إنها جمعت باعتبار الموزون؛ حيث إنه متعدد، وأفردت باعتبار أن الميزان واحد، أو ميزان كل أمة.
أو أن المراد بالميزان في قوله ﵊: "ثقيلتان في الميزان"؛ أي: في الوزن.
ولكن الذي يظهر -والله أعلم- أن الميزان واحد، وأنه جمع باعتبار الموزون؛ بدليل قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨].
لكن يتوقف الإنسان: هل يكون ميزانًا واحدًا لجميع الأمم أو لكل أمة ميزان؛ لأن الأمم كما دلت عليه النصوص تختلف باعتبار أجرها؟!
* وقوله: "تنصب الموازين": ظاهره أنها موازين حسية، وأن الوزن يكون على حسب المعهود بالراجح والمرجوح، وذلك لأن الأصل في الكلمات الواردة في الكتاب والسنة حملها على المعهود المعروف؛ إلا إذا قام دليل على أنها خلاف ذلك، والمعهود المعروف عند المخاطبين منذ نزول القرآن الكريم إلى اليوم أن الميزان حسي، وأن هناك راجحًا ومرجوحًا.
وخالف في ذلك جماعة:
- فالمعتزلة قالوا: إنه ليس هناك ميزان حسي، ولا حاجة له؛ لأن الله تعالى قد علم أعمال العباد وأحصاها, ولكن المراد بالميزان: الميزان المعنوي الذي هو العدل.
стр. 597
ولا شك أن قول المعتزلة باطل؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، ولأننا إذا قلنا: إن المراد بالميزان: العدل؛ فلا حاجة إلى أن نعبر بالميزان؛ بل نعبر بالعدل؛ لأنه أحب إلى النفس من كلمة (ميزان)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
- وقال بعض العلماء: إن الرجحان للعالي؛ لأنه يحصل فيه العلو, لكن الصواب أن نجري الوزن على ظاهره، ونقول: إن الراجح هو الذي ينزل، ويدل لذلك حديث صاحب البطاقة، فإن فيه أن السجلات تطيش وتثقل البطاقة، وهذا واضح، بأن الرجحان يكون بالنزول.
* وقوله: "فتوزن بها أعمال العباد": كلام المؤلف ﵀ صريح بأن الذي يوزن: العمل.
* وهنا مبحثان:
المبحث الأول: كيف يوزن العمل؛ والعمل وصف قائم بالعامل، وليس جسمًا فيوزن؟!
والجواب على ذلك: أن يقال: إن الله يجعل هذه الأعمال أجسامًا، وليس هذا بغريب على قدرة الله ، وله نظير، وهو الموت؛ فإنه يجعل على صورة كبش، ويذبح بين الجنة والنار (١)، مع أن الموت معنى، وليس بجسم، وليس الذي
стр. 598
يذبح ملك الموت، ولكنه نفس الموت، حيث يجعله الله تعالى جسمًا يشاهد ويرى، كذلك الأعمالك يجعلها الله أجسامًا توزن بهذا الميزان الحسي.
المبحث الثاني: صريح كلام المؤلف أن الذي يوزن العمل، سواء كان خيرًا أم شرًّا:
وهذا هو ظاهر القرآن؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]؛ فهذا واضح أن الذي يوزن العمل، سواء كان خيرًا أم شرًّا.
وقال النبي ﵊: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان" (١)، وهذا ظاهر أيضًا، بل صريح، في أن الذي يوزن العمل، والنصوص في هذا كثيرة.
ولكن هناك نصوص قد يخالف ظاهرها هذا الحديث:
- منها حديث صاحب البطاقة، رجل يؤتى به على رؤوس الخلائق، وتعرض عليه أعماله في سجلات تبلغ تسعة وتسعين سجلًّا؛ كل سجل منها يبلغ مد البصر، فيقر بها، فيقال له: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا، يا رب! فيقول الله: بلى؛ إن لك
стр. 599
عندنا حسنة. فيؤتى ببطاقة صغيرة، فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ... الحديث (١).
وظاهر هذا أن الذي يوزن صحائف الأعمال.
- وهناك نصوص أخرى تدل على أن الذي يوزن العامل؛ مثل:
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]؛ مع أنه قد ينازع في الاستدلال بهذه الآية؛ فيقال: إن معنى قوله: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾؛ يعني: قدرًا.
ومثل ما ثبت من حديث ابن مسعود ﵁، أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان ﵁ دقيق الساقين، جعلت الريح تحركه، فضحك الصحابة ﵃، فقال النبي ﷺ : "مم تضحكون؟ ". قالوا: من دقة ساقيه. قال: "والذي
стр. 600
نفسي بيده؛ لهما في الميزان أثقل من أحد" (١).
فصار ها هنا ثلاثة أشياء: العمل، والعامل، والصحائف.
- فقال بعض العلماء: إن الجمع بينها أن يقال: إن من الناس من يوزن عمله، ومن الناس من يوزن صحائف عمله، ومن الناس من يوزن هو بنفسه.
- وقال بعض العلماء: الجمع بينها أن يقال: إن المراد بوزن العمل أن العمل يوزن وهو في الصحائف، ويبقى وزن صاحب العمل، فيكون لبعض الناس.
