الوسط.
* وخالفهم في ذلك طوائف:
- المرجئة، يقولون: مؤمن كامل الإيمان.
- والخوارج، يقولون: كافر.
- والمعتزلة، يقولون: في منزلة بين منزلتين.
стр. 702
فصل في موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ -
* قوله: "ومن أصول أهل السنة والجماعة"؛ أي: من أسس عقيدتهم.
* قوله: " سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ - ": ولم يقل: وأفعالهم؛ لأن الأفعال متعذرة بعد موت الصحابة، حتى لو فرض أن أحدًا نبش قبورهم وأخرج جثثهم؛ فإن ذلك لا يؤذيهم ولا يضرهم، لكن الذي يمكن أن يكون بعد موت الصحابة نحوهم هو ما يكون في القلب وما ينطق به اللسان.
* فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ؛ سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قول لا يليق بهم.
فقلوبهم سالمة من ذلك، مملوءة بالحب والتقدير والتعظيم
стр. 703
لأصحاب رسول الله ﷺ على ما يليق بهم.
* فهم يحبون أصحاب النبي ﷺ ، ويفضلونهم على جميع الخلق؛ لأن محبتهم من محبة رسول الله ﷺ ، ومحبة رسول الله ﷺ من محبة الله، وألسنتهم أيضًا سالمة من السب والشتم واللعن والتفسيق والتكفير وما أشبه ذلك مما يأتي به أهل البدع؛ فإذا سلمت من هذا، ملئت من الثناء عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار وغير ذلك، وذلك للأمور التالية:
أولًا: أنهم خير القرون في جميع الأمم، كما صرح بذلك رسول الله ﷺ حين قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١).
ثانيًا: أنهم هم الواسطة بين رسول الله ﷺ وبين أمته؛ فمنهم تلقت الأمة عنه الشريعة.
ثالثًا: ما كان على أيديهم من الفتوحات الواسعة العظيمة.
رابعًا: أنهم نشروا الفضائل بين هذه الأمة من الصدق والنصح والأخلاق والآداب التي لا توجد عند غيرهم، ولا يعرف هذا من كان يقرأ عنهم من وراء جدر، بل لا يعرف هذا إلا من عاش في تاريخهم وعرف مناقبهم وفضائلهم وإيثارهم واستجابتهم لله ولرسوله.
* فنحن نُشْهِد الله على محبة هؤلاء الصحابة،
стр. 704
ونثني عليهم بألسنتنا بما يستحقون، ونبرأ من طريقين ضالين: طريق الروافض الذين يسبون الصحابة ويغلون في آل البيت، ومن طريق النواصب الذين يبغضون آل البيت.
* ونرى أن لآل البيت إذا كانوا صحابة ثلاثة حقوق: حق الصحبة، وحق الإيمان، وحق القرابة من رسول الله ﷺ .
* وقوله: "لأصحاب رسول الله ﷺ ": سبق أن أصحاب رسول الله ﷺ كل من اجتمع به مؤمنًا به ومات على ذلك، وسمي صاحبًا؛ لأنه إذا اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنًا به؛ فقد التزم اتباعه، وهذا من خصائص صحبة الرسول ﷺ ، أما غير الرسول؛ فلا يكون الشخص صاحبًا له حتى يلازمه ملازمة طويلة يستحق أن يكون بها صاحبًا.
* * *
* ثم استدل المؤلف ﵀ لموقف أهل السنة بقوله: "كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] ".
* هذه الآية بعد آيتين سابقتين هما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وعلى رأس هؤلاء المهاجرين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.
стр. 705
* ففي قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: إخلاص النية، وفي قوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: تحقيق العمل، وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: لم يفعلوا ذلك رياء ولا سمعة، ولكن عن صدق نية.
* ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؛ فوصفهم الله بأوصاف ثلاث: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
* ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [الحشر: ١٠]:، وهم التابعون لهم بإحسان وتابعوهم إلى يوم القيامة؛ فقد أثنوا عليهم بالأخوة، وبأنهم سبقوهم بالإيمان، وسألوا الله أن لا يجعل في قلوبهم غلًّا لهم؛ فكل من خالف في ذلك وقدح فيهم ولم يعرف لهم حقهم؛ فليس من هؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾.
ولما سئلت عائشة ﵂ عن قوم يسبون الصحابة؛ قالت: لا تعجبون! هؤلاء قوم انقطعت أعمالهم بموتهم، فأحب الله أن يجري أجرهم بعد موتهم (١)!!
стр. 706
* وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يقل: للذين سبقونا بالإيمان؛ ليشمل هؤلاء السابقين وغيرهم إلى يوم القيامة.
* ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ولرأفتك ورحمتك نسألك المغفرة لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.
* * *
* قوله: "وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده؛ لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (١) ".
* "طاعة": معطوف على قوله: "سلامة"؛ أي: من أصول أهل السنة والجماعة: طاعة النبي ﷺ ... إلخ.
* السب: هو القدح والعيب؛ فإن كان في غيبة الإنسان؛ فهو غيبة.
* وقوله: "أصحابي"؛ أي: الذين صحبوه، وصحبة النبي ﷺ لا شك أنها تختلف: صحبة قديمة قبل الفتح، وصحبة متأخرة بعد الفتح.
والرسول ﵊ كان يخاطب خالد بن الوليد
стр. 707
حين حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ما حصل من المشاجرة في بني جذيمة، فقال النبي ﷺ لخالد: "لا تسبوا أصحابي"، والعبرة بعموم اللفظ.
ولا شك أن عبد الرحمن بن عوف وأمثاله أفضل من خالد بن الوليد ﵁ من حيث سبقهم إلى الإسلام، لهذا قال: "لا تسبوا أصحابي"؛ يخاطب خالد بن الوليد وأمثاله.
