيث يشفعون في عصاة قومهم، وللصديقين يشفعون في عصاة أقاربهم وغيرهم من المؤمنين، وكذلك تكون لغيرهم من الصالحين، حتى يشفع الرجل في أهله وفي جيرانه وفيما أشبه ذلك.
стр. 636
* قوله: "ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته":
يعني: أن الله تعالى يخرج من عصاة المؤمنين من شاء بغير شفاعة، وهذا من نعمته؛ فإن رحمته سبقت غضبه، فيشفع الأنبياء والصالحون والملائكة وغيرهم، حتى لا يبقى إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج من النار من يخرج بدون شفاعة، حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أصحاب النار.
فقد روى الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "أن الله تعالى يقول: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط؛ قد عادوا حممًا ... " الحديث (١).
* * *
• الأمر الثاني عشر مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: "وَيَبْقى في الجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَها مِنْ أهْلِ الدُّنْيا".
* الجنة عرضها السماوات والأرض، وهذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض يدخلها أهلها، ولكن لا تمتلئ.
стр. 637
وقد تكفل الله للجنة وللنار لكل واحدة ملؤها:
- "فالنار لا تزال يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ فلا تمتلئ، فيضع الله عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط" (١).
- وأما الجنة؛ فينشئ لها أقوامًا، فيدخلون الجنة بفضل الله ورحمته:
- ثبت ذلك في "الصحيحين" (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا مقتضى قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقول النبي ﵊ فيما يرويه عن ربه : "إن رحمتي سبقت غضبي" (٣).
ولهذا قال المؤلف: "فينشئ الله لها أقوامًا، فيدخلهم الجنة".
* * *
* في قوله: "وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب":
* الأصناف: الأنواع.
стр. 638
* وسبق معنى الحساب.
* "والثواب": جزاء الحسنات؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
* "والعقاب": جزاء السيئات، ومن جاء بالسيئة؛ فلا يجزى إلا مثلها، وهم لا يظلمون.
* قوله: "والجنة والنار": "الجنة": هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]؛ أي: لا تعلم حقيقته وكنهه.
والجنة موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، والأحاديث في هذا المعنى متواترة.
ولا تزال باقية أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾؛ في آيات متعددة.
وأما "النار"؛ فهي الدار التي أعدها الله تعالى لأعدائه، وفيها من أنواع العذاب والعقاب ما لا يطاق.
وهي موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، والأحاديث في هذا المعنى مستفيضة مشهورة.
стр. 639
وأهلها خالدون فيها أبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥].
وقد ذكر الله خلودهم أبدًا في ثلاث آيات من القرآن؛ هذه أحدها، والثانية في آخر سورة النساء، والثالثة في سورة الجن، وهي ظاهرة في أن النار لا تزال باقية أبد الآبدين.
* * *
* قوله: "وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء"؛ يعني: مثل التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى وغيرها من الكتب المنزلة؛ فقد ذكر فيها ذلك مبينًا مفصلًا لحاجة الناس، بل ضرورتهم إلى بيانه وتفصيله؛ إذ لا يمكنهم الاستقامة إلا بالإيمان باليوم الآخر الذي يجازى فيه كل عامل بما عمل من خير وشر.
* قوله: "والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء":
* اعلم أن العلم المأثور عن الأنبياء قسمان:
١ - قسم ثبت بالوحي، وهو ما ذكر في القرآن والسنة الصحيحة، وهذا لا شك في قبوله واعتقاد مدلوله.
٢ - وقسم آخر أتى عن طريق النقل غير الوحي، وهذا هو الذي دخل فيه الكذب والتحريف والتبديل والتغيير.
ولهذا لا بد من أن يكون الإنسان حذرًا مما ينقل بهذه الطريق عن الأنبياء السابقين، حتى قال الرسول ﵊: "إذا
стр. 640
حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" (١)؛ لأنك إن صدقت؛ قد تصدق بباطل، وإن كذبته؛ قد تكذب بحق؛ فلا تصدق ولا تكذب؛ قل: إن كان هذا من عند الله؛ فقد آمنت به.
* وقد قسم العلماء ما أثر عمن سبق ثلاثة أقسام:
الأول: ما شهد شرعنا بصدقه.
والثاني: ما شهد شرعنا بكذبه.
والحكم في هذين واضح.
الثالث: ما لم يحكم بصدقه ولا كذبه.
فهذا مما يجب فيه التوقف؛ لا يصدَّق ولا يكذَّب.
* قوله: "وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي":
* العلم الموروث عن محمد صلوات الله وسلامه عليه سواء في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ فيه من ذلك ما يشفي ويكفي.
فلا حاجة إلى أن نبحث عن مواعظ ترقق القلوب من غير الكتاب والسنة، بل نحن في غنى عن هذا كله؛ ففي العلم
стр. 641
الموروث عن محمد رسول الله ﷺ ما يشفي ويكفي في كل أبواب العلم والإيمان.
