Полный текст (587 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فإنه لم يحصل منه شيء إذا جمع أبيح قولا واحدا.
وفي يسير الذهب في اللباس مثل العلم المنسوج بالذهب روايتان مومىء إليهما.
إحداهما: يحرم وهو اختيار كثير من أصحابنا لعموم النهي ولأنه استعمال للذهب فحرم كاليسير في الآنية.
والثانية: لا يحرم وهي اختيار أبي بكر وغيره لما روى معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ : "نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا" رواه أحمد وأبو داود والنسائي واحتج به أحمد وفسر قوله إلا مقطعا باليسير ولأنه أحد الأصناف الثلاثة فحل منه اليسير التابع لغيره كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية.
والفرق بين يسير الذهب في الآنية ويسيره في اللباس ونحوه ظاهر لأن الآنية تحرم من الفضة ومن الذهب على الرجال والنساء واللباس يباح للنساء من الذهب والفضة مطلقا ويباح للرجال يسير الفضة منه مفردا كالخاتم ونحوه ولا يصح إلحاق أحدهما: بالآخر.
وعنه رواية ثالثة أنه يباح اليسير لحاجة سواء كان مفردا أو تابعا ولا
стр. 282
يباح للتزين وهي المنصوصة عنه صريحا وكذلك ذكر القاضي في اللباس قال في رواية صالح وعبد الله وأبي طالب وأبي الحارث واللفظ له أن النبي ﷺ : "نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا" قال الشيء اليسير كشد أسنانه وما كان مثله مما لا يتزين به الرجل فأما الخاتم ونحوه فلا وذلك لأنه قد دل ذلك على أن القطع من الذهب وهو اليسير منه مباح مطلقا لكن لا بد أن يكون لحاجة لأنه قد دلت النصوص على تحريم خاتم الذهب ونحوه.
وعن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن النبي ﷺ قال: "من تحلى أو حلى بخر بصيصة من ذهب كوي يوم القيامة" رواه أحمد وهذا نهي عن التحلي بقليل الذهب مطلقا ومفهومه يدل على أنه لا يحرم
стр. 283
منه ما ليس بتحلي.
القسم الثاني التحلي به فيحرم على الرجل أن يتحلى بالذهب المفرد كالخاتم والسوار ونحو ذلك لما تقدم من قوله ﵇: "هذان حرام على ذكور أمتي" ولما روى البراء بن عازب وأبو هريرة ﵄ أن النبي ﷺ : "نهى عن خاتم الذهب" وعن ابن عمر ﵄: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ذهب فجعله في يمينه وجعل فصه مما يلي باطن كفه فاتخذ الناس خواتيم الذهب قال فصعد رسول الله ﷺ المنبر فألقاه ونهى عن التختم بالذهب" متفق عليهن وجاء ذلك من عدة وجوه وقد تقدم قوله ﷺ : "من تحلى أو حلى بخر بصيصة من ذهب كوي يوم القيامة".
قال أبو زيد الأنصاري يقال ما عليها خر بصيصة أي شيء من الحلي.
فأما التابع من الذهب فيباح من حلية السيف مثل القبيعة نص عليه.
وعنه ما يدل على المنع لما تقدم.
стр. 284
والأول أصح لما روى مزيدة العصري قال: "دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة قال الراوي كانت قبيعة السيف فضة" رواه الترمذي وذكر أحمد أنه كان لعمر بن الخطاب سيف فيه سبائك من ذهب وكان في سيف عثمان بن حنيف مسمار ذهب.
ثم من أصحابنا من لا يبيح إلا القبيعة قال ابن عقيل قال أصحابنا: هذا في القبيعة فأما تحلية جوانبه وحمائله ومنطقته بالذهب فلا يباح لأن القياس المنع مطلقا والمنصوص عن أحمد الإباحة في القبيعة وغيرها من حلية السيف مثل المسمار فيه والسبائك للأثر في ذلك ولعدم الفرق.