وإذا كان هذا بالنسبة لخالد بن الوليد وأمثاله؛ فما بالك بالنسبة لمن بعدهم.
* وقوله: "فوالذي نفسي بيده؛ لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ... " إلخ.
* أقسم النبي ﵊، وهو الصادق البار بدون قسم: "لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
* "أحد": جبل عظيم كبير معروف في المدينة.
* والمد: ربع الصاع.
* "ولا نصيفه"؛ أي: نصفه. قال بعضهم: من الطعام، لأن الذي يقدر بالمد والنصيف هو الطعام، أما الذهب فيوزن، وقال بعضهم: من الذهب؛ بقرينة السياق؛ لأنه قال: "لو أنفق مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، يعني: من الذهب.
وعلى كل حال؛ فإن قلنا: من الطعام؛ فمن الطعام، وإن
стр. 708
قلنا: من الذهب، فليكن من الذهب، ونسبة المد أو نصف المد من الذهب إلى جبل أحد من الذهب لا شيء.
* فالصحابة ﵃ إذا أنفق الإنسان منا مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، والإنفاق واحد، والمنفَق واحد، والمنفَق عليه واحد، وكلهم بشر، لكن لا يستوي البشر بعضهم مع بعض، فهؤلاء الصحابة ﵃ لهم من الفضائل والمناقب والإخلاص والاتباع ما ليس لغيرهم؛ فلإخلاصهم العظيم، واتباعهم الشديد، كانوا أفضل من غيرهم فيما ينفقون.
* وهذا النهي يقتضي التحريم؛ فلا يحل لأحد أن يسب الصحابة على العموم، ولا أن يسب واحدًا منهم على الخصوص؛ فإن سبهم على العموم، كان كافرًا، بل لا شك في كفر من شك في كفره، أما إن سبهم على سبيل الخصوص؛ فينظر في الباعث لذلك؛ فقد يسبهم من أجل أشياء خَلْقية أو خُلُقية أو دينية، ولكل واحد من ذلك حكمه.
* * *
* قوله: "ويقبلون"؛ أي: أهل السنة.
* قوله: "ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم":
* الفضائل: جمع فضيلة، وهو ما يفضل به المرء غيره ويعد
стр. 709
منقبة له.
* والمراتب: الدرجات؛ لأن الصحابة درجات ومراتب؛ كما سيذكرهم المؤلف ﵀.
* فما جاء من فضائل الصحابة ومراتبهم؛ فإن أهل السنة والجماعة يقبلون ذلك:
- فمثلًا يقبلون ما جاء عنهم من كثرة صلاة أو صدقة أو صيام أو حج أو جهاد أو غير ذلك من الفضائل.
- ويقبلون مثلًا ما جاء في أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ حث على الصدقة، فجاء أبو بكر بجميع ماله (١)، وهذه فضيلة.
- ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة من أن أبا بكر ﵁ كان وحده صاحب رسول الله ﷺ في هجرته في الغار.
- ويقبلون ما جاء به النص من قول الرسول ﵊ في أبي بكر: "إن من أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر" (٢).
- وكذلك ما جاء في عمر وفي عثمان وفي علي ﵃، وما جاء في غيرهم من الصحابة من الفضائل؛ يقبلون هذا
стр. 710
كله.
- وكذلك المراتب، فيقبلون ما جاء في مراتبهم؛ فالخلفاء الراشدون هم القمة في هذه الأمة في المرتبة، وأعلاهم مرتبة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي؛ كما سيذكره المؤلف.
* * *
* قوله: "ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل":
* ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل صلح الحديبية أفضل من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكان صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة في ذي القعدة؛ فالذين أسلموا قبل ذلك وأنفقوا وقاتلوا أفضل من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا.
* فإذا قال قائل: كيف نعرف ذلك؟
فالجواب: أن ذلك يعرف بتاريخ إسلامهم؛ كأن نرجع إلى "الإصابة في تمييز الصّحابة" لابن حجر أو "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر أو غير ذلك من الكتب المؤلفة في الصّحابة ﵃، ويعرف أن هذا أسلم من قبل أو أسلم من بعد.
стр. 711
* وقول المؤلف: "وهو صلح الحديبية":
- هذا أحد القولين في الآية، وهو الصَّحيح، ودليله قصة خالد مع عبد الرحمن بن عوف، وقول البراء بن عازب: تعدون أنتم الفتح فتح مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. رواه البُخاريّ (١).
- وقيل: المراد فتح مكّة، وهو قول كثير من المفسرين أو أكثرهم (٢).
* * *
* قوله: "ويقدمون المهاجرين على الأنصار":
- المهاجرون: هم الذين هاجروا إلى المدينة في عهد النَّبيِّ ﷺ قبل فتح مكّة.
- والأنصار هم الذين هاجر إليهم النَّبيُّ ﷺ في المدينة.
* وأهل السنة يقدمون المهاجرين على الأنصار لأنَّ المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، والأنصار أتوا بالنصرة فقط.
- فالمهاجرون تركوا أهلهم وأموالهم، وتركوا أوطانهم، وخرجوا إلى أرض هم فيها غرباء؛ كل ذلك هجرة إلى الله
стр. 712
ورسوله، ونصرة لله ورسوله.
- والأنصار أتاهم النَّبيُّ ﷺ في بلادهم، ونصروا النَّبيَّ ﷺ ، ولا شك أنهم منعوه ممَّا يمنعون منه أبناءهم ونساءهم.
ودليل تقديم المهاجرين: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]؛ فقدم المهاجرين على الأنصار، وقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]؛ فقدم المهاجرين، وقوله في الفيء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. . .﴾ [الحشر: ٨]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩].
* * *
* قوله: "ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاث مئة وبضعة عشر-: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم".
* أهل بدر مرتبتهم من أعلى مراتب الصّحابة.