* ثم المنسوب إلى رسول الله ﷺ في باب الوعظ والفضائل ترغيبًا أو ترهيبًا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيح مقبول، وضعيف، وموضوع؛ فليس كله صحيحًا مقبولًا، ونحن في غنى عن الضعيف والموضوع.
- فالموضوع اتفق العلماء ﵏ على أنه لا يجوز ذكره ونشره بين الناس؛ لا في باب الفضائل والترغيب والترهيب، ولا في غيره؛ إلا من ذكره ليبين حاله.
- والضعيف اختلف فيه العلماء، والذين قالوا بجواز نشره ونقله اشترطوا فيه ثلاثة شروط (١):
الشرط الأول: أن لا يكون الضعف شديدًا.
الشرط الثاني: أن يكون أصل العمل الذي رتب عليه الثواب أو العقاب ثابتًا بدليل صحيح.
الشرط الثالث: أن لا يعتقد أن النبي ﷺ قاله، بل يكون
стр. 642
مترددًا غير جازم، لكنه راجٍ في باب الترغيب، خائفٌ في باب الترهيب.
أما صيغة عرضه؛ فلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، بل يقول: روي عن رسول الله، أو: ذكر عنه ... وما أشبه ذلك.
فإن كنت في عوام لا يفرقون بين ذكر وقيل وقال؛ فلا تأت به أبدًا؛ لأن العامي يعتقد أن الرسول ﵊ قاله؛ فما قيل في المحراب؛ فهو عنده الصواب!
تنبيه:
هذا الباب -أي: باب اليوم الآخر وأشراط الساعة- ذكرت فيه أحاديث كثيرة فيها ضعف وفيها وضع، وأكثر ما تكون هذه في كتب الرقائق والمواعظ؛ فلذلك يجب التحرز منها، وأن نحذر العامة الذين يقع في أيديهم مثل هذه الكتب.
* قوله: "فمن ابتغاه"؛ أي: طلبه: "وجده".
وهذا صحيح؛ فالقرآن بين أيدينا، وكتب الأحاديث بين أيدينا، لكنها تحتاج إلى تنقيح وبيان الصحيح منها والضعيف، حتى يبني الناس ما يعتقدونه في هذا الباب على أساس سليم.
* * *
стр. 643
فصل في الإيمان بالقدر
* قوله: "وَتُؤْمِنُ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ بِالقَدَرِ؛ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ":
الشرح:
* قوله: "الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة": سبق تعريفها والكلام عنها في أول الكتاب.
* وقوله: "بالقدر خيره وشره":
- القدر في اللغة؛ بمعنى: التقدير؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣].
- وأما القضاء؛ فهو في اللغة: الحكم.
ولهذا نقول: إن القضاء والقدر متباينان إن اجتمعا، ومترادفان إن تفرقا؛ على حد قول العلماء: هما كلمتان: إن
стр. 644
اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا.
فإذا قيل: هذا قدر الله؛ فهو شامل للقضاء، أما إذا ذكرا جميعًا؛ فلكل واحد منهما معنى.
- فالتقدير: هو ما قدره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه.
- وأما القضاء؛ فهو ما قضى به الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقًا.
* فإن قال قائل: متى قلنا: إن القضاء هو ما يقضيه الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وإن القدر سابق عليه إذا اجتمعا؛ فإن هذا يعارض قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]؛ فإن هذه الآية ظاهرها أن التقدير بعد الخلق؟
فالجواب على ذلك من أحد وجهين:
- إما أن نقول: إن هذا من باب الترتيب الذكري لا المعنوي، وإنما قدم الخلق على التقدير لتتناسب رؤوس الآيات.
ألم تر إلى أن موسى أفضل من هارون، لكن قدم هارون عليه في سورة طه في قوله تعالى عن السحرة: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]؛ لتتناسب رؤوس الآيات.
وهذا لا يدل على أن المتأخر في اللفظ متأخر في الرتبة.
-أو نقول: إن التقدير هنا بمعنى التسوية؛ أي: خلقه على
стр. 645
قدر معين؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]؛ فيكون التقدير بمعنى التسوية.
وهذا المعنى أقرب من الأول؛ لأنه يطابق تمامًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾؛ فلا إشكال.
* والإيمان بالقدر واجب، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة؛ كما قال النبي ﵊ لجبريل حين قال: ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١).
* وللإيمان بالقدر فوائد؛ منها:
أولًا: أنه من تمام الإيمان، ولا يتم الإيمان إلا بذلك.
ثانيًا: أنه من تمام الإيمان بالربوبية؛ لأن قدر الله من أفعاله.
ثالثًا: رد الإنسان أموره إلى ربه؛ لأنه إذا علم أن كل شيء بقضائه وقدره؛ فإنه سيرجع إلى الله في دفع الضراء ورفعها، ويضيف السراء إلى الله، ويعرف أنها من فضل الله عليه.
