← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11251

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - من كتاب الصلاة

ابن تيمية

Полный текст (587 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مسألة: (ووقت المغرب من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر). المغرب ثلاث ركعات بإجماع الأمة ونقلها العام المتوارث خلفا عن سلف سواء في ذلك المقيم والمسافر فإنها وتر صلاة النهار فلو ثنيت أو ربعت لبطل معنى الوتر وتسميتها بالمغرب أفضل من العشاء فإن سميت العشاء أحيانا مع تقييدها بما يدل على أنها المغرب فلا بأس ما لم يهجر اسم المغرب لأن النبي ﷺ سمى العشاء الآخرة في حديث جبريل وحديث: "اثقل صلاة على المنافقين" واقر على تسميتها بذلك لسائل سأله وسماها أصحابه بذلك في عدة أحاديث وقولهم الآخرة دليل على العشاء الأولى وإنما كان تسميتها المغرب أفضل لما روى عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال والأعراب تقول هي العشاء" متفق عليه ولأن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وأراد بذلك صلاة العتمة فعلم أن العشاء المطلقة هي العشاء الآخرة ولأن تسميتها بالعشاء دائما يشعر

стр. 142

بتأخيرها بخلاف تسميتها بالمغرب فإنه يشعر بفعلها عند الغروب وعلى الوجه الذي يأتي ذكره يكره تسميتها بالعشاء لظاهر الحديث. وأول وقتها إذا غاب قرص الشمس وحينئذ يفطر الصائم ويزول وقت النهي ولا أثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام وكذلك في حديث بريدة الآتي ذكر أنه ﷺ أمر بالمغرب حين غاب حاجب الشمس. ويمتد وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر لأهل الأعذار وغيرهم فمن صلاها قبل ذلك كان مؤديا بغير إثم من غير خلاف في المذهب لما سبق في حديث عبد الله بن عمرو من قوله ﷺ : "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" وفي حديث أبي هريرة آخر وقتها حين يغيب الشفق وفي حديث أبي موسى في جواب السائل أنه أخرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق وعن بريدة بن الحصيب: "أن رجلا أتى النبي ﷺ فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: "أشهد معنا الصلاة فأمر بلالا فأذن بغلس فصلى بهم الصبح حين طلع الفجر ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء ثم أمره بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق ثم أمره الغد فنور بالصبح ثم أمره بالظهر فأبرد ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقية لم

стр. 143

يخالطها صفرة ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه فلما أصبح قال أين السائل قال ما بين ما رأيت وقت" رواه الجماعة إلا البخاري ولأنه قد صح عن النبي ﷺ : "أنه قرأ فيها بالأعراف فرقها في ركعتين" ولا يجوز مد الصلاة إلى أن يخرج وقتها لإيقاع شيء منها خارج الوقت فعلم أن وقتها يمتد بقدر قراءة سورة الأعراف. وصح عنه من وجوه ﷺ أنه قال: "إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" وصح عنه أن أصحابه كانوا يصلون

стр. 144

بحضرته ركعتين بين الآذانين ولو لم يجز تأخيرها عن أول الوقت لم يجز شيء من ذلك ولأنها إحدى الصلوات الخمس فاتسع وقتها كغيرها ولأنها تجمع إلى ما بعدها فاتصل وقتها الذي يليها كالظهر فإن جواز الجمع يجعل الوقتين وقتا واحدا والصلاتين كالصلاة الواحدة والصلاة الواحدة لا يكون لها وقتان متباينان وعكسه الفجر والعصر والعشاء لما لم يجز تأخيرها عمدا إلى وقت التي تليها لم لم تجمع معها. فإن قيل هذا معارض بحديث جبريل فإنه صلى المغرب في اليومين لوقت واحد حين غربت الشمس وذلك يقتضي أنه يجب المبادرة إليها حين الغروب وروى أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم" وعن مرثد بن عبد الله الزني قال: قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة قال شغلنا قال: أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم" رواهما احمد.

стр. 145

وعن عقبة بن عامر مثله رواه أحمد وأبو داود وعن عبد الرحمن الصنابحي قال قال رسول الله ﷺ : "لن تزال أمتي في مسكة من دينها ما لم يعملوا بثلاث ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود وما لم يؤخروا الفجر محاق النجوم مضاهاة النصرانية وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها" رواه أحمد ولأن النبي ﷺ قال: "المغرب وتر صلاة النهار" ومعلوم أنها تفعل بعد انسلاخ النهار فيجب تقريبها من النهار وأن تكون عقيبه ليتحقق صعوده مع عمل النهار ولأن المسلمين في جميع الأعصار والأمصار ما زالوا يعجلونها ولو كان تأخيرها جائزا لصنعوا فيها ما يصنعون في غيرها. قلنا هذا يفيد أن السنة فيها التعجيل وأن المداومة على تأخيرها منهي عنه بخلاف بقية الصلوات وكذلك نقول ولهذا لم ينكر أبو أيوب على عقبة مجرد التأخير لكن خاف أن يظن الناس أن السنة التأخير وقد ورد مثل هذا الكلام أن تعجيل الفطور وتأخير السحور سنة مع أنه ليس بواجب

