المبتدعة يعتقدون أنهم هم أصحاب الحق، ومن سواهم على ضلال!! وأهل الحق يقولون: أنتم الذين على ضلال! فتتفرق قلوبهم.
فهذه مفاسد عظيمة، كلها تترتب على البدعة من حيث هي بدعة، مع أنَّه يتصل بهذه البدعة سفه في العقل وخلل في الدين.
* وبهذا نعرف أن من قسم البدعة إلى أقسام ثلاثة أو خمسة أو ستة؛ فقد أخطأ، وخطؤه من أحد وجهين:
- إما أن لا ينطبق شرعًا وصف البدعة على ما سماه بدعة.
- وإما أن لا يكون حسنًا كما زعم.
فالنبي ﷺ قال: "أكل بدعة ضلالة"؛ فقال: "كل"؛ فما الَّذي يخرجنا من هذا السور العظيم حتَّى نقسم البدع إلى أقسام؟
* فإن قلت: ما تقول في قول أمير المؤمنين عمر ﵁ حين خرج إلى الناس وهم يصلون بإمامهم في رمضان، فقال: نعمت البدعة هذه. فأثنى عليها، وسماها بدعة (١)؟!
فالجواب أن نقول: ننظر إلى هذه البدعة التي ذكرها؛ هل ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية أو لا.
فإذا نظرنا ذلك؛ وجدنا أنَّه لا ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في رمضان ثلاث
стр. 772
ليال، ثم تركه خوفًا من أن تفرض عليهم، فثبت أصل المشروعية، وانتفى أن تكون بدعة شرعية، ولا يمكن أن نقول: إنها بدعة، والرسول ﷺ قد صلاها!!
وإنما سماها عمر ﵁ بدعة؛ لأن الناس تركوها، وصاروا لا يصلون جماعة بإمام واحد، بل أوزاعًا؛ الرجل وحده والرجلان والثلاثة والرهط، فلما جمعهم على إمام واحد؛ صار اجتماعهم بدعة بالنسبة لما كانوا عليه أولًا من هذا التفرق.
فإنه خرج ﵁ ذات ليلة، فقال: لو أني جمعت الناس على إمام واحد؛ لكان أحسن، فأمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فقاما للناس بإحدى عشرة ركعة، فخرج ذات ليلة والناس يصلون بإمامهم، فقال: نعمت البدعة هذه.
إذًا، هي بدعة نسبية؛ باعتبار أنها تركت ثم أنشئت مرة أخرى.
فهذا وجه تسميتها ببدعة.
وأما أنها بدعة شرعية، ويثني عليها عمر؛ فكلَّا.
وبهذا نعرف أن كلام رسول الله ﷺ لا يعارضه كلام عمر ﵁.
* فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول الرسول ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى
стр. 773
يوم القيامة"؛ فأثبت أن الإنسان يسن سنة حسنة في الإسلام؟
فنقول: كلام الرسول ﷺ يصدق بعضه بعضًا، ولا يتناقض؛ فيريد بالسنة الحسنة السنة المشروعة، ويكون المراد بسنها المبادرة إلى فعلها.
يعرف هذا ببيان سبب الحديث، وهو أن النبي ﷺ قاله حين جاء أحد الأنصار بصرة (يعني: من الدراهم)، ووضعها بين يدي النبي ﷺ حين دعا أصحابه أن يتبرعوا للرهط الذين قدموا من مضر مجتابي النمار، وهم من كبار العرب، فتمعر وجه النبي ﷺ لما رأى من حالهم، فدعا إلى التبرع لهم، فجاء هذا الرجل أول ما جاء بهذه الصرة، فقال: "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١).
أو يقال: المراد بالسنة الحسنة ما أحدث ليكون وسيلة إلى ما ثبتت مشروعيته؛ كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحو ذلك.
وبهذا نعرف أن كلام الرسول ﷺ لا يناقض بعضه بعضًا، بل هو متفق؛ لأنه ﵊ لا ينطق عن الهوى.
* * *
* قوله: "ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله":
* هذا علمنا واعتقادنا، وأن ليس في كلام الله من كذب،
стр. 774
بل هو أصدق الكلام؛ فإذا أخبر الله عن شيء بأنه كائن، فهو كائن، وإذا أخبر عن شيء بأنه سيكون؛ فإنه سيكون، وإذا أخبر عن شيء بأن صفته كذا وكذا؛ فإن صفته كذا وكذا.
* فلا يمكن أن يتغير الأمر عما أخبر الله به، ومن ظن التغير؛ فإنما ظَنّه خطأ؛ لقصوره أو تقصيره.
مثال ذلك لو قال قائل: إن الله أخبر أن الأرض قد سطحت، فقال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، ونحن نشاهد أن الأرض مكورة؛ فكيف يكون خبره خلاف الواقع؟
فجوابه أن الآية لا تخالف الواقع، ولكن فهمه خاطئ إما لقصوره أو تقصيره؛ فالأرض مكورة مسطحة، وذلك لأنها مستديرة، ولكن لكبر حجمها لا تظهر استدارتها إلا في مساحة واسعة تكون بها مسطحة، وحينئذ يكون الخطأ في فهمه؛ حيث ظن أن كونها قد سطحت مخالف لكونها كروية.
فإذا كنا نؤمن أن أصدق الكلام كلام الله؛ فلازم ذلك أنَّه يجب علينا أن نصدق بكل ما أخبر الله به في كتابه، سواء كان ذلك عن نفسه أو عن مخلوقاته.
* قوله: "وخير الهدي هدي محمد ﷺ ":
* "الهدي": هو الطريق التي كان عليها السالك.
والطرق شتى، لكن خيرها طريق النبي ﷺ ؛ فنحن نعلم ذلك ونؤمن به، نعلم أن خير الهدي هدي محمد ﷺ في العقائد
стр. 775
والعبادات والأخلاق والمعاملات، وأن هدي محمد ﷺ ليس بقاصر؛ لا في حسنه وتمامه وانتظامه وموافقته لمصالح الخلق، ولا في أحكام الحوادث التي لم تزل ولا تزال تقع إلى يوم القيامة؛ فإن هدي محمد ﷺ كامل تام، فهو خير الهدي؛ أهدى من شريعة التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وجميع الهدي.