رابعًا: أن الإنسان يعرف قدر نفسه، ولا يفخر إذا فعل الخير.
خامسًا: هون المصائب على العبد؛ لأن الإنسان إذا علم أنها من عند الله؛ هانت عليه المصيبة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ
стр. 646
يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم" (١).
سادسًا: إضافة النعم إلى مُسديها؛ لأنك إذا لم تؤمن بالقدر؛ أضفت النعم إلى من باشر الإنعام، وهذا يوجد كثيرًا في الذين يتزلفون إلى الملوك والأمراء والوزراء؛ فإذا أصابوا منهم ما يريدون، جعلوا الفضل إليهم، ونسوا فضل الخالق سبحانه.
صحيح أنه يجب على الإنسان أن يشكر الناس؛ لقول النبي ﵊: "من صنع إليكم معروفًا؛ فكافئوه" (٢)، ولكن يعلم أن الأصل كل الأصل هو فضل الله جعله على يد هذا الرجل.
سابعًا: أن الإنسان يعرف به حكمة الله ؛ لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات باهرة؛ عرف بهذا حكمة الله ؛ بخلاف من نسي القضاء والقدر؛ فإنه لا يستفيد هذه الفائدة.
стр. 647
* وقوله: "خيره وشره":
- الشر في القدر: ما لا يلائم طبيعة الإنسان؛ بحيث يحصل له به أذية أو ضرر.
- والخير: ما يلائم طبيعته؛ بحيث يحصل له به خير أو ارتياح وسرور، وكل ذلك من الله .
* ولكن؛ إن قيل: كيف يقال: إن في قدر الله شَرًّا؛ وقد قال النبي ﷺ : "الشر ليس إليه"؟ (١)
فالجواب على ذلك أن يقال: الشر في القدر ليس باعتبار تقدير الله له، لكنه باعتبار المقدور له؛ لأن لدينا قدرًا هو التقدير ومقدورًا؛ كما أن هناك خلقًا ومخلوقًا وإرادة ومرادًا؛ فباعتبار تقدير الله له ليس بشر، بل هو خير، حتى وإن كان لا يلائم الإنسان ويؤذيه ويضره، لكن باعتبار المقدور؛ فنقول: المقدور إما خير وإما شر؛ فالقدر خيره وشره يراد به المقدور خيره وشره.
ونضرب لهذا مثلًا في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١].
ففي هذه الآية بين الله ما حدث من الفساد وسببه والغاية منه؛ فالفساد شر، وسببه عمل الإنسان السيئ، والغاية منه: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
стр. 648
فكون الفساد يظهر في البر والبحر فيه حكمة؛ فهو نفسه شر، لكن لحكمة عظيمة، بها يكون تقديره خيرًا.
كذلك المعاصي والكفر شر، وهو من تقدير الله، لكن لحكمة عظيمة، لولا ذلك لبطلت الشرائع، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثًا.
* والإيمان بالقدر خيره وشره لا يتضمن الإيمان بكل مقدور، بل المقدور ينقسم إلى كوني وإلى شرعي:
- فالمقدور الكوني: إذا قدر الله عليك مكروهًا؛ فلا بد أن يقع؛ رضيت أم أبيت.
- والمقدور الشرعي قد يفعله الإنسان وقد لا يفعله، ولكن باعتبار الرضى به فيه تفصيل: إن كان طاعة لله؛ وجب الرضى به، وإن كان معصية؛ وجب سخطه وكراهته والقضاء عليه؛ كما قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وعلى هذا؛ يجب علينا الإيمان بالمقضي كله؛ من حيث كونه قضاء لله ، أما من حيث كونه مقضيًّا؛ فقد نرضى به وقد لا نرضى؛ فلو وقع الكفر من شخص؛ فلا نرضى بالكفر منه، لكن نرضى بكون الله أوقعه.
* * *
стр. 649
فصل في درجات الإيمان بالقدر
* قوله: "وَالإيمانُ بِالقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ، كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ":
الشرح:
* إنما قسم المؤلف هذا التقسيم من أجل الخلاف؛ لأن الخلاف في القدر ليس شاملًا لكل مراتبه، وباب القدر من أشكل أبواب العلم والدين على الإنسان، وقد كان النزاع فيه من عهد الصحابة ﵃، لكنه ليس مشكلًا لمن أراد الحق.
* * *
* الدرجة الأولى من درجات الإيمان بالقدر:
قوله: "فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا":
стр. 650
الشرح:
* قوله: "فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون": ولم يذكر المؤلف أن الله علم ما يفعله هو؛ لأن هذه المسألة ليس فيها خلاف، إنما ذكر ما فيه الخلاف، وهو: هل الله يعلم ما الخلق عاملون أو لا يعلمه إلا بعد وقوعه منهم؟
ومذهب السلف والأئمة أن الله تعالى عالم بذلك.