وأم تحلية غير السيف ففيه ثلاثة أوجه موميا إليها في كلامه.
أحدها: وهو قول القاضي وأكثر أصحابه مثل ابن عقيل وأبي الخطاب لا يباح لأن العموم والقياس يقتضي التحريم مطلقا وإنما خص من ذلك السيف للأثر فيبقى الباقي على الأصل.
والثاني: وهو قول أبي بكر وغيره أنه يباح التحلي باليسير منه مطلقا
стр. 285
إذا كان على وجه التبع كما تقدم في اللباس وأولى.
والثالث: أنه يباح في السلاح دون غيره قال الآمدي فأما استعمال الذهب في سلاحه كالمسمار في السيف والسبائك فيه وقبيعة السيف ونعله فيجوز وهذا أبين في كلام أحمد قال في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الفص يخاف أن يسقط يجعل فيه مسمار من ذهب قال إنما رخص في الأسنان يعني وما كان لضرورة قيل له قد كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب قال ذاك الآن سيف وذلك لأن المقصود من السلاح قتال العدو وإرهابه فجاز أن يحلى بما يفيد إرهاب العدو وخيلاء المسلم تكميلا لهذا المقصود ولذلك جاز لبس الحرير حين القتال ولأن اللت ونحوه في معنى السيف على هذا القول فيخرج فيه وجهان كالفضة.
أحدهما: الجواز وهو قول الآمدي ذكره في المنطقة وفي حمائل السيف.
والثاني: المنع قاله جماعة وحكاه القاضي عن احمد.
وسائر مسائل التحلي في الزكاة.
стр. 286
مسألة: (ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزاه ذلك).
أما الصلاة في ثوب واحد إذا ستر عورته ومنكبيه فلا بأس بها لما روى جابر: "إن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد متوشحا به" متفق عليه وقال عمر بن أبي سلمة: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحا به قد ألقى طرفيه على عاتقيه" رواه الجماعة لكن الأفضل أن يصلي في ثوبين لما روى أبو هريرة قال: "قام رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد فقال أوكلكم يجد ثوبين" رواه الجماعة إلا الترمذي زاد البخاري ثم سأل رجل عمر فقال إذا وسع الله فأوسعوا جمع رجل عليه ثيابه صلى في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقباء في سراويل ورداء في سراويل وقميص في سراويل وقباء في تبان وقباء في تبان وقميص قال واحسبه قال في تبان ورداء وهذا يدل على أن
стр. 287
عادته كانت الصلاة في ثوبين ويدل على أن الإذن في الثوب الواحد إنما وقع رخصة وذلك لأن المقصود من اللباس التزين لله في الصلاة ولذلك جاء باسم الزينة في القران ولهذا كان تميم الداري قد اشترى حلة بألف درهم فكان يصلي فيها بالليل وقال نافع: "راني ابن عمر وإنا اصلي في ثوب واحد فقال ألم اكسك قلت بلى قال ارأيتك لو بعثتك في حاجة كنت تذهب هكذا قلت لا قال الله أحق أن تزين له" رواه ابن بطة ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : "فالله أحق إستحياء منه.
ويستحب له أيضا تخمير الرأس بالعمامة ونحوها لأن النبي ﷺ كان يصلي كذلك وهو من تمام الزينة والله تعالى أحق من تزين له وقد روي عن ركانة بن عبد يزيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس" رواه أبو داود والترمذي وقال غريب وليس إسناده بالقائم وعن أبي المليح قال قال رسول الله ﷺ : "اعتموا تزدادوا حلما" رواه هشام بن عمار وهو مرسل وقد روى أبو حفص مرفوعا: "صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة إن الله
стр. 288
وملائكته يصلون على المتعممين".
والاستحباب كذلك في حق الإمام اوكد نص عليه لأن صلاة المأمومين مرتبطة بصلاته وهو أحد المصلين ومتقدمهم وهم ينظرون إليه ويقتدون به ولهذا كان استحباب التزين في الجماعات العامة مثل الجمعة والعيد ونحو ذلك اوكد.