- ولكن عند التأمل نجد أن أكثر النصوص تدل على أن الذي يوزن هو العمل، ويخص بعض الناس، فتوزن صحائف أعماله، أو يوزن هو نفسه.
وأما ما ورد في حديث ابن مسعود وحديث صاحب البطاقة؛ فقد يكون هذا أمرًا يخص الله به من يشاء من عباده.
* * *
* قوله: " ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ":
стр. 601
* ﴿فَمَنْ﴾: شرطية.
* وجواب الشرط جملة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وأتت الجملة الجزائية جملة اسمية بصفة الحصر ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
وجاءت باسم الإشارة الدال على البعد ﴿فَأُولَئِكَ﴾، ولم يقل: فهم المفلحون. إشارة إلى علو مرتبتهم.
وجاءت بصفة الحصر في قوله: ﴿هُمُ﴾، وهو ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد، والفصل بين الخبر والصفة.
* والمفلح: هو الذي فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه؛ فحصل له السلامة مما يكره، وحصل له ما يحب.
* والمراد بثقل الموازين رجحان الحسنات على السيئات.
* وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: فيه إشكال من جهة العربية؛ فإن ﴿مَوَازِينُهُ﴾ الضمير فيه مفرد، و ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الضمير فيه جمع!!
وجوابه أن (من) الشرطية صالحة للإفراد والجمع؛ فباعتبار اللفظ يعود الضمير إليها مفردًا، وباعتبار المعنى يعود الضمير إليها جمعًا.
وكلما جاءت (من)؛ فإنه يجوز أن تعيد الضمير إليها بالإفراد أو بالجمع، وهذا كثير في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ
стр. 602
رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]؛ فتجد الآية الكريمة فيها مراعاة اللفظ ثم المعنى ثم اللفظ.
* قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣].
* والإشارة هنا للبعد، لانحطاط مرتبتهم، لا لعلو مرتبتهم.
* وقوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: الكافر قد خسر نفسه وأهله وماله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] بينما المؤمن العامل للصالحات قد ربح نفسه وأهله وماله وانتفع به.
فهؤلاء الكفار خسروا أنفسهم؛ لأنهم لم يستفيدوا من وجودهم في الدنيا شيئًا، بل ما استفادوا إلا الضرر، وخسروا أموالهم؛ لأنهم لم ينتفعوا بها، حتى ما أعطوه للخلق لينتفِع به، فإنه لا ينفعهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] وخسروا أهليهم، لأنهم في النار، فصاحب النار لا يأنس بأهله، بل إنه مغلق عليه في تابوت، ولا يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا.
* والمراد بخفة الموازين: رجحان السيئات على الحسنات، أو فقدان الحسنات بالكلية، إن قلنا بأن الكفار توزن أعمالهم، كما هو ظاهر هذه الآية الكريمة وأمثالها، وهو أحد القولين لأهل العلم.
стр. 603
والقول الثاني: أن الكفار لا توزن أعمالهم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
والله أعلم.
* * *
• الأمر السادس مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: "وَتُنْشَرُ الدَّواوينُ".
* "تنشر"؛ أي: تفرق وتفتح لقارئها.
* "والدواوين": جمع ديوان، وهو السجل الذي تكتب فيه الأعمال، ومنه دواوين بيت المال، وما أشبه ذلك.
* قال: "وهي صحائف الأعمال"؛ يعني: التي كتبتها الملائكة الموكلون بأعمال بني آدم؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢].
فيكتب هذا العمل، ويكون لازمًا للإنسان في عنقه، فإذا كان يوم القيامة؛ أخرج الله هذا الكتاب.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤].
стр. 604
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك.
* والكتابة في صحائف الأعمال: إما للحسنات، وإما للسيئات، والذي يكتب من الحسنات ما عمله الإنسان، وما نواه، وما هم به؛ فهذه ثلاثة أشياء:
- فأما ما عمله؛ فظاهر أنه يكتب.
- وأما ما نواه، فإنه يكتب له، لكن يكتب له أجر النية فقط كاملًا؛ كما في الحديث الصحيح في قصة الرجل الذي كان له مال ينفقه في سبل الخير، فقال الرجل الفقير: لو أن عندي مالًا؛ لعملت فيه بعمل فلان؛ قال النبي ﷺ : "فهو بنيته؛ فأجرهما سواء" (١).
ويدل على أنهما ليسا سواء في الأجر من حيث العمل: أن فقراء المهاجرين لما أتوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! إن أهل الدثور سبقونا. فقال لهم ﷺ : تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ... فلما سمع الأغنياء بذلك؛ فعلوا مثله، فرجع الفقراء يشكون إلى النبي ﵊، فقال لهم: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٢)، ولم يقل: إنكم بنيتكم
стр. 605
أدركتم عملهم.
ولأن هذا هو العدل؛ فرجل لم يعمل لا يكون كالذي عمل، لكن يكون مثله في أجر النية فقط.
- وأما الهم؛ فينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يهم بالشيء ويفعل ما يقدر عليه منه، ثم يحال بينه وبين إكماله.