فإذا كنا نعتقد ذلك؛ فوالله؛ لا نبغي به بديلًا.
* وبناء على هذه العقيدة لا نعارض قول رسول الله ﷺ بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، حتَّى لو جاءنا قول لأبي بكر، وهو خير الأمة، وقول لرسول الله ﷺ ؛ أخذنا بقول رسول الله ﷺ .
* وأهل السنة والجماعة بنوا هذا الاعتقاد على الكتاب والسنة:
- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧].
- وقال النبي ﷺ وهو يخطب الناس على المنبر: "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ " (١).
ولهذا تجد الذين اختلفوا في الهدي وخالفوا فيه: إما مقصرين عن شريعة الرسول ﷺ ، وإما غالين فيها، بين متشددين وبين متهاونين، بين مفرِّط ومفرِط، وهدي الرسول ﷺ يكون بين هذا وهذا.
стр. 776
* قوله: "ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس":
* "يؤثرون"؛ أي: يقدمون.
* "كلام الله على كلام غيره": من سائر أصناف الناس في الخبر والحكم؛ فأخبار الله عندهم مقدمة على خبر كل أحد.
* فإذا جاءتنا أخبار عن أمم مضت وصار القرآن يكذبها؛ فإننا نكذبها.
مثال ذلك: اشتهر عند كثير من المؤرخين أن إدريس قبل نوح، وهذا كذب؛ لأن القرآن يكذبه؛ كما قال تعالى: ﴿* إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وإدريس من النبيين؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ...﴾ [مريم: ٥٦]، إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ فلا نبي قبل نوح إلا آدم فقط.
* * *
* قوله: "ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد":
* "يقدمون هدي محمد ﷺ "؛ أي: طريقته وسنته التي هو عليها.
* "على هدي كل أحد": في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والأحوال وفي كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا
стр. 777
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
* * *
* قوله: "ولهذا": اللام في قوله: "ولهذا" للتعليل، أي: ومن أجل إيثارهم كلام الله وتقديم هدي رسول الله ﷺ .
* "سموا أهل الكتاب والسنة": لتصديقهما والتزامهما وإيثارهما على غيرهما. ومن خالف الكتاب والسنة، وادعى أنَّه من أهل الكتاب والسنة، فهو كاذب؛ لأن من كان من أهل شيء لا بد أن يلزمه ويلتزم به.
* * *
* قوله: "وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة":
* قوله: "وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة"؛ فالجماعة اسم مصدر اجتمع يجتمع اجتماعًا وجماعة؛ فالجماعة هي الاجتماع؛ فمعنى أهل الجماعة أهل الاجتماع؛ لأنهم مجتمعون على السنة، متآلفون فيها، لا يضلل بعضهم بعضًا، ولا يبدع بعضهم بعضًا، بخلاف أهل البدع.
* قوله: "وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين": هذا في استعمال ثان، حيث صار لفظ (الجماعة)
стр. 778
عرفًا: اسمًا للقوم المجتمعين.
* وعلى ما قرره المؤلف تكون (الجماعة) في قولنا: "أهل السنة والجماعة": معطوفة على (السنة)، ولهذا عبر المؤلف بقوله: "سموا أهل الجماعة"، ولم يقل: سموا جماعة؛ فكيف يكونون أهل الجماعة وهم جماعة؟!
نقول: الجماعة في الأصل: الاجتماع؛ فأهل الجماعة؛ يعني: أهل الاجتماع، لكن نقل اسم الجماعة إلى القوم المجتمعين نقلًا عرفيًّا.
* * *
* قوله: "والإجماع هو الأصل الثالث الَّذي يعتمد عليه في العلم والدين":
* يعني به الدليل الثالث؛ لأن الأدلة أصول الأحكام؛ حيث تبنى عليها.
* والأصل الأول هو الكتاب، والثاني السنة، والإجماع هو الأصل الثالث، ولهذا يسمون: أهل الكتاب والسنة والجماعة.
* فهذه ثلاثة أصول يعتمد عليها في العلم والدين، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب والسنة؛ فأصلان ذاتيان، وأما الإجماع؛ فأصل مبني على غيره؛ إذ لا إجماع إلا بكتاب أو سنة.
* أما كون الكتاب والسنة أصلًا يُرجع إليه؛ فأدلته كثيرة؛
стр. 779
منها:
- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
- وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢].
- وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
- قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
ومن أنكر أن تكون السنة أصلًا في الدليل؛ فقد أنكر أن يكون القرآن أصلًا.
ولا شك عندنا في أن من قال: إن السنة لا يرجع إليها في الأحكام الشرعية؛ أنَّه كافر مرتد عن الإسلام؛ لأنه مكذب ومنكر للقرآن، فالقرآن في غيرما موضع جعل السنة أصلًا يرجع إليه.
- وأما الدليل على أن الإجماع أصل؛ فيقال:
أولًا: هل الإجماع موجود أو غير موجود ؟
قال بعض العلماء: لا إجماع موجود؛ إلا على ما فيه نص، وحينئذ؛ يستغنى بالنص عن الإجماع.
فمثلًا؛ لو قال قائل: العلماء مجمعون على أن الصلوات المفروضة خمس؛ فهذا صحيح، لكن ثبوت فرضيتها بالنص.
стр. 780
ومجمعون على تحريم الزنى؛ فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص. ومجمعون على تحريم نكاح ذوات المحارم؛ فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص.
ولهذا قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع؛ فهو كاذب، وما يدريه؟ لعلهم اختلفوا (١).
* والمعروف عند عامة العلماء أن الإجماع موجود، وأن كونه دليلًا ثابت بالقرآن والسنة:
- فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]؛ فإن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾: يدل على أن ما أجمعنا عليه لا يجب رده إلى الكتاب والسنة؛ اكتفاء بالإجماع! وهذا الاستدلال فيه شيء!!
