Полный текст (587 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
لم يبطل حكم الآذان قولا واحدا وكذلك أن كان بعد الشروع في الصلاة.
والثاني: لا يبطل وأن استمر على ردته وهو أصح قاله طائفة من أصحابنا لأنها عبادة قد انقضت فلم تبطل بالردة كسائر العبادات بخلاف الطهارة فإن حكمها باق ولأنه لا يبطل بعد فراغه شيء من المبطلات فلم تبطل بالردة كالصلاة وأولى وعكسه الطهارة وهذا لأن إحباط العمل لا يلزم منه بطلأنه كما تقدم في الطهارة.
فصل.
يستحب أن يفصل بين الآذان والإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين قال في رواية المروذي بين الآذانين جلسة في المغرب وحدها لأن في حديث الأنصاري الذي رأى الآذان رأيت رجلا كان عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها" رواه أحمد وأبو داود وفي رواية قال: "رأيت الذي أذن في المنام أذن المغرب وقعد بين الآذان والإقامة قعدة" رواه حرب وعن أبي بن كعب قال: قال
стр. 107
رسول الله ﷺ : "يا بلال اجعل بين إذانك وإقامتك نفسا يفرغ الأكل من أكل طعامه في مهل ويقضي المتوضىء حاجته في مهل" رواه عبد الله بن أحمد في المسند قال اسحق بن راهويه لا بد من القعدة في الصلوات كلها حتى في المغرب لما صح عن بلال حيث علمه النبي ﷺ الآذان فأمره أن ينتظر بين الآذان والإقامة قدر ما يستيقظ النائم وينتشر المنتشر للصلاة فأذن مثنى مثنى وأقام مرة مرة وقعد قعدة وعن مجاهد قال قال رسول الله ﷺ : "إذا أذن المؤذن فلا يقيم حتى يجلس".
وعن ابن عباس قال: "ينتظر المؤذن في الصلاة كلها بين الآذان والإقامة قدر ما يغتسل الرجل وفي المغرب قدر ما يتوضأ" رواه الشالنجي وإنما قدرها الإمام أحمد بركعتين لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلون بين الآذانين للمغرب ركعتين وقد قال ﷺ : "بين كل أذانين صلاة" ولأنه بالفصل يتأهب إلى الصلاة من ليس على أهبة ويصلي من يريد الصلاة ويدرك أكثر الجماعة حد الصلاة وهو تكبيرة الإحرام ويدركون التأمين
стр. 108
وذلك مقصود للشارع وفيه أجر عظيم جاءت به الأحاديث.
وأما القعود فليفصل بين الآذانين وليكون قائما إلى الإقامة قياما مبتدأ ولأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة يفصل بينهما بجلسة كالخطبتين وإنما خصت المغرب بذلك لضيق وقتها وكراهة تأخيرها.
فأما سائر الصلوات فالفصل بين الصلاتين يحصل بأسباب أخرى من الصلاة وغيرها.
فإن تأخرت الجماعة أكثر من قدر ركعتين استحب له انتظارهم ما لم يخف خروج الوقت قال مهنا سألت أحمد عن إمام أذن لصلاة المغرب فرأى أن ينتظر القوم إلى أن يتوضأ ما لم يخف فوت الوقت.
وعنه أنه إنما استحب انتظارهم بالقدر المتقدم قال في رواية حنبل ينبغي للمؤذن إذا أذن أن لا يعجل بالإقامة ويلبث حتى يأتيه أهل المسجد ويقضي المعتصر حاجته يجعل بين إذانه وإقامته نفسا وهذا أشبه بالروايتين.
وفيما إذا أسفر الجيران يغلس أو يسفر على روايتين.
ولو أذن ثم خرج من المسجد أو ذهب إلى منزله لحاجة مثل أن يتوضأ لم يكره وأن كان لغير حاجة كره لأن الخروج من المسجد بعد الآذان منهي عنه لغير المؤذن فالمؤذن أشد إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص على ذلك كله لأن وقت الصلاة لم يدخل ولا تجب
стр. 109
الأجابة إليها إلا بعد الوقت.
فصل.
الآذان من أفضل الأعمال فإنه ذكر الله على وجه الجهر ويفتح أبواب به السماء وتهرب منه الشياطين وتطمئن به القلوب وهو إظهار لشعار الإسلام وأعلام للناس بوقت الصلاة ودعاء إليها ومراعاة الشمس والقمر والظلال لذكر الله قال الإمام أحمد الآذان أحب إلي من الإمامة لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه والمؤذن يغفر له مد صوته وهذا اختيار أكثر أصحابنا.
وروي عنه أن الإمامة أفضل وهذا اختيار أبي عبد الله ابن حامد وأبي الفرج ابن الجوزي لأن الإمامة تولاها ﷺ هو بنفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون ووكلوا الآذان إلى غيرهم وكذلك ما زال يتولاها أفاضل المسلمين علما وعملا ولأن الإمامة يعتبر لها من صفات الكمال أكثر مما يعتبر للإذان ولأن الإمامة واجبة في كل جماعة والآذان إنما يجب مرة في المصر وقد روي عن داود بن أبي هند قال حدثت أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال مرني بعمل أعمله قال: "كن إمام قومك قال فإن لم أقدر قال:
стр. 110
فكن مؤذنهم" رواه سعيد.