стр. 146

وهكذا الجواب عن حديث جبريل فإنه لعله قصد تبيين المواقيت التي لا كراهة في المداومة عليها أولا واخرا ثم هو حديث متقدم كان بمكة والأحاديث المدنية الصحاح الصرائح قاطعة في جواز التأخير فإن كان معارضا لها كانت هي الناسخة له كما تقدم ومرجحة بصحة أسانيدها وكثرة رواتها وكونها وتر النهار ولا يمنع تأخيرها فإنها وأن كانت من صلاة الليل كما قد نص عليه الإمام أحمد ﵀ لكن الحمرة في الأفق هي من توابع الشمس فجاز أن تلحق بالنهار من هذا الوجه كما أن الفجر من صلوات النهار وجهر فيها بالقراءة تبعا لصلاة الليل لبقاء الظلمة قبل طلوع الشمس. فصل. ومغيب الشفق يخرج به وقت المغرب لما تقدم من هذه الأحاديث ويدخل به وقت والعشاء لما تقدم من حديث جبريل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق وكذلك في حديث السائل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق وفي حديث أبي هريرة: "وقت العشاء من حين يغيب الأفق" وكذلك حديث عبد الله بن عمرو لما قال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى ثلث الليل" يدل على تواصل الوقتين مع قوله:

стр. 147

"وإنما التفريط في اليقظة وهو أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت التي تليها" مع أن هذا مما اجمع عليه. والشفق الشفق شفقان احمر وهو الأول والأبيض وهو الثاني والعبرة بمغيب الشفق الأحمر فإذا غاب دخل وقت العشاء. واستحب أبو عبد الله أن يؤخر العشاء في الحضر إلى أن يغيب الشفق الأبيض ليستدل بمغيبه على مغيب الشفق الأحمر لأن الحمرة قد تكون باقية ويواريها الجدران فيظن أنها قد غابت وهي باقية ولأن اسم الشفق يقع عليها. وقد قال بعضهم: أنه البياض فإذا صلى بعد مغيب البياض خرج من الشك والاختلاف. فان صلى في الحضر بعد أن غاب الأحمر وقبل أن يغيب الأبيض صحت صلاته نص عليه ونص في مواضع كثيرة على أنه لا يصلي إلا بعد مغيب الأبيض فجعل القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا المسألة رواية واحدة بالجواز وحملوا بقية الروايات على الاستحباب لا على الوجوب وقال ابن أبي موسى لم يختلف القول عنه أن الشفق في السفر الحمرة واختلف قوله في الحضر على روايتين. إحداهما: أنه الحمرة في الحضر والسفر. والأخرى: أنه البياض في الحضر فإذا غاب فقد وجبت فأما في

стр. 148

السفر فلا شيء يواريها والجمع جائز فيه لصحة الأحاديث أنه كان يصلي العشاء في السفر قبل مغيب الشفق. وذلك لما رواه الإمام أحمد في مسنده ومسائل ابنه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سأل رجل النبي ﷺ عن وقت الصلاة فقال: " صل معي فصلى رسول الله ﷺ الصبح حين طلع الفجر ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق ثم صلى العشاء قال بعضهم: ثلث الليل وقال بعضهم: شطره" ومعلوم أنه ما صلى العشاء قبل الشفق الأحمر فعلم أنه صلاها قبل مغيب الأبيض وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داودولفظه: "فور الشفق وثور الشفق ثوران حمرته وفوره فورانه وسطوعه" وهذا إنما يكون في الشفق الأحمر ولأن الأحمر أظهر في الإستعمالمن الشفق الأبيض قال الفراء سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب كأنه الشفق وكان احمر ولهذا فسر أكثر الناس

стр. 149

مفقود

стр. 150

مسألة: (ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني). أما أول وقتها فقد تقدم وأما آخر وقتها في حال الاختيار ففيه روايتان. إحداهما: إلى ثلث الليل وهو أكثر الروايات عنه واختارها الخرقي والقاضي وغيرهما لأنه كذلك في حديث جبريل وفي حديث السائل أيضا من رواية أبي موسى وبريدة ورواية جابر شك فيها قال بعضهم: ثلث الليل وقال بعضهم: شطره فتحمل رواية من روى على نصف الليل على أنه قال بالتحري والاجتهاد وروى النسائي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "صلوها ما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل" أو أراد مقاربة نصف الليل. والرواية الثانية: إلى نصفه اختارها طائفة من أصحابنا لأن في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط وهو أبين شيء في المواقيت وكذلك في حديث أبي هريرة وأن آخر وقتها حين ينتصف الليل وعن أبي برزة: "إن النبي ﷺ كان لا