* قوله: "بعلمه القديم": القديم في اصطلاحهم: هو الذي لا أول لابتدائه؛ أي أنه لم يزل فيما مضى من الأزمنة التي لا نهاية لها عالمًا بما يعمله الخلق؛ بخلاف القديم في اللغة؛ فقد يراد به ما كان قديمًا نسبيًّا؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، ومعلوم أن عرجون النخلة ليس بقديم أزلي، بل قديم بالنسبة لما بعده.
* فالله تعالى موصوف بأنه عالم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الأزلي، الذي لا نهاية لأوله، عالم جل وعلا بأن هذا الإنسان سيعمل كذا في يوم كذا في مكان كذا بعلمه القديم الأولي؛ فيجب أن نؤمن بذلك:
* ودليل ذلك من الكتاب والسنة والعقل:
- أما الكتاب؛ فما أكثر الآيات التي فيها العموم في علم الله؛ مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ
стр. 651
رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ... إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى كثرة.
- أما في السنة؛ فإن الرسول ﵊ أخبر بأن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وبأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأقلام قد جفت وطويت الصحف ... والأحاديث في هذا كثيرة.
- وأما العقل؛ فإن من المعلوم بالعقل أن الله تعالى هو الخالق، وأن ما سواه مخلوق، ولا بد عقلًا أن يكون الخالق عالمًا بمخلوقه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
فالكتاب والسنة والعقل كلها تدل على أن الله تعالى عالم بما الخلق عاملون بعلمه الأزلي.
* قوله: "الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا": ففي كونه موصوفًا به أزلًا نفي للجهل، وفي كونه موصوفًا به أبدًا نفي النسيان.
ولهذا كان علم الله غير مسبوق بجهل ولا ملحوق بنسيان؛ كما قال موسى ﵊ لفرعون: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، بخلاف علم المخلوق المسبوق بالجهل والملحوق بالنسيان.
стр. 652
إذًا؛ يجب علينا أن نؤمن بأن الله عالم بما الخلق عاملون بعلم سابق موصوف به أزلأ وأبدًا.
* * *
* قوله: "عَلِمَ جَميعَ أحْوالِهِم مِنَ الطَّاعاتِ وَالمَعاصي وَالأرْزاقِ وَالآجالِ":
* ودليل ذلك ما ثبت في "الصحيحين" عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ... " وذكر أطوار الجنين، وفيه: "ثم يبعث الله ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ... " وذكر تمام الحديث (١).
فالله عالم بذلك قبل أن يخلق الإنسان.
فطاعاتنا معلومة لله، ومعاصينا معلومة لله، وأرزاقنا معلومة له، وآجالنا معلومة له، إذا مات الإنسان بسبب معلوم أو بغير سبب معلوم؛ فإنه لله معلوم، ولا يخفى عليه؛ بخلاف علم الإنسان بأجله؛ فإنه لا يعرف أجله؛ فلا يعرف أين يموت، ولا متى يموت، ولا يعرف بأي سبب يموت، ولا يعرف على أي حال يموت؛ نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
وهذا هو الشيء الأول من الدرجة الأولى.
стр. 653
* قوله: "ثُمَّ كَتَبَ اللهُ في اللَّوْحِ المَحْفوظِ مَقاديرَ الخَلْقِ".
هذا الشيء الثاني من الدرجة الأولى، وهو أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق.
* اللوح المحفوظ: لا نعرف ماهيته؛ من أي شيء؛ أمن خشب، أم من حديد، أم من ذهب، أم من فضة، أم من زمرد؟ فالله أعلم بذلك؛ إنما نؤمن بأن هناك لوحًا كتب الله فيه مقادير كل شيء، وليس لنا الحق في أن نبحث وراء ذلك، لكن لو جاء في الكتاب والسنة ما يدلنا على شيء؛ فالواجب أن نعتقده.
ووصف بكونه محفوظًا؛ لأنه محفوظ من أيدي الخلق؛ فلا يمكن أن يلحق أحد به شيئًا، أو يغير به شيئًا أبدًا. ثانيًا: محفوظ من التغيير؛ فالله لا يغير فيه شيئًا؛ لأنه كتبه عن علم منه؛ كما سيذكره المؤلف، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: "إن المكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير أبدًا"، وإنما يحصل التغيير في الكتب التي بأيدي الملائكة.
* قوله: "مقادير الخلق"؛ أي: مقادير المخلوقات كلها، وظاهر النصوص أنه شمل ما يفعله الإنسان، وما يفعله البهائم، وأنه عام وشامل.
* ولكن؛ هل هذه الكتابة إجمالية أو تفصيلية؟
قد نقول: إننا لا نجزم بأنها تفصيلية أو إجمالية.