- ومن ذلك قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
- واستدلوا أيضًا بحديث: "لا تجتمع أمتي على
стр. 781
ضلالة" (١).
وهذا الحديث حسنه بعضهم وضعفه آخرون، لكن قد نقول: إن هذا، وإن كان ضعيف السند، لكن يشهد لمتنه ما سبق من النص القرآني.
فجمهور الأمة أن الإجماع دليل مستقل، وأننا إذا وجدنا مسألة فيها إجماع؛ أثبتناها بهذا الإجماع.
وكأن المؤلف ﵀ يريد من هذه الجملة إثبات أن إجماع أهل السنة حجة.
* * *
* قوله: "وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين".
* "الأصول الثلاثة": هي الكتاب والسنة والإجماع.
* يعني: أن أهل السنة والجماعة يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من قول أو عمل، باطن أو ظاهر، لا يعرفون
стр. 782
أنَّه حق؛ إلا إذا وزنوه بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن وجد له دليل منها؛ فهو حق، وإن كان على خلافه؛ فهو باطل.
* قوله: "والإجماع الَّذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة":
* يعني: أن الإجماع الَّذي يمكن ضبطه والإحاطة به هو ما كان عليه السلف الصالح، وهم القرون الثلاثة، الصحابة والتابعون وتابعوهم.
* ثم علل المؤلف ذلك بقوله: "إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة"؛ يعني: أنَّه كثر الاختلاف ككثرة الأهواء؛ لأن الناس تفرقوا طوائف، ولم يكونوا كلهم يريدون الحق، فاختلفت الآراء وتنوعت الأقوال.
* "وانتشرت الأمة": فصارت الإحاطة بهم من أصعب الأمور.
فشيخ الإسلام ﵀ كأنه يقول: من ادعى الإجماع بعد السلف الصالح، وهم القرون الثلاثة، فإنه لا يصح دعواه الإجماع، لأن الإجماع الَّذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، وهل يمكن أن يوجد إجماع بعد الخلاف؛ فنقول: لا إجماع مع وجود خلاف سابق ولا عبرة بخلاف بعد تحقق الإجماع.
* * *
стр. 783
فصل في منهج أهل السنة والجماعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الخصال
* قوله رحمه الله تعالى: "ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر":
* "هم"؛ أي: أهل السنة والجماعة.
* "مع هذه الأصول": السابقة التي ذكرها قبل هذا، وهو اتباع آثار الرسول ﵊ واتباع الخلفاء الراشدين وإيثارهم كلام الله وكلام رسوله على غيره واتباع إجماع المسلمين؛ مع هذه الأصول:
* "يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر":
و"المعروف": كل ما أمر به الشرع؛ فهم يأمرون به.
و"المنكر": كل ما نهى عنه الشرع؛ فهم ينهون عنه.
стр. 784
لأن هذا هو ما أمر الله به في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وكذلك قال النبي ﵊: "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا" (١).
فهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يتأخرون عن ذلك.
* ولكن يشترط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكونا على ما توجبه الشريعة وتقتضيه.
* ولذلك شروط:
الشرط الأول: أن يكون عالمًا بحكم الشرع فيما يأمر به أو ينهى عنه؛ فلا يأمر إلا بما علم أن الشرع أمر به، ولا ينهى إلا عما علم أن الشرع نهى عنه، ولا يعتمد في ذلك على ذوق ولا عادة.
لقوله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
стр. 785
أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
- فلو رأى شخصًا يفعل شيئًا الأصل فيه الحل؛ فإنه لا يحل له أن ينهاه عنه حتَّى يعلم أنَّه حرام أو منهي عنه.
- ولو رأى شخصًا ترك شيئًا يظنه الرائي عبادة؛ فإنه لا يحل له أن يأمره بالتعبد به حتَّى يعلم أن الشرع أمر به.
الشرط الثاني: أن يعلم بحال المأمور: هل هو ممن يوجه إليه الأمر أو النهي أم لا؟ فلو رأى شخصًا يشك هل هو مكلف أم لا؛ لم يأمره بما لا يؤمر به مثله حتَّى يستفصل.
الشرط الثالث: أن يكون عالمًا بحال المأمور حال تكليفه؛ هل قام بالفعل أم لا؟
- فلو رأى شخصًا دخل المسجد ثم جلس، وشك هل صلى ركعتين؛ فلا ينكر عليه، ولا يأمره بهما، حتَّى يستفصل.
ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل، فجلس، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
стр. 786
"أصليت؟ ". قال: لا. قال: "قم فصل ركعتين وتجوز فيهما" (١).
- ولقد نقل لي أن بعض الناس يقول: يحرم أن يسجل القرآن بأشرطة؛ لأن ذلك إهانة للقرآن على زعمه!! فينهى الناس أن يسجلوا القرآن على هذه الأشرطة؛ لظنه أنَّه منكر!!
فنقول له: إن المنكر أن تنهاهم عن شيء لم تعلم أنَّه منكر!! فلا بد أن تعلم أن هذا منكر في دين الله.
وهذا في غير العبادات، أما العبادات؛ فإننا لو رأينا رجلًا يتعبد بعبادة؛ لم يعلم أنها مما أمر الله به؛ فإننا ننهاه؛ لأن الأصل في العبادات المنع.
الشرط الرابع: أن يكون قادرًا على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا ضرر يلحقه؛ فإن لحقه ضرر؛ لم يجب عليه، لكن إن صبر وقام به؛ فهو أفضل؛ لأن جميع الواجبات مشروطة بالقدرة والاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فإذا خاف إذا أمر شخصًا بمعروف أن يقتله؛ فإنه لا يلزمه أن يأمره؛ لأنه لا يستطيع ذلك، بل قد يحرم عليه حينئذ. وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الأمر والصبر، وإن تضرر بذلك، ما لم
стр. 787
يصل إلى حد القتل. لكن القول الأول أولى؛ لأن هذا الآمر إذا لحقه الضرر بحبس ونحوه؛ فإن غيره قد يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفًا مما حصل، حتَّى في حال لا يخشى منها ذلك الضرر.