стр. 151

يبالي بتأخير العشاء إلى نصف الليل " رواه مسلم وعن أنس قال: " آخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال قد صلى الناس وناموا أما أنكم في صلاة ما انتظرتموها" متفق عليه ولمسلم "حتى كان قريبا من نصف الليل" وعن أبي سعيد الخدري قال: "انتظرنا رسول الله ﷺ ليلة صلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل فجاء فصلى بنا وقال لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة. وهذا كلام مفسر من النبي ﷺ يقضي به على ما سواه من الحكايات المحتملة وفي هذه الأحاديث زيادة فيجب الأخذ بالزائد ويحمل قول من روى على ثلث الليل أنه أراد ثلث الليل الممتد إلى طلوع الشمس فإن ما بعد طلوع الفجر قد يجعل ليلا ولهذا يسمى وقت الزوال نصف النهار في كثير من الأحاديث التي تقدمت وإنما يكون نصف النهار إذا كان أوله من حين طلوع الشمس كما يقوله بعض أهل اللغة والحساب والفقه وإذا كان الغالب على لسان الشرع انتهاء الليل إلى طلوع الفجر وابتداء النهار من حينئذ وثلث الليل بهذا الاعتبار أكثر من ثلثه بالاعتبار الأول فإذا انضم إلى

стр. 152

هذا احتياط الراوي وإخباره بالمستيقن جاز أن يسمى ما يقارب النصف ثلثا. فصل. وأما وقت الإدراك والضرورة فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لما روى يحيى بن آدم عن ابن عباس قال لا يفوت وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر ولا يفوت وقت العصر حتى يدخل وقت المغرب ولا يفوت وقت المغرب إلى العشاء ولا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وروى الخلال أيضا عن ابن عباس لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وسنذكر أن شاء الله عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس أنهم قالوا في الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء. ولم ينقل عن صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على أن العشاء تجب بالطهر قبل الفجر مع قوله في حديث أبي قتادة لما ناموا: "أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" رواه أحمد ومسلم وأبو داود فإنه يقتضي امتداد كل صلاة

стр. 153

إلى وقت التي تليها وإنما استثنى منه الفجر لظهور وقتها وظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ يعم ذلك الجملة. وتأخير الصلاة إلى هذا الوقت لغير عذر لا يجوز كما تقدم في صلاة العصر. وهذه الصلاة أربع ركعات بالنقل العام. وتسمى العشاء لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وهو أفضل من تسميتها بالعتمة وأن ميت العتمة لم يكره إلا أن يهجر اسم العشاء لأن في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" وقد صح من وجوه كثيرة عن أبي موسى وابن عباس وعائشة وجابر بن سمرة أنهم سموها العتمة ولأن ذلك نسبة

стр. 154

إلى وقتها فأشبه المغرب والفجر وإنما كره ترك ذلك الاسم لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إلا أنها العشاء وهم يعتمون بالإبل" رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة ولمسلم لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وأنها تعتم بحلاب الإبل. وفيه وجه ثان أنه يكره أن تسمى بالعتمة لظاهر الحديث وحملا لأحاديث الرخصة على أنها منسوخة ذكره الآمدي.

стр. 155

مسألة: (ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس). وتسمى هذه الصلاة الفجر لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿الْخَيْطُ الأبيض مِنَ الْخَيْطِ الأسود مِنَ الْفَجْرِ﴾ والصبح لقول النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح". وصلاة الغداة لقوله ﵇: "لو يعلم المتخلفون عن صلاة العشاء وصلاة الغداة ما فيهما لأتوهما ولو حبوا" وقال الرجل له إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا. والمستحب تسميتها الفجر والصبح ولا يكره تسميتها بالغداة في المشهور. وفي الآخر يكره لأنه يقال أنها تسمية الأعراب. وهي ركعتان بنقل الأمة العام المتوارث بينها وهي من صلاة النهار نص عليه وجعلت ركعتان من أجل طول القراءة فيها وكأنه عوض بتطويل القراءة عن تكثير الركعات.