فمثلًا: القرآن الكريم: هل هو مكتوب في اللوح المحفوظ
стр. 654
بهذه الآيات والحروف أو أن المكتوب في اللوح ذكره وأنه سينزل على محمد ﷺ وأنه سيكون نورًا وهدىً للناس وما أشبه ذلك؟
ففيه احتمال: إن نظرنا إلى ظاهر النصوص؛ قلنا: إن ظاهرها أن القرآن كله مكتوب جملة وتفصيلًا، وإن نظرنا إلى أن الله يتكلم بالقرآن حين نزوله، قلنا: إن الذي كتب في اللوح المحفوظ ذكر القرآن، ولا يلزم من كون ذكره في اللوح المحفوظ أن يكون قد كتب فيه؛ كما قال الله تعالى عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]؛ يعني: كتب الأولين، ومعلوم أن القرآن لم يوجد نصه في الكتب السابقة، وإنما وجد ذكره، ويمكن أن نقول مثلها في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]؛ أي: ذكره في هذا اللوح.
فالمهم أن نؤمن بأن مقادير الخلق مكتوبة في اللوح المحفوظ، وأن هذا اللوح لا يتغير ما كتب فيه؛ لأن الله أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* * *
* قوله: "فأول ما خلق الله القلم؛ قال له: اكتب! قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" (١).
* قوله: "فأول ما خلق الله القلم؛ قال له: اكتب": فأمره أن يكتب؛ مع أن القلم جماد!!
стр. 655
* فكيف يوجه الخطاب إلى الجماد؟!
والجواب عن ذلك: أن الجماد بالنسبة إلى الله عاقل يصح أن يوجه إليه الخطاب:
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]؛ فوجه الخطاب إليهما، وذكر جوابهما، وكان الجواب بجمع العقلاء طائعين دون طائعات.
وقال تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت كذلك.
وقال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، فكانت الجبال تؤوب معه.
* والحاصل أن الله أمر القلم أن يكتب، وقد امتثل القلم، لكنه أشكل عليه ماذا يكتب؛ لأن الأمر مجمل، فقال: "ما أكتب؟ "؛ أي: أي شيء أكتب؟
* "قال"، أي: الله.
* "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة": فكتب القلم بأمر الله ما هو كائن إلى يوم القيامة.
فانظر كيف علم القلم ماذا يكون إلى يوم القيامة، فكتبه؛ لأن أمر الله لا يرد.
* وقوله: "ما هو كائن إلى يوم القيامة": يشمل ما كان من
стр. 656
فعل الله تعالى وما كان من أفعال الخلق.
* * *
* قوله: "فَما أصابَ الإنْسانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَهُ".
* إذا آمنت بهذه الجملة؛ اطمأننت: ما أصاب الإنسان؛ لم يكن ليخطئه أبدًا.
* ومعنى "ما أصاب": يحتمل أن المعنى: ما قدر أن يصيبه؛ فإنه لن يخطئه، ويحتمل أن ما أصابه بالفعل لا يمكن أن يخطئه، حتى لو تمنى الإنسان، وهما معنيان صحيحان لا يتنافيان.
وما أخطأه لم يكن ليصيبه أي: ما قُدِّر أن يخطئه فإنه لم يكن ليصيبه، أو المعنى: ما أخطأه بالفعل، لأنه معروف أنه غير صائب، ولو تمنى الإنسان، وهما معنيان صحيحان لا يتنافيان.
* * *
* قال المؤلف: "جَفَّتِ الأقْلامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ".
* "الأقلام": هي أقلام القدر التي كتب الله بها المقادير؛ جفت وانتهت.
* و"الصحف": طويت، وهذا كناية عن أن الأمر انتهى.
وفي "صحيح مسلم" (١) عن جابر ﵁؛ قال: جاء
стр. 657
سراقة بن مالك بن جعشم؛ فقال: يا رسول الله! بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن: فيم العمل اليوم؛ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما نستقبل؟ قال: "لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير". قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا؛ فكل ميسر".
* قوله: "كما قال الله تعالى": الكاف في مثل هذا التعبير للتعليل.
* ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾: أيها المخاطب.
* ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: وهذا عام؛ علم لما فيهما من أعيان وأوصاف وأعمال وأحوال.
* ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾: وهو اللوح المحفوظ.
* ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾؛ أي: الكتابة على الله أمر يسير.
* قوله: "وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] ".
* ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: كالجدب والزلازل والفيضانات وغيرها.
* ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾: كالمرض والأوبئة المهلكة وغير ذلك.
* ﴿إلا فِي كِتَابٍ﴾: هو اللوح المحفوظ.
* ﴿نَبْرَأَهَا﴾؛ أي: من قبل أن نخلقها، والضمير في
стр. 658
﴿نَبْرَأَهَا﴾: يحتمل أن يعود على المصيبة، ويحتمل أن يعود على الأنفس، ويحتمل أن يعود على الأرض، والكل صحيح؛ فالمصيبة قد كتبت قبل أن يخلقها الله ، وقبل أن يخلق النفس المصابة، وقبل أن يخلق الأرض.
وفي "صحيح مسلم" (١) عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وكان عرشه على الماء".
* * *
* قوله: "وَهذا التَّقْديرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ يَكونُ في مَواضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصيلًا".