وهذا ما لم يصل الأمر إلى حد يكون الأمر بالمعروف من جنس الجهاد؛ كما لو أمر بسنة ونهى عن بدعة، ولو سكت؛ لاستطال أهل البدعة على أهل السنة؛ ففي هذه الحال يجب إظهار السنة وبيان البدعة؛ لأنه من الجهاد في سبيل الله، ولا يعذر من تعين عليه بالخوف على نفسه.
الشرط الخامس: أن لا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة أعظم من السكوت؛ فإن ترتب عليها ذلك؛ فإنه لا يلزمه، بل لا يجوز له أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر.
ولهذا قال العلماء: إن إنكار المنكر ينتج منه إحدى أحوال أربعة: إما أن يزول المنكر، أو يتحول إلى أخف منه، أو إلى مثله، أو إلى أعظم منه.
- أما الحالة الأولى والثانية؛ فالإنكار واجب.
- وأما في الثالثة؛ فهي في محل نظر.
- وأما في الرابعة، فلا يجوز الإنكار؛ لأن المقصود بإنكار المنكر إزالته أو تخفيفه.
مثال ذلك: إذا أراد أن يأمر شخصًا بفعل إحسان، لكن
стр. 788
يستلزم فعل هذا الإحسان ألا يصلي مع الجماعة؛ فهنا لا يجوز الأمر بهذا المعروف؛ لأنه يؤدي إلى ترك واجب من أجل فعل مستحب.
وكذلك في المنكر لو كان إذا نهى عن هذا المنكر؛ تحول الفاعل له إلى فعل منكر أعظم؛ فإنه في هذه الحال لا يجوز أن ينهى عن هذا المنكر دفعًا لأعلى المفسدتين بأدناهما.
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ فإن سب آلهة المشركين؛ لا شك أنَّه أمر مطلوب، لكن لما كان يترتب عليه أمر محظور أعظم من المصلحة التي تكون بسب آلهة المشركين، وهو سبهم لله تعالى عدوًا بغير علم؛ نهى الله عن سب آلهة المشركين في هذه الحال.
ولو وجدنا رجلًا يشرب الخمر، وشرب الخمر منكر، فلو نهيناه عن شربه؛ لذهب يسرق أموال الناس ويستحل أعراضهم؛ فهنا لا ننهاه عن شرب الخمر؛ لأنه يترتب عليه مفسدة أعظم.
الشرط السادس: أن يكون هذا الآمر أو الناهي قائمًا بما يأمر به منتهيًا عما ينهى عنه، وهذا على رأي بعض العلماء، فإن كان غير قائم بذلك؛ فإنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؛ لأن الله تعالى قال لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]؛ فإذا كان هذا الرجل لا يصلي؛ فلا يأمر غيره بالصلاة، وإن كان يشرب الخمر؛ فلا
стр. 789
ينهى غيره عنها، ولهذا قال الشاعر:
لا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ
فهم استدلوا بالأثر والنظر.
ولكن الجمهور على خلاف ذلك، وقالوا: يجب أن يأمر بالمعروف، وإن كان لا يأتيه، وينهى عن المنكر، وإن كان يأتيه، وإنما وبخ الله تعالى بني إسرائيل، لا على أمرهم بالبر، ولكن على جمعهم بين الأمر بالبر ونسيان النفس.
وهذا القول هو الصحيح؛ فنقول: أنت الآن مأمور بأمرين: الأول: فعل البر، والثاني: الأمر بالبر. منهي عن أمرين: الأول: فعل المنكر، والثاني: ترك النهي عن فعله. فلا تجمع بين ترك المأمورين وفعل المنهيين، فإن ترك أحدهما لا يستلزم سقوط الآخر.
فهذه ستة شروط؛ منها أربعة للجواز، وهن الأول والثاني والثالث والخامس، على تفصيل فيه، واثنان للوجوب، وهما الرابع والسادس؛ على خلاف فيهن.
* ولا يشترط أن لا يكون من أصول الآمر أو الناهي كأبيه أو أمه أو جده أو جدته، بل ربما نقول: إن هذا يتأكد أكثر؛ لأن من بر الوالدين أن ينهاهما عن فعل المعاصي ويأمرهما بفعل الطاعات.
стр. 790
قد يقول: أنا إذا نهيت أبي؛ غضب علي، وزعل، وهجرني؛ فماذا أصنع؟
نقول: اصبر على هذا الَّذي ينالك بغضب أبيك وهجره، والعاقبة للمتقين، واتبع ملة أبيك إبراهيم ﵇؛ حيث عاتب أباه على الشرك؛ فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ...﴾ إلى أن قال: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ﴾ أي: أبوه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٦]. وقال إبراهيم أيضًا لأبيه آزر: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
* * *
* قوله: "ويرون إقامة الحج، والجهاد، والجمع، والأعياد؛ مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فجارًا ".
* الأبرار: جمع بَر، وهو كثير الطاعة، والفجار: جمع فاجر وهو العاصي كثير المعصية.
* فأهل السنة ﵏ يخالفون أهل البدع تمامًا؛ فيرون إقامة الحج مع الأمير، وإن كان من أفسق عباد الله.
* وكان الناس فيما سبق يجعلون على الحج أميرًا؛ كما جعل النبي ﷺ أبا بكر أميرًا على الحج في العام التاسع من الهجرة، وما
стр. 791
زال الناس على ذلك، يجعلون للحج أميرًا قائدًا يدفعون بدفعه ويقفون بوقوفه، وهذا هو المشروع؛ لأن المسلمين يحتاجون إلى إمام يقتدون به، أما كون كل إنسان على رأسه؛ فإنه يحصل به فوضى واختلاف.