فصل.
وإذا صلى في ثوبين فافضل ذلك ما كان اسبغ وهو القميص والرداء ثم القميص مع السراويل ثم القميص مع الإزار ثم الرداء مع الإزار ثم الرداء مع السراويل.
وإنما استحببنا مع الرداء الإزار لأنه كان عادة الصحابة ولأنه لا يحكي تقاطيع الخلقة واستحببنا السراويل مع القميص لأنه استر ولا يحكي الخلقة مع القميص وقد روي عن ابن عباس قال: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلا قيل وار من الأرض عورتك فاتخذ السراويلات ورواه أبو محمد الخلال مرفوعا عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "كان إبراهيم الخليل إذا صلى ذكر كلمة فكره له ربي ذلك
стр. 289
فبعث جبريل فأتى بثوب فقطعه سراويل فأعطاه وخيطه ولبسه إبراهيم فقال ما استر هذا وأحسنه".
وعن أبي إمامة قال: "قلنا يا رسول الله أن أهل الكتاب يسرولون ولا يأتزرون قال تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب" رواه حرب والقميص وحده أفضل من الرداء لأنه استر وأوسع قالت أم سلمة: "كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن والإزار وحده أفضل من السراويل وحده لما تقدم.
فصل.
وأما إذا جرد منكبيه مع قدرته على سترتهما فلا تصح صلاته في الجملة نص عليه في مواضع ونص على أنه إذا ستر منكبا وأبدى الآخر له كره ذلك ونص في موضع على أنه لا إعادة عليه فمن أصحابنا من
стр. 290
اقر النص على ظاهره وقال تصح صلاته إذا ستر أحدهما: دون ما إذا جردهما.
ومنهم من قال لا تصح حتى يسترهما لإطلاقه الكراهة لذلك وجعل النص الثاني رواية أخرى أنه تصح الصلاة بدون الستر مطلقا مع القول بوجوبه كما قالوا في المواضع المنهي عنها ومنهم من جعل الروايتين في وجوب ستر المنكبين.
ثم إذا قلنا بوجوبه ففي صحة الصلاة بدونه روايتان.
وعنه رواية أخرى أنه لا يكره كشف أحد المنكبين أصلا بناء على أن ذلك هو اشتمال الصماء لأنه ليس بعورة ولا يجب ستر مخارج الصلاة فأشبه الرأس.
والمذهب أنه لا تصح الصلاة مع تجريد المنكبين لقوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وما يستر المنكبين داخل في مسمى الزينة شرعا وعرفا فإنه يفهم من ذلك ان لا يكون عريانا وإنما يزول التعري بستر المنكبين لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" رواه البخاري ورواه مسلم وقال على عاتقيه".
стр. 291
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في لحاف لا يتوشح به وأن تصلي في سراويل ليس عليك رداء" رواه أبو داود وهذا يدل على تحريم تجريد المنكبين في الصلاة وفساد الصلاة معه وعن سهل بن سعد قال: "كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أكتافهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا" متفق عليه وعن جابر وأبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "يا معشر النساء إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر" رواه أحمد ولولا أن ستر المنكب واجب لم يكونوا يحافظون عليه مع ضيق الأزر وخوف بدو العورة ولوجب تكميل ستر العورة حتى يؤمن النظر إليها ولأن المقصود من الاستتار في الصلاة التزين لله بدليل أنها تجب حيث يجوز الكشف خارج الصلاة فإن المرأة الحرة يجوز لها أن تقعد في بيتها مكشوفة الرأس وكذلك بين النساء ولا تجوز صلاتها إلا مختمرة وكذلك يجوز للإنسان أن ينظر إلى عورة نفسه ولا تصح صلاته كذلك وفي إبداء المنكبين خروج عن التزين مطلقا ولهذا لم تجر العادات الحسنة بأن أحدا يجالس في مثل هذا الحال ولا أن
стр. 292
يكشفه بين الناس والرأس بخلاف ذلك ولأن من جرد منكبيه يسمى عاريا وأن كان مختمرا ومن سترهما مع عورته سمي كاسيا وأن كان بلا عمامة والتعري مكروه بين الناس لغير حاجة فجاز أن يكون شرطا في الصلاة ولهذا لم يشرع التعري إلا في الإحرام وإنما شرع كشف الرأس خاصة ونهيه ﷺ : "أن يطوف بالبيت عريان" يعم تعرية المنكبين وتعرية السوءتين.