* وبدر مكان معروف، كانت فيه الغزوة المشهورة، وكانت في السنة الثَّانية من الهجرة في رمضان، وسمى الله تعالى يومها يوم الفرقان.
* وسببها أن النَّبيَّ ﷺ سمع أن أبا سفيان قدم بعير من الشام إلى مكّة، فندب أصحابه من أجل هذه العير فقط، فانتدب منهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، معهم سبعون بعيرًا وفرسان،
стр. 713
وخرجوا من المدينة لا يريدون قتالًا، لكن الله بحكمته جمع بينهم وبين عدوهم.
فلما سمع أبو سفيان بذلك، وأن الرسول ﵊ خرج إليه لتلقي العير؛ أخذ بساحل البحر، وأرسل صارخًا إلى أهل مكّة يستنجدهم، فانتدب أهل مكّة لذلك، وخرجوا بأشرافهم وكبرائهم وزعمائهم، خرجوا على الوصف الذي ذكر الله : ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ [الأنفال: ٤٧].
وفي أثناء ذلك جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير، فتآمروا بينهم في الرجوع، لكن أبا جهل قال: والله؛ لا نرجع حتى نقدم بدرًا، فنقيم فيها ننحر الجزور ونسقي الخمور وتضرب علينا القيان وتسمع بنا العرب؛ فلا يزالون يهابوننا أبدًا!!
وهذا الكلام يدل على الفخر والخيلاء والاعتزاز بالنفس، ولكن -ولله الحمد- كان الأمر على عكس ما يقول؛ سمعت العرب بهزيمتهم النكراء، فهانوا في نفوس العرب!!
قدموا بدرًا، والتقت الطائفتان، وأوحى الله تعالى إلى الملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٤].
حصل اللقاء بين الطائفتين، وكانت الهزيمة -ولله الحمد-
стр. 714
على المشركين، والنصر المبين للمؤمنين، انتصروا، وأسروا منهم سبعين رجلًا، وقتلوا سبعين رجلًا، منهم أربعة وعشرون رجلًا من كبرائهم وصناديدهم؛ سُحبوا، فأُلقوا في قليب من قُلب بدر خبيثة قبيحة.
* ثم إن النَّبيَّ ﷺ بعد انتهاء الحرب بثلاثة أيَّام ركب ناقته، ووقف عليهم يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان ابن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا؛ فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا". فقالوا: يا رسول الله! ما تُكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال: "والذي نفسي بيده؛ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" (١).
والنبي ﵊ وقف عليهم توبيخًا وتقريعًا وتنديمًا، وهم قد وجدوا ما وعد الله حقًّا؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال: ١٤]؛ فوجدوا النَّار من حين ماتوا وعرفوا أن الرسول حق، ولكن أنى لهم التناوش من مكان بعيد.
* فأهل بدر الذين جعل الله على أيديهم هذا النصر المبين والفرقان الذي هاب العرب به رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان لهم منزلة عظيمة بعد هذا النصر؛ اطلع الله عليهم، وقال: "اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم" (٢)؛ فكل ما يقع منهم من ذنوب؛ فإنَّه
стр. 715
مغفور؛ لهم؛ بسبب هذه الحسنة العظيمة الكبيرة التي جعلها الله تعالى على أيديهم.
* وفي هذا الحديث دليل على أن ما يقع منهم من الكبائر مهما عظم؛ فهو مغفور لهم.
* وفيه بشارة بأنهم لن يموتوا على الكفر؛ لأنهم مغفور لهم، وهذا يقتضي أحد أمرين:
- إما أنهم لا يمكن أن يكفروا بعد ذلك.
- وإما أنهم إن قدر أن أحدهم كفر؛ فسيوفق للتوبة والرجوع إلى الإسلام.
وأيًّا كان؛ ففيه بشارة عظيمة لهم، ولم نعلم أن أحدًا منهم كفر بعد ذلك.
* * *
* قوله: "وبأنه لا يدخل النَّار أحد بايع تحت الشجرة؛ كما أخبر به النَّبيُّ ﷺ (١)، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا
стр. 716
أكثر من ألف وأربع مئة" (١).
* أصحاب الشجرة هم أصحاب بيعة الرضوان.
* وسبب هذه البيعة أن النَّبيَّ ﷺ خرج من المدينة إلى مكّة يريد العمرة، ومعه أصحابه والهدي، وكانوا نحو ألف وأربع مئة رجل، لا يريدون إلَّا العمرة، فلما بلغوا الحديبية، وهي مكان قرب مكّة، في طريق جدة الآن، بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وعلم بذلك المشركون؛ منعوا رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأنهم يزعمون أنهم أهل البيت وحماة البيت، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وجرت بينهم وبينهم مفاوضات.
وأرى الله تعالى من آياته في هذه الغزوة ما يدل على أن الأولى تنازل الرسول ﷺ وأصحابه لما يترتب على ذلك من الخير والمصلحة؛ فإن ناقة الرسول ﵊ بركت وأبت أن تسير، حتَّى قالوا: "خلأت القصواء"؛ يعني: حرنت وأبت المسير. فقال النَّبيُّ ﷺ مدافعًا عنها: "والله؛ ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده؛ لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله؛ إلَّا أعطيتهم إياها" (٢).
стр. 717
جرى التفاوض، وأرسل النَّبيُّ ﷺ عثمان بن عفَّان، لأنَّ له رهطًا بمكة يحمونه؛ أرسله إلى أهل مكّة، يدعوهم إلى الإسلام، ويخبرهم أن النَّبيَّ ﷺ إنما جاء معتمرًا معظمًا للبيت، فشاع الخبر بأن عثمان قد قتل، وكبُر ذلك على المسلمين، فدعا النَّبيُّ ﷺ إلى البيعة، يبايع أصحابه على أن يقاتلوا أهل مكة الذين قتلوا رسول رسول الله ﷺ ، وكانت الرسل لا تقتل، فبايع الصّحابة ﵃ النَّبيَّ ﷺ على أن يقاتلوا ولا يفروا إلى الموت.