والأول أصح لما تقدم من قوله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين" ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد لأن المغفرة نهاية الخير ولهذا أمر الله رسول الله ﷺ بالاستغفار بقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكان ذلك خصوصا خصه به دون سائر الأنبياء وندب قوام الليل إلى الاستغفار بالأسحار والرشد مبتدأ الخير فإنه من لم يرشد يكن غاويا والغاوي المتبع للشهوات المضيع للصلوات ولأن الآذان له خصائص لا توجد في الإمامة.
منها أنه يغفر له مد صوته.
وأنه يستغفر له كل رطب ويابس.
وأنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة وقد تقدم ذلك وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" متفق عليه وعن معاوية أن النبي ﷺ قال: "المؤذنون
стр. 111
أطول الناس أعناقا يوم القيامة" رواه أحمد ومسلم وعن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: "المؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه من يسمعه من رطب ويابس وله مثل اجر من صلى معه" رواه أحمد والنسائي وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار" وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه كل يوم ستون حسنة وفي كل إقامة ثلاثون حسنة" رواهما ابن ماجة ولم يجئ في فضل الإمامة مثل هذا ولأن الإمامة من باب الإمامة والولاية إذ هي الإمامة الصغرى ولذلك قال عثمان لابن عمر: "اقض بين الناس فاستعفاه وقال لا أقضي بين اثنين ولا أؤم رجلين" رواه أحمد وهي فتنة لما فيها من الشرف والرئاسة حتى ربما كان طلبها مثل طلب الولايات والإمارات الذي هو من إرادة العلو في الأرض وهذا مضر بالدين وقد روى كعب بن مالك عنه ﷺ أنه قال: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص
стр. 112
المرء على المال والشرف لدينه" قال الترمذي حديث حسن صحيح ولأنه يخاف على صاحبها انتفاخه بذلك واختياله وأن يفتن باشتهاره ولذلك صلى حذيفة بن اليمان مرة إماما ثم قال: "لتصلن وحدانا أو لتلتمسن لكم إماما غيري فإني لما أممتكم خيل إلي أنه ليس فيكم مثلي" وقيل لمحمد بن سيرين في بعض المرات إلا تؤم أصحابك فقال: "كرهت أن يتفرقوا فيقولوا أمنا محمد بن سيرين" ولأن الإمام يتحمل صلاة المأمومين الذي دل عليه حديث الضمان والآذان سليم من هذه المخاوف كلها بل ربما زهد الشيطان فيه وثبط عنه حتى يفوض إلى أطراف الناس ولذلك قال عمر ﵁ لبعض العرب من يؤذن لكم قالوا عبيدنا قال ذلك شر لكم وأما إمامته ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين ﵃ فمثل الإمارة والقضاء وذلك أن الولايات وأن كانت خطرة لكن إذا أقيم أمر الله فيها لم يعدلها شيء من الأعمال وإنما يهاب الدخول فيها أولا خشية أن لا يقام أمر الله فيها لكثرة نوائبها وخشية أن يفتن القلب بالولاية لما فيها من الشرف والعز ويكره طلبها لأنه من حب الشرف وإرادة العلو في الأرض يكون في الغالب ولأنه تعرض للمحنة والبلوى فإذا ابتلي المرء بها صار القيام بها فرضا عليه وكذلك إذا تعينت عليه فإمامته وإمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينة عليهم فإنها
стр. 113
وظيفة الإمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينها وبين الآذان فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الآذان لخصوص أحوالهم وأن كان لأكثر الناس الآذان أفضل ولهذا قال عمر ﵁: "لولا الخليفي لأذنت" رواه سعيد وهذا كالإمارة نفسها وكما أن مقامهم بالمدينة لكونها دار هجرتهم كان أفضل من مقامهم بمكة بل كان يحرم عليهم استيطان مكة وهذا الوصف مفقود في غيرهم وكذلك صوم يوم وفطر يوم هو أفضل الصيام وكان النبي ﷺ يصوم غيره لأنه كان يضعفه عما هو أفضل منه فصار قلة الصوم في حقه أفضل ونظائر هذا كثيرة نعم نظير هذا أن يكون في القوم رجل لا يصلح للإمامة إلا هو وهو أحقهم بالإمامة ومن يصلح للإذان كثير فتكون إمامته بهم إذا قصد وجه الله بها وإقامته هذا الفرض واتقى الله فيها أفضل لما ذكرناه وعلى هذا يحمل حديث داود بن أبي هند وقد روى عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة عبد أدى حق الله وحق مواليه ورجل أم قوما وهم به راضون ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة" رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب".
стр. 114
فصل.
وإذا تشاح نفسان في الآذان قدم أكملهما في الخصال المطلوبة في المؤذن وهي الصوت والأمانة والعلم بالأوقات بأن يكون أندى صوتا أو أعلم بالأوقات ويقدم أكملهما في عقله ودينه لما تقدم فإن استويا في ذلك قدم أعمرهما للمسجد وأكثرهما مراعاة له وأقدمهما تأذينا فيه.