стр. 156

وأول وقتها من طلوع الفجر الثاني كما تقدم في أحاديث المواقيت كلها مع قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وغير ذلك. وهما فجران فالأول المستدق المستطيل في طول السماء كذنب السرحان وهو الذئب ويسمى الفجر الأول ولا عبرة به في شيء من الأحكام ثم يسود الأفق بعده ثم يطلع الفجر الصادق بعده معترضا في الأفق منتشرا لا ظلمة بعده ولذلك قال ﷺ : "لا يمنعنكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق" وقد تقدم وقد روى أبو حفص والدارقطني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الفجر فجران فجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام" أما الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه ولا يحرم فيه الطعام وأما الذي يذهب مستطيلا في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام. ويمتد وقتها في حال الاختيار والاضطرار إلى طلوع الشمس فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها هذا ظاهر المذهب وهو المنصوص عنه

стр. 157

وقال بعض أصحابنا: إذا أسفر ذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر والعشاء لأن جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ صلى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض وقال الوقت فيما بين هذين الوقتين. والأول أصح لأن في حديث عبد الله بن عمرو وقت الفجر ما لم تطلع الشمس وفي لفظ: "ما لم يطلع قرن الشمس الأول" هذا لفظ مسلم وقد تقدم وكذلك في حديث أبي هريرة أن آخر وقتها حين تطلع الشمس ولا يجوز حمل هذا على وقت الإدراك والضرورة لأنه إنما ذكر فيه وقت الاختيار إذ الإطلاق يقتضي ذلك وكذلك قال في العصر ما لا تصفر الشمس وفي العشاء إلى نصف الليل فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث ولأن في حديث السائل أنه انصرف من الفجر في اليوم الثاني والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وقد تقدم من رواية أبي موسى ولم يتبين إلا أوقات الاختيار ولأن الشمس تغرب بين قرني شيطان فإذا اصفرت أخذت في الغروب فلذلك.

стр. 158

أمر أن لا تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت عمدا وفي الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها فإذا لم تطلع فالوقت مبقى على حاله فلا وجه للكراهية فيه وحديث جبريل قد جاء فيه أنه أسفر جدا وظاهره أنه سلم قبيل طلوع الشمس فتحمل الرواية الأخرى على ذلك وأن كان قد سلم قبل بساعة فهو حديث متقدم قد تبين فيه الأفضل كما مضى. فصل. إذا نام قبل العشاء ولم يوكل به من يوقظه كره له ذلك لأنه يخاف أن يدوم النوم فيفضي إلى فوت الوقت أو فوت الجماعة وأن وكل به من يوقظه لم يكره. فصل. وأما الحديث بعدها فإن كان وحده أو كان يتحدث مع غيره في علم أو مصلحة لم يكره ولإيناس الضيف وأن كان حديثا لا فائدة فيه كره له ذلك.

стр. 159

مسألة: (ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها). أما إذا صلى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت فإنه يكون مدركا للصلاة من غير خلاف في المذهب وسواء في ذلك الفجر وغيرها لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من ركعة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" رواه الجماعة إلا الترمذي. وإن صلى دون الركعة مثل أن يكبر ويركع أو يركع ويسجد سجدة أو يكبر للإحرام فقط فهل يكون مدركا للصلاة على روايتين. إحداهما: يكون مدركا كما ذكره الشيخ وهي اختيار أكثر أصحابنا لما روت عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها" رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. وللبخاري في حديث أبي هريرة: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" وهذا المنطوق أولى من ذلك

стр. 160

المفهوم ولأن بعض الصلاة قد وجد في الوقت حقيقة فلا يمكن أن نجعلها فائتة كما لو صلى ركعة. والرواية الثانية لا يكون مدركا هذا قولي الخرقي وابن أبي موسى وهو أشبه بالحديث المفهوم حديث أبي هريرة وقوله في الرواية الأخرى سجدة المراد به الركعة بكمالها وهذا كثير في الحديث تسمى السجدة الثانية ركعة تعبيرا عنها بركنها وذلك أنه لا يصح حتى يقع الركوع وسجدتان فإذا قيل قد صلى ركعة أو سجدة علم أنه قد كمل ركعة بسجدتيها ومنه قول زيد لمروان ألم أرك قصرت سجدتي المغرب يعني ركعتي الجهر رأيت رسول الله ﷺ يقرأ فيها بالأعراف وقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ يصلي بعد الوتر سجدتين" تعني فيها الركعتين اللتين كان يصليهما وهو قاعد وقول علي كان إذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر وفي حديث أبي هريرة إذا قام من الركعتين وفي حديث أبي حميد: "حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة" وهذا كما تسمى