فهذا يكتب له الأجر كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وهذه بشرى لطلبة العلم: إذا نوى الإنسان أنه يطلب العلم وهو يريد أن ينفع الناس بعلمه ويذب عن سنة الرسول ﷺ وينشر دين الله في الأرض، ثم لم يقدر له ذلك؛ بأن مات مثلًا وهو في طلبه؛ فإنه يكتب له أجر ما نواه وسعى إليه.
بل إن الإنسان إذا كان من عادته العمل، وحيل بينه وبينه لسبب؛ فإنه يكتب له أجره.
قال النبي ﵊: "إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (١).
القسم الثاني: أن يهم بالشيء ويتركه مع القدرة عليه؛ فيكتب له به حسنة كاملة؛ لنيته.
стр. 606
وأما السيئات؛ فإنه يكتب على الإنسان ما عمله، ويكتب عليه ما أراده وسعى فيه ولكن عجز عنه، ويكتب عليه ما نواه وتمناه.
فالأول: واضح.
والثاني: يكتب عليه كاملًا؛ لقول النبي ﵊: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟! قال: "لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١)، ومثله من هم أن يشرب الخمر، ولكن حصل له مانع؛ فهذا يكتب عليه الوزر كاملًا؛ لأنه سعى فيه.
والثالث: الذي نواه وتمناه يكتب عليه، لكن بالنية، ومنه الحديث الذي أخبر النبي ﵊ عن رجل أعطاه الله مالًا؛ فكان يتخبط فيه، فقال رجل فقير: لو أن لي مالًا؛ لعملت فيه بعمل فلان. قال النبي ﵊: "فهو بنيته؛ فوزرهما سواء" (٢).
ولو هم بالسيئة، ولكن تركها؛ فهذا على ثلاثة أقسام:
١ - إن تركها عجزًا؛ فهو كالعامل إذا سعى فيها.
٢ - وإن تركها لله؛ كان مأجورًا.
стр. 607
٣ - وإن تركها لأن نفسه عزفت عنها، أو لم تطرأ على باله؛ فهذا لا إثم عليه ولا أجر.
والله يجزي بالحسنات أكثر من العمل، ولا يجزي بالسيئات إلا مثل العمل؛ قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وهذا من كرمه ومن كون رحمته سبقت غضبه.
- من قوله: "فآخِذٌ كِتابَهُ بِيَمينِهِ": "آخذ": مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: فمنهم آخذ.
وجاز الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه في مقام التفصيل؛ أي أن الناس ينقسمون؛ فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه، وهم المؤمنون، وهذا إشارة إلى أن لليمنى الإكرام، ولذلك يأخذ المؤمن كتابه بها، والكافر يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره؛ كما قال المؤلف: "وآخذ كتابه بشماله".
* وقوله: "أو من وراء ظهره": "أو" للتنويع، وليست للشك.
فظاهر كلام المؤلف أن الناس يأخذون كتبهم على ثلاثة أوجه: باليمين، وبالشمال، ومن وراء الظهر.
ولكن الظاهر أن هذا الاختلاف اختلاف صفات؛ فالذي يأخذ كتابه من وراء ظهره هو الذي يأخذ كتابه بشماله؛ فيأخذ بالشمال، وتجعل يده من الخلف؛ فكونه يأخذه بالشمال؛ لأنه من أهل
стр. 608
الشمال، وكونه من وراء ظهره؛ لأنه لما استدبر كتاب الله، وولَّى ظهره إياه في الدنيا؛ صار من العدل أن يجعل كتاب أعماله يوم القيامة خلف ظهره؛ فعلى هذا؛ تخلع اليد الشمال حتى تكون من الخلف. والله أعلم.
* قوله: "كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] ":
* ﴿طَائِرَهُ﴾؛ أي: عمله؛ لأن الإنسان يتشاءم به أو يتفاءل به، ولأن الإنسان يطير به فيعلو أو يطير به فينزل.
* ﴿فِي عُنُقِهِ﴾؛ أي: رقبته، وهذا أقوى ما يكون تعلقًا بالإنسان؛ حيث يربط في العنق؛ لأنه لا يمكن أن ينفصل إلا إذا هلك الإنسان؛ فهذا يلزم عمله.
* وإذا كان يوم القيامة؛ كان الأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾؛ أي: مفتوحًا؛ لا يحتاج إلى تعب ولا إلى مشقة في فتحه.
* ويقال له: في ﴿اقرَأ كِتَابك﴾ هو وانظر ما كتب عليك فيه.
* ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: وهذا من تمام العدل والإنصاف: أن يوكل الحساب إلى الإنسان نفسه.
والإنسان العاقل لا بد أن ينظر ماذا كتب في هذا الكتاب الذي سوف يجده يوم القيامة مكتوبًا.
стр. 609
ولكن؛ نحن أمامنا باب يمكن أن يقضي على كل السيئات، وهو التوبة، وإذا تاب العبد إلى الله؛ مهما عظم ذنبه؛ فإن الله يتوب عليه، وحتى لو تكرر الذنب منه، وهو يتوب؛ فإن الله يتوب عليه؛ فما دام الأمر بأيدينا الآن، فعلينا أن نحرص على أن لا يكتب في هذا الكتاب إلا العمل الصالح.