فهم يرون إقامة الحج مع الأمراء، وإن كانوا فساقًا، حتَّى وإن كانوا يشربون الخمر في الحج، لا يقولون: هذا إمام فاجر، لا نقبل إمامته؛ لأنهم يرون أن طاعة ولي الأمر واجبة، وإن كان فاسقًا، بشرط أن لا يخرجه فسقه إلى الكفر البواح الَّذي عندنا فيه من الله برهان؛ فهذا لا طاعة له، ويجب أن يزال عن تولي أمور المسلمين، لكن الفجور الَّذي دون الفسق مهما بلغ؛ فإن الولاية لا تزول به، بل هي ثابتة، والطاعة لولي الأمر واجبة في غير المعصية:
- خلافًا للخوارج، الذين يرون أنَّه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصيًا، لأن من قاعدتهم: أن الكبيرة تخرج من الملة.
- وخلافًا للرافضة الذين يقولون: إنه لا إمام إلا المعصوم، وإن الأمة الإسلامية منذ غاب من يزعمون أنَّه الإمام المنتظر، ليست على إمام، ولا تبعًا لإمام، بل هي تموت ميتة جاهلية من ذلك الوقت إلى اليوم، ويقولون: إنه لا إمام إلا الإمام المعصوم، ولا حج ولا جهاد مع أي أمير كان؛ لأن الإمام لم يأت بعد.
* لكن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن نرى إقامة الحج مع الأمراء سواء كانوا أبرارًا أو فجارًا، وكذلك إقامة الجهاد مع
стр. 792
الأمير، ولو كان فاسقًا، ويقيمون الجهاد مع أمير لا يصلي معهم الجماعة، بل يصلي في رحله.
فأهل السنة والجماعة لديهم بعد نظر؛ لأن المخالفات في هذه الأمور معصية لله ورسوله، وتجر إلى فتن عظيمة.
فما الَّذي فتح باب الفتن والقتال بين المسلمين والاختلاف في الآراء إلا الخروج على الأئمة؟!
فيرى أهل السنة والجماعة وجوب إقامة الحج والجهاد مع الأمراء، وإن كانوا فجارًا.
* ولكن هذا لا يعني أن أهل السنة والجماعة لا يرون أن فعل الأمير منكر، بل يرون أنَّه منكر، وأن فعل الأمير للمنكر قد يكون أشد من فعل عامة الناس؛ لأن فعل الأمير للمنكر يلزم منه زيادة على إثمه محذوران عظيمان:
الأول: اقتداء الناس به وتهاونهم بهذا المنكر.
والثاني: أن الأمير إذا فعل المنكر سيقل في نفسه تغييره على الرعية أو تغيير مثله أو مقاربه.
* لكن أهل السنة والجماعة يقولون: حتَّى مع هذا الأمر المستلزم لهذين المحذورين أو لغيرهما؛ فإنه يجب علينا طاعة ولاة الأمور، وإن كانوا عصاة؛ فنقيم معهم الحج والجهاد، وكذلك الجمع؛ نقيمها مع الأمراء، ولو كانوا فجارًا.
فالأمير إذا كان يشرب الخمر مثلًا، ويظلم الناس بأموالهم؛
стр. 793
نصلي خلفه الجمعة، وتصح الصلاة، حتَّى إن أهل السنة والجماعة يرون صحة الجمعة خلف الأمير المبتدع إذا لم تصل بدعته إلى الكفر؛ لأنهم يرون أن الاختلاف عليه في مثل هذه الأمور شر، ولكن لا يليق بالأمير الَّذي له إمامة الجمعة أن يفعل هذه المنكرات.
وكذلك أيضًا إقامة الأعياد مع الأمراء الذين يصلون بهم، أبرارًا كانوا أو فجارًا.
* وبهذه الطريق الهادئة يتبين أن الدين الإسلامي وسط بين الغالي فيه والجافي عنه.
* فقد يقول قائل: كيف نصلي خلف هؤلاء ونتابعهم في الحج والجهاد والجمع والأعياد؟!
فنقول: لأنهم أئمتنا، ندين لهم بالسمع والطاعة:
امتثالًا لأمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
ولأمر النبي ﷺ بقوله: "إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟! قال: "أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم". رواه مسلم (١). وحقهم: طاعتهم في غير معصية الله.
стр. 794
فعن وائل بن حجر؛ قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا؛ فما تأمرنا؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم". رواه مسلم (١).
وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان" (٢).
ولأننا لو تخلفنا عن متابعتهم؛ لشققنا عصا الطاعة الَّذي يترتب على شقه أمور عظيمة، ومصائب جسيمة.
* والأمور التي فيها تأويل واختلاف بين العلماء إذا ارتكبها ولاة الأمور؛ لا يحل لنا منابذتهم ومخالفتهم، لكن يجب علينا مناصحتهم بقدر المستطاع فيما خالفوا فيه؛ مما لا يسوغ فيه الاجتهاد، وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فنبحث معهم فيه بحث تقدير واحترام؛ لنبين لهم الحق، لا على سبيل الانتقاد لهم والانتصار للنفس، وأما منابذتهم وعدم طاعتهم؛ فليس من طريق أهل السنة والجماعة.
* * *
стр. 795
* قوله: "ويحافظون على الجماعات".
* أي: يحافظ أهل السنة والجماعة على الجماعات؛ أي: على إقامة الجماعة في الصلوات الخمس؛ يحافظون عليها محافظة تامة؛ بحيث إذا سمعوا النداء؛ أجابوا وصلوا مع المسلمين؛ فمن لم يحافظ على الصلوات الخمس؛ فقد فاته من صفات أهل السنة والجماعة ما فاته من هذه الجماعات.
* وربما يدخل في الجماعات الاجتماع على الرأي وعدم النزاع فيه، فإن هذا ما أوصى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى حين بعثهما إلى اليمن، فقال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا". رواه البخاري (١).
* * *
* قوله: "ويدينون بالنصيحة للأمة":
* "يدينون"، أي: يتعبدون لله بالنصيحة للأمة، ويعتقدون ذلك دينًا.
* و النصح للأمة قد يكون الحامل عليه غير التعبد لله، فقد يكون الحامل عليه الغيرة، وقد يكون الحامل عليه الخوف من العقوبات، وقد يكون الحامل عليه أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة
стр. 796
التي يريد بها نفع المسلمين ... إلى غير ذلك من الأسباب.