إذا ثبت هذا فإنما كرهنا كشف أحدهما: أيضا لأن النبي ﷺ : "نهى عن اشتمال الصماء" ومعناها إبداء المنكبين كما سيأتي أن شاء الله تعالى وقرن بين إشتمال الصماء وبين الاحتباء في ثوب واحد فعلم أن كشف المنكب يشبه كشف السوءة ثم من قال من أصحابنا لا يجوز كشف واحد منهما احتج بذلك وبظاهر قوله ليس على عاتقيه منه شيء ولأنه أحد المنكبين فوجب ستره كالآخر ولقوله ﵇: "إذا كان الثوب واسعا فالتحف به" وفي لفظ: "تتعاطف به على منكبيك ثم صل" ونهيه أن يصلي في لحاف لا يتوشح به وأن يصلي في سراويل
стр. 293
ليس عليك رداء وهذا أمر بستر المنكبين.
ومن فرق على المنصوص قال النهي إنما جاء أن يصلي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء أو على عاتقيه فمتى ستر أحدهما: فقد صار على عاتقه منه شيء وجاز أن يقال على عاتقيه منه شيء وأن كان على أحدهما: كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ وهو في إحداهن وقال سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ وإنما يخرج من الملح وحده.
فصل: والواجب ستر المنكب عند القاضي وغيره من أصحابنا لأمره بالتوشح والتعاطف والارتداء فإن ذلك يقتضي الستر.
وقال كثير منهم إذا ترك على منكبيه شيئا ولو خيطا أو حبلا أجزأ لقوله: "ليس على عاتقه منه شيء" وقال إبراهيم النخعي كان أصحاب النبي ﷺ إذا لم يجد أحدهم ثوبا يصلي فيه وضع على عاتقيه عقالا ثم صلى وقال أيضا السيف بمنزلة الرداء "كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلون في سيوفهم" رواهما سعيد في سننه وقال بعضهم: إن وضع
стр. 294
على عاتقه شيئا من اللباس الذي يصلح لستر أجزاه ولو كان يصف البشرة أو كان لا يستوعب العاتق فأما ما لا يقصد به الستر كالحبل والخيط فلا يجزيه.
فصل: ويصح النفل مع إبداء المنكبين في أشهر الروايتين.
والأخرى لا يصح كالفرض لعموم الحديث ولان باب الزينة واللباس لا يفترق فيه الفرض والنفل.
ووجه الأول: "أن النبي ﷺ كان يصلي في الليل بالثوب الواحد بعضه على أهله" والغالب أن الثوب لا يكفي لذلك مع لستر المنكبين ولان النفل يجوز قاعدا أو راكبا موميا كل ذلك تسهيلا لطريقه والعادة أن الإنسان في بيته قد يكون عاري المنكبين بخلاف الفرض فإنه يشترط له أكمل الأحوال وأفضلها.
стр. 295
فصل: ويستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب درع وخمار وجلباب تلتحف به أو إزار تحت الدرع أو سراويل فإنه أفضل من الإزار لما روي عن ابن عمر أنه: "قال تصلي المرأة في الدرع والخمار والملحفة" رواه حرب وعن عائشة أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع فتسبل الإزار فتجلبب به وكانت تقول: "ثلاثة أثواب لابد للمرأة منها في الصلاة إذا وجدتها الخمار والجلباب والدرع" رواه سعيد وذكر إسحاق عن ابن عمر أنها كانت تصلي في درع وخمار وإزار تحت الدرع ويذكر في الحديث يرحم الله المتسرولات ولا تضم ثيابها في حال قيامها لئلا يبدو تقاطيع خلقها.