وكان النَّبيُّ ﷺ تحت شجرة يبايع النَّاس؛ يمدُّ يده فيبايعونه على هذه البيعة المباركة التي قال الله عنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وكان عثمان ﵁ غائبًا، فبايع النَّبيُّ ﷺ بيده عن يد عثمان، وقال بيده اليمنى: "هذه يد عثمان".
ثم تبيّن أن عثمان لم يقتل، وصارت الرسل تأتي وتروح بين رسول الله ﷺ وقريش، حتَّى انتهى الأمر على الصلح الذي صار فتحًا مبينًا للرسول ﵊.
* هؤلاء الذين بايعوا قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩].
стр. 718
* وكان من جملة المبايعين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
فوصفهم الله تعالى بالإيمان، وهذه شهادة من الله بأن كل من بايع تحت الشجرة؛ فهو مؤمن مرضي عنه، والنبي ﵊ قال: "لا يدخل النَّار أحد بايع تحت الشجرة"؛ (١) فالرضى ثابت بالقرآن، وانتفاء دخول النَّار ثبت بالسنة.
* وقول النَّبيِّ ﷺ : "لا يدخل النَّار أحد بايع تحت الشجرة" قد يقول قائل: كيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]؟
فالجمع من أحد وجهين:
الأول: أن يقال: إن المفسرين اختلفوا في المراد بالورود، فقال بعضهم: هو المرور على الصراط؛ لأنَّ هذا نوع ورود بلا شك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، ومعلوم أنَّه لم ينزل وسط الماء، بل كان حوله وقريبًا منه، وبناء على هذا؛ لا إشكال ولا تعارض أصلًا.
والوجه الثَّاني: أن من المفسرين من يقول: المراد بالورود الدخول، وأنه ما من إنسان إلَّا ويدخل النَّار، وبناء على هذا القول؛ فيحمل قوله: "لا يدخل النَّار أحد بايع تحت الشجرة": لا يدخلها دخول عذاب وإهانة، وإنَّما يدخلها تنفيذًا للقسم: ﴿وَإِن
стр. 719
مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾، أو يقال: إن هذا من باب العام المخصوص بأهل بيعة الرضوان.
* وقوله: "الشجرة": الشجرة هذه شجرة سدر، وقيل: شجرة سمر، ولا طائل تحت هذا الخلاف، كانت ذات ظل، فجلس النَّبيُّ ﷺ تحتها يبايع النَّاس، وكانت موجودة في عهد الرسول ﵊ وعهد أبي بكر ﵁ وأول خلافة عمر، فلما قيل له: إن النَّاس يختلفون إليها -أي: يأتونها- يصلون عندها؛ أمر ﵁ بقطعها، فقطعت.
قال في "الفتح" (١): "وجدته عند ابن سعد بإسناد صحيح، لكن في "صحيح البُخاريّ" (٢) عن ابن عمر ﵄؛ قال: رجعنا من العام المقبل -يعني: بعد صلح الحديبية- فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله. وهكذا قال المسيب والد سعيد: فلما خرجنا من العام المقبل؛ نسيناها، فلم نقدر عليها".
وهذا لا ينافي ما ذكره ابن حجر عن ابن سعد؛ لأنَّ نسيانها لا يستلزم عدمها ولا عدم تذكرها بعد. والله أعلم.
وهذه من حسنات عمر بن الخطاب ﵁؛ لأننا نظن
стр. 720
أن هذه الشجرة لو كانت باقية إلى الآن؛ لعبدت من دون الله.
* * *
* قوله: "ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ ؛ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصّحابة".
* "يشهدون"؛ أي: أهل السنة والجماعة.
* والشهادة بالجنة نوعان: شهادة معلقة بوصف، وشهادة معلقة بالشخص.
- أما المعلقة بالوصف؛ فأن نشهد لكل مؤمن أنَّه في الجنة، وكل متق أنَّه في الجنة؛ بدون تعيين شخص أو أشخاص.
وهذه شهادة عامة، يجب علينا أن نشهد بها؛ لأنَّ الله تعالى أخبر به، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٨ - ٩]، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
- وأمَّا الشهادة المعلقة بشخص معين؛ فأن نشهد لفلان أو لعدد معين أنهم في الجنة.
وهذه شهادة خاصة؛ فنشهد لمن شهد له الرسول ﷺ ؛ سواء شهد لشخص معين واحد أو لأشخاص معينين.
* مثال ذلك ما ذكره المؤلف بقوله: "كالعشرة"؛ يعني بهم: العشرة المبشرين بالجنة؛ لقبوا بهذا الاسم لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جمعهم
стр. 721
في حديث واحد، وهم: الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وانظر تراجمهم في المطولات.
وقد جمع الستة الزائدون عن الخلفاء الأربعة في بيت واحد؛ فاحفظه:
سَعيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةٌ ... وَعامِرُ فِهْرٍ وَالزُّبَيْرُ المُمَدَّحُ
هؤلاء بشرهم النَّبيُّ ﷺ في نسق واحد، فقال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة ... " (١)، ولهذا لقبوا بهذا اللقب؛ فيجب أن نشهد أنهم في الجنة لشهادة النَّبيِّ ﷺ بذلك.
* قوله: "وثابت بن قيس بن شماس": ثابت بن قيس ﵁ أحد خطباء النَّبيِّ ﷺ ، كان جهوري الصوت، فلما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]؛ خاف أن يكون حبط عمله وهو لا يشعر، فاختفى في بيته، ففقده النَّبيُّ ﵊، فبعث إليه رجلًا يسأله عن اختفائه فقال: إن الله أنزل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا
стр. 722
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، وأنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النَّبيِّ ﷺ حبط عملي، أنا من أهل النَّار!! فأتى الرجل إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأخبره بما قال ثابت، فقال النَّبيُّ ﷺ : "اذهب إليه؛ فقل له إنك لست من أهل النَّار، ولكنك من أهل الجنة" (١)؛ فبشره النَّبيُّ ﷺ بالجنة.
* قوله: "وغيرهم من الصّحابة": مثل أمهات المؤمنين؛ لأنهن في درجة الرسول ﷺ ، ومنهم: بلال، وعبد الله بن سلام، وعكاشة بن محصن، وسعد بن معاذ، ﵃ (٢).
* * *
стр. 723
* قوله: "ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره؛ من أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر ".
* التواتر: خبر يفيد العلم اليقيني، وهو الذي نقله طائفة لا يمكن تواطؤهم على الكذب.
* ففي "صحيح البُخاريّ" (١) وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: كُنَّا نخير بين النَّاس في زمن النَّبيِّ ﷺ ؛ فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفَّان.
* وفي "صحيح البُخاريّ" (٢) أيضًا أن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي النَّاس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول: عثمان؛ قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلَّا رجل من المسلمين.
فإذا كان علي ﵁ يقول وهو في زمن خلافته: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر؛ فقد اندحضت حجة الرافضة الذين فضلوه عليهما.
* قوله: "وغيره"؛ يعني: غير علي من الصّحابة والتابعين.
* وهذا متَّفقٌ عليه بين الأئمة.
- قال الإمام مالك: ما رأيت أحدًا يشك في تقديمهما.
стр. 724
- وقال الشَّافعي: لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر.
ومن خرج عن هذا الإجماع؛ فقد اتبع غير سبيل المؤمنين.
* قوله: "ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي؛ ﵃؛ كما دلت عليه الآثار".
* "يثلِّثون"؛ يعني: أهل السنة؛ أي: يجعلون عثمان هو الثالث.
* "ويربِّعون بعلي"؛ أي: يجعلون عليًّا هو الرابع.
* وعلى هذا؛ فأفضل هذه الأمة هؤلاء الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، وهذا بالإجماع، ثم عثمان، ثم علي.
* * *
* ثم استدل المؤلف لهذا التَّرتيب بدليلين:
الأول: قوله: "كما دلت عليه الآثار": وقد سبق ذكر شيء منها.
والثاني: قوله: "وكما أجمع الصّحابة على تقديم عثمان في البيعة":
فصار في تقديم عثمان على علي ﵄ آثار نقلية، وفيه أيضًا دليل عقلي، وهو إجماع الصّحابة على تقديم عثمان في البيعة؛ فإن إجماعهم على ذلك يستلزم أن عثمان أفضل من علي،
стр. 725
وهو كذلك؛ لأنَّ حكمة الله تأبى أن يولِّي على خير القرون رجلًا وفيه من هو أفضل منه؛ كما جاء في الأثر: "كما تكونون يولَّى عليكم"، فخير القرون لا يولِّي الله عليهم إلَّا من هو خيرهم.
* * *
* قوله: "مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهما على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان، وسكتوا، أو ربعوا بعلي":
فيقولون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ويسكتون، أو يقولون: ثم علي.
* قال المؤلف: "وقدم قوم عليًّا"، فقالوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، ثم عثمان. وهذا رأي من آراء أهل السنة.
* قال المؤلف: "وقوم توقفوا"، فقالوا: أبو بكر، ثم عمر.
وتوقفوا أيهما أفضل: عثمان أو علي؟ وهذا غير الرأي الأول.
* فالآراء أربعة:
- الرأي المشهور: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
- الرأي الثَّاني: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم السكوت.
- الرأي الثالث: أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، ثم عثمان.
стр. 726
- الرأي الرابع: أبو بكر، ثم عمر، ثم نتوقف أيهما أفضل: عثمان أو علي؛ فهم يقولون: لا نقول: عثمان أفضل، ولا علي أفضل، لكن لا نرى أحدًا يتقدم على عثمان وعلي في الفضيلة بعد أبي بكر وعمر.
* قال المؤلف: "لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي":
هذا الذي استقر عليه أمر أهل السنة؛ فقالوا: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي؛ على ترتيبهم في الخلافة. وهو الصواب؛ كما سبق دليله.
* * *
* قوله: "وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يُضَلَّل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة".
* يعني: المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄ ليست من أصول أهل السنة التي يضلل فيها المخالف؛ فمن قال: إن عليًّا أفضل من عثمان؛ فلا نقول: إنه ضال، بل نقول: هذا رأي من آراء أهل السنة، ولا نقول فيه شيئًا.
* قوله: "لكن التي يُضَلَّل فيها مسألة الخلافة": فيجب أن نقول: الخليفة بعد نبينا في أمته أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. ومن قال: إن الخلافة لعلي دون هؤلاء الثلاثة؛ فهو ضال،
стр. 727
ومن قال: إنَّها لعلي بعد أبي بكر وعمر، فهو ضال؛ لأنَّه مخالف لإجماع الصّحابة ﵃.
* ولهذا قال المؤلف: "وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي".
وهذا ما أجمع عليه أهل السنة في مسألة الخلافة.
* قوله: "ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء، فهو أضل من حمار أهله".
* الذي يطعن في خلافة أحد من هؤلاء، ويقول: إنه لا يستحق الخلافة! أو: إنه أحق ممن سبقه! فهو أضل من حمار أهله.
وعبر المؤلف بهذا التعبير؛ لأنَّه تعبير الإمام أحمد ﵀، ولا شك أنَّه أضل من حمار أهله، وإنَّما ذكر الحمار؛ لأنَّه أبلد الحيوانات على الإطلاق؛ فهو أقل الحيوانات فهمًا؛ فالطعن في خلافة أحد من هؤلاء أو في ترتيبه طعنٌ في الصّحابة جميعًا.