* لكن هؤلاء ينصحون للأمة طاعة لله تعالى وتدينًا له؛ لقول الرسول ﵊ في حديث تميم بن أوس الداري: "الدين النصيحة، الدين النصيحة". قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١).
- فالنصيحة لله صدق الطلب في الوصول إليه.
- والنصيحة للرسول ﵊ صدق الاتباع له، ويستلزم ذلك الذود عن دين الله ، الَّذي جاء به رسوله ﷺ ، ولهذا قال: "ولكتابه".
- فينصح للقرآن ببيان أنَّه كلام الله، وأنه منزل غير مخلوق، وأنه يجب تصديق خبره وامتثال أحكامه، وهو كذلك يعتقده في نفسه.
- وأئمة المسلمين كل من ولاه الله أمرًا من أمور المسلمين؛ فهو إمام في ذلك الأمر؛ فهناك إمام عام كرئيس الدولة، وهناك إمام خاص؛ كالأمير والوزير والمدير والرئيس وأئمة المساجد وغيرهم.
- وعامتهم؛ يعني: عامة المسلمين، وهم التابعون للأئمة.
стр. 797
- ومن أعظم أئمة المسلمين العلماء، والنصيحة لعلماء المسلمين هي نشر محاسنهم، والكف عن مساوئهم، والحرص على إصابتهم الصواب؛ بحيث يرشدهم إذا أخطؤوا، ويبين لهم الخطأ على وجه لا يخدش كرامتهم، ولا يحط من قدرهم؛ لأن تخطئة العلماء على وجه يحط من قدرهم ضرر على عموم الإسلام؛ لأن العامة إذا رأوا العلماء يضلل بعضهم بعضًا، سقطوا من أعينهم، وقالوا: كل هؤلاء راد ومردود عليه، فلا ندري من الصواب معه! فلا يأخذون بقول أي واحد منهم، لكن إذا احترم العلماء بعضهم بعضًا، وصار كل واحد يرشد أخاه سرًّا إذا أخطأ، ويعلن للناس القول الصحيح؛ فإن هذا من أعظم النصيحة لعلماء المسلمين.
* وقول المؤلف: "للأمة": يشمل الأئمة والعامة؛ فأهل السنة والجماعة يدينون بالنصيحة للأمة؛ أئمتهم وعامتهم.
وكان مما يبايع الرسول ﵊ أصحابه: "والنصح لكل مسلم" (١).
* فإذا قال قائل: ما هو ميزان النصيحة للأمة؟
فالميزان هو ما أشار إليه النبي ﵊؛ بقوله: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٢)، فإذا عاملت
стр. 798
الناس هذه المعاملة؛ فهذا هو تمام النصيحة.
فقبل أن تعامل صاحبك بنوع من المعاملة فكر؛ هل ترضى أن يعاملك شخص بها؟ فإن كنت لا ترضى؛ فلا تعامله!!
* * *
* قوله: "ويعتقدون معنى قوله ﷺ : " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا"، وشبك بين أصابعه (١) ".
* شبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المؤمن لأخيه المؤمن بالبنيان الَّذي يشد بعضه بعضًا، حتَّى يكون بناء محكمًا متماسكًا يشد بعضه بعضًا، ويقوى به، ثم قرب هذا وأكده، فشبك بين أصابعه.
فالأصابع المتفرقة فيها ضعف؛ فإذا اشتبكت؛ قوَّى بعضها بعضًا؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا؛ فالبنيان يمسك بعضه بعضًا، كذلك المؤمن مع أخيه إذا صار في أخيه نقص؛ فإن هذا يكمله؛ فهو مرآة أخيه إذا وجد فيه النقص؛ كمله إذا احتاج أخوه؛ ساعده، إذا مرض أخوه؛ عاده ... وهكذا في كل الأحوال.
* فأهل السنة والجماعة يعتقدون هذا المعنى ويطبقونه عملًا.
стр. 799
* قوله: "وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (١) ".
* "قوله" هنا معطوف على "قوله" في الحديث السابق.
* "مثل المؤمنين في توادهم"؛ أي: مودة بعضهم بعضًا.
* "وتراحمهم": رحمة بعضهم بعضًا.
* "وتعاطفهم": عطف بعضهم على بعض.
* "كالجسد الواحد"؛ أي: أنهم يشتركون في الآمال والآلام، فيرحم بعضهم بعضًا، فإذا احتاج؛ أزال حاجته، ويعطف بعضهم على بعض باللين والرفق وغير ذلك ... ويود بعضهم بعضًا، حتَّى إن الواحد منهم إذا رأى في قلبه بغضاء لأحد من إخوانه المسلمين؛ حاول أن يزيله وأن يذكر من محاسنه ما يوجب زوال هذه البغضاء.
فالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، ولو من أصغر الأعضاء؛ تداعى له سائر الجسد؛ فإذا أوجعك أصبعك الخنصر الَّذي هو من أصغر الأعضاء؛ فإن الجسد كله يتألم ... إذا أوجعتك الأذن؛ تألم الجسد كله ... وإذا أوجعتك العين؛ تألم الجسد كله ... وغير ذلك؛
стр. 800
فهذا المثل الَّذي ضربه النبي ﵊ مثل مصور للمعنى ومقرب له غاية التقريب.
* * *
* قوله: "ويأمرون ب الصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء، والرضى بمر القضاء":
* "يأمرون": قد يقال: إن هذه الكلمة تشمل أمر نفوسهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، فهم يأمرون حتَّى أنفسهم.
* "بالصبر عند البلاء": الصبر: هو تحمل البلاء، وحبس النفس عن التسخط بالقلب أو اللسان أو الجوارح.
والبلاء: المصيبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦].
فالصبر يكون عند البلاء، وأفضله وأعلاه الصبر عند الصدمة الأولى، وهذا عنوان الصبر الحقيقي، كما قاله النبي ﷺ للمرأة التي مر بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: "اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (١)، أما بعد أن تبرد
стр. 801
الصدمة؛ فإن الصبر يكون سهلًا، ولا ينال به كمال الصبر.