стр. 296
مسألة: (فان لم يجد إلا ما يستر عورته سترها).
هذه المسألة: (لها صورتان.
إحداهما: أن لم يجد إلا ثوبا يستر عورته فقط أو منكبيه فقط فإنه يستر العورة ويصلي قائما عند كثير من أصحابنا.
وقال القاضي وطائفة بل يستر المنكبين ويصلي جالسا موميا لأن نص أحمد في الصورة الثانية يدل على أن ستر المنكبين مع ستر العورة بالقعود أولى من ستر العورة فقط وذلك لأن النبي ﷺ : "نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" ولم يفرق فمتى ستر العورة به فقد ارتكب النهي.
وحمل أبو بكر والقاضي الأحاديث التي تخالف ذلك على النافلة فإن ستر المنكب فيها ليس بواجب وهذا لأن ستر المنكب لا بدل له وستر العورة له بدل وهو الجلوس بالأرض وضم فخذيه على عورته.
والأول أصح لما روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إذا صليت في ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به وأن كان ضيقا فاتزر به" متفق عليه وفي رواية لأحمد إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ثم صل من غير رداء ولأن ستر العورة أولى لأنها اغلظ وافحش وهو مجمع على وجوبه
стр. 297
وواجب داخل الصلاة وخارجها في الفرض والنفل وستر جميعها واجب اتفاقا بخلاف المنكب ولأنه إذا ستر المنكب فوت القيام وستر العورة المخففة وتكميل الركوع والسجود ولا يفوت بستر العورة إلا ستر المنكب فقط ومعلوم أن هذا أخف فيكون التزامه متعينا.
الصورة الثانية أن يستر الثوب منكبيه وعجيزته أو عورته فالمنصوص هنا أن يستر منكبيه وعجيزته ولا يقتصر على عورته فمن أصحابنا من قال بذلك هنا وفرق بين هذه الصورة والتي قبلها لأنه هنا إذا ستر عجيزته وقعد لم يبق من عورته شيء ظاهر إلا اليسير الذي يعفى عنه من أفخاذه ولم يفته إلا القيام ولأنه يتمكن من الركوع والسجود بالأرض ويحصل له ستر المنكبين وهو واجب والستر الواجب مقدم على القيام كما سيأتي.
وستر المنكب وأن سقط في النفل كما يسقط القيام لكن السقوط القيام فيه ثابت بالنص والإجماع والقيام يسقط عن المأموم إذا ائتم بإمام راتب قعد لمرض عارض لتحصيل الجماعة وقد علله النبي ﷺ بان في ذلك تعظيما للإمام كما يعظم الأعاجم بعضهم بعضا فيكون ستر المنكب اوكد منه لذلك.
وقد احتج أحمد لذلك بأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يعقدون
стр. 298
أزرهم وتبدو بعض عوراتهم في السجود" فعلم أن ستر المنكب اوكد من ستر بعض العورة.
ومن أصحابنا من سوى بين هذه الصورة والتي قبلها في أنه يستر عورته ويصلي قائما لظاهر الخبر المتقدم والمحافظة على القيام وستر بقية العورة أوجب من ستر المنكب لأن القيام واجب بالإجماع والعورة يجب سترها في الصلاة وخارجها والفرض والنفل فكان أولى وهذا هو الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى.
стр. 299
مسألة: (فان لم يكف جميعها ستر الفرجين فإن لم يكفهما ستر أحدهما).
ذلك لأن الفرجين اغلظ من غيرهما وإنما صار غيرهما عورة لمجاورتهما تبعا لهما.