стр. 161

الصلاة قياما تعبيرا عنها بركنها. وتسمى قرآنا تعبيرا عنها بركنها ولا يجوز حمله على السجدة الأولى من الركعة إذ ليس في تعليق الحكم بها فائدة أصلا حيث لا فرق بين إدراكها وإدراك الركوع وحده أو الركوع والاعتدال ولو أريدت السجدة بعينها لم يدل على ثبوت الإدراك بما دونها ولأنه إدراك للصلاة فلم يتعلق بما دون الركعة كالجمعة ولمن نصر الأولى أن يقول تقييد الحكم بالركعة لا يمنع ثبوته بما دونها كما أنه لما قيد بالفجر والعصر لم يمنع أن يثبت في ذلك المغرب والعشاء والله أعلم إنما قيده بذلك لأن آخر وقت الفجر والعصر محدود ومرئي بالعين والركعة جزء من الصلاة معلوم بخلاف ما دون ذلك فإنه لا ينضبط فعله قبل خروج الوقت والمسألة محتملة. وإذا أدرك بعض الصلاة في الوقت فبعضها المفعول خارج الوقت هل يكون أداء أو قضاء على وجهين. أشهرهما تكون أداء لظاهر قوله فقد أدركها فمن زعم أن بعضها أو كلها يقع قضاء لم يكن قد أدركها كلها عنده وهو خلاف النص ولأن المشهور في المذهب أن الجمعة تفعل بعضها بعد خروج الوقت مع أنها لا تكون قضاء. والثاني: تكون قضاء لأن حقيقة القضاء ما فعل بعد الوقت وهذا كذلك ولأن مدرك الجمعة والجماعة يكون منفردا بعد سلام الإمام حقيقة وحكما وأن كان قد أدرك فضل الجماعة في الجملة فكذلك هذا.

стр. 162

وبكل حال فيجب عليه أن يفعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت كما تقدم ومتى آخر شيئا منها عن الوقت عمدا إثم بذلك لأن النصوص المتقدمة في المواقيت تدل على وجوب فعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت.

стр. 163

مسألة: (والصلاة في أول الوقت أفضل إلا عشاء الآخرة وفي شدة الحر الظهر). هذا الكلام فيه فصلان لأن الكلام في تعجيل الصلوات أما أن يكون على سبيل الإجمال أو على سبيل التفضيل. الفصل الأول. إن الأصل في الصلاة في أول الوقت أفضل من آخره إلا لمعنى يقتضي استحباب التأخير لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أي إلى الأعمال الصالحة في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات في الجنة وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ

стр. 164

الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ وقال عن نبيه موسى ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ وهذه الآيات تقتضي أن المسارعة إلى الخيرات مأمور بها وأن فاعلها مستوجب لثناء الله ورضوانه ولذلك يقتضي الاستباق إلى الخيرات وإلى أسباب المغفرة أمرا بها وثناء على أهلها وتفضيلا لهم على غيرهم والصلاة من أفضل الخيرات واعظم أسباب المغفرة وعن محمد ابن عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ثلاث يا علي لا تؤخرهن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والايم إذا وجدت لها كفؤا".

стр. 165

رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن غريب وما أرى إسناده بمتصل لكن هذا الانقطاع هو من رواية ولده ومثل ذلك يكون من أقوى المراسيل فانهم أعلم بحديثهم وعن عائشة ﵂ قالت: "ما صلى رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله" رواه أحمد والترمذي ورواه الدارقطني فقال إلا مرتين وعن أم فروة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أحب العمل إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها" رواه الترمذي وإسناده كإسناد الذي قبله متقاربان فيهما لين

стр. 166

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من وقتها الأول ما هو خير له من أهله وماله" رواه الدارقطني وقد روى الترمذي والدارقطني عن النبي ﷺ أنه قال: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الأخير عفو الله" وروى الدارقطني عن أبي محذورة عن النبي ﷺ قال: "أول الوقت رضوان الله وأوسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله". وهي أحاديث لينة قال الإمام أحمد لا اعرف شيئا في أوقات الصلاة أولها كذا وآخرها كذا يعني مغفرة ورضوان إلا أن هذا لا يمنع.

стр. 167

العمل بها في الفضائل لا سيما مع تعدد طرقها. فإن قيل فالعفو إنما يكون عن المسيء ولا إساءة في التأخير. قلنا العفو قد يكون عن الذنب بعد وقوعه وقد يكون عن أصل الإيجاب مع انعقاد سبب الوجوب أو التحريم كقوله ﷺ : "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" وقوله ﷺ : "ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه" فالعفو عن الصلاة في آخر الوقت بمعنى أنه رفع الحرج والعقوبة عمن صلى فيه وقد كان يمكن أن يضيق الوقت ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ففي المبادرة إلى فعلها إبراء لذمته عن الواجب كالمبادرة إلى فعل الواجبات.