* فأهل السنة والجماعة يأمرون بالصبر عند البلاء، وما من إنسان؛ إلا يبتلى إما في نفسه وإما في أهله، وإما في ماله، وإما في صحبه، وإما في بلده، وإما في المسلمين عامة. ويكون ذلك إما في الدنيا وإما في الدين، والمصيبة في الدين أعظم بكثير من المصيبة في الدنيا.
* فأهل السنة والجماعة يأمرون بالصبر عند البلاء في الأمرين:
- فأما الصبر على بلاء الدنيا؛ فأن يتحمل المصيبة كما سبق.
- وأما الصبر على بلاء الدين، فأن يثبت على دينه، ولا يتزعزع عنه، ولا يكن كمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
* "ويأمرون"؛ أي: أهل السنة والجماعة.
* " الشكر عند الرخاء ": الرخاء: سعة في العيش، والأمن في الوطن، فيأمرون عند ذلك بالشكر.
* وأيهما أشق: الصبر على البلاء، أو الشكر عند الرخاء؟
اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الصبر على البلاء أشق، وقال آخرون: الشكر عند الرخاء أشق.
стр. 802
والصواب أن لكل واحد آفته ومشقته؛ لأن الله قال: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩، ١٠].
لكن كل منهما قد يهونه بعض التفكير: فالمصاب إذا فكر وقال: إن جزعي لا يرد المصيبة ولا يرفعها؛ فإما أن أصبر صبر الكرام، وإما أن أسلو سلو البهائم، فإن عليه الصبر، وكذلك الَّذي في رخاء ورغد.
* لكن أهل السنة والجماعة يأمرون بهذا وهذا؛ بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء.
* "ويأمرون"؛ أي: أهل السنة والجماعة.
* "ب الرضى بمر القضاء ": الرضى أعلى من الصبر. ومر القضاء: هو ما لا يلائم طبيعة الإنسان، ولهذا عبر عنه بـ "المر".
* فإذا قضى الله قضاء لا يلائم طبيعة البشر، وتأذى به؛ سمي ذلك مر القضاء؛ فهو ليس لذيذًا ولا حلوًا، بل هو مر؛ فهم يأمرون بالرضى بمر القضاء.
* واعلم أن مر القضاء لنا فيه نظران:
النظر الأول: باعتباره فعلًا واقعًا من الله.
والنظر الثاني: باعتباره مفعولًا له.
فباعتبار كونه فعلًا من الله يجب علينا أن نرضى به، وألا
стр. 803
نعترض على ربنا به؛ لأن هذا من تمام الرضى بالله ربًّا.
وأما باعتباره مفعولًا له؛ فهذا يسن الرضى به، ويجب الصبر عليه.
* فالمرض باعتبار كون الله قدره الوضى به واجب، وباعتبار المرض نفسه يسن الرضى به، وأما الصبر عليه؛ فهو واجب، والشكر عليه مستحب.
* ولهذا نقول: المصابون لهم تجاه المصائب أربعة مقامات: المقام الأول: السخط، والثاني: الصبر، والثالث: الرضى، والرابع: الشكر.
فأما السخط؛ فحرام، بل هو من كبائر الذنوب؛ مثل أن يلطم خده، أو ينتف شعره، أو يشق ثوبه، أو يقول: وا ثبوراه! أو يدعو على نفسه بالهلاك وغير ذلك مما يدل على السخط؛ قال النبي ﷺ : "ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعا بدعوى الجاهلية" (١).
الثاني: الصبر: بأن يحبس نفسه قلبًا ولسانًا وجوارح عن التسخط؛ فهذا واجب.
الثالث: الرضى: والفرق بينه وبين الصبر: أن الصابر يتجرع المر، لكن لا يستطيع أن يتسخط؛ إلا أن هذا الشيء في نفسه
стр. 804
صب ومر، ويتمثل بقول الشاعر:
وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذاقَتُهُ ... لَكِنْ عَواقِبُهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ
لكن الراضي لا يذوق هذا مرًّا، بل هو مطمئن، وكأن هذا الشيء الَّذي أصابه لا شيء.
وجمهور العلماء على أن الرضى بالمَقْضِي مستحب.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
الرابع: الشكر: وهو أن يقول بلسانه وحاله:
"الحمد لله"، ويرى أن هذه المصيبة نعمة.
* لكن؛ هذا المقام؛ قد يقول قائل: كيف يكون؟!
فنقول: يكون لمن وفقه الله تعالى:
فأولًا: لأنه إذا علم أن هذه المصيبة كفارة للذنب، وأن العقوبة على الذنب في الدنيا أهون من تأخير العقوبة في الآخرة؛ صارت هذه المصيبة عنده نعمة يشكر الله عليها.
وثانيًا: أن هذه المصيبة إذا صبر عليها؛ أثيب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
فيشكر الله على هذه المصيبة الموجبة للأجر.
وثالثًا: أن الصبر من المقامات العالية عند أرباب السلوك، لا
стр. 805
ينال إلا بوجود أسبابه، فيشكر الله على نيل هذا المقام.
* ويُذْكَر أن بعض العابدات أصيبت في أصبعها، فشكرت الله، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
* فأهل السنة والجماعة ﵏ يأمرون بالصبر على البلاء والشكر عند الرخاء والرضى بمر القضاء.
تتمة:
القضاء يطلق على معنيين:
أحدهما: حكم الله تعالى الَّذي هو قضاؤه ووصفه؛ فهذا يجب الرضى به بكل حال، سواء كان قضاء دينيًّا أم قضاء كونيًّا، لأنه حكم الله تعالى، ومن تمام الرضى بربوبيته.
- فمثال القضاء الديني قضاؤه بالوجوب والتحريم والحل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
- ومثال القضاء الكوني: قضاؤه بالرخاء والشدة والغنى والفقر والصلاح والفساد والحياة والموت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: ١٤]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤].
المعنى الثاني: المقضي، وهو نوعان:
الأول: المقضي شرعًا، فيجب الرضى به وقبوله، فيفعل
стр. 806
المأمور به، ويترك المنهي عنه، ويتمتع بالحلال.
والنوع الثاني: المقضي كونًا:
- فإن كان من فعل الله؛ كالفقر والمرض والجدب والهلاك ونحو ذلك؛ فقد تقدم أن الرضى به سنة، لا واجب، على القول الصحيح.
- وإن كان من فعل العبد؛ جرت فيه الأحكام الخمسة؛ فالرضى بالواجب واجب، وبالمندوب مندوب، وبالمباح مباح، وبالمكروه مكروه، وبالحرام حرام.
* * *
* قوله: "ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال":
* "مكارم الأخلاق"؛ أي: أطايبها، والكريم من كل شيء هو الطيب منه بحسب ذلك الشيء منه قول الرسول ﷺ لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم" (١)؛ حين أمره بأخذ الزكاة من أهل اليمن.
* والأخلاق: جمع خلق، وهو الصورة الباطنة في الإنسان؛ يعني: السجايا والطبائع؛ فهم يدعون إلى أن يكون الإنسان سريرته كريمة؛ فيحب الكرم والشجاعة والتحمل من الناس والصبر، وأن يلاقي الناس بوجه طلق وصدر منشرح ونفس مطمئنة؛ كل هذه من مكارم الأخلاق.
стр. 807
* وأما "محاسن الأعمال"؛ فهي مما يتعلق بالجوارح، ويشمل الأعمال التعبدية والأعمال غير التعبدية؛ مثل البيع والشراء والإجارة؛ حيث يدعون الناس إلى الصدق والنصح في الأعمال كلها، وإلى تجنب الكذب والخيانة، وإذا كانوا يدعون الناس إلى ذلك؛ فهم بفعله أولى.
* قوله: "ويعتقدون معنى قوله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (١).
* هذا الحديث ينبغي أن يكون دائمًا نصب عيني المؤمن؛ فأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا مع الله ومع عباد الله.
- أما حسن الخلق مع الله؛ فأن تتلقى أوامره بالقبول والإذعان والانشراح وعدم الملل والضجر، وأن تتلقى أحكامه الكونية بالصبر والرضى وما أشبه ذلك.
- أما حسن الخلق مع الخَلْق؛ فقيل: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه.
بذل الندى؛ يعني: الكرم، وليس خاصًّا بالمال، بل بالمال والجاه والنفس، وكل هذا من بذل الندى.
وطلاقة الوجه ضده العبوس.
стр. 808
وكذلك كف الأذى بأن لا يؤذي أحدًا لا بالقول ولا بالفعل.
* * *
* قوله: "ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك":
* "يندبون"، أي: يدعون.
* "أن تصل من قطعك": من الأقارب ممن تجب صلتهم عليك، إذا قطعوك؛ فصلهم، لا تقل: من وصلني؛ وصلته! فإن هذا ليس بصلة؛ كما قال النبي ﵊: "ليس الواصل بالمكافئ، إنما الواصل من إذا قطعت رحمه؛ وصلها" (١)، فالواصل هو الَّذي إذا قطعت رحمه؛ وصلها.
وسأل النبي ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول الله! إن لي أقارب؛ أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي! فقال النبي ﷺ : "إن كنت كما قلت" فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك" (٢).
"تسفهم المل"، أي: كأنما تضع التراب أو الرماد الحار في أفواههم.
* فأهل السنة يندبون إلى أن تصل من قطعك، وأن تصل من وصلك بالأولى؛ لأن من وصلك وهو قريب، صار له حقان: حق
стр. 809
القرابة، وحق المكافأة؛ لقول النبي ﵊: "من صنع إليكم معروفًا؛ فكافئوه" (١).
* "وتعطي من حرمك"؛ أي: من منعك، ولا تقل: منعني؛ فلا أعطيه.
* "وتعفو عمن ظلمك"؛ أي: من انتقصك حقك: إما بالعدوان، وإما بعدم القيام بالواجب.
* والظلم يدور على أمرين: اعتداء وجحود: إما أن يعتدى عليك بالضرب وأخذ المال وهتك العرض، وإما أن يجحدك فيمنعك حقك.
وكمال الإنسان أن يعفو عمن ظلمه.
* ولكن العفو إنما يكون عند القدرة على الانتقام، فأنت تعفو مع قدرتك على الانتقام.
أولًا: رجاء لمغفرة الله ورحمته؛ فإن من عفا وأصلح؛ فأجره على الله.
ثانيًا: لإصلاح الود بينك وبين صاحبك؛ لأنك إذا قابلت إساءته بإساءة؛ استمرت الإساءة بينكما، وإذا قابلت إساءته بإحسان؛ عاد إلى الإحسان إليك، وخجل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
стр. 810
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
فالعفو عند المقدرة من سمات أهل السنة والجماعة، لكن بشرط أن يكون العفو إصلاحًا؛ فإن تضمن العفو إساءة؛ فإنهم لا يندبون إلى ذلك؛ لأن الله اشترط، فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠]؛ أي: كان في عفوه إصلاح، أما من كان في عفوه إساءة، أو كان سببًا للإساءة؛ فهنا نقول: لا تعف! مثل أن يعفو عن مجرم، ويكون عفوه هذا سببًا لاستمرار هذا المجرم في إجرامه؛ فترك العفو هنا أفضل، وربما يجب ترك العفو حينئذ.
* * *
* قوله: "ويأمرون ببر الوالدين": وذلك لعظم حقهما.
* ولم يجعل الله لأحد حقًّا يلي حقه وحق وسوله إلا للوالدين، فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وحق الرسول في ضمن الأمر بعبادة الله؛ لأنه لا تتحقق العبادة حتى يقوم بحق الرسول ﵊؛ بمحبته واتباع سبيله، ولهذا كان داخلًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وكيف يعبد الله إلا من طريق الرسول ﷺ ؟!
وإذا عبد الله على مقتضى شريعة الرسول؛ فقد أدى حقه.
ثم يلي ذلك حق الوالدين؛ فالوالدان تعبا على الولد، ولا سيما الأم، قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