ولا يقدم أحدهما بكون أبيه كان هو المؤذن فإن استويا في ذلك قدم من يرتضيه الجيران أو أكثرهم فإن انقسموا طائفتين متساويتين أو لم يختاروا أحدهما أو لم يكن للمسجد جيران اقرع بينهما لقوله: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" ولأن الناس تشاحوا في الآذان بالقادسية فاقرع بينهم سعد بن أبي وقاص ﵁ ذكره الإمام أحمد وغيره.
والأول أصح لأن ذلك اقرب لرضاهم وانتظام أمرهم ولذلك اعتبر ذلك في الإمامة.
стр. 115
فصل.
قال القاضي يستحب الاقتصار على مؤذنين وأن اقتصر على واحد أجزاه إقتداء بالنبي ﷺ فإنه كان له مؤذنان بلال وابن أم مكتوم وكذلك قال الآمدي يستحب أن لا ينقص في مسجد الجماعة عن اثنين لدعوى الحاجة إليهما كالواحد في غير مسجد الجماعة ومعنى هذا أنه يرتب للمسجد مؤذنان أن غاب أحدهما: حضر الآخر وأما تأذين واحد بعد واحد فعلى ما ذكره القاضي يستحب وعلى ما ذكره غيره لا يستحب ذلك إلا في الفجر.
قال القاضي ولا يستحب أن يزيد على أربعة يعني أن ترتيب الأربعة ورزقهم جائز من غير كراهة بخلاف الزيادة على الأربعة وكذلك قال الآمدي لا يرزق أكثر من أربعة لأن عثمان ﵁ اتخذ أربعة من المؤذنين ولأنه إذا زاد على أربعة فأذن واحد بعد واحد فات فضيلة أول الوقت فلا يزاد على الإثنين إلا لحاجة.
وإذا احتيج إلى أكثر من أربعة كانت الزيادة مشروعة وهذا ظاهر المذهب ذكر أبو بكر عن أحمد أنه قال في رواية أحمد بن سعيد ويقيم الإمام من المؤذنين ما أراد ويرزقهم من الفيء.
стр. 116
فصل.
وإذا أذن جماعة فالأفضل أن يؤذن واحد بعد واحد أن كان المسجد صغيرا والإبلاغ يحصل بذلك لأن مؤذني رسول الله ﷺ كان يؤذن أحدهما: بعد الآخر.
فان أذنوا جميعا من غير حاجة فقال الآمدي يكره وذلك لما فيه من اختلاط الأصوات على المستمع حتى لا يفهم ما يقولون مع ما فيه من مخالفة السنة وأن كان المسجد كبيرا لا يحصل التبليغ بآذان الواحد والمقصود إسماع أماكن لا يبلغهم صوت الواحد فلا بأس بآذانهم جميعا نص عليه وقال إذا أذن في المنارة عدة فلا بأس لأن المقصود بالآذان الإبلاغ وذلك يحصل باجتماع الأصوات ما لا يحصل بتفريقها.
وإن أذنوا في وقت واحد متفرقين فإن كان كل واحد يستمع آذانه أهل ناحية بأن يؤذن أحدهما في طرف والآخر في طرف بعيد منه فهو حسن.
وإن أدنوا في مكان واحد فهذا أولى بالكراهة من آذانهم جميعا في المكان الصغير لما فيه من اختلاط الأصوات قال بعض أصحابنا: وأن خافوا من تأذين واحد بعد واحد فوات أول الوقت أذنوا دفعة واحدة.
ولا يؤذن قبل تأذين المؤذن الراتب إلا أن يغيب ويخاف فوت وقت التأذين فأما مع حضوره فلا.
стр. 117
باب شروط الصلاة
الشرط الأول: الطهارة
مسألة: (وهي ستة).
شرائط الصلاة ما يجب لها قبلها ويستمر حكمه إلى انقضائها وكذلك كل متقدم على الشيء يسمى شرطا كشروط الطلاق ومنه أشراط الساعة.
وقد ذكر الشيخ ﵀ أنها ستة يعني شرائط المكتوبات وهي الطهارتان والاستقبال والوقت والنية.
وبعض أصحابنا يضم إلى ذلك الموضع لأن الصلاة لا تصح إلا في موضع مستقر ولأن الأماكن المنهي عن الصلاة فيها لا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب مع طهارتها ولعل الشيخ ترك ذلك لأن المكان غير المستقر في الغالب يمنع تكميل الصلاة فتكون العلة نقص الأركان وكذلك الأماكن المنهي عنها معللة عنده بكونها مظنة النجاسة فيدخل في قسم الطهارة.
стр. 118
مسألة: (أحدهما: الطهارة من الحدث لقول رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن احدث حتى يتوضأ").
وقد مضى ذكرها.
أما الطهارة من الحدث فهي شرط لجميع الصلوات فرضها ونفلها ولما يجري مجرى الصلاة وهو الطواف ولمس المصحف ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وقد تقدم ذلك.
стр. 119
الشرط الثاني: الوقت
مسألة: (الثاني الوقت).