стр. 168

المطلقة من الحج وغيره وتحصل المبادرة المشروعة بأن يشتغل عقب دخول الوقت بالوضوء والصلاة لأن الله تعالى أمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة وأن توضا قبل الوقت فهو مبادر أيضا هذا ما لم يشق على غيره كما سيأتي. الفصل الثاني. في تفضيل الصلوات أما الظهر فإن الأفضل أن يصليها عقب الزوال لما روى أبو برزة الاسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ : "كان يصلي الهجيرة التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ونسيت ما قال في المغرب وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينتفل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرا فيها بالستين إلى المائة" متفق عليه وعن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله ﷺ ولا من أبي بكر ولا من عمر" رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن

стр. 169

أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الظهر في أيام الشتاء وما يدري أيما ذهب من النهار أكثر أو ما بقي منه" رواه أحمد وكتب عمر إلى أبي موسى أن صل الظهر حين تزيغ أو تزول الشمس قال الترمذي هو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم. فإن قيل ففي حديث جبريل أنه صلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك وكال عمر يؤخرها حتى يصير الفيء ذراعا وكتب إلى عماله بذلك. قلنا أما حديث جبريل ففي رواية جابر أنه صلى حين زالت الشمس فعلم أن ذلك الفيء هو فيء الزوال لا سيما والفرض يتبين أول الوقت وأما حديث عمر فلعله أمر بذلك في شدة الحر ليقصد الابراد بها أو

стр. 170

في أوقات وأمكنه يكون الفيء فيها قدر ذراع حين الزوال ولا يقال الفيء هو الظل بعد الزوال وما قبل ذلك إنما يسمى ظلا لا فيئا لأن الشمس إذا زالت فلا بد أن يفيء الظل أدنى الفيء فيسمى الظل كله حينئذ فيئا ولا يصح أن يراد الفيء الزائد على فيء الزوال لأن ذلك لا يتميز وليس في الحديث ما يدل عليه ثم أن ذلك إنما يصير قريبا من انتصاف الوقت ومثل ذلك لا يكون هو الأفضل في غير الحر بلا تردد فصل. فأما في شدة الحر فإن الأفضل الابراد بها لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه الجماعة وللبخاري عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري مثله وعن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر ابرد بالصلاة وإذا

стр. 171

كان البرد عجل" رواه النسائي والبخاري بمعناه وسواء كان المصلي منفردا أو في جماعة. وسواء كان في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من البعد أو من القرب وسواء كان المصلون مجتمعين أو منفردين هذا الذي دل عليه قول أحمد وفعله وهو قول القاضي أخيرا وأكثر أصحابنا لعموم الحديث فإنه أمر بالابراد أمرا عاما معموما مقصودا وعلله بعلة عامة توجد حال الصلاة وحال السعي إليها في الحر فإن فيح جهنم يصيب المصلي كما يصيب الذاهب إلى الصلاة مع علمه ﷺ أن أكثر المساجد إنما يصلي فيها جيرانها فلا يجوز حمل هذا الكلام على المساجد التي ينتابها الناس من البعد خاصة لأن هذه صور قليلة بالنسبة إلى غيرها فحمل العام عليها يكون حملا لها على الأقل دون الأكثر منه غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه وذلك لا يجوز ولأنه على هذا التقدير تكون العلة بأذى الناس بالمشي في الحر وهذه علة تنفس الحر سواء كان من فيح جهنم أو لم يكن فلما قال: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" وعلل بعلة تعلم بالوحي علم أنه قصد معنى يخفى على أكثر الناس وهو كراهة إيقاع الصلاة حال تسعير

стр. 172

النار كما كره إيقاعها وقت مقارنة الشيطان لها وكره الصلاة وقت الغضب من الله كما كره الصلاة في مكان الغصب لأن القلوب لا تقبل على العبادة وقت تلك الساعة كل الإقبال ولا ينزل من الرحمة ما ينزل في غير ذلك الوقت. وأيضا ما روى أبو ذر ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي ﷺ : "أبرد ثم أراد أن يؤذن فقال له ابرد حتى رأينا فيء التلول فقال النبي ﷺ : "إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" متفق عليه فهذا ابراد مع اجتماع المصلين وهو نص في المسألة ولأن سبب الإبراد إنما هو في شدة الحر من فيح جهنم وتنفسها وهذا كما أنه يؤذي الناس في حال بروزهم إلى المسجد فكذلك في حال صلاتهم بل أولى كما تقدم وكما أنه يؤذي من يصلي في الجماعة فإنه يؤذي المصلي وحده. وقال القاضي في المجرد وأبو الحسن الآمدي وطائفة من أصحابنا إنما يستحب الابراد لمن يصلي في مساجد الجامعات سواء كان المسجد ينتابه البعيد منه أم لا لأن الخروج إلى المسجد في الجملة مظنة المشقة في وقت القائلة فاستحب التأخير لتكثير الجماعة بخلاف المصلي وحده أو في بيته أو في القوم المجتمعين.