وكونهما عورة ثابت بالنص المتواتر والإجماع فيكون سترهما مقدما على ستر غيرهما فإن خالف وستر غيرهما لم يصح لأنه ترك الستر الواجب فإن لم يكف الفرجين ستر أحدهما: أيهما كان لأن كلاهما عورة مغلظة مجمع عليها لكن ستر أيهما أولى فيه وجهان.
أحدهما: القبل لأنه يستقبل به القبلة ولأنه يبرز إذا صلى قائما ولأنه اغلظ بدليل أن من العلماء من يجوز استدبار القبلة دون استقبالها ولأنه يكره استقبال الشمس والقمر عند التخلي دون استدبارهما ولأن القبل عورة ناتية ظاهرة والدبر عورة داخلة كامنة فكان ستر ما ظهر من العورة أولى.
والوجه الثاني: الدبر وهو أصح بناء على صلاته جالسا أفضل فيستر القبل بجلوسه وضم فخذيه فإذا ستر الدبر أمكنه السجود بالأرض ولو ستر القبل فأما أن يسجد بالأرض فيفضي بدبره إلى السماء أو يومىء بالسجود فيفوت كمال الركن.
стр. 300
مسألة: (فان عدم بكل حال صلى جالسا يومىء بالركوع والسجود وأن صلى قائما حاز).
المشهور عن أحمد أن العريان ينبغي له أن يصلي قاعدا يومئ بركوعه وسجوده وهو اختيار الخرقي وأبي بكر وعامة الأصحاب فإن صلى قاعدا أو سجد بالأرض جاز وهو أفضل من أن يصلي قائما وأن صلى قائما وسجد بالأرض جاز أيضا مع الكراهة فيهما هكذا ذكر أصحابنا.
وعنه أنه يجب أن يسجد بالأرض سواء صلى قاعدا أو قائما اختاره ابن عقيل وكان أبو بكر يقول هذا قول لأبي عبد الله أول فأما القيام فلا يجب قولا واحدا.
ووجه هذه الرواية أن السجود ركن في الصلاة مقصود لنفسه بل هو أفضل أركانها الفعلية وهو مجمع على وجوبه فكان مراعاته أولى من مراعاة السترة ولقد كان القياس يقتضي إيجاب القيام أيضا لذلك إلا أنه أخف من السجود ولسقوطه مع القدرة في النافلة وخلف إمام الحي إذا صلى قاعدا وهو مريض يرجى برؤه وأنه يطول زمنه وأن فيه إفضاء بعورة بارزة خارجة إلى جهة القبلة فلما فحشت العورة فيه وطال زمن كشفها وخف أمره كان الاعتياض عنه بالستر أولى بخلاف السجود فإن زمنه قصير وهو أعظم أركان الصلاة ولا يبدو فيه إلا عورة الدبر وهي أخف من القبل.
стр. 301
والأول المذهب لما روى سعيد وأبو بكر وغيرهما عن نافع عن ابن عمر في قوم انكسرت بهم مراكبهم في البحر فخرجوا عراة قال يصلون جلوسا يومئون برؤوسهم إيماء.
ولم يبلغنا عن صحابي خلافه ولأنه إذا صلى قاعدا موميا فقد أتى ببدل القيام والركوع والسجود بل قد أتى بركوع وسجود هو بعض الركوع والسجود التامين فإن الإيماء بالرأس يدخل في عموم الأمر بالركوع والسجود أو أتى ببعض الركوع والسجود الواجبين مع التمكن وهذه صلاة مشروعة في الجملة للراكب على الراحلة والمريض أيضا وأتى أيضا بمعظم الستر وهو ستر العورة المغلظة فإنه إذا انضام ستر قبله بفخذيه وستر دبره بالأرض ولم يفته إلا تكميل الأركان وتكميل الشرط المعجوز عنه وهذا غير خارج عن جنس الصلاة المشروعة.