* قوله: "في مواضع"؛ يعني: مواضع غير اللوح المحفوظ.
* * *
* ثم بين هذه المواضع بقوله:
"فَقَدْ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفوظِ ما شاءَ".
"وإذا خَلَقَ جَسَدَ الجَنينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فيهِ؛ بَعَثَ إليهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ، فَيُقالُ لَهُ: اكْتُبْ رِزْقَهُ وَأجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيّ أم سَعيدٌ وَنَحْوَ ذلكَ".
* فهذان موضعان:
стр. 659
الأول: اللوح المحفوظ، وسبق دليل ذلك وتفصيل القول فيه.
والثاني: الكتابة العمرية التي تكون للجنين في بطن أمه، وسبق دليلها في حديث ابن مسعود ﵁ (١).
والموضع الثالث: ما أشار إليه بقوله: "ونحو ذلك"، وهو التقدير الحولي الذي يكون في ليلة القدر؛ فإن ليلة القدر يكتب فيها ما يكون في تلك السنة؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤ - ٥].
* * *
* قال المؤلف: "فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل".
* "هذا التقدير"؛ يعني: العلم والكتابة، ينكره غلاة القدرية قديمًا، ويقولون: إن الله لا يعلم أفعال العبد إلا بعد وجودها، وأنها لم تكتب، ويقولون: إن الأمر أنف؛ أي: مستأنف، لكن متأخروهم أقروا بالعلم والكتابة، وأنكروا المشيئة والخلق، وهذا بالنسبة لأفعال المخلوقين.
أما بالنسبة لأفعال الله؛ فلا أحد ينكر أن الله عالم بها قبل وقوعها.
стр. 660
وهؤلاء الذين ينكرون علم الله بأفعال العبد حكمهم في الشرع أنهم كفار؛ لأنهم كذبوا قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وغيرها من الآيات، وخالفوا المعلوم بالضرورة من الدين.
* * *
* الدرجة الثانية من درجات الإيمان بالقدر:
* قوله: "وَأمّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ"؛ يعني: من درجات الإيمان بالقدر.
* قوله: "فَهِيَ مَشيئَةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ الإيمانُ بِأنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ، وَما لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، وَأنَّهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرض مِن حَرَكَةٍ وَلا سُكونٍ إلَّا بِمَشيئَةِ اللهِ سُبْحانَهُ".
* يعني: أن تؤمن بأن مشيئة الله نافذة في كل شيء، سواء كان مما يتعلق بفعله أو يتعلق بأفعال المخلوقين، وأن قدرته شاملة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
وهذه الدرجة تتضمن شيئين؛ المشيئة والخلق:
- أما المشيئة؛ فيجب أن نؤمن بأن مشيئة الله تعالى نافذة في كل شيء، وأن قدرته شاملة لكل شيء من أفعاله وأفعال المخلوقين.
стр. 661
- فأما كونها شاملة لأفعاله؛ فالأمر فيها ظاهر.
- وأما كونها شاملة لأفعال المخلوقين؛ فلأن الخلق كلهم ملك لله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء.
* والدليل على هذا:
قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣].
فهذه الآيات تدل على أن أفعال العباد متعلقة بمشيئة الله.
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وهذه تدل على أن مشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله وتابعة لها.
* * *
* قوله: "لا يكونُ في مُلْكِهِ ما لا يُريدُ".
* هذه العبارة تحتاج إلى تفصيل: لا يكون في ملكه ما لا يريد بالإرادة الكونية، أما بالإرادة الشرعية؛ فيكون في ملكه ما لا يريد.
стр. 662
وحينئذ؛ نحتاج إلى أن نقسم الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية:
- فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة، ومثالها قول نوح ﵇ لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].
- والإرادة الشرعية بمعنى المحبة، ومثالها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧].
وتختلف الإرادتان في موجبهما وفي متعلقهما:
- ففي المتعلق: الإرادة الكونية تتعلق فيما وقع، سواء أحبه أم كرهه، والإرادة الشرعية تتعلق فيما أحبه، سواء وقع أم لم يقع.
- وفي موجبهما: الإرادة الكونية يتعين فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يتعين فيها وقوع المراد.
* وعلى هذا يكون قول المؤلف: "ولا يكون في ملكه ما لا يريد"؛ يعني به: الإرادة الكونية.
* فإن قال قائل: هل المعاصي مرادة لله؟
فالجواب: أما بالإرادة الشرعية؛ فليست مرادة له؛ لأنه لا يحبها، وأما بالإرادة الكونية؛ فهي مرادة له سبحانه؛ لأنها واقعة بمشيئته.
* * *
стр. 663
* قوله: "وَأنَّهُ سُبْحانَهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ مِنَ المَوْجوداتِ وَالمعدوماتِ".
* كل شيء؛ فالله قادر عليه من الموجودات؛ فيعدمها أو يغيرها، ومن المعدومات؛ فيوجدها.