* * *
• الأمر السابع مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: "وَيُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ":
* المحاسبة: إطلاع العباد على أعمالهم يوم القيامة.
وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل:
- أما الكتاب؛ فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢].
- وأما السنة؛ فقد ثبت عن النبي ﵊ بعدة أحاديث أن الله تعالى يحاسب الخلائق.
- وأما الإجماع؛ فإنه متفق عليه بين الأمة: أن الله تعالى يحاسب الخلائق.
- وأما العقل؛ فواضح؛ لأننا كلفنا بعمل فعلًا وتركًا وتصديقًا، والعقل والحكمة تقتضيان أن من كلف بعمل، فإنه يحاسب عليه ويناقش فيه.
стр. 610
* وقول المؤلف: "الخلائق": جمع خليقة؛ يشمل كل مخلوق.
إلا أنه يستثنى من ذلك من يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ كما ثبت ذلك في "الصحيحين": أن النبي ﷺ رأى أمته ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون (١).
وقد روى الإِمام أحمد بسند جيد: أن مع كل واحد سبعين ألفًا (٢).
فتضرب سبعين ألفًا بسبعين ألفًا، ويزاد سبعون ألفًا. هؤلاء كلهم ودخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
* وقوله: "الخلائق": يشمل أيضًا الجن؛ لأنهم مكلفون، ولهذا يدخل كافرهم النار بالنص والإجماع؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ
стр. 611
ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ويدخل مؤمنهم الجنة على قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح؛ كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ...﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٥٦].
* وهل تشمل المحاسبة البهائم؟!
أما القصاص؛ فيشمل البهائم؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ "أنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (١)، وهذا قصاص، لكنها لا تحاسب حساب تكليف وإلزام؛ لأن البهائم ليس لها ثواب ولا عقاب.
* * *
* قوله: "وَيَخْلو بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ فَيقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ":
* هذا صفة حساب المؤمن:
يخلو به الله دون أن يطلع عليه أحد، ويقرره بذنوبه؛ أي: يقول له: عملت كذا، وعملت كذا ... حتى يقر ويعترف، ثم يقول: "سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (٢).
ومع ذلك؛ فإنه يضع عليه ستره؛ بحيث لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، وهذا من فضل الله على
стр. 612
المؤمن؛ فإن الإنسان إذا قررك بجناياتك أمام الناس وإن سمح عنك؛ ففيه شيء من الفضيحة، لكن إذا كان ذلك وحدك؛ فإن ذلك ستر منه عليك.
* قوله: "كما وصف ذلك في الكتاب والسنة":
* "ذلك": المشار إليه الحساب؛ يعني: كما وصف الحساب في الكتاب والسنة، لأن هذا من الأمور الغيبية المتوقفة على الخبر المحض، فوجب الرجوع فيه إلى ما وصف في الكتاب والسنة.
* * *
* في قوله: "وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويخزون بها".
* هكذا جاء معناه في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما ذكر حساب الله تعالى لعبده المؤمن، وأنه يخلو به، ويقرره بذنوبه. قال: "وأما الكفار والمنافقون؛ فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين". متفق عليه (١).
وفي "صحيح مسلم" (٢)، عن أبي هريرة ﵁، في
стр. 613
حديث طويل عن النبي ﷺ قال: فيلقى العبد، أَي: يلقى الله العبد، يعني: المنافق، فيقول: يا فل، أي: يا فلان، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى، قال: فيقول: أظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيسأله فيجيب كما أجاب الأول، فيقول الله: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذن، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه.
(تنبيه):
في قول المؤلف ﵀ محاسبة من توزن حسناته وسيئاته ... الخ، إشارة إلى أن المراد بالمحاسبة المنفية عنهم هي محاسبة الموازنة بين الحسنات والسيئات، وأما محاسبة التقرير والتقريع فثابتة كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁.
فائدة:
أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة، وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين.
стр. 614
• الأمر الثامن مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: "وَفى عَرَصاتِ القِيامَةِ الحَوْضُ المَوْرودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ".
* العرَصات: جمع عرْصة، وهي المكان المتسع بين البنيان، والمراد به هنا مواقف القيامة.
* والحوض في الأصل: مجمع الماء، والمراد به هنا: حوض النبي ﷺ .
* و الكلام على الحوض من عدة وجوه:
أولًا: هذا الحوض موجود الآن؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه خطب ذات يوم في أصحابه، وقال: "وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن" (١).
وأيضًا؛ ثبت عن النبي ﵊؛ أنه قال: "ومنبري على حوضي" (٢).
وهذا يحتمل أنه في هذا المكان، لكن لا نشاهده؛ لأنه غيبي، ويحتمل أن المنبر يوضع يوم القيامة على الحوض.
ثانيًا: هذا الحوض يصب فيه ميزابان من الكوثر، وهو النهر العظيم، الذي أعطيه النبي ﷺ في الجنة؛ ينزلان إلى هذا
стр. 615
الحوض (١).
ثالثًا: زمن الحوض قبل العبور على الصراط؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط (٢).
رابعًا: يرد هذا الحوض المؤمنون بالله ورسوله ﷺ ، المتبعون لشريعته، وأما من استنكف واستكبر عن اتباع الشريعة؛ فإنه يطرد منه (٣).
خامسًا: في كيفية مائه: فيقول المؤلف ﵀: "ماؤه أشد بياضًا من اللبن": هذا في اللون، أما في الطعم؛ فقال: "وأحلى من العسل"، وفي الرائحة أطيب من ريح المسك؛ كما ثبت به الحديث عن النبي ﷺ (٤).
سادسًا: في آنيته: يقول المؤلف: "آنيته عدد نجوم السماء".
هذا كما ورد في بعض ألفاظ الحديث، وفي بعضها: "آنيته
стр. 616
كنجوم السماء"، وهذا اللفظ أشمل؛ لأنه يكون كالنجوم في العدد وفي الوصف بالنور واللمعان؛ فآنيته كنجوم السماء كثرة وإضاءة.
سابعًا: آثار هذا الحوض: قال المؤلف: "من يشرب منه شربة؛ لا يظمأ بعدها أبدًا": حتى على الصراط وبعده.
وهذه من حكمة الله ؛ لأن الذي يشرب من الشريعة في الدنيا لا يخسر أبدًا كذلك.
ثامنًا: مساحة هذا الحوض: يقول المؤلف: "طوله شهر وعرضه شهر": هذا إذًا يقتضي أن يكون مدورًا؛ لأنه لا يكون بهذه المساحة من كل جانب؛ إلا إذا كان مدورًا، وهذه المسافة باعتبار ما هو معلوم في عهد النبي ﷺ من سير الإبل المعتاد.
تاسعًا: هل للأنبياء الآخرين أحواضٌ؟
فالجواب: نعم؛ فإنه جاء في حديث رواه الترمذي -وإن كان فيه مقال-:
"إن لكل نبي حوضًا" (١).
لكن هذا يؤيده المعنى، وهو أن الله بحكمته وعدله
стр. 617
كما جعل للنبي محمد ﷺ حوضًا يرده المؤمنون من أمته؛ كذلك يجعل لكل نبي حوضًا، حتى ينتفع المؤمنون بالأنبياء السابقين، لكن الحوض الأعظم هو حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* * *
• الأمر التاسع مما يكون يوم القيامة: الصراط:
وقد ذكره المؤلف بقوله: "وَالصِّراطُ مَنْصوبٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الجِسْرُ الذي بين الجنة والنار".
* وقد اختلف العلماء في كيفيته:
- فمنهم من قال: طريق واسع يمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ لأن كلمة الصراط مدلولها اللغوي هو هذا؛ ولأن رسول الله ﷺ أخبر بأنه دَحْض ومَزِلة (١)، والدحض والمزلة لا يكونان إلا في طريق واسع، أما الضيق؛ فلا يكون دحضًا ومزلة.
- ومن العلماء من قال: بل هو صراط دقيق جدًّا؛ كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم بلاغًا (٢)؛ أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف.
* على هذا يرد سؤال: وهو: كيف يمكن العبور على طريق كهذا؟
стр. 618
والجواب: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا؛ فالله تعالى على كل شيء قدير، ولا ندري؛ كيف يعبرون؟! هل يجتمعون جميعًا في هذا الطريق أو واحدًا بعد واحد؟
وهذه المسألة لا يكاد الإنسان يجزم بأحد القولين؛ لأن كليهما له وجهة قوية.
* وقوله: "منصوب على متن جهنم"؛ يعني: على نفس النار.
* * *
* قوله: "يمر عليه الناس على قدر أعمالهم: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدوا عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف خطفًا ويلقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم" (١).
* قوله: "يمر الناس": المراد بـ "الناس" هنا: المؤمنون؛ لأن الكفار قد ذهب بهم إلى النار.
فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ولمح البصر أسرع من البرق،
стр. 619
ومنهم من يمر كالريح؛ أي: الهواء، ولا شك أن الهواء سريع، لا سيما قبل أن يعرف الناس الطائرات، والهواء المعروف يصل أحيانًا إلى مئة وأربعين ميلًا في الساعة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، وهي دون الفرس الجواد بكثير، ومنهم من يعدو عدوًا؛ أي: يسرع، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا؛ أي: يمشي على مقعدته، وكل منهم يريد العبور.
وهذا بغير اختيار الإنسان، ولو كان باختياره؛ لكان يحب أن يكون بسرعة، ولكن السير على حسب سرعته في قبول الشريعة في هذه الدنيا؛ فمن كان سريعًا في قبول ما جاءت به الرسل؛ كان سريعًا في عبور الصراط، ومن كان بطيئًا في ذلك؛ كان بطيئًا في عبور الصراط؛ جزاء وفاقًا، والجزاء من جنس العمل.
* وقوله: "ومنهم من يخطف"؛ أي: يؤخذ بسرعة، وذلك بالكلاليب التي على الجسر؛ تخطف الناس بأعمالهم.
* "ويلقى في جهنم": يفهم منه أن النار التي يلقى فيها العصاة هي النار التي يلقى فيها الكفار، ولكنها لا تكون بالعذاب كعذاب الكفار، بل قال بعض العلماء: إنها تكون بردًا وسلامًا عليهم كما كانت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، ولكن الظاهر خلاف ذلك، وأنها تكون حارة مؤلمة، لكنها ليست كحرارتها بالنسبة للكافرين.
ثم إن أعضاء السجود لا تمسها النار؛ كما ثبت ذلك عن
стр. 620
النبي ﵊ في "الصحيحين" (١)، وهي الجبهة والأنف والكفان والركبتان وأطراف القدمين.
* قوله: "فمن مر على الصراط؛ دخل الجنة"؛ أي: لأنه نجا.
* * *
* قوله: "فإذا عبروا عليه؛ وُقِفوا على قنطرة بين الجنة والنار":
"القنطرة": هي الجسر، لكنها جسر صغير، والجسر في الأصل ممر على الماء من نهر ونحوه.
واختلف العلماء في هذه القنطرة؛ هل هي طرف الجسر الذي على متن جهنم أو هي جسر مستقل؟!
والصواب في هذا أن نقول: الله أعلم، وليس يعنينا شأنها، لكن الذي يعنينا أن الناس يوقفون عليها.
* قوله: "فيقتص لبعضهم من بعض": وهذا القصاص غير القصاص الأول الذي في عرصات القيامة، لأن هذا قصاص أخص؛ لأجل أن يذهب الغل والحقد والبغضاء التي في قلوب الناس، فيكون هذا بمنزلة التنقية والتطهير، وذلك لأن ما في القلوب لا يزول بمجرد القصاص.
стр. 621
فهذه القنطرة التي بين الجنة والنار؛ لأجل تنقية ما في القلوب، حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
* قوله: "فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا؛ أُذِن لهم في دخول الجنة".
هكذا رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (١).
إذا هذبوا مما في قلوبهم من العداوة والبغضاء ونقوا منها؛ فإنه يؤذن لهم في دخول الجنة؛ فإذا أذن لهم في الدخول؛ فلا يجدون الباب مفتوحًا، ولكن النبي ﷺ يشفع إلى الله في أن يفتح لهم باب الجنة؛ كما سيأتي في أقسام الشفاعة إن شاء الله.
* * *
• الأمر العاشر مما يكون يوم القيامة: دخول الجنة:
وأشار إليه المؤلف بقوله: "وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ".
ودليله ما ثبت في "صحيح مسلم" أن النبي ﷺ قال: "أنا أول شفيع في الجنة"، وفي لفظ: "أنا أول من يقرع باب الجنة" (٢)، وفي لفظ: "آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن:
стр. 622
من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد من قبلك" (١).
وقوله ﷺ : "فأستفتح"؛ أي: أطلب فتح الباب.
* وهذا من نعمة الله على محمد ﷺ ؛ فإن الشفاعة الأولى التي يشفعها في عرصات القيامة لإزالة الكروب والهموم والغموم، والشفاعة الثانية لنيل الأفراح والسرور؛ فيكون شافعًا للخلق ﵊ في دفع ما يضرهم وجلب ما ينفعهم.
* ولا دخول إلى الجنة إلا بعد شفاعة الرسول ﵊؛ لأن ذلك ثبت في السنة كما سبق، وأشار إليه الله بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ فإنه لم يقل: حتى إذا جاؤوها؛ فتحت! وفيه إشارة إلى أن هناك شيئًا قبل الفتح، وهو الشفاعة. أما أهل النار؛ فقال فيهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]؛ لأنهم يأتونها مهيأة فتبغتهم؛ نعوذ بالله منها.
* * *
* قوله: "وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته":
هذا حق ثابت؛ دليله ما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون
стр. 623
الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة" (١)، وقال ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" (٢).
وهذا يشمل كل مواقف القيامة، وانظر: "حادي الأرواح" لابن القيم.
* تتمة:
أبواب الجنة لم يذكرها المؤلف، لكنها معروفة أنها ثمانية؛ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ وقال النبي ﷺ فيمن توضأ وأسبغ الوضوء وتشهد: "إلَّا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" (٣).
وهذه الأبواب كانت ثمانية بحسب الأعمال؛ لأن كل باب له عمال؛ فأهل الصلاة ينادون من باب الصلاة، وأهل الصدقة من باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد، وأهل الصيام من باب الريان.
وقد يوفق الله بعض الناس لأعمال صالحة شاملة؛ فيدعى من جميع الأبواب، كما في "الصحيحين" (٤) عن أبي هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله؛
стр. 624
نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير ... " وذكر الحديث، وفيه: فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".
* فإن قلت: إذا كانت الأبواب بحسب الأعمال؛ لزم أن يدعى كل أحد من كل تلك الأبواب إذا عمل بأعمالها؛ فما هو الجواب؟
فالجواب: أن يقال: يُدْعى من الباب المعين مَن كان يكثر من العمل المخصص له؛ مثلًا: إذا كان هذا الرجل كثير الصلاة، فيدعى من باب الصلاة، كثير الصيام من باب الريان، وليس كل إنسان تحصل له الكثرة في كل عمل صالح؛ لأنك تجد في نفسك بعض الأعمال أكثر وأنشط من بعض، لكن قد يمن الله على بعض الناس، فيكون نشيطًا قويًّا في جميع الأعمال؛ كما سبق في قصة أبي بكر ﵁.
* * *
• الأمر الحادي عشر مما يكون يوم القيامة: الشفاعة:
وقد ذكرها المؤلف بقوله: "وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات".
* "له": الضمير يعود للنبي ﷺ .
стр. 625
* والشفاعات: جمع شفاعة، والشفاعة في اللغة: جعل الشيء شفعًا. وفي الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، ومناسبتها للاشتقاق ظاهرة؛ لأنك إذا توسطت له؛ صرت معه شفعًا تشفعه.
* والشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة باطلة، وشفاعة صحيحة.
- فالشفاعة الباطلة: ما يتعلق به المشركون في أصنامهم؛ حيث يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاء لهم عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
لكن هذه الشفاعة باطلة لا تنفع؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
- والشفاعة الصحيحة ما جمعت شروطًا ثلاثة:
الأول: رضي الله عن الشافع.
الثاني: رضاه عن المشفوع له، لكن الشفاعة العظمى في الموقف عامة لجميع الناس من ﵃ ومن لم يرض عنهم.
الثالث: إذنه في الشفاعة.
والإذن لا يكون إلا بعد الرضى عن الشافع والمشفوع له.
стр. 626
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، ولم يقل: عن الشافع، ولا: المشفوع له؛ ليكون أشمل.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فالآية الأولى تضمنت الشروط الثلاثة، والثانية تضمنت شرطين، والثالثة تضمنت شوطًا واحدًا.
* * *
* فللنبي ﷺ ثلاث شفاعات:
١ - الشفاعة العظمى.
٢ - والشفاعة لأهل الجنة ليدخلوا الجنة.
٣ - والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
* * *
* قال المؤلف مبينًا هذه الثلاث: "أما الشفاعة الأولى؛ فيشفع في أهل الموقف، حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه".
стр. 627
* قوله: "حتى يقضى بينهم": (حتى) هذه تعليلية، وليست غائية؛ لأن شفاعة الرسول ﷺ تنتهي إليه قبل أن يقضى بين الناس؛ فإنه إذا شفع؛ نزل الله للقضاء بين عباده وقضى بينهم.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]؛ فإن قوله: ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: للتعليل؛ أي: من أجل أن ينفضوا، وليست للغاية؛ لأن المعنى يفسد بذلك.
* قوله: "بعد أن يتراجع الأنبياء؛ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة": أي: يردها كل واحد منهم إلى الآخر.
* شرح هذه الجملة ما رواه البخاري ومسلم (١) عن أبي هريرة ﵁: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون فيم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد؛ يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعضهم لبعض: عليكم بآدم! فيأتونه، فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم
стр. 628
يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيته؛ نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى نوح! فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح! إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي؛ اذهبوا إلى إبراهيم! فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإني قد كذبت ثلاث كذبات؛ اذهبوا إلى موسى! فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى! أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، وإني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها؛ اذهبوا إلى عيسى! فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبيًّا؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول كما قال آدم في غضب الله، ولم يذكر ذنبًا، اذهبوا إلى محمد! وكلهم يقول كما قال آدم: نفسي نفسي نفسي! فيأتون محمدًا ﷺ ، فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ اشفع لنا إلى ربك؛ ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي ، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك؛ سل
стр. 629
تعطه، واشفع تشفع ... " وذكر تمام الحديث.
* والكذبات الثلاث التي ذكرها إبراهيم ﵇ فُسِّرت بما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁؛ قال: لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات؛ اثنتين منهن في ذات الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وذكر قوله عن امرأته سارة: إنها أختي.
وفي "صحيح مسلم" في حديث الشفاعة السابق أن الثالثة قوله في الكوكب ﴿هَذَا رَبِّي﴾، ولم يذكر قصة سارة.
لكن قال ابن حجر في "الفتح" (١): "الذي يظهر أنها وهم من بعض الرواة"، وعلل لذلك.
وإنما سمى إبراهيم ﵇ هذه كذبات؛ تواضعًا منه؛ لأنها بحسب مراده صدق مطابق للواقع؛ فهي من باب التورية، والله أعلم.
* قوله: "حتى تنتهي إليه"؛ أي: إلى الرسول ﷺ ، وسبق في الحديث ما يكون بعد ذلك.
وهذه الشفاعة العظمى لا تكون لأحد أبدًا إلا للرسول ﵊، وهي أعظم الشفاعات؛ لأن فيها إراحة الناس من هذا الموقف العظيم والكرب والغم.
стр. 630
وهؤلاء الرسل الذين ذكروا في حديث الشفاعة كلهم من أولي العزم، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن: في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى.
أما في سورة الأحزاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧].
وأما في سورة الشورى؛ فقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣].
تنبيه:
قوله: "الأنبياء؛ آدم ونوح ... " إلى آخره: جزم المؤلف ﵀ بأن آدم نبي، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى أوحى إليه بشرع أمره ونهاه.