المذكور هنا هو شرط للصلوات المكتوبات خاصة فأما سواها فمنها ما يصح في كل وقت كركعتي الطواف والفوائت ومنها ما يصح في غير أوقات النهي كالنوافل المطلقة ومنها ما هو مؤقت أيضا كالرواتب والضحى ومنها ما هو معلق بأسباب كصلاة الكسوف والاستسقاء ومعنى كونه شرطا للصلاة أن الصلاة لا تصح قبله ولا ينتقض هذا بالمجموعة إلى ما قبلها والجمعة إذا صليت في صدر النهار فإن ذلك وقت لها أي وقت لجواز فعلها.
ومع كون الوقت شرطا فإنه موجب للصلاة فإن الصلاة لا تجب قبله وليس في الشرائط ما هو سبب لوجوب الصلاة إلا الوقت.
لكن الوقت الموجب للصلاة قد يكون هو الوقت المشروط لصحتها كالزوال للظهر والغروب للمغرب وقد يكون غيره كالزوال للجمعة ومصير الظل مثل الشخص للعصر في حق المعذور فإن هذا الوقت ليس شرطا للصحة وهو سبب الوجوب والوقت شرط مع العلم والجهل والعمد والنسيان فمتى صلى قبل الوقت لزمته الإعادة في الوقت لكن أن كان معذورا مثل المطمور والمغيم عليه فلا إثم عليه وأن فعل ذلك عمدا أثم.
стр. 120
مسألة: (وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله).
بدأ الشيخ ﵀ بالظهر وكذلك جماعة من أصحابنا منهم الخرقي والقاضي في بعض كتبهم لأن جبريل لما أقام للنبي ﷺ المواقيت بدأ بها وكذلك تسمى الأولى ولأنه بدأ بها في حديث عبد الله ابن عمرو وأبي هريرة فأقتدي به في ذلك.
وقال بعض أصحابنا: هي أول ما فرض الله من الصلوات ولان الله سبحانه بدأ بها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.
ومنهم من يبدأ بالفجر كابن أبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في بعض كتبه وهذا أجود أن شاء الله لأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر وإنما تكون وسطى إذا كانت الفجر الأولى ولان النبي ﷺ قال: "المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل" رواه أحمد من حديث ابن عمر فجعل جميع الصلوات موتورة فلو كانت الظهر هي الأولى لخرجت الفجر عن أن تكون داخلة في وتر النهار أو وتر الليل وذلك لا يجوز ولان الفجر هي
стр. 121
المفعولة في أول النهار فحقيقة الابتداء موجود فيها.
ولان النبي ﷺ لما بين المواقيت في المدينة بفعله في حديث أبي موسى وبريدة وجابر ووصيته لمعاذ بدأ بالفجر وهذا متأخر عن حديث جبريل وناسخ له إذ كان بمكة وفي هذا جواب عن الاحتجاج بقصة جبريل ولان بيان جبريل للمواقيت كان صبيحة ليلة الإسراء وهو ﷺ لم يخبر الناس بها حتى أصبح وفات الفجر فلعله أخر البيان إلى وقت الظهر ليعلم المسلمون ويأتموا برسول الله ﷺ حيث كان يأتم هو بجبريل ولأن أكثر آيات القرآن بدأت بالفجر مثل قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.
وإنما بدأ بالظهر تارة كما بدا في المغرب في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية فتارة يبدأ أول النهار وتارة بأوسطه وتارة بأول الليل ولان النائم إذا استيقظ بأول النهار كان بمنزلة الخلق الجديد فإن الانتباه حياة بعد الموت ونشور بعد السكون فما فعله حينئذ كان أول أعماله وبهذا يتبين أن
стр. 122
أعمال النهار سابقة لأعمال الليل وأن أعمال النهار فواتيح وأعمال الليل خواتيم وأن كان الليل هو المتقدم على النهار خلقا وإبداعا.
فصل.
الظهر أربع ركعات بالنقل العام المستفيض والإجماع المستيقن في حق المقيم فأما المسافر فيذكر أن شاء الله في موضعه.
وتسمى الظهر والهجير والأولى وأول وقتها هو زوال الشمس عن كبد السماء وهذا مما أجمعت عليه الأمة وجاءت به السنة المستفيضة من ذلك ما روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ : "جاءه جبريل فقال قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى العصر حين صار كل ظل شيء مثله ثم جاء المغرب فقال قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس ثم جاءه العشاء فقال قم فصله فصلى العشاء حين غاب الشفق ثم جاء الفجر فقال قم فصله فصلى الفجر حين برق الفجر أو قال سطع ثم جاءه من الغد للظهر فقال قم فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء ثم جاءه حين أسفر جدا فقال قم فصله فصلى الفجر ثم قال: "ما بين هذين وقت".
стр. 123
رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال البخاري هو أصح شيء في المواقيت وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وافطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثل لوقت العصر بالأمس ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم صلى المغرب لوقته الأول ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض ثم التفت إلى جبريل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك الوقت فيما بين هذين الوقتين" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال:
стр. 124
حديث حسن وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
ومعنى زوال الشمس أن تحاذي رأس المصلي ثم تميل عنه يقال زالت وزاغت ودلكت ودحضت ويعرف ذلك بازدياد الظل بعد كمال نقصانه وذلك أن الشمس ما دامت مرتفعة في رأي العين فإن الظل ينقص ويتقلص فإذا وقفت في رأي العين فإن الظل يبقى على حاله فإذا أخذت في الانحطاط أخذ الظل في الزيادة فإذا جئت إلى شاخص من جبل أو شجر أو جدار أو نصبت عودا وأعلمت رأس ظله ثم نظرت بعد ذلك فإن وجدته قد نقص فالشمس لم تستوي ولم تزل وأن وجدته قد زاد فقد زالت الشمس.