فالقدرة تتعلق في الموجود بإيجاده أو إعدامه أو تغييره، وفي المعدوم بإعدامه أو إيجاده.
فمثلًا؛ كل موجود؛ فالله قادر أن يعدمه، وقادر أن يغيره؛ أي: ينقله من حال إلى حال، وكل معدوم؛ فالله قادر على أن يوجده؛ مهما كان؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].
* ذكر بعض العلماء استثناء من ذلك، وقال: إلا ذاته؛ فليس عليها بقادر! وزعم أن العقل يدل على ذلك!!
فنقول: ماذا تريد بأنه غير قادر على ذاته؟
- إن أردت أنه غير قادر على أن يعدم نفسه أو يلحقها نقصًا؛ فنحن نوافقك على أن الله لا يلحقه النقص أو العلم، لكننا لا نوافقك على أن هذا مما تتعلق به القدرة؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء الواجب أو المستحيل؛ فهذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأن الواجب مستحيل العدم، والمستحيل مستحيل الوجود.
- وإن أردت بقولك: إنه غير قادر على ذاته: أنه غير قادر
стр. 664
على أنه يفعل ما يشاء؛ فلا يقدر أن يجيء أو نحوه! فهذا خطأ، بل هو قادر على ذلك، وفاعل له، ولو قلنا: إنه ليس بقادر على مثل هذه الأفعال؛ لكان ذلك من أكبر النقص الممتنع على الله سبحانه.
وبهذا علم أن هذا الاستدراك من عموم القدرة في غير محله على كل تقدير.
* وإنما نص المؤلف على هذا ردًّا على القدرية الذين قالوا: إن الله ليس بقادر على فعل العبد!! وإن العبد مستقل بعمله!
ولكن ما في الكتاب والسنة من شمول قدرة الله يرد عليهم.
* * *
* قوله: "فَ ما مِن مَخْلوقٍ في الأرضِ وَلا في السَّماءِ إلَّا اللهُ خالِقُهُ سُبْحانَهُ لا خالِقَ غيْرُهُ وَلا رَبَّ سِواهُ".
* وهذا صحيح بلا شك.
* ولهذا دليل أثري ودليل نظري:
- أما الدليل الأثري:
فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦].
فلا يمكن أن يوجد شيء في السماء والأرض إلا الله خالقه وحده.
стр. 665
ولقد تحدى الله العابدين للأصنام تحديًا أمرنا أن نستمع له، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، ومعلوم أن الذين يدعون من دون الله في القمة عندهم؛ لأنهم اتخذوهم أربابًا، فإذا عجز هؤلاء القمة عن أن يخلقوا ذبابًا، وهو أخس الأشياء وأهونها؛ فما فوقه من باب أولى، بل قال: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]، فيعجزون حتى عن مدافعة الذباب وأخذ حقهم منه.
فإن قيل: كيف يسلب الذباب هذه الأصنام شيئًا؟!
فالجواب: قال بعض العلماء: إن هذا على سبيل الفرض؛ يعني: على فرض أن يسلبهم الذباب شيئًا؛ لا يستنقذوه منه. وقال بعضهم: بل على سبيل الواقع؛ فيقع الذباب على هذه الأصنام، ويمتص ما فيها من أطياب؛ فلا تستطيع الأصنام أن تخرج ما امتصه الذباب.
وإذا كانت عاجزة عن الدفع عن نفسها، واستنقاذ حقها؛ فهي عن الدفع عن غيرها واستنقاذ حقه أعجز.
والمهم أن الله تعالى خالق كل شيء، وأن لا خالق إلا الله؛ فيجب الإيمان بعموم خلق الله ، وأنه خالق كل شيء، حتى أعمال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، وعمل الإنسان من الشيء، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] ... والآيات في هذا كثيرة.
стр. 666
وفيه آية خاصة في الموضوع، وهو خلق أفعال العباد:
فقال إبراهيم لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
فـ (ما) مصدرية، وتقدير الكلام: خلقكم وعملكم، وهذا نص في أن عمل الإنسان مخلوق لله تعالى.
فإن قيل: ألا يحتمل أن تكون (ما) اسمًا موصولًا، ويكون المعنى: خلقكم وخلق الذي تعملونه؟
فكيف يمكن أن نقول إن في الآية دليلًا على خلق أفعال العباد على هذا التقدير أن [ما] موصولة؟
فالجواب: أنه إذا كان المعمول مخلوقًا لله؛ لزم أن يكون عمل الإنسان مخلوقًا؛ لأن المعمول كان بعمل الإنسان؛ فالإنسان هو الذي باشر العمل في المعمول؛ فإذا كان المعمول مخلوقًا لله، وهو فعل العبد؛ لزم أن يكون فعل العبد مخلوقًا، فيكون في الآية دليل على خلق أفعال العباد على كلا الاحتمالين.
- وأما الدليل النظري على أن أفعال العبد مخلوقة لله؛ فتقريره أن نقول: إن فعل العبد ناشئ عن أمرين: عزيمة صادقة وقدرة تامة.