وروى ابن حبان في "صحيحه" (١): أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل كان آدم نبيًّا؟ قال: "نعم".
فيكون آدم أول الأنبياء الموحى إليهم، وأما أول الرسل؛ فنوح؛ كما هو صريح في حديث الشفاعة وظاهر القرآن في قوله
стр. 631
تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦].
* * *
* قوله: "وأما الشفاعة الثانية؛ فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة".
* وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط؛ وقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي كان في عَرَصات القيامة، بل هو قصاص أخص، يطهر الله فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن؛ فإذا هُذِّبوا ونُقّوا؛ أُذن لهم في دخول الجنة.
ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة؛ لا يجدونها مفتوحة كما يجد ذلك أهل النار؛ فلا تفتح الأبواب، حتى يشفع النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها، فيدخل كل إنسان من باب العمل الذي يكون أكثر اجتهادًا فيه من غيره، وإلا، فإن المسلم قد يدعى من كل الأبواب.
* وهذه الشفاعة يشير إليها القرآن؛ لأن الله قال في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وهذا يدل أن هناك شيئًا بين وصولهم إليها وبين فتح الأبواب.
стр. 632
وهو صريح فيما رواه مسلم (١) عن حذيفة وأبي هريرة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة ... " وذكر الحديث، وفيه: "فيأتون محمدًا، فيقوم، فيؤذن له. . ." الحديث.
* * *
* قوله: "وهاتان الشفاعتان خاصتان له"، يعني: الشفاعة في أهل الموقف أن يقضى بينهم، والشفاعة في دخول الجنة.
* "خاصتان له"؛ أي: للنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك يعتذر عنهما آدم وأولو العزم من الرسل.
* * *
* وهناك أيضًا شفاعة ثالثة خاصة بالنبي ﷺ ، لا تكون لغيره، وهي الشفاعة في عمه أبي طالب.
* وأبو طالب -كما في "الصحيحين" (٢) وغيرهما- مات على الكفر.
* فأعمام الرسول ﵊ عشرة، أدرك الإسلام
стр. 633
منهم أربعة؛ فبقي اثنان على الكفر وأسلم اثنان:
- فالكافران هما:
أبو لهب: وقد أساء إلى النبي ﷺ إساءة عظيمة، وأنزل الله تعالى فيه وفي امرأته حمالة الحطب سورة كاملة في ذمهما ووعيدهما.
والثاني: أبو طالب، وقد أحسن إلى الرسول ﵊ إحسانًا كبيرًا مشهورًا، وكان من حكمة الله أن بقي على كفره؛ لأنه لولا كفره؛ ما حصل هذا الدفاع عن الرسول ﵊، بل كان يؤذى كما يؤذى الرسول ﵊، لكن بجاهه العظيم عند قريش وبقائه على دينهم صاروا يعظمونه وصار للنبي ﵊ جانب من الحماية بذلك.
- واللذان أسلما هما العباس وحمزة، وهو أفضل من العباس، حتى لقبه الرسول ﵊ أسد الله، وقتل شهيدًا في أحد ﵁ وأرضاه، وسماه النبي ﷺ سيد الشهداء (١).
فأبو طالب أذن الله لرسوله ﷺ أن يشفع فيه، مع أنه كافر،
стр. 634
فيكون هذا مخصوصًا من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، ولكنها شفاعة لم تخرجه من النار، بل كان في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه؛ قال الرسول ﵊: "ولولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل كان النار" (١)، وليس هذا من أجل شخصية أبي طالب، لكن من أجل ما حصل من دفاعه عن النبي ﷺ وعن أصحابه.
* * *
* قوله: "وأما الشفاعة الثالثة، فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها".
* قوله: "وأما الشفاعة الثالثة، فيشفع فيمن استحق النار"؛ أي: من عصاة المؤمنين.
وهذه لها صورتان: يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
- أما فيمن دخلها أن يخرج منها؛ فالأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، بل متواترة.
- وأما فيمن استحقها أن لا يدخلها؛ فهذه قد تستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم؛ فإنه
стр. 635
من لازم ذلك أن لا يدخل النار؛ كما قال النبي ﵊: "اللهم! اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين ... " الحديث (١).
* لكن هذه شفاعة في الدنيا؛ كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا؛ إلا شفعهم الله فيه" (٢).
* وهذه الشفاعة ينكرها من أهل البدع طائفتان؛ المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج مذهبهما في فاعل الكبيرة أنه مخلد في نار جهنم، فيرون من زنى كمن أشرك بالله؛ لا تنفعه الشفاعة، ولن يأذن الله لأحد بالشفاعة له.
وقولهم مردود بما تواترت به الأحاديث في ذلك.
* قوله: "وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم"؛ فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، يعني: أنها ليست خاصة بالنبي ﷺ ، بل تكون للنبيين؛ حيث يشفعون في عصاة قومهم، وللصديقين يشفعون في عصاة أقاربهم وغيرهم من المؤمنين، وكذلك تكون لغيرهم من الصالحين، حتى يشفع الرجل في أهله وفي جيرانه وفيما أشبه ذلك.