стр. 173

والأول هو الصحيح لما تقدم. وإنما يستحب الابراد في البلاد التي لها حر في الجملة سواء كان شديدا أو قليلا كبلاد الحجاز والعراق والشام واليمن ومصر. فأما البلاد الباردة التي لا حر فيها وإنما حرها في منزلة الربيع في غيرها مثل البلاد الشمالية وبلاد خراسان فإنه لا يستحب الإبراد فيها هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا لأن النبي ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" وقال: "فان شدة الحر من فيح جهنم". وهناك لا يشتد الحر ولا يتنفس بالبرد فيظهر هناك زمهريرها كما قال النبي ﷺ : "إن النار اشتكت إلى ربها وقالت أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم" متفق عليه وقد حكى بعض أصحابنا وجها أنه لا فرق بين البلاد الحارة والباردة. ووجها بأن ذلك مخصوص بالبلاد التي يشتد فيها الحر. والذي قدمناه أصوب فإن الحر والبرد لا بد من وجودهما في جميع الأرض المعمورة ولولا وجودهما لما عاش الحيوان ولا نبت الشجر ولا بد أيضا أن يكون الحر في القيظ أشد منه في فصل الصيف والربيع الذين

стр. 174

يسميان الربيع والخريف في كل أرض بحسبها لكن إذا كان في شدة الحر في بعض البلاد بحيث لا تكره الشمس ولا يؤذى الجالس في الصبح فليس هذا بحر شديد فلا يستحب الابراد في مثل هذه البلاد البتة وإذا كان الحر يؤذي فيها فقد اشتد الحر وأن لم يكن في أرض الحجاز. وينبغي أن يقصد في الابراد بحيث يكون بين الفراغ منها وبين آخر الوقت فصل لأن المقصود من الابراد يحصل بذلك ولهذا فإن في حديث أبي ذر حتى رأينا فيء التلول وقال عبد الله بن مسعود: "كانت صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام" رواه أبو داود ولأن الإبراد الشديد يخاف معه أن يفعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت. وأم الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة لأن النبي ﷺ كان يصليها في أول الوقت شتاء وصيفا ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال وذاك لأن الناس يجتمعون لها إذ السنة التبكير إليها ففي تأخيرها إضرار بهم وقد روي أن جهنم

стр. 175

تسجر كل يوم إلا الجمعة" فالسبب الذي من اجله سن الابراد يكون مفقودا يوم الجمعة. وهل يستحب تأخير الظهر في غير شدة الحر على روايتين. إحداهما: لا يستحب التأخير إلا في الحر والأفضل التعجيل إذا تيقنا دخول الوقت قال أبو عبد الله في رواية كثير من أصحابه أنا اختار فيها كلها التعجيل إلا الظهر في الصيف وعشاء الآخرة أبدا وهذا اختيار الخرقي وهو الذي ذكره الشيخ وذلك لأن الصلاة في أول الوقت أفضل كما تقدم وإنما خولف في شدة الحر لمعنى يختصه فيبقى فيما سوى ذلك على استحباب التعجيل ولأن ما تقدم من تعجيل النبي ﷺ صلاة الظهر مطلقا وتعجيله إياها في الشتاء من غير تفريق بين حالي الغيم والصحو دليل على أنهم لم يفهموا من حاله رعاية ذلك مع أن الشتاء مظنة الغيوم. والرواية الثانية يؤخرها في الغيم أيضا وهذه أصرح عنه قال ﵁ يؤخر الظهر في يوم الغيم ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء وقال أيضا في يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر والمغرب يؤخرها حتى يعلم انه سواد الليل ويعجل

стр. 176

العشاء وهذا اختيار أكثر أصحابنا لما روى سعيد في سننه عن إبراهيم النخعي قال كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ويؤخرون المغرب في اليوم المغيم. وهذا إخبار عن أهل الكوفة من أصحاب علي وعبد الله ومن بين ظهرانيهم من الصحابة ومن علم حالهم علم أنهم لم يكونوا يتحرون ذلك إلا تلقيا له عن أصحاب رسول الله ﷺ لأن الصلاة تتكرر في كل وقت فأمر الوقت بها لا بد أن يتقدم فيه سنة واثر ولا يجوز أن يتحروا مخالفة ما ظهر من السنة وقال ابن المنذر روينا عن عمر أنه قال إذا كان يوم غيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر ولأن الغيم مظنة المطر وغيره من الموانع للخروج فإذا آخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء اكتفى لهما بخروج واحد للمشقة ولهذا قال القاضي لا يستحب التأخير لمن يصلي في بيته وقال غيره بل يستحب على ظاهر كلامه وعلل بعض

стр. 177

أصحابنا هذه المسألة بأن الغيم في الجملة مظنة اشتباه الوقت فأخرنا الظهر والمغرب لنتيقن دخول الوقت فانهما لا يفعلان قبل وقتهما بحال وفعلهما بعد خروج الوقت جائز للعذر وهذا عذر في الجملة بخلاف العصر والعشاء فانهما يصليان قبل وقتهما في حال العذر وهذا عذر في الجملة ولا يصليان بعد وقتهما بحال وأما الفجر فلما لم يجز بحال تقديمها ولا تأخيرها استوى في حال الإشتباه الأمران ولذلك استحببنا أن نجعل الثانية من صلاتي الجمع مع تأخير الأولى ليبقى بمنزلة الجامع بين الصلاتين وأيضا فلما كانت الظهر والمغرب يحذر فعلهما قبل الوقت بكل حال ولا يحذر التأخير في جميع الأوقات والعصر والعشاء بعكس ذلك فيهما كان ما بعد عن المحذور أولى بالمراعاة وكلام أحمد يدل على هذا التعليل لأنه قال في يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر والمغرب يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل ويعجل العشاء وقد جاءت الأحاديث باستحباب تعجيل العصر مع الغيم خشية الفوات كما سيأتي أن شاء الله تعالى وهذا يدل على أن الذي يحذر من تفويت العصر في الغيم لا يخاف مثله في الظهر وعلى أن مثل هذه الحال بخلاف الظهر. وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده أو في جماعة مجتمعين أو مفترقين وعلى هذا المنصوص فإنه يستحب تأخير المغرب وتعجيل العشاء

стр. 178

مع الغيم أيضا لما تقدم من الأثر والمعنى وعلى الرواية الأول لا يستحب. وفرق جماعة من أصحابنا فاستحبوا تأخير الظهر مع الغيم ولم يستحبوا تأخير المغرب إذا علم دخول وقتها أو غلب على الظن لأن السنة التبكير فيها ولأن وقت العشاء قريب منها فلا يشق انتظارها ولأن الخروج بعد الغروب قد يشق ولأن العشاء السنة التأخير فيها. والصحيح المنصوص لما تقدم وقد صح عنه ﷺ : "أنه كان يؤخر المغرب ويعجل العشاء" في مواضع تذكر أن شاء الله في باب الجمع ولا تعريج مع السنة على رأي أحد والعشاء وأن كانت السنة فيها التأخير لكن إذا أخرت المغرب فإنه ينبغي أن لا يؤخر العشاء بل يقارب بينهما كما في حال الجمع فصل. وأما العصر فالسنة تعجيلها بكل حال في المعروف من نصوصه في

стр. 179

عامة جواباته وهو مذهبه الذي لا خلاف فيه بين أصحابه وقد روي عنه صالح آخر وقت العصر ما لم تغير الشمس وقال يؤخر الصلاة أحب إلى آخر الوقت العصر عندي ما لم تصفر الشمس فجعل القاضي وابنه هذه رواية ثانية بتصريحه بان آخر الوقت أحب إليه والاشبه والله أعلم أنه إنما قصد أن القول بجواز تأخير العصر أحب إلى من قول من لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار فإن استحباب تأخير العصر بعيد جدا من مذهبه وله مثل هذا الكلام كثيرا ما يقول هذا أحب إلى وليس غرضه الفعل وإنما غرضه حكم الفعل. والأصل في ذلك ما تقدم من الأمر الكلي وأيضا ما روى أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة" أخرجوه. وفي رواية: "وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه" رواه أحمد والبخاري وعن أنس قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ العصر فأتاه

стр. 180

رجل من بني سلمة فقال أنا نريد أن ننحر جوزوا لنا وأنا نحب أن تحضرها قال نعم فانطلق وانطلقا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس" رواه مسلم والدارقطني وزاد " كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العصر فيسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس" وعن رافع بن خديج قال: "كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ثم ننحر الجزور فيقسم عشر قسم ثم يطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس" متفق عليه وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ : "أنه كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس" رواه الدارقطني وعن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يظهر الفيء بعد" متفق عليه وقال البخاري وقال أبو أسامة من قعر حجرتها ولو كان يؤخرها لكانت الشمس قد مالت حتى خرجت من الحجرة وظهر فيها الفيء لأنها ليست كبيرة.
следующие страницы →