مثال ذلك: أردت أن أعمل عملًا من الأعمال؛ فلا يوجد هذا العمل حتى يكون مسبوقًا بأمرين هما:
أحدهما: العزيمة الصادقة على فعله؛ لأنك لو لم تعزم ما
стр. 667
فعلته.
الثاني: القدرة التامة، لأنك لو لم تقدر؛ ما فعلته؛ فالذي خلق فيك هذه القدرة هو الله ، وهو الذي أودع فيك العزيمة، وخالق السبب التام خالق للمسبب.
- ووجه ثان نظري: أن نقول: الفعل وصف الفاعل، والوصف تابع للموصوف، فكما أن الإنسان بذاته مخلوق لله؛ فأفعاله مخلوقة؛ لأن الصفة تابعة للموصوف.
فتبين بالدليل أن عمل الإنسان مخلوق لله، وداخل في عموم الخلق أثريًّا ونظريًّا، والدليل الأثري قسمان عام وخاص، والدليل النظري له وجهان.
* وقوله: "لا خالق غيره":
* إن قلت: هذا الحصر يرد عليه أن هناك خالقًا غير الله؛ فالمصور يعد نفسه خالقًا، بل جاء في الحديث أنه خالق: "فإن المصورين يعذبون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (١)، وقال : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ فهناك خالق، لكن الله تعالى هو أحسن الخالقين؛ فما الجواب عن قول المؤلف؟
الجواب: أن الخلق الذي ننسبه إلى الله هو الإيجاد وتبديل الأعيان من عين لأخرى؛ فلا أحد يوجد إلا الله ،
стр. 668
ولا أحد يبدل عينًا إلى عين؛ إلا الله ، وما قيل: إنه خلق؛ بالنسبة للمخلوق؛ فهو عبارة عن تحويل شيء من صفة إلى صفة؛ فالخشبة مثلًا بدلًا من أن كانت في الشجرة، تحولت بالنجارة إلى باب؛ فتحويلها إلى باب يسمى خلقًا، لكنه ليس الخلق الذي يختص به الخالق، وهو الإيجاد من العدم، أو تبديل العين من عين إلى أخرى.
* وقوله: "لا رب سواه"؛ أي: أن الله وحده هو الرب المدبر لجميع الأمور، وهذا حصر حقيقي.
* ولكن ربما يرد عليه أنه جاء في الأحاديث إثبات الربوبية لغير الله:
ففي لقطة الإبل قال النبي ﷺ : "دعها؛ معها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها" (١) وربها: صاحبها.
وجاء في بعض ألفاظ حديث جبريل؛ يقول: "إذا ولدت الأمة ربها" (٢).
فما هو الجمع بين هذا وبين قول المؤلف: "لا رب سواه"؟
نقول: إن ربوبية الله عامة كاملة؛ كل شيء؛ فالله ربه، لا يسأل عما يفعل في خلقه؛ لأن فعله كله رحمة وحكمة، ولهذا
стр. 669
يقدر الله الجدب والمرض والموت والجروح في الإنسان وفي الحيوان، ونقول: هذا غاية الكمال والحكمة. أما ربوبية المخلوق للمخلوق؛ فربوبية ناقصة قاصرة، لا تتجاوز محلها، ولا يتصرف فيها الإنسان تصرفًا تامًّا، بل تصرفه مقيد: إما بالشرع، وإما بالعرف.
* * *
* قوله: "ومع ذلك؛ فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته".
* يعني: ومع عموم خلقه وربوبيته لم يترك العباد هملًا، ولم يرفع عنهم الاختيار، بل أمرهم بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته.
وأمره بذلك أمر ممكن؛ فالمأمور مخلوق لله ، وفعله مخلوق لله، ومع ذلك؛ يؤمر وينهى.
ولو كان الإنسان مجبرًا على عمله؛ لكان أمره أمرًا بغير ممكن، والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويقول تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وهذا يدل على أنهم قادرون على فعل الطاعة، وعلى تجنب المعصية، وأنهم غير مكرهين على ذلك.
* * *
* قوله: "وَهُوَ سُبْحانَهُ يُحِبُّ المُتَّقينَ وَالمُحْسِنينَ
стр. 670
وَالمُقْسِطينَ".
* يعني أن الله يحب المحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، والمتقين؛ لقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، والمقسطين؛ لقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
فهو يحب هؤلاء، ومع ذلك هو الذي قدر لهم هذا العمل الذي يحبه، فكان فعلهم محبوبًا إلى الله مرادًا له كونًا وشرعًا؛ فالمحسن قام بالواجب والمندوب، والمتقي قام بالواجب، والمقسط اتقى الجور في المعاملة.
* قوله: "وَيَرْضَى عَنِ الذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ وَلا يُحِبُّ الكافِرينَ".
* "يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات": والدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٧، ٨].
* قوله: "ولا يحب" الله "الكافرين".
والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل