* قوله: "التي قال فيها النَّبيُّ ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطَّعام"".
* قوله: "على النساء": ظاهره العموم؛ أي: على جميع النساء. وقيل: إن المراد: فضل عائشة على النساء؛ أي: من أزواجه اللاتي على قيد الحياة؛ فلا تدخل في ذلك خديجة.
* لكن ظاهر الحديث العموم؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلَّا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطَّعام"، وقد أخرجه الشيخان (١) بدون ذكر خديجة. وهذا يدل على أنها أفضل النساء مطلقًا.
* ولكن ليست أفضل من فاطمة باعتبار النسب؛ لأنَّ فاطمة بلا شك أشرف من عائشة نسبًا.
وأمَّا منزلة؛ فإن عائشة ﵂ لها من الفضائل العظيمة ما لم يدركه أحد غيرها من النساء.
* وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن هاتين الزوجين ﵄ في منزلة واحدة؛ لأنَّه قال: "خصوصًا خديجة ... والصديقة"، ولم يقل: ثم الصديقة.
* والعلماء اختلفوا في هذه المسألة:
стр. 737
- فقال بعض العلماء: خديجة أفضل؛ لأنَّ لها مزايا لم تلحقها عائشة فيها.
- وقال بعض العلماء: بل عائشة أفضل؛ لهذا الحديث، ولأن لها مزايا لم تلحقها خديجة فيها.
- وفصل بعض أهل العلم؛ فقال: إن لكل منهما مزية لم تلحقها الأخرى فيها؛ ففي أول الرسالة لا شك أن المزايا التي حصلت عليها خديجة لم تلحقها فيها عائشة، ولا يمكن أن تساويها، وبعد ذلك، وبعد موت الرسول ﷺ ، حصل من عائشة من نشر العلم ونشر السنة وهداية الأمة ما لم يحصل لخديجة؛ فلا يصح أن تفضَّل إحداهما على الأخرى تفضيلًا مطلقًا، بل نقول: هذه أفضل من وجه، وهذه أفضل من وجه، ونكون قد سلكنا مسلك العدل؛ فلم نهدر ما لهذه من المزية، ولا ما لهذه من المزية، وعند التفصيل يحصل التحصيل.
وهما وبقية أزواج الرسول في الجنة معه.
* * *
* قوله: "ويتبرؤون من طريقة الروافض الدين يبغضون الصّحابة ويسبونهم":
* الروافض: طائفة غلاة في علي بن أبي طالب وآل البيت، وهم من أضل أهل البدع، وأشدهم كرهًا للصحابة ﵃، ومن أراد معرفة ما هم عليه من الضلال؛ فليقرأ في كتبهم
стр. 738
وفي كتب من رد عليهم.
وسموا روافض لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عندما سألوه عن أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، وقال: هما وزيرا جدي.
* أما النواصب؛ فهم الذين ينصبون العداء لآل البيت، ويقدحون فيهم، ويسبونهم؛ فهم على النقيض من الروافض.
* فالروافض اعتدوا على الصّحابة بالقلوب والألسن.
- ففي القلوب يبغضون الصّحابة ويكرهونهم؛ إلَّا من جعلوهم وسيلة لنيل مآربهم وغلوا فيهم، وهم آل البيت.
- وفي الألسن يسبونهم فيلعنونهم ويقولون: إنهم ظلمة! ويقولون: إنهم ارتدوا بعد النَّبيِّ ﷺ إلَّا قليلًا، إلى غير ذلك من الأشياء المعروفة في كتبهم.
* وفي الحقيقة إن سب الصّحابة ﵃ ليس جرحًا في الصّحابة ﵃ فقط، بل هو قدح في الصّحابة وفي النَّبيِّ ﷺ وفي شريعة الله وفي ذات الله :
- أما كونه قدحًا في الصّحابة؛ فواضح.
- وأمَّا كونه قدحًا في رسول الله ﷺ ؛ فحيث كان أصحابه وأُمناؤه وخلفاؤه على أمته من شرار الخلق، وفيه قدح في رسول الله ﷺ من وجه آخر، وهو تكذيبه فيما أخبر به من فضائلهم ومناقبهم.
стр. 739
- وأمَّا كونه قدحًا في شريعة الله؛ فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله ﷺ في نقل الشريعة هم الصّحابة، فإذا سقطت عدالتهم؛ لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة.
- وأمَّا كونه قدحًا في الله سبحانه؛ فحيث بعث نبيه ﷺ في شرار الخلق، واختارهم لصحبته وحمل شريعته ونقلها لأمته!!
فانظر ماذا يترتب من الطوام الكبرى على سب الصّحابة ﵃.
* ونحن نتبرأ من طريقة هؤلاء الروافض الذين يسبون الصّحابة ويبغضونهم، ونعتقد أن محبتهم فرض، وأن الكف عن مساوئهم فرض، وقلوبنا -ولله الحمد- مملوءة من محبتهم؛ لما كانوا عليه من الإيمان والتقوى ونشر العلم ونصرة النَّبيِّ ﷺ .
* * *
* قوله: "وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل".
* يعني: يتبرأ أهل السنة والجماعة من طريقة النواصب.
وهؤلاء على عكس الروافض، الذين يغلون في آل البيت، حتَّى يخرجوهم عن طور البشرية إلى طور العصمة والولاية.
أما النواصب؛ فقابلوا البدعة ببدعة، فلما رأوا الرافضة يغلون في آل البيت؛ قالوا: إذًا؛ نبغض آل البيت ونسبهم؛ مقابلة لهؤلاء في الغلو في محبتهم والثناء عليهم، ودائمًا يكون الوسط هو خير
стр. 740
الأمور؛ ومقابلة البدعة ببدعة لا تزيد البدعة إلَّا قوة.
* * *
* قوله: "ويمسكون عما شجر بين الصّحابة"؛ يعني: عما وقع بينهم من النزاع.
* فالصحابة ﵃ وقعت بينهم بعد مقتل عمر بن الخطاب ﵁ نزاعات، واشتد الأمر بعد مقتل عثمان، فوقع بينهم ما وقع، ممَّا أدى إلى القتال.
وهذه القضايا مشهورة، وقد وقعت -بلا شك- عن تأويل واجتهاد، كل منهم يظن أنَّه على حق، ولا يمكن أن نقول: إن عائشة والزبير بن العوام قاتلا عليًّا ﵃ أجمعين وهم يعتقدون أنهم على باطل، وأن عليًّا على حق.
واعتقادهم أنهم على حق لا يستلزم أن يكونوا قد أصابوا الحق.
ولكن إذا كانوا مخطئين، ونحن نعلم أنهم لن يقدموا على هذا الأمر إلَّا عن اجتهاد؛ فإنَّه ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أن: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجر" (١)؛ فنقول: هم مخطئون مجتهدون؛ فلهم أجر واحد.
стр. 741
* فهذا الذي حصل موقفنا نحن منه له جهتان: الجهة الأولى: الحكم على الفاعل. والجهة الثَّانية: موقفنا من الفاعل.
- أما الحكم على الفاعل؛ فقد سبق، وأن ما ندين الله به أن ما جرى بينهم؛ فهو صادر عن اجتهاد، والاجتهاد إذا وقع فيه الخطأ؛ فصاحبه معذور مغفور له.
- وأمَّا موقفنا من الفاعل؛ فالواجب علينا الإمساك عما شجر بينهم، لماذا نتخذ من فعل هؤلاء مجالًا للسب والشتم والوقيعة فيهم والبغضاء بيننا؛ ونحن في فعلنا هذا إما آثمون وإما سالمون، ولسنا غانمين أبدًا؟!
* فالواجب علينا تجاه هذه الأمور أن نسكت عما جرى بين الصّحابة، وأن لا نطالع الأخبار أو التآريخ في هذه الأمور؛ إلَّا المراجعة للضرورة.
* * *
* قوله: "ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم؛ منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه الصريح".
* قسم المؤلف الآثار المروية في مساويهم ثلاثة أقسام:
- منها ما هو كذب محض لم يقع منهم، وهذا يوجد كثيرًا فيما يرويه النواصب في آل البيت وما يرويه الروافض في غير آل البيت.
стр. 742
- ومنها شيء له أصل، لكن زيد فيه ونقص وغيِّر عن وجهه.
وهذان القسمان كلاهما يجب رده.
- القسم الثالث: ما هو صحيح؛ فماذا نقول فيه؟
بينه المؤلف بقوله:
* "والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون".
* والمجتهد إن أصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر واحد؛ لقول النَّبيِّ ﵌: "إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر" (١).
* فما جرى بين معاوية وعلي ﵄ صادر عن اجتهاد وتأويل.
لكن لا شك أن عليًّا أقرب إلى الصواب فيه من معاوية، بل قد نكاد نجزم بصوابه؛ إلَّا أن معاوية كان مجتهدًا.
* ويدل على أن عليًّا أقرب إلى الصواب أن النَّبيَّ ﷺ قال: "ويح عمار! تقتله الفئة الباغية" (٢)؛ فكان الذي قتله أصحاب
стр. 743
معاوية، وبهذا عرفنا أنها فئة باغية خارجة على الإمام، لكنهم متأولون، والصّواب مع علي إما قطعًا وإما ظنًّا.
* * *
- وهناك قسم رابع، وهو ما وقع منهم من سيئات حصلت لا عن اجتهاد ولا عن تأويل:
فبينه المؤلف بقوله:
* "وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصّحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره".
* لا يعتقدون ذلك؛ لقوله صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" (١).
ولكن العصمة في إجماعهم؛ فلا يمكن أن يجمعوا على شيء من كبائر الذنوب وصغائرها فيستحلوها أو يفعلوها.
لكن الواحد منهم قد يفعل شيئًا من الكبائر؛ كما حصل من مِسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش في قصة الإفك (٢)، ولكن هذا الذي حصل تطهروا منه بإقامة الحد عليهم.
стр. 744
* قوله: "بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة"؛ يعني: كغيرهم من البشر.
* * *
لكن يمتازون عن غيرهم بما قال المؤلف ﵀:
* "ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر".
* هذا من الأسباب التي يمحو الله بها عنهم ما فعلوه من الصغائر أو الكبائر، وهو ما لهم من السوابق والفضائل التي لم يلحقهم فيها أحد؛ فهم نصروا النَّبيَّ ﵊، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله؛ فهذه توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب، إذا لم يصل إلى الكفر.
* ومن ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل إلى قريش يخبرهم عن مسير النَّبيِّ ﷺ إليهم، حتَّى أطلع الله نبيه على ذلك، فلم يصلهم الخبر، فاستأذن عمر النَّبيَّ ﷺ أن يضرب عنق حاطب، فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنه شهد بدرًا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم! " (١).
* قوله: "حتَّى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأنَّ لهم من الحسنات التي تمحوا السيئات ما ليس لمن
стр. 745
بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به؛ كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم".
* وذلك في قوله ﷺ : "خير النَّاس قرني" (١)، وفي قوله: "لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده؛ لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٢).
* قوله: "ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب؛ فيكون قد تاب منه":
يعني: وإذا تاب منه؛ ارتفع عنه وباله ومعرته؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. . .﴾ إلى قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، ومن تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له؛ فلا يؤثر عليه.
* قوله: "أو أتى بحسنات تمحوه"؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
* قوله: "أو غفر له بفضل سابقته": لقوله تعالى في الحديث القدسي في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم".
стр. 746
* قوله: "أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق النَّاس بشفاعته".
وقد سبق أن النَّبيَّ ﷺ يشفع في أمته، والصحابة ﵃ أحق النَّاس في ذلك.
* قوله: "أو ابتلي ببلاء في الدُّنيا كفر به عنه": فإن البلاء في الدُّنيا يكفر الله به السيئات؛ كما أخبر بذلك النَّبيُّ ﷺ في قوله: "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه؛ إلَّا حط الله به سيئاته؛ كما تحط الشجرة ورقها" (١)، والأحاديث في هذا مشهورة كثيرة.
* قوله: "فإذا كان هذا في الذنوب المحققة؛ فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا؛ فلهم أجران، وإن أخطؤوا؛ فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور"، وسبق دليله؛ فتكون هذه من باب أولى ألا تكون سببًا للقدح فيهم والعيب.
* فهذه الأسباب التي ذكرها المؤلف ترفع القدح في الصّحابة، وهي قسمان:
الأول: خاص بهم، وهو ما لهم من السوابق والفضائل.
والثاني: عام، وهي التوبة، والحسنات الماحية، وشفاعة النَّبيِّ ﷺ ، والبلاء.
стр. 747
* قوله: "ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم":
* القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل جدًّا نزر أقل القليل، ولهذا قال: "مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم".
* ولا شك أنَّه حصل من بعضهم سرقة وشرب خمر وقذف وزنى بإحصان وزنى بغير إحصان، لكن كل هذه الأشياء تكون مغمورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، وبعضها أقيم فيه الحدود، فيكون كفارة.
* ثم بين المؤلف ﵀ شيئًا من فضائلهم ومحاسنهم بقوله:
* "من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح".
فكل هذه مناقب وفضائل معلومة مشهورة، تغمر كل ما جاء من مساوئ القوم المحققة؛ فكيف بالمساوئ غير المحققة أو التي كانوا فيها مجتهدين متأولين.
* * *
* قوله: "ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء":
هذا بالإضافة إلى ما ثبت عن النَّبيِّ صلي الله عليه وعلى آله وسلم من قوله: "خير النَّاس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
стр. 748
يلونهم". أخرجه البُخاريّ ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (١).
وعلى هذا تثبت خيريتهم على غيرهم من أتباع الأنبياء بالنص والنظر في أحوالهم.
فإذا نظرت بعلم وبصيرة وإنصاف في محاسن القوم وما أعطاهم الله من الفضائل؛ علمت يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء؛ فهم خير من الحواريين أصحاب عيسى، وخير من النقباء أصحاب موسى، وخير من الذين آمنوا مع نوح ومع هود وغيرهم، لا يوجد أحد في أتباع الأنبياء أفضل من الصّحابة ﵃، والأمر في هذا ظاهر معلوم؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وخيرنا الصّحابة، ولأن النَّبيَّ ﷺ خير الخلق؛ فأصحابه خير الأصحاب بلا شك.
هذا عند أهل السنة والجماعة، أما عند الرافضة؛ فهم شر الخلق؛ إلَّا من استثنوا منهم.
* قوله: "لا كان ولا يكون مثلهم"؛ أي: ما وجد ولا يوجد مثلهم؛ لقوله ﵊: "خير النَّاس قرني"؛ فلا يوجد على الإطلاق مثلهم ﵃ لا سابقًا ولا لاحقًا.
* قوله: "وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله ":
стр. 749
- أما كون هذه الأمة خير الأمم؛ فلقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولأن النَّبيَّ صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم خير الرسل؛ فلا جرم أن تكون أمته خير الأمم.
- وأمَّا كون الصّحابة صفوة قرون الأمة؛ فلقوله ﷺ : "خير النَّاس قرني" (١)، وفي لفظ: "خير أمتي قرني" (٢)، والمراد بقرنه: الصّحابة، وبالذين يلونهم: التابعون، وبالذين يلونهم: تابعو التّابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن، وهم وسطه، وجمهور الصّحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتَّى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلَّا نفر قليل، وجمهور التّابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصّحابة في إمارة ابن الزُّبير وعبد الملك وجمهور تابعي التّابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية" اهـ.
وكان آخر الصّحابة موتًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي سنة مئة من الهجرة، وقيل: مئة وعشر.
стр. 750
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١): "واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التّابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومئتين".
* * *
стр. 751
فصل في كرامات الأولياء
كرامات الأولياء مسألة هامة ينبغي أن يعرف الحق فيها من الباطل؛ هل هي حقيقة ثابتة، أو هي من باب التخيلات؟
فبين المؤلف ﵀ قول أهل السنة فيها بقوله:
* "ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء":
* فمن هم الأولياء؟
والجواب: أنّ الله بيّنهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من كان مؤمنًا تقيًّا؛ كان لله وليًّا".
ليست الولاية بالدعوى والتمني، الولاية إنَّما هي بالإيمان والتقوى؛ فلو رأينا رجلًا يقول: إنه ولي! ولكنه غير متق لله تعالى؛ فقوله مردود عليه.
стр. 752
* أما الكرامات؛ فهي جمع كرامة، والكرامة أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي؛ تأييدًا له، أو إعانة، أو تثبيتًا، أو نصرًا للدين.
- فالرجل الذي أحيا الله تعالى له فرسه، وهو صلة بن أشيم، بعد أن ماتت، حتَّى وصل إلى أهله، فلما وصل إلى أهله؛ قال لابنه: ألق السرج عن الفرس؛ فإنَّها عرية! فلما ألقى السرج عنها؛ سقطت ميتة (١). فهذه كرامة لهذا الرجل إعانة له.
- أما التي لنصرة الإسلام؛ فمثل الذي جرى للعلاء بن الحضرمي ﵁ في عبور ماء البحر، وكما جرى لسعد بن أبي وقاص ﵁ في عبور نهر دجلة، وقصتهما مشهورة في التاريخ.
فالكرامة أمر خارق للعادة.
أما ما كان على وفق العادة؛ فليس بكرامة.
* وهذا الأمر إنَّما يجريه الله على يد ولي؛ احترازًا من أمور السحر والشعوذة؛ فإنَّها أمور خارقة للعادة، لكنها تجري على يد غير أولياء الله، بل على يد أعداء الله؛ فلا تكون هذه كرامة.
* وقد كثرت هذه الكرامات التي تدعى أنها كرامات في هؤلاء المشعوذين الذين يصدون عن سبيل الله؛ فالواجب الحذر
стр. 753
منهم ومن تلاعبهم بعقول النَّاس وأفكارهم.
* فالكرامة ثابتة بالقرآن والسنة والواقع، سابقًا ولاحقًا.
- فمن الكرامات الثابتة بالقرآن والسنة لمن سبق قصة أصحاب الكهف، الذين عاشوا في قوم مشركين، وهم قد آمنوا بالله، وخافوا أن يغلبوا على أمرهم، فخرجوا من القرية مهاجرين إلى الله ، فيسر الله لهم غارًا في جبل، وجه هذا الغار إلى الشمال، فلا تدخل الشّمس عليهم فتفسد أبدانهم ولا يحرمون منها، إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوة منه، وبقوا في هذا الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا، وهم نائمون، يقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال، في الصيف وفي الشتاء، لم يزعجهم الحر، ولم يؤلمهم البرد، ما جاعوا وما عطشوا وما ملوا من النوم. فهذه كرامة بلا شك، بقوا هكذا حتَّى بعثهم الله وقد زال الشرك عن هذه القرية، فسلموا منه.
- ومن ذلك قصة مريم ﵂، أكرمها الله حيث أجاءها المخاض إلى جذع النخلة، وأمرها الله أن تهز بجذعها لتتساقط عليها رطبًا جنيًّا.
- ومن ذلك قصة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه؛ كرامة له، ليتبين له قدرة الله تعالى، ويزداد ثباتًا في إيمانه.
- أما في السنة؛ فالكرامات كثيرة، وراجع (كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل) في "صحيح البُخاريّ"، وكتاب
стр. 754
"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشَّيطان" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
- وأمَّا شهادة الواقع بثبوت الكرامات؛ فظاهر، يعلم به المرء في عصره: إما بالمشاهدة، وإما بالأخبار الصادقة.
فمذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء.
* وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم؛ حيث إنهم ينكرون الكرامات، ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات؛ لاشتبه الساحر بالولي والولي بالنبي؛ لأنَّ كل واحد منهم يأتي بخارق.
فيقال: لا يمكن الالتباس؛ لأنَّ الكرامة على يد ولي، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادعاها؛ لم يكن وليًّا. آية النَّبيِّ تكون على يد نبي، والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه؛ بخلاف الكرامة؛ فهي من الله تعالى، لا يطلبها الولي بكسبه.
* قال العلماء: كل كرامة لولي؛ فهي آية للنبي الذي اتبعه؛ لأنَّ الكرامة شهادة من الله أن طريق هذا الولي طريق صحيح.
وعلى هذا؛ ما جرى من الكرامات للأولياء من هذه الأمة؛ فإنَّها آيات لرسول الله ﷺ .
* ولهذا قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء
стр. 755
السابقين؛ إلا ولرسول الله ﷺ مثلها.
- فأورد عليهم أن الرسول ﷺ لم يلق في النار فيخرج حيًّا؛ كما حصل ذلك لإبراهيم.
فأجيب بأنه جرى ذلك لأتباع الرسول ﵊؛ كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني (١)، وإذا أكرم أتباع الرسول ﵊ بجنس هذا الأمر الخارق للعادة؛ دلَّ ذلك على أن دين النَّبيِّ ﷺ حق؛ لأنَّه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم.
- وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي ﷺ ، وقد فلق لموسى!
فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شيء أعظم ممَّا حصل لموسى، وهو المشي على الماء؛ كما في قصة العلاء بن الحضرمي؛ (٢) حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم ممَّا حصل لموسى؛ لأنَّ موسى مشى على أرض يابسة.
- وأورد عليهم أن من آيات عيسى إحياء الموتى، ولم يقع
стр. 756
ذلك لرسول الله ﷺ .
فأجيب بأنه وقع لأتباع الرسول ﵊؛ كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالى أن يحييه، فأحياه الله تعالى.
- وأورد عليهم إبراء الأكمه والأبرص.
فأجيب بأنه حصل من النَّبيِّ ﷺ أن قتادة بن النُّعمان لما جرح في أحد؛ ندرت عينه حتَّى صارت على خده، فجاء النَّبيُّ ﷺ ، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه (١).
فهذه من أعظم الآيات.
ف الآيات التي كانت للأنبياء السابقين كان من جنسها للنبي ﷺ أو لأمته ، ومن أراد المزيد من ذلك؛ فليرجع إلى كتاب "البداية والنهاية في التاريخ" لابن كثير.
تنبيه:
الكرامات؛ قلنا: إنَّها تكون تأييدًا أو تثبيتًا أو إعانة للشخص أو نصرًا للحق، ولهذا كانت الكرامات في التّابعين أكثر منها في الصّحابة؛ لأنَّ الصّحابة عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما
стр. 757
يستغنون به عن الكرامات؛ فإن الرسول ﷺ كان بين أظهرهم، وأمَّا التابعون؛ فإنهم دون ذلك، ولذلك كثرت الكرامات في زمنهم تأييدًا لهم وتثبيتًا ونصرًا للحق الذي هم عليه.
* * *
* قوله: "وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات": "خوارق": جمع خارق.
* و"العادات": جمع عادة.
والمراد بـ "خوارق العادات": ما يأتي على خلاف العادة الكونية.
* وهذه الكرامات لها أربع دلالات:
أولًا: بيان كمال قدرة الله ؛ حيث حصل هذا الخارق للعادة بأمر الله.
ثانيًا: تكذيب القائلين بأن الطبيعة هي التي تفعل؛ لأنَّه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل؛ لكانت الطبيعة على نسق واحد لا يتغير؛ فإذا تغيرت العادات والطبيعة؛ دل على أن للكون مدبرًا وخالقًا.
ثالثًا: أنها آية للنبي المتبوع كما أسلفنا قريبًا.
رابعًا: أن فيها تثبيتًا وكرامة لهذا الولي.
* * *
стр. 758
* قوله: "في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات"، يعني: أن الكرامة تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات، وقسم آخر يتعلق بالقدرة والتأثيرات.
- أما العلوم؛ فأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره.
- وأمَّا المكاشفات؛ فأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره.
- مثال الأول -العلوم-: ما ذكر عن أبي بكر: أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته -الحمل-؛ أعلمه الله أنَّه أنثى (١).
- ومثال الثَّاني -المكاشفات-: ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين كان يخطب النَّاس يوم الجمعة على المنبر، فسمعوه يقول: يا سارية! الجبل! فتعجبوا من هذا الكلام، ثم سألوه عن ذلك؟ فقال: إنه كشف له عن سارية بن زنيم -وهو أحد قواده في العراق-، وأنه محصور من عدوه، فوجهه إلى الجبل، وقال له: يا سارية! الجبل! فسمع سارية صوت عمر، وانحاز إلى الجبل، وتحصن به (٢)!
стр. 759
هذه من أمور المكاشفات؛ لأنه أمر واقع، لكنه بعيد.
- أما القدرة والتأثيرات؛ فمثل ما وقع لمريم من هزها لجذع النخل وتساقط الرطب عليها. ومثل ما وقع للذي عنده علم من الكتاب؛ حيث قال لسليمان: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.
* * *
* قوله: "والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة".
الكرامات موجودة فيما سبق من الأمم، ومنها قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة (١)، وموجودة في عهد الرسول ﷺ ؛ كقصة أسيد بن حضير (٢)، وتكثير الطعام عند بعض الصحابة (٣)، وموجودة في التابعين؛ مثل قصة صلة بن أشيم الَّذي أحيا الله له فرسه (٤).
يقول شيخ الإسلام في كتاب "الفرقان": "وهذا باب واسع،
стр. 760
قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، وأما ما نعرفه نحن عيانًا ونعرفه في هذا الزمان؛ فكثير".
* * *
* قوله: "وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة".
* والدليل على أنها موجودة إلى يوم القيامة: سمعي وعقلي:
- أما السمعي، فإن الرسول ﷺ أخبر في قصة الدجال أنَّه يدعو رجلًا من الناس من الشباب، يأتي، ويقول له: كذبت! إنما أنت المسيح الدجال الَّذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ ، فيأتي الدجال، فيقتله قطعتين، فيجعل واحدة هنا وواحدة هنا رمية الغرض (يعني: بعيد ما بينهما)، ويمشي بينهما، ثم يدعوه، فيقوم يتهلل، ثم يدعوه ليقر له بالعبودية، فيقول الرجل: ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم! فيريد الدجال أن يقتله؛ فلا يسلط عليه (١).
فهذه (أي: عدم تمكن الدجال من قتل ذلك الشاب) من الكرامات بلا شك.
- وأما العقلي؛ فيقال: ما دام سبب الكرامة هي الولاية؛ فالولاية لا تزال موجودة إلى قيام الساعة.
* * *
стр. 761
فصل في طريقة أهل السنة العملية
* قوله: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا".
لما فرغ المؤلف مما يريد ذكره من طريقة أهل السنة العقدية؛ شرع في ذكر طريقتهم العملية:
* قوله: "اتباع الآثار": لا اتباع إلا بعلم؛ إذًا؛ فهم حريصون على طلب العلم؛ ليعرفوا آثار الرسول ﵊ ثم يتبعوها.
* فهم يتبعون آثار الرسول ﷺ في العقيدة والعبادة والأخلاق والدعوة إلى الله تعالى؛ يدعون عباد الله إلى شريعة الله في كل مناسبة، وكلما اقتضت الحكمة أن يدعوا إلى الله؛ دَعَوا إلى الله، ولكنهم لا يخبطون خبط عشواء، وإنما يدعون بالحكمة؛ يتبعون آثار الرسول ﵊ في الأخلاق الحميدة في معاملة
стр. 762
الناس باللطف واللين، وتنزيل كل إنسان منزلته؛ يتبعونه أيضًا في أخلاقه مع أهله، فتجدهم يحرصون على أن يكونوا أحسن الناس لأهليهم؛ لأن النبي ﷺ يقول: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (١).
ونحن لا نستطيع أن نحصر آثار الرسول ﵊، ولكن نقول على سبيل الإجمال في العقيدة والعبادة والخلق والدعوة: في العبادة لا يتشددون ولا يتهاونون ويتبعون ما هو أفضل.
وربما يشتغلون عن العبادة بمعاملة الخلق للمصلحة؛ كما كان الرسول يأتيه الوفود يشغلونه عن الصلاة؛ فيقضيها فيما بعد.
* قوله: "ظاهرًا وباطنًا": الظهور والبطون أمر نسبي: ظاهرًا فيما يظهر للناس، وباطنًا فيما يسرونه بأنفسهم. ظاهرًا في الأعمال الظاهرة، وباطنًا في أعمال القلوب ...
فمثلًا؛ التوكل والخوف والرجاء والإنابة والمحبة وما أشبه ذلك؛ هذه من أعمال القلوب؛ يقومون بها على الوجه المطلوب، والصلاة فيها القيام والقعود والركوع والسجود والصدقة والحج والصيام، وهذه من أعمال الجوارح؛ فهي ظاهرة.
стр. 763
* ثم اعلم أن آثار الرسول ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو أكثر:
أولًا: ما فعله على سبيل التعبد؛ فهذا لا شك أننا مأمورون باتباعه؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ فكل شيء لا يظهر فيه أنَّه فعله تأثرًا بعادة أو بمقتضى جبلة وفطرة أو حصل اتفاقًا؛ فإنه على سبيل التعبد، ونحن مأمورون به.
ثانيًا: ما فعله اتفاقًا؛ فهذا لا يشرع لنا التأسي فيه؛ لأنه غير مقصود؛ كما لو قال قائل: ينبغي أن يكون قدومنا إلى مكة في الحج في اليوم الرابع من ذي الحجة! لأن الرسول ﷺ قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة (١). فنقول: هذا غير مشروع؛ لأن قدومه ﷺ في هذا اليوم وقع اتفاقًا.
ولو قال قائل: ينبغي إذا دفعنا من عرفة ووصلنا إلى الشعب الَّذي نزل فيه ﷺ وبال أن ننزل ونبول ونتوضأ وضوءًا خفيفًا كما فعل النبي ﷺ فنقول: هذا لا يشرع.
وكذلك غيرها من الأمور التي وقعت اتفاقًا؛ فإنه لا يشرع التأسي فيه بذلك؛ لأنه ﷺ فعله لا على سبيل القصد للتعبد،
стр. 764
والتأسي به تعبد.
ثالثًا: ما فعله بمقتضى العادة؛ فهل يشرع لنا التأسي به؟
الجواب: نعم؛ ينبغي لنا أن نتأسى به، لكن بجنسه لا بنوعه.
وهذه المسألة قل من يتفطن لها من الناس؛ يظنون أن التأسي به فيما هو على سبيل العادة بالنوع، ثم ينفون التأسي به في ذلك.
ونحن نقول: نتأسى به، لكن باعتبار الجنس؛ بمعنى أن نفعل ما تقتضيه العادة التي كان عليها الناس؛ إلا أن يمنع من ذلك مانع شرعي.
رابعًا: ما فعله بمقتضى الجبلة؛ فهذا ليس من العبادات قطعًا، لكن قد يكون عبادة من وجه؛ بأن يكون فعله على صفة معينة عبادة: كالنوم؛ فإنه بمقتضى الجبلة، لكن يسن أن يكون على اليمين، والأكل والشرب جبلة وطبيعة، ولكن قد يكون عبادة من جهة أخرى، إذا قصد به الإنسان امتثال أمر الله والتنعم بنعمه والقوة على عبادته وحفظ البدن، ثم إن صفته أيضًا تكون عبادة كالأكل باليمين، والبسملة عند البداءة، والحَمْدلة عند الانتهاء.
وهنا نسأل: هل اتخاذ الشعر عادة أو عبادة؟
يرى بعض العلماء أنَّه عبادة، وأنه يسن للإنسان اتخاذ الشعر.
ويرى آخرون أن هذا من الأمور العادية؛ بدليل قول الرسول
стр. 765
- ﷺ للذي رآه قد حلق بعض رأسه وترك بعضه؛ فنهاهم عن ذلك، وقال: "احلقوا كله أو ذروا كله" (١)، وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر ليس بعبادة، وإلا؛ لقال: أبقه، ولا تحلق منه شيئًا!
وهذه المسألة ينبغي التثبت فيها، ولا يحكم على شيء بأنه عبادة؛ إلا بدليل؛ لأن الأصل في العبادات المنع؛ إلا ما قام الدليل على مشروعيته.
* * *
* قوله: "و اتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار"؛ أي: ومن طريقة أهل السنة اتباع ... إلخ؛ فهي معطوفة على "اتباع الآثار".
* قوله: "السابقين"؛ يعني: إلى الأعمال الصالحة.
* وقوله: "الأولين"؛ يعني: من هذه الأمة.
* والمهاجرون: من هاجروا إلى المدينة.
* والأنصار: أهل المدينة في عهد النبي ﷺ .
стр. 766
* وإنما كان اتباع سبيلهم من منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنهم أقرب إلى الصواب والحق ممن بعدهم، وكلما بعد الناس عن عهد النبوة؛ بعدوا من الحق، وكلما قرب الناس من عهد النبوة؛ قربوا من الحق، وكلما كان الإنسان أحرص على معرفة سيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين؛ كان أقرب إلى الحق.
ولهذا ترى اختلاف الأمة بعد زمن الصحابة والتابعين أكثر انتشارًا وأشمل لجميع الأمور، لكن الخلاف في عهدهم كان محصورًا.
فمن طريقة أهل السنة والجماعة أن ينظروا في سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فيتبعوها؛ لأن اتباعها يؤدي إلى محبتهم، مع كونهم أقرب إلى الصواب والحق؛ خلافًا لمن زهد في هذه الطريقة، وصار يقول: هم رجال ونحن رجال! ولا يبالي بخلافهم!! وكأن قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي قول فلان وفلان من أواخر هذه الأمة!! وهذا خطأ وضلال؛ فالصحابة أقرب إلى الصواب، وقولهم مقدم على قول غيرهم من أجل ما عندهم من الإيمان والعلم، وما عندهم من الفهم السليم والتقوى والأمانة، وما لهم من صحبة الرسول ﷺ .
* * *
* قوله: "واتباع وصية رسول الله ﷺ ": حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل
стр. 767
بدعة ضلالة" (١)
* "اتباع": معطوفة على "اتباع الآثار".
* والوصية: العهد إلى غيره بأمر هام.
* ومعنى: "عليكم بسنتي ... " إلخ: الحث على التمسك بها، وأكد هذا بقوله: "وعضوا عليها بالنواجذ"، وهي أقصى الأضراس؛ فأمر بالتمسك بها باليد والعض عليها بالأضراس مبالغة في التمسك بها.
* والسنة: هي الطريقة ظاهرًا وباطنًا.
* والخلفاء الراشدون: هم الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته علمًا وعملًا ودعوة.
* وأول من يدخل في هذا الوصف وأولى من يدخل فيه: الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
* ثم يأتي رجل في هذا العصر، ليس عنده من العلم شيء، ويقول: أذان الجمعة الأول بدعة؛ لأنه ليس معروفًا على عهد الرسول ﷺ ، ويجب أن نقتصر على الأذان الثاني فقط!
стр. 768
فنقول له: إن سنة عثمان ﵁ سنة متبعة إذا لم تخالف سنة رسول الله ﷺ ، ولم يقم أحد من الصحابة الذين هم أعلم منك وأغير على دين الله بمعارضته، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين، الذين أمر رسول الله ﷺ باتباعهم.
ثم إن عثمان ﵁ اعتمد على أصل، وهو أن بلالًا يؤذن قبل الفجر في عهد النبي ﷺ ، لا لصلاة الفجر، ولكن ليرجع القائم ويوقظ النائم، كما قال ذلك رسول الله ﷺ ، فأمر عثمان بالأذان الأول يوم الجمعة (١)، لا لحضور الإمام، ولكن لحضور الناس؛ لأن المدينة كبرت واتسعت واحتاج الناس أن يعلموا بقرب الجمعة قبل حضور الإمام؛ من أجل أن يكون حضورهم قبل حضور الإمام.
* فأهل السنة والجماعة يتبعون ما أوصى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحث على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ إلا إذا خالف كلام رسول الله ﷺ مخالفة صريحة؛ فالواجب علينا أن نأخذ بكلام رسول الله ﷺ ونعتذر عن هذا الصحابي، ونقول: هذا من باب الاجتهاد المعذور فيه.
* قول النبي ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور": "إياكم": هذه
стр. 769
للتحذير؛ أي: أحذركم.
* و"الأمور": بمعنى: الشؤون، والمراد بها أمور الدين، أما أمور الدنيا؛ فلا تدخل في هذا الحديث؛ لأن الأصل في أمور الدنيا الحل؛ فما ابتدع منها؛ فهو حلال، إلا أن يدل الدليل على تحريمه. لكن أمور الدين الأصل فيها الحظر؛ فما ابتدع منها؛ فهو حرام بدعة؛ إلا بدليل من الكتاب والسنة على مشروعيته.
* قال النبي ﵊: "فإن كل بدعة ضلالة": الجملة مفرعة على الجملة التحذيرية، فيكون المراد بها هنا توكيد التحذير وبيان حكم البدعة.
* "كل بدعة ضلالة": هذا كلام عام مسور بأقوى لفظ دال على العموم، وهو لفظ (كل)، فهو تعميم محكم صدر من الرسول ﷺ ، والرسول ﵊ أعلم الخلق بشريعة الله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق بيانًا، وأصدقهم خبرًا؛ فاجتمعت في حقه أربعة أمور: علم ونصح وفصاحة وصدق، نطق بقوله: "كل بدعة ضلالة".
فعلى هذا: كل من تعبد لله بعقيدة أو قول أو فعل لم يكن شريعة الله؛ فهو مبتدع.
- فالجهمية يتعبدون بعقيدتهم، ويعتقدون أنهم منزهون لله.
والمعتزلة كذلك. والأشاعرة يتعبدون بما هم عليه من عقيدة باطلة.
стр. 770
- والذين أحدثوا أذكارًا معينة يتعبدون لله بذلك، ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا.
- والذين أحدثوا أفعالًا يتعبدون لله بها ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا.
كل هذه الأصناف الثلاثة الذين ابتدعوا في العقيدة أو في الأقوال أو في الأفعال؛ كل بدعة من بدعهم، فهي ضلالة، ووصفها الرسول ﵊ بالضلالة؛ لأنها مركب، ولأنها انحراف عن الحق.
- والبدعة تستلزم محاذير فاسدة:
فأولًا: تستلزم تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] لأنه إذا جاء ببدعة جديدة يعتبوها دينًا؛ فمقتضاه أن الدين لم يكمل.
ثانيَّا: تستلزم القدح في الشريعة، وأنها ناقصة، فأكملها هذا المبتدع.
ثالثًا: تستلزم القدح في المسلمين الذين لم يأتوا بها؛ فكل من سبق هذه البدع من الناس دينهم ناقص! وهذا خطير!!
رابعًا: من لوازم هذه البدعة أن الغالب أن من اشتغل ببدعة؛ انشغل عن سنة؛ كما قال بعض السلف: "ما أحدث قوم بدعة؛ إلا هدموا مثلها من السنة".
خامسًا: أن هذه البدع توجب تفرق الأمة؛ لأن هؤلاء
стр. 771
المبتدعة يعتقدون أنهم هم أصحاب الحق، ومن سواهم على ضلال!! وأهل الحق يقولون: أنتم الذين على ضلال! فتتفرق قلوبهم.
فهذه مفاسد عظيمة، كلها تترتب على البدعة من حيث هي بدعة، مع أنَّه يتصل بهذه البدعة سفه في العقل وخلل في الدين.
* وبهذا نعرف أن من قسم البدعة إلى أقسام ثلاثة أو خمسة أو ستة؛ فقد أخطأ، وخطؤه من أحد وجهين:
- إما أن لا ينطبق شرعًا وصف البدعة على ما سماه بدعة.
- وإما أن لا يكون حسنًا كما زعم.
فالنبي ﷺ قال: "أكل بدعة ضلالة"؛ فقال: "كل"؛ فما الَّذي يخرجنا من هذا السور العظيم حتَّى نقسم البدع إلى أقسام؟
* فإن قلت: ما تقول في قول أمير المؤمنين عمر ﵁ حين خرج إلى الناس وهم يصلون بإمامهم في رمضان، فقال: نعمت البدعة هذه. فأثنى عليها، وسماها بدعة (١)؟!
فالجواب أن نقول: ننظر إلى هذه البدعة التي ذكرها؛ هل ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية أو لا.
فإذا نظرنا ذلك؛ وجدنا أنَّه لا ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في رمضان ثلاث
стр. 772
ليال، ثم تركه خوفًا من أن تفرض عليهم، فثبت أصل المشروعية، وانتفى أن تكون بدعة شرعية، ولا يمكن أن نقول: إنها بدعة، والرسول ﷺ قد صلاها!!
وإنما سماها عمر ﵁ بدعة؛ لأن الناس تركوها، وصاروا لا يصلون جماعة بإمام واحد، بل أوزاعًا؛ الرجل وحده والرجلان والثلاثة والرهط، فلما جمعهم على إمام واحد؛ صار اجتماعهم بدعة بالنسبة لما كانوا عليه أولًا من هذا التفرق.
فإنه خرج ﵁ ذات ليلة، فقال: لو أني جمعت الناس على إمام واحد؛ لكان أحسن، فأمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فقاما للناس بإحدى عشرة ركعة، فخرج ذات ليلة والناس يصلون بإمامهم، فقال: نعمت البدعة هذه.
إذًا، هي بدعة نسبية؛ باعتبار أنها تركت ثم أنشئت مرة أخرى.
فهذا وجه تسميتها ببدعة.
وأما أنها بدعة شرعية، ويثني عليها عمر؛ فكلَّا.
وبهذا نعرف أن كلام رسول الله ﷺ لا يعارضه كلام عمر ﵁.
* فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول الرسول ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى
стр. 773
يوم القيامة"؛ فأثبت أن الإنسان يسن سنة حسنة في الإسلام؟
فنقول: كلام الرسول ﷺ يصدق بعضه بعضًا، ولا يتناقض؛ فيريد بالسنة الحسنة السنة المشروعة، ويكون المراد بسنها المبادرة إلى فعلها.
يعرف هذا ببيان سبب الحديث، وهو أن النبي ﷺ قاله حين جاء أحد الأنصار بصرة (يعني: من الدراهم)، ووضعها بين يدي النبي ﷺ حين دعا أصحابه أن يتبرعوا للرهط الذين قدموا من مضر مجتابي النمار، وهم من كبار العرب، فتمعر وجه النبي ﷺ لما رأى من حالهم، فدعا إلى التبرع لهم، فجاء هذا الرجل أول ما جاء بهذه الصرة، فقال: "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١).
أو يقال: المراد بالسنة الحسنة ما أحدث ليكون وسيلة إلى ما ثبتت مشروعيته؛ كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحو ذلك.
وبهذا نعرف أن كلام الرسول ﷺ لا يناقض بعضه بعضًا، بل هو متفق؛ لأنه ﵊ لا ينطق عن الهوى.
* * *
* قوله: "ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله":
* هذا علمنا واعتقادنا، وأن ليس في كلام الله من كذب،
стр. 774
بل هو أصدق الكلام؛ فإذا أخبر الله عن شيء بأنه كائن، فهو كائن، وإذا أخبر عن شيء بأنه سيكون؛ فإنه سيكون، وإذا أخبر عن شيء بأن صفته كذا وكذا؛ فإن صفته كذا وكذا.
* فلا يمكن أن يتغير الأمر عما أخبر الله به، ومن ظن التغير؛ فإنما ظَنّه خطأ؛ لقصوره أو تقصيره.
مثال ذلك لو قال قائل: إن الله أخبر أن الأرض قد سطحت، فقال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، ونحن نشاهد أن الأرض مكورة؛ فكيف يكون خبره خلاف الواقع؟
فجوابه أن الآية لا تخالف الواقع، ولكن فهمه خاطئ إما لقصوره أو تقصيره؛ فالأرض مكورة مسطحة، وذلك لأنها مستديرة، ولكن لكبر حجمها لا تظهر استدارتها إلا في مساحة واسعة تكون بها مسطحة، وحينئذ يكون الخطأ في فهمه؛ حيث ظن أن كونها قد سطحت مخالف لكونها كروية.
فإذا كنا نؤمن أن أصدق الكلام كلام الله؛ فلازم ذلك أنَّه يجب علينا أن نصدق بكل ما أخبر الله به في كتابه، سواء كان ذلك عن نفسه أو عن مخلوقاته.
* قوله: "وخير الهدي هدي محمد ﷺ ":
* "الهدي": هو الطريق التي كان عليها السالك.
والطرق شتى، لكن خيرها طريق النبي ﷺ ؛ فنحن نعلم ذلك ونؤمن به، نعلم أن خير الهدي هدي محمد ﷺ في العقائد
стр. 775
والعبادات والأخلاق والمعاملات، وأن هدي محمد ﷺ ليس بقاصر؛ لا في حسنه وتمامه وانتظامه وموافقته لمصالح الخلق، ولا في أحكام الحوادث التي لم تزل ولا تزال تقع إلى يوم القيامة؛ فإن هدي محمد ﷺ كامل تام، فهو خير الهدي؛ أهدى من شريعة التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وجميع الهدي.
فإذا كنا نعتقد ذلك؛ فوالله؛ لا نبغي به بديلًا.
* وبناء على هذه العقيدة لا نعارض قول رسول الله ﷺ بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، حتَّى لو جاءنا قول لأبي بكر، وهو خير الأمة، وقول لرسول الله ﷺ ؛ أخذنا بقول رسول الله ﷺ .
* وأهل السنة والجماعة بنوا هذا الاعتقاد على الكتاب والسنة:
- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧].
- وقال النبي ﷺ وهو يخطب الناس على المنبر: "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ " (١).
ولهذا تجد الذين اختلفوا في الهدي وخالفوا فيه: إما مقصرين عن شريعة الرسول ﷺ ، وإما غالين فيها، بين متشددين وبين متهاونين، بين مفرِّط ومفرِط، وهدي الرسول ﷺ يكون بين هذا وهذا.