* فيجب علينا أن نعتقد بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم في أحقية الخلافة على هذا التَّرتيب، حتَّى لا نقول: إن هناك ظلمًا في الخلافة؛ كما ادعته الرافضة حين زعموا أن أبا بكر وعمر وعثمان والصحابة كلهم ظلمة؛ لأنهم ظلموا علي بن أبي طالب؛ حيث اغتصبوا الخلافة منه.
стр. 728
* أما من بعدهم؛ فإننا لا نستطيع أن نقول: إن كل خليفة استخلفه الله على النَّاس؛ فهو أحق بالخلافة من غيره؛ لأنَّ من بعدهم ليسوا في خير القرون، بل حصل فيهم من الظلم والانحراف والفسوق ما استحقوا به أن يولى عليهم من ليس أحق بالخلافة منهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].
* وأعلم أن التَّرتيب في الأفضلية على ما سبق لا يعني أن من فضل غيره؛ فإنَّه يفضله في كل شيء، بل قد يكون للمفضول فضيلة لم يشاركه فيها أحد، وتميز أحد هؤلاء الأربعة أو غيرهم بميزة يفضل بها غيره لا يدل على الأفضلية المطلقة؛ فيجب التَّفريق بين الإطلاق والتقييد.
* * *
* قوله: "وَيُحِبُّونَ أهْلَ بَيْتِ رَسولِ اللهِ ﷺ وَيَتَولَّوْنَهُم".
* أي: و من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون آل بيت رسول الله ﷺ -؛ يحبونهم لأمرين: للإيمان، وللقرابة من رسول الله ﷺ ، ولا يكرهونهم أبدًا.
ولكن لا يقولون كما قال الرافضة: كل من أحب أبا بكر وعمر؛ فقد أبغض عليًّا!! وعلى هذا؛ فلا يمكن أن نحب عليًّا حتَّى نبغض أبا بكر وعمر!! وكأن أبا بكر وعمر أعداء لعلي بن أبي طالب!! مع أنَّه قد تواتر النقل عن علي ﵁ أنَّه كان يثني عليهما على المنبر.
стр. 729
فنحن نقول: إننا نشهد الله على محبة آل بيت الرسول ﷺ وقرابته؛ نحبهم لمحبة الله ورسوله.
- ومن أهل بيته أزواجه بنص القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٣٣]؛ فأهل البيت هنا يدخل فيها أزواج الرسول ﵊ بلا ريب.
- وكذلك يدخل فيه قرابته؛ فاطمة وعلي والحسن والحسين وغيرهم كالعباس بن عبد المطّلب وأبنائه.
فنحن نحبهم لقرابتهم من رسول الله ﵊، ولإيمانهم بالله.
فإن كفروا؛ فإننا لا نحبهم، ولو كانوا من أقارب الرسول ﵊؛ فأبو لهب عم الرسول ﵊ لا يجوز أن نحبه بأي حال من الأحوال، بل يجب أن نكرهه لكفره
стр. 730
ولإيذائه النَّبيّ ﷺ ، وكذلك أبو طالب؛ يجب علينا أن نكرهه لكفره، لكن نحب أفعاله التي أسداها إلى الرسول ﵊ من الحماية والذب عنه.
* قال المؤلف: "ويتولَّونهم"؛ أي: يجعلونهم من أوليائهم، والولي: يطلق على عدة معان، يطلق على الصِّديق، والقريب، والمتولِّي للأمر، وغير ذلك من الموالاة والنصرة. وهنا يشمل النصرة والصداقة والمحبة.
* قوله: "ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ "؛ حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي" (١) ".
* "وصية الرسول ﷺ "؛ أي: عهده الذي عهد به إلى أمته.
* و "يوم غدير خم": هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة.
وهذا الغدير ينسب إلى رجل يسمى (خم)، وهو في الطريق الذي بين مكّة والمدينة، قريب من الجحفة، نزل الرسول ﵊ فيه منزلًا في رجوعه من حجة الوداع، وخطب النَّاس، وقال: "أذكركم الله في أهل بيتي"؛ ثلاثًا، يعني: اذكروا الله، اذكروا خوفه وانتقامه إن أضعتم حق آل البيت، واذكروا رحمته وثوابه إن قمتم في حقهم.
* قوله: "وقال أيضًا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم؛ فقال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتَّى
стр. 731
بحبوكم لله ولقرابتي" (١) ".
* "أيضًا": مصدر آض يئيض؛ أي: رجع، وهو مصدر لفعل محذوف، والمعنى: عودًا على ما سبق.
* "يجفو": يترفع ويكره.
* "هاشم": هو جد أبي الرسول صَلَّى الله عليه وعلي الله وسلم.
* فأقسم ﷺ أنهم لا يؤمنون؛ أي: لا يتم إيمانهم؛ حتَّى يحبوكم لله، وهذه المحبة يشاركهم فيها غيرهم من المؤمنين؛ لأنَّ الواجب على كل إنسان أن يحب كل مؤمن لله.
* لكن قال: "ولقرابتي": فهذا حب زائد على المحبة لله، ويختص به آل البيت قرابة النَّبيِّ ﵊.
* وفي قول العباس: "إن بعض قريش يجفو بني هاشم": دليل على أن جفاء آل البيت كان موجودًا منذ حياة النَّبيِّ ﷺ ، وذلك لأنَّ الحسد من طبائع البشر؛ إلَّا من عصمه الله ،
стр. 732
فكانوا يحسدون آل بيت الرسول ﵊ على ما منَّ الله به عليهم من قرابة النَّبيِّ ﷺ ، فيجفونهم ولا يقومون بحقهم.
* قوله: "وقال: إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (١).
وهذا دليل على أن بني هاشم مصطفون عند الله، مختارون من خلقه.