وكذلك أن وجدته على حاله لأنه يكون قد تكامل نقصه ثم أخذ في الزيادة فعاد إلى حاله الأولى لأن الشمس لا تقف أبدا.
وقد ذكر بعض أهل العلم قدر ظل الإنسان حين تزول الشمس بالإقدام في شهور السنة وهذا مع أنه تقريب إذ الزوال لا يكون في يومين متواليين على حد واحد ولا يستمر في جميع الأمصار وإنما ضبط في الأصل لبعض البلدان كالكوفة والبصرة.
وأما آخر وقتها فإنه بصيرورة ظل كل شخص مثله بعد ظله حين الزوال
стр. 125
فمن صلاها بعد ذلك من غير نية جمع كان قاضيا لا مؤديا وهذا لما تقدم من حديث جبريل فإن معنى قوله: "في اليوم الثاني فصلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله" أي فرغ منها حين صار ظل كل شيء مثله.
ومعنى قوله في العصر في اليوم الأول أنه صلاها حين صار ظل كل شيء مثله أنه ابتدأها حينئذ لأن المراد تحديد الوقت وضبطه وإنما يقع حد آخره بوقوع حد آخر الصلاة فيه كما يقع حد أوله بوقوع أول الصلاة فيه وقد جاء ذلك مفسرا فيما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل كل شيء كطوله ما لم تحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" رواه أحمد ومسلم وهذا أتم أحاديث المواقيت بيانا لأنه من قول رسول الله ﷺ وليس بحكاية فعل وقد روي نحوه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "أن للصلاة أولا وآخرا وأن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر وأن أول وقت العصر حين يدخل وقتها وأن آخر وقتها حين تصفر الشمس وأن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وأن آخر وقتها حين
стр. 126
يغيب الأفق وأن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق وأن آخر وقتها حين ينتصف الليل وأن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وأن آخر وقتها حين تطلع الشمس" رواه أحمد والترمذي إلا أن محمد بن فضيل رواه عن الأعمش هكذا وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلا ومراسيل مجاهد حسنة لا سيما وقد روي مسندا من وجوه صحيحة وكذلك أيضا في حديث السائل عن مواقيت الصلاة قد بين أنه آخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر وقال لما ناموا عن الصلاة " ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة" أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى.
فهذا كله يبين أنه إذا صار الظل مثل الشاخص خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وإنما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين الزوال لأن الظل حين الزوال قد يكون مثل الشاخص أو أطول لا سيما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء فلو اعتبر أن يكون الظل مثل الشاخص مطلقا لتداخل الوقتان أو استحال ذلك وإنما أطلق في الأحاديث لأنه قصد أن يبين أن وقت الظهر بزيادة الظل عن مثل شخصه ولأن الظل وقت
стр. 127
الزوال يكون مستقيما فإذا انحرف بقدر الشاخص فهو آخر وقت الظهر ولأنه في الصيف في أرض الحجاز يكون الظل وقت الزوال شيئا يسيرا لا عبرة به فبمجرد كون الظل مثل الشاخص يكفي في التقريب ولهذا قال في الحديث: "لما كان الفيء مثل الشراك".
стр. 128
مسألة: (ووقت العصر وهي الوسطى من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس).
في هذا الكلام ثلاثة فصول.
أحدها: أن العصر هي الصلاة الوسطى المعنية في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وهذا مما لا يختلف المذهب فيه قال الإمام أحمد تواطأت الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى وقال أيضا أكثر الأحاديث على صلاة العصر وخرج فيها نحوا من مائة وعشرين حديثا وذلك لما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يوم الأحزاب ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" متفق عليه وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وعن عبد الله بن مسعود.
стр. 129
رضي الله عنه قال حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس واصفرت فقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشا الله اجوافهم وقبورهم نارا" رواه أحمد ومسلم وابن ماجة وعنه أيضا قال قال رسول الله ﷺ : "صلاة الوسطى صلاة العصر" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: "في الصلاة الوسطى صلاة العصر" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ قرأ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أنها صلاة العصر وعن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلاَةَ الْعَصْرِ﴾ فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال رجل فهي أذن صلاة العصر فقال قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم" رواه أحمد ومسلم وهذا يدل على أنها العصر لأن تخصيصها بالأمر بالمحافظة متيقن بالقراءة الأولى وتبديل اللفظ لا يوجب المعنى إذا أمكن أن يكون معنى اللفظين واحد فلا يزول اليقين بالشك.
стр. 130
فإنه قيل فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قرأت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةَ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقالت سمعتها من رسول الله ﷺ " رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة وهذا يقتضي أن يكون غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه.
قلنا العطف قد يكون للتغاير في الذوات وقد يكون للتغاير في الأسماء والصفات كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ وهو سبحانه واحد وإنما تعددت أسماؤه وصفاته فيكون العطف في هذه القراءة لوصفها بشيئين بأنها وسطى وبأنها هي العصر وهذا أجود من قول طائفة من أصحابنا أن الواو تكون زائدة فإن ذلك لا أصل له في اللغة عند أهل البصرة وغيرهم من النحاة وإنما جوزه بعض أهل الكوفة وما احتج به لا حجة فيه على شيء من ذلك.
فإن قيل فقد قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت إنما هو في الفجر.
قلنا القنوت هو دوام الطاعة والثبات عليه وذلك واجب في جميع الصلوات كما قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾.
стр. 131
مفقودة
стр. 132
يوجب الاعتناء بها والتحذير من تضييعها والعصر محفوفة بذلك لما روى أبو بصرة الغفاري قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمخمص فقال أن هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم" رواه أحمد ومسلم والنسائي وقال علي بن أبي طالب ﵁ هي الصلاة التي عقر سليمان الخيل من اجلها لما فاتته فبين ﷺ أن من قبلنا ضيعوها وما هذا شأنه فهو جدير أن يؤمر بالمحافظة عليه وأن لنا اجرين بهذه المحافظة وهما والله أعلم الأجران المشار إليهما بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وفي المثل المضروب لنا ولأهل الكتاب وهو ما رواه الجماعة من الصحابة منهم ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ومثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي من العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى قالوا كنا أكثر عملا واقل عطاء قال هل نقصتكم من حقكم قالوا لا قال فذلك فضلي
стр. 133
أوتيه من أشاء" رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه وذلك إنما استحققنا الأجربين بحفظ ما ضيعوه وهو صلاة العصر ولأن المسلمين كانوا يعرفون فضلها على غيرها من الصلوات حتى علم منهم الكفار ولهذا: "لما صلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر بعسفان قال المشركون قد كانوا على حالة لو أصبنا غرتهم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم فأنزل الله صلاة الخوف" فكانت صلاة العصر هي السبب في تزول صلاة الخوف اليسير لما خافوا من تفويتها في الجماعة ولأن في تفويتها من الوعيد ما ليس في غيرها فروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله" رواه الجماعة وعن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله" رواه
стр. 134
أحمد والبخاري ولأن أول الصلوات هي الفجر كما تقدم فتكون العصر هي الوسطى وكذلك قال بعض السلف وامسك أصابعه الخمس فوضع يده على الخنصر فقال هذه هي الفجر ثم وضعها على البنصر وقال هذه الظهر ثم وضعها على الوسطى وقال هذه الوسطى وكذلك أهل العبارة يعتبرون الأصابع الخمس بالصلوات الخمس على هذا الوجه ولأن الصلوات غيرها يقع في وقت الفراغ فإن الفجر تكون عند الانتباه والعشائين يكونان عند السكن والرجوع إلى المنازل وانقطاع الشغل والظهر في وقت القائلة وإنما يقع الشغل أول النهار وآخره لكن ليس في صدر النهار صلاة مفروضة فيقع العصر وقت اشتغال الناس ولذلك ضيعها أهل الكتاب ولأن آخر النهار أفضل من أوله فإن السلف كانوا لآخر النهار أشد تعظيما منه لأوله وهو وقت تعظمه أهل الملل كلها ولذلك أمر الله بتحليف الشهود بعد الصلاة يعني صلاة العصر ولأن آخر النهار وقت ارتفاع عمل النهار واجتماع ملائكة الليل والنهار وإنما الأعمال بالخواتيم فتحسين خاتمة العمل أولى من تحسين فاتحته وصلاة الفجر وأن كان يرفع عندها عمل الليل لكن ليس في عمل الليل من الذنوب والخطايا في الغالب ما يحتاج إلى محو مثل عمل النهار ولهذا والله
стр. 135
اعلم جعل تركها موجبا لحبوط العمل يعني والله أعلم عمل يومه فإن الأعمال بالخواتيم ولأن وقتها ليس متميزا في النظر تمييزا محدودا مثل مواقيت سائر الصلوات فإن وقت الفجر يعرف بظهور النور ووقت الظهر يعرف بزوال الشمس ووقت المغرب يعرف بغروبها ووقت العشاء بمغيب الشفق وأما العصر فإن حال الشمس لا تختلف بدخول وقتها اختلافا ظاهرا وإنما يعرف بالظلال أو نحو ذلك فلما كان وقتها قد يشتبه دخوله كان التضييع لها أكثر نت التضييع لغيرها فكان تخصيصها بالأمر بالمحافظة عليها مناسبا لذلك.
الفصل الثاني.
أنها أربع ركعات في حق المقيم بالنقل العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف.
ووقتها من حين يصير ظل كل شيء مثله فإذا صار ظل الشخص مثله وزاد أدنى زيادة فقد دخل وقت العصر ويمتد وقتها إلى أن يتغير لون الشمس وتصفر على هذا أكثر الروايات عن أبي عبد الله.
وعنه أنه يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه فقط وهي اختيار الخرقي وطائفة من أصحابنا لما تقدم من إمامة جبريل بالنبي ﷺ فإنه
стр. 136
صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه وقال الوقت ما بين هذين.
والأول أصح لما تقدم من قوله ﷺ : "وقت العصر ما لم تصفر الشمس" من رواية عبد الله بن عمرو وغيره ولما روى أبو موسى عن النبي ﷺ قال: "أتاه سائل سأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول انتصف النهار أو لم ينتصف وكان أعلم منهم ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم آخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وآخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس ثم آخر العصر فانصرف منها والقائل يقول احمرت الشمس ثم آخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وآخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح فدعا السائل فقال الوقت فيما بين هذين" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وهذه الأحاديث أولى من حديث جبريل ﵇ لوجوه:
стр. 137
أحدها: أن فيه زيادة منطوقة فتقدم على ما ليس فيه تلك الزيادة وإنما تنفيها بطريق المفهوم.
الثاني: أنها متأخرة لأنها كانت بالمدينة فإن السائل الذي سأله إنما كان بالمدينة وبلال يؤذن له بل رواتها أبو موسى وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وبريدة بن الحصيب وكل هؤلاء لم يصحبوه إلا بالمدينة وأبو موسى وأبو هريرة إنما صحباه بعد خيبر وحديث جبريل كان قبل الهجرة بأكثر من سنة وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ لأنه يكون هو الناسخ للأول أن كان بينهما تعارض.
الثالث: أن حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قول مبين وهو أتم تحديدا وأصرح دلالة من حكاية الفعل.
الرابع: أنها أكثر واصح من حديث جبريل.
الخامس: أن فيها زيادات في وقت العصر والمغرب والفجر وفي بعضها العشاء وقد وجب العمل بها في تلك المواضع لما صاحبها من الدلائل فكذلك ها هنا.
السادس: أن الله تعالى قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وكذلك قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ لكن إذا تغير لون الشمس فقد أخذت الشمس في التحول والغروب فيبقى ما قبل ذلك على عموم الآية.
стр. 138
السابع: أن من الناس من يقول لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فإن لم يكن فعلها في ذلك الوقت هو الأفضل خروجا من الخلاف فلا أقل من أن يكون جائزا من غير كراهة.
الثامن: أن التحديد بالشمس نفسها أولى من مقدار الظل بدليل سائر الصلوات وإنما ترك في أول صلاة العصر إذ ليس في الشمس علامة ظاهرة بخلاف آخره.
الفصل الثالث:.
إن وقت الضرورة يبقى إلى أن تغيب جميع الشمس ومعنى ذلك أن أهل الضرورة والعذر الذين لا يمكنهم الصلاة قبل تغير الشمس مثل الحائض تطهر والمجنون والمغمى عليه يفيقان والنائم ينتبه والصبي يبلغ بعد اصفرار الشمس يصلونها أداء في هذا الوقت من غير إثم وكذلك الكافر يسلم لأن المنع من صحة الصلاة كان موجودا فيه وأن كان على الحقيقة ليس بذي بعذر ولكن الحق بهم لأنه غفر له تأخيرها إذ الإسلام يجب ما قبله فأما من تمكنه الصلاة قبل هذا الوقت فلا يجوز له تأخيرها البتة فإن آخرها وصلاها فهي أداء مع كونه إثما فأما المريض يبرا فقد الحق بالقسم الأول وهذا أشهر لأن من يقدر على الصلاة فإنه لا يحل له تأخيرها عن وقت الاختيار إلا أن يكون مغلوبا على عقله كما قالوا في المسافر لا يجوز له تأخيرها إلى حين الاصفرار إذا علم أنه يجد الماء
стр. 139
حينئذ بل يصلي وقت الاختيار بالتيمم.
أما أنه لا يحل له تأخيرها البتة لمن يقدر على الصلاة فلأن النبي ﷺ بين المواقيت في حديث جبريل ﵇ والسائل وذكرها بكلامه وفي جميعها: "أن وقت العصر ما لم تصفر الشمس أو ما لم يصر ظل كل شيء مثليه" وقال الوقت فيما بين هذين فلو جاز تأخيرها عن ذلك لبينه وقد ذم من يؤخرها عن ذلك فيما رواه أنس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كان بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي ولا يقال إنما ذمه على النقر وقلة ذكر الله لأنه إنما ذمه على المجموع ولو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذم لما ذكره كمن نقرها في أول الوقت.
وأما كون وقت الإدراك والضرورة باقيا فلما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها" متفق عليه
стр. 140
وقال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غابت الشمس" متفق عليه وقوله: "إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى" هذا مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وقد فسرها النبي ﷺ بصلاتي الفجر والعصر في حديث جرير حديث الرؤية وقوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ يدل على بقاء الوقت وحصول الإدراك بالصلاة فيه وأنها لا تفوت حتى تغيب الشمس فالمعذور صلاها في الوقت فلا يلحقه ذم والقادر لحقه الذم كما تقدم.
فإن قيل كيف يكون مؤديا لها في الوقت مع أنه مذموم.
قلنا كما يمدح إذا قضاها بعد خروج الوقت وهو معذور لنوم أو نسيان وذلك لأن الأداء فعل العبادة في الوقت المضروب لها في الجملة وكونه في بعض الأوقات والقضاء فعلها بعد خروج الوقت المضروب لها وأن لم يقدر على غيره.
وقال الآمدي يكره أن يؤخرها إلى وقت الضرورة من غير عذر وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم والمذهب ما قدمناه
стр. 141
مسألة: (ووقت المغرب من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر).
المغرب ثلاث ركعات بإجماع الأمة ونقلها العام المتوارث خلفا عن سلف سواء في ذلك المقيم والمسافر فإنها وتر صلاة النهار فلو ثنيت أو ربعت لبطل معنى الوتر وتسميتها بالمغرب أفضل من العشاء فإن سميت العشاء أحيانا مع تقييدها بما يدل على أنها المغرب فلا بأس ما لم يهجر اسم المغرب لأن النبي ﷺ سمى العشاء الآخرة في حديث جبريل وحديث: "اثقل صلاة على المنافقين" واقر على تسميتها بذلك لسائل سأله وسماها أصحابه بذلك في عدة أحاديث وقولهم الآخرة دليل على العشاء الأولى وإنما كان تسميتها المغرب أفضل لما روى عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال والأعراب تقول هي العشاء" متفق عليه ولأن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وأراد بذلك صلاة العتمة فعلم أن العشاء المطلقة هي العشاء الآخرة ولأن تسميتها بالعشاء دائما يشعر
стр. 142
بتأخيرها بخلاف تسميتها بالمغرب فإنه يشعر بفعلها عند الغروب وعلى الوجه الذي يأتي ذكره يكره تسميتها بالعشاء لظاهر الحديث.
وأول وقتها إذا غاب قرص الشمس وحينئذ يفطر الصائم ويزول وقت النهي ولا أثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام وكذلك في حديث بريدة الآتي ذكر أنه ﷺ أمر بالمغرب حين غاب حاجب الشمس.
ويمتد وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر لأهل الأعذار وغيرهم فمن صلاها قبل ذلك كان مؤديا بغير إثم من غير خلاف في المذهب لما سبق في حديث عبد الله بن عمرو من قوله ﷺ : "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" وفي حديث أبي هريرة آخر وقتها حين يغيب الشفق وفي حديث أبي موسى في جواب السائل أنه أخرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق وعن بريدة بن الحصيب: "أن رجلا أتى النبي ﷺ فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: "أشهد معنا الصلاة فأمر بلالا فأذن بغلس فصلى بهم الصبح حين طلع الفجر ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء ثم أمره بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق ثم أمره الغد فنور بالصبح ثم أمره بالظهر فأبرد ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقية لم
стр. 143
يخالطها صفرة ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه فلما أصبح قال أين السائل قال ما بين ما رأيت وقت" رواه الجماعة إلا البخاري ولأنه قد صح عن النبي ﷺ : "أنه قرأ فيها بالأعراف فرقها في ركعتين" ولا يجوز مد الصلاة إلى أن يخرج وقتها لإيقاع شيء منها خارج الوقت فعلم أن وقتها يمتد بقدر قراءة سورة الأعراف.
وصح عنه من وجوه ﷺ أنه قال: "إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" وصح عنه أن أصحابه كانوا يصلون
стр. 144
بحضرته ركعتين بين الآذانين ولو لم يجز تأخيرها عن أول الوقت لم يجز شيء من ذلك ولأنها إحدى الصلوات الخمس فاتسع وقتها كغيرها ولأنها تجمع إلى ما بعدها فاتصل وقتها الذي يليها كالظهر فإن جواز الجمع يجعل الوقتين وقتا واحدا والصلاتين كالصلاة الواحدة والصلاة الواحدة لا يكون لها وقتان متباينان وعكسه الفجر والعصر والعشاء لما لم يجز تأخيرها عمدا إلى وقت التي تليها لم لم تجمع معها.
فإن قيل هذا معارض بحديث جبريل فإنه صلى المغرب في اليومين لوقت واحد حين غربت الشمس وذلك يقتضي أنه يجب المبادرة إليها حين الغروب وروى أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم" وعن مرثد بن عبد الله الزني قال: قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة قال شغلنا قال: أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم" رواهما احمد.
стр. 145
وعن عقبة بن عامر مثله رواه أحمد وأبو داود وعن عبد الرحمن الصنابحي قال قال رسول الله ﷺ : "لن تزال أمتي في مسكة من دينها ما لم يعملوا بثلاث ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود وما لم يؤخروا الفجر محاق النجوم مضاهاة النصرانية وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها" رواه أحمد ولأن النبي ﷺ قال: "المغرب وتر صلاة النهار" ومعلوم أنها تفعل بعد انسلاخ النهار فيجب تقريبها من النهار وأن تكون عقيبه ليتحقق صعوده مع عمل النهار ولأن المسلمين في جميع الأعصار والأمصار ما زالوا يعجلونها ولو كان تأخيرها جائزا لصنعوا فيها ما يصنعون في غيرها.
قلنا هذا يفيد أن السنة فيها التعجيل وأن المداومة على تأخيرها منهي عنه بخلاف بقية الصلوات وكذلك نقول ولهذا لم ينكر أبو أيوب على عقبة مجرد التأخير لكن خاف أن يظن الناس أن السنة التأخير وقد ورد مثل هذا الكلام أن تعجيل الفطور وتأخير السحور سنة مع أنه ليس بواجب
следующие страницы →