* فعقيدة أهل السنة والجماعة بالنسبة لآل البيت: أنهم يحبونهم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية الرسول ﷺ في التذكير بهم، ولا ينزلونهم فوق منزلتهم، بل يتبرؤون ممن يغلون فيهم، حتَّى يوصلوهم إلى حد الألوهية؛ كما فعل عبد الله بن سبأ في علي بن أبي طالب حين قال له: أنت الله! والقصة مشهورة.
* و"إسماعيل": هو ابن إبراهيم الخليل، وهو الذي أمر الله إبراهيم بذبحه، وقصته في سورة الصافات.
* و "كنانة": هو الأب الرابع عشر لرسول الله صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.
* و "قريش": هو الأب الحادي عشر لرسول الله ﷺ ، وهو فهر بن مالك، وقيل: الأب الثالث عشر، وهو النضر بن كنانة.
стр. 733
* و "هاشم": هو الأب الثالث لرسول الله ﷺ .
* * *
* قوله: "ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين":
* قوله: "أمهات المؤمنين": هذه صفة لـ "أزواج"؛ فأزواج النَّبيِّ ﷺ أمهات لنا في الإكرام والاحترام والصلة؛ قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ فنحن نتولاهن بالنصرة والدفاع عنهن واعتقاد أنهن أفضل أزواج أهل الأرض؛ لأنهن زوجات الرسول ﷺ .
* قوله: "ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة":
لأحاديث وردت في ذلك، ولقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٨] فقال: ﴿وَأَزْوَاجِهِمْ﴾؛ فأثبت الزوجية لهن بعد دخول الجنة، وهذا يدل على أن زوجة الإنسان في الدُّنيا تكون زوجته في الآخرة إذا كانت من أهل الجنة.
* * *
* قوله: "خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده":
* "خصوصًا خديجة ﵂": "خصوصًا": مصدر
стр. 734
محذوف العامل؛ أي: أخص خصوصًا.
* "خديجة" بنت خويلد: تزوجها النَّبيُّ ﷺ أول ما تزوج، وكان عمره حينذاك خمسًا وعشرين سنة، وعمرها أربعين سنة، وكانت امرأة عاقلة، وانتفع بها ﷺ انتفاعًا كثيرًا؛ لأنها امرأة ذات عقل وذكاء، ولم يتزوج عليها أحدًا.
* فكانت كما قال المؤلف: "أم أكثر أولاده": البنين والبنات، ولم يقل المؤلف: أم أولاده؛ لأنَّ من أولاده من ليس منها، وهو إبراهيم؛ فإنَّه كان من مارية القبطية.
وأولاده الذين من خديجة هم ابنان وأربع بنات: القاسم، ثم عبد الله، ويقال له: الطَّيِّب، والطاهر. وأمَّا البنات؛ فهن: زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. وأكبر أولاده القاسم، وأكبر بناته زينب.
* قوله: "وأول من آمن به وعاضده على أمره": لا شك أنها أول من آمن به؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لما جاءها وأخبرها بما رأى في غار حراء؛ قالت: كلا؛ والله لا يخزيك الله أبدًا. وآمنت به، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وقصت عليه الخبر، وقال له: إن هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى (١).
"الناموس": أي: صاحب السر.
فآمن به ورقة.
стр. 735
ولهذا نقول: أول من آمن به من النساء خديجة، ومن الرجال ورقة بن نوفل.
* قوله: "وعاضده على أمره"؛ أي: ساعده، ومن تدبر السيرة؛ وجد لأم المؤمنين خديجة ﵂ من معاضدة النَّبيِّ ﷺ ما لم يحصل لغيرها من نسائه.
* قوله: "وكان لها منه المنزلة العالية": حتَّى إنه كان يذكرها بعد موتها صلوات الله وسلامه عليه، ويرسل بالشيء إلى صديقاتها، ويقول: "إنَّها كانت وكانت وكان لي منها ولد" (١)؛ فكان يثني عليها، وهذا يدل على عظم منزلتها عند الرسول ﷺ .
* قوله: "والصديقة بنت الصِّديق ﵂":
أما كونها صديقة؛ فلكمال تصديقها لرسول الله ﷺ ، ولكمال صدقها في معاملته، وصبرها على ما حصل من الأذى في قصة الإفك، ويدلك على صدقها وصدق إيمانها بالله أنَّه لما نزلت براءتها؛ قالت: إنِّي لا أحمد غير الله. وهذا يدل على كمال إيمانها وصدقها.
وأمَّا كونها بنت الصِّديق؛ فكذلك أيضًا؛ فإن أباها ﵁ هو الصِّديق في هذه الأمة، بل صديق الأمم كلها؛ لأنَّ هذه الأمة أفضل الأمم؛ فإذا كان صديق هذه الأمة؛ فهو صديق غيرها من الأمم.
стр. 736
* قوله: "التي قال فيها النَّبيُّ ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطَّعام"".
* قوله: "على النساء": ظاهره العموم؛ أي: على جميع النساء. وقيل: إن المراد: فضل عائشة على النساء؛ أي: من أزواجه اللاتي على قيد الحياة؛ فلا تدخل في ذلك خديجة.
* لكن ظاهر الحديث العموم؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلَّا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطَّعام"، وقد أخرجه الشيخان (١) بدون ذكر خديجة. وهذا يدل على أنها أفضل النساء مطلقًا.
* ولكن ليست أفضل من فاطمة باعتبار النسب؛ لأنَّ فاطمة بلا شك أشرف من عائشة نسبًا.
وأمَّا منزلة؛ فإن عائشة ﵂ لها من الفضائل العظيمة ما لم يدركه أحد غيرها من النساء.
* وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن هاتين الزوجين ﵄ في منزلة واحدة؛ لأنَّه قال: "خصوصًا خديجة ... والصديقة"، ولم يقل: ثم الصديقة.
* والعلماء اختلفوا في هذه المسألة:
стр. 737
- فقال بعض العلماء: خديجة أفضل؛ لأنَّ لها مزايا لم تلحقها عائشة فيها.
- وقال بعض العلماء: بل عائشة أفضل؛ لهذا الحديث، ولأن لها مزايا لم تلحقها خديجة فيها.
- وفصل بعض أهل العلم؛ فقال: إن لكل منهما مزية لم تلحقها الأخرى فيها؛ ففي أول الرسالة لا شك أن المزايا التي حصلت عليها خديجة لم تلحقها فيها عائشة، ولا يمكن أن تساويها، وبعد ذلك، وبعد موت الرسول ﷺ ، حصل من عائشة من نشر العلم ونشر السنة وهداية الأمة ما لم يحصل لخديجة؛ فلا يصح أن تفضَّل إحداهما على الأخرى تفضيلًا مطلقًا، بل نقول: هذه أفضل من وجه، وهذه أفضل من وجه، ونكون قد سلكنا مسلك العدل؛ فلم نهدر ما لهذه من المزية، ولا ما لهذه من المزية، وعند التفصيل يحصل التحصيل.
وهما وبقية أزواج الرسول في الجنة معه.
* * *
* قوله: "ويتبرؤون من طريقة الروافض الدين يبغضون الصّحابة ويسبونهم":
* الروافض: طائفة غلاة في علي بن أبي طالب وآل البيت، وهم من أضل أهل البدع، وأشدهم كرهًا للصحابة ﵃، ومن أراد معرفة ما هم عليه من الضلال؛ فليقرأ في كتبهم
стр. 738
وفي كتب من رد عليهم.
وسموا روافض لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عندما سألوه عن أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، وقال: هما وزيرا جدي.
* أما النواصب؛ فهم الذين ينصبون العداء لآل البيت، ويقدحون فيهم، ويسبونهم؛ فهم على النقيض من الروافض.
* فالروافض اعتدوا على الصّحابة بالقلوب والألسن.
- ففي القلوب يبغضون الصّحابة ويكرهونهم؛ إلَّا من جعلوهم وسيلة لنيل مآربهم وغلوا فيهم، وهم آل البيت.
- وفي الألسن يسبونهم فيلعنونهم ويقولون: إنهم ظلمة! ويقولون: إنهم ارتدوا بعد النَّبيِّ ﷺ إلَّا قليلًا، إلى غير ذلك من الأشياء المعروفة في كتبهم.
* وفي الحقيقة إن سب الصّحابة ﵃ ليس جرحًا في الصّحابة ﵃ فقط، بل هو قدح في الصّحابة وفي النَّبيِّ ﷺ وفي شريعة الله وفي ذات الله :
- أما كونه قدحًا في الصّحابة؛ فواضح.
- وأمَّا كونه قدحًا في رسول الله ﷺ ؛ فحيث كان أصحابه وأُمناؤه وخلفاؤه على أمته من شرار الخلق، وفيه قدح في رسول الله ﷺ من وجه آخر، وهو تكذيبه فيما أخبر به من فضائلهم ومناقبهم.
стр. 739
- وأمَّا كونه قدحًا في شريعة الله؛ فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله ﷺ في نقل الشريعة هم الصّحابة، فإذا سقطت عدالتهم؛ لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة.
- وأمَّا كونه قدحًا في الله سبحانه؛ فحيث بعث نبيه ﷺ في شرار الخلق، واختارهم لصحبته وحمل شريعته ونقلها لأمته!!
فانظر ماذا يترتب من الطوام الكبرى على سب الصّحابة ﵃.
* ونحن نتبرأ من طريقة هؤلاء الروافض الذين يسبون الصّحابة ويبغضونهم، ونعتقد أن محبتهم فرض، وأن الكف عن مساوئهم فرض، وقلوبنا -ولله الحمد- مملوءة من محبتهم؛ لما كانوا عليه من الإيمان والتقوى ونشر العلم ونصرة النَّبيِّ ﷺ .
* * *
* قوله: "وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل".
* يعني: يتبرأ أهل السنة والجماعة من طريقة النواصب.
وهؤلاء على عكس الروافض، الذين يغلون في آل البيت، حتَّى يخرجوهم عن طور البشرية إلى طور العصمة والولاية.
أما النواصب؛ فقابلوا البدعة ببدعة، فلما رأوا الرافضة يغلون في آل البيت؛ قالوا: إذًا؛ نبغض آل البيت ونسبهم؛ مقابلة لهؤلاء في الغلو في محبتهم والثناء عليهم، ودائمًا يكون الوسط هو خير
стр. 740
الأمور؛ ومقابلة البدعة ببدعة لا تزيد البدعة إلَّا قوة.
* * *
* قوله: "ويمسكون عما شجر بين الصّحابة"؛ يعني: عما وقع بينهم من النزاع.
* فالصحابة ﵃ وقعت بينهم بعد مقتل عمر بن الخطاب ﵁ نزاعات، واشتد الأمر بعد مقتل عثمان، فوقع بينهم ما وقع، ممَّا أدى إلى القتال.
وهذه القضايا مشهورة، وقد وقعت -بلا شك- عن تأويل واجتهاد، كل منهم يظن أنَّه على حق، ولا يمكن أن نقول: إن عائشة والزبير بن العوام قاتلا عليًّا ﵃ أجمعين وهم يعتقدون أنهم على باطل، وأن عليًّا على حق.
واعتقادهم أنهم على حق لا يستلزم أن يكونوا قد أصابوا الحق.
ولكن إذا كانوا مخطئين، ونحن نعلم أنهم لن يقدموا على هذا الأمر إلَّا عن اجتهاد؛ فإنَّه ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أن: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجر" (١)؛ فنقول: هم مخطئون مجتهدون؛ فلهم أجر واحد.