أما إذا قام وسجد بالأرض فإنه يستقبل القبلة بقبله حال القيام والسماء بدبره منفرجا حال السجود ويكشف في الجملة عورته وهذه الأشياء محرمة خارج الصلاة فكيف تكون في الصلاة ولهذا لم يشرع مثل هذه الصلاة في موضع آخر أبدا لا سيما أن كان العراة جماعة أو كان العريان في فضاء من الأرض فإن كشف عورته يتفاقم فحشه والستر أهم من تكميل الأركان لأنه يجب في الصلاة وخارج الصلاة وتكميل
стр. 302
الأركان إنما يجب في الصلاة وما كان مقصودا في نفسه ومقصودا للصلاة فهو أولى مما يقصد في الصلاة فقط لا سيما والستر يعم جميع أركان الصلاة والركن ينقضي في أثنائها يوضح هذا أن تكميل الأركان واجب في غير هذا الموضع وكذلك كشف عورته والإفضاء بها إلى اشرف الجهات محرم في غير هذا الموضع في غير الصلاة وهو في الصلاة أشد قبحا وتحريما فإذا كان هذا الموضع لا بد فيه من التزام بدل واجب أو فعل محرم كان ترك الواجب أسهل لأن النبي ﷺ قال: "إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" فالمنهي عنه يجب تركه بكل حال والمأمور به إنما يجب فعله في حال دون حال ولهذا لو لم يمكنه فعل فرائض الصلاة إلا بارتكاب محرم لم يجب فعلها إلا ترى أنه لو لم يمكنه ثوب يلبسه سقط عنه حضور الجمعة والجماعة مع أن الجمعة من اوكد الواجبات وأن شهود الجمعة والجماعة اوكد من تكميل الأركان بدليل أن المريض الذي يمكنه إتمام الأركان في بيته ولا يمكنه إتمامها في الجماعة فإن صلاته في الجماعة افضل.
وقد كان يتوجه أن لا تصح صلاته قائما لذلك وإنما صححناها لأنه يعتاض عن ستر العورة بتكميل الأركان وهو مقصود في الجملة ولأنه إذا لم يكن بد من الإخلال ببعض فروض الصلاة لم يتعين أحدها لكن الأحسن ما كان أشبه بالأصول ولأن الستر قد عجز عنه إلا بترك واجب آخر كما عجز عن تكميل الأركان إلا بترك واجب فصارت الأدلة الموجبة لأحدهما: بعينه معارضة كالأخرى
стр. 303
وهل يصلون متربعين أو منضامين على روايتين ذكرهما الآمدي.
إحداهما: يتربعون كسائر من يصلي جالسا من المريض والمتنفل.
والثانية: أنهم ينضامون ولا يتربعون نص على ذلك وهو الصحيح لأن ذلك استر فكانت رعايته أولى من رعاية هيئة مستحبة ولهذا استحببنا للمرأة أن تنضام في ركوعها وسجودها وأن كان التفرج هو المسنون للرجال ولهذا لم يسن للمرأة بشيء من هيئات العبادات التي هي مظنة ظهورها كالرمل والاضطباع والرقي على الصفا والمروة ومزدلفة ورفع الصوت بالإهلال فكيف بهيئة تظهر بها العورة المغلظة من الرجل.
فصل.
فان لم يمكنه تكميل السجود إلا بانتفاض طهارته مثل أن يطعن في دبره فيصير الريح يتماسك في حال جلوسه فإذا سجد خرجت منه فإنه يسجد بالأرض نص عليه.
ومن أصحابنا من خرج أنه يومىء كالعريان وكإحدى الروايتين في المصلي في الموضع النجس لأن الطهارة شرط فأشبهت السترة بل هي اوكد من السترة للإجماع على وجوبها وللاختلاف في سقوطها بالعجز
стр. 304
بخلاف الستارة والمنصوص أقوى لأن السجود ركن مقصود لنفسه فلا يجوز تركه مع القدرة إذا لم يكن في فعله مفسدة.
والفرق بين الطهارة والستارة أن الطهارة إنما تراد للصلاة والمقصود لا يصعب لتكميل الوسيلة ولهذا كانت الطهارة شرطا محضا لا تجب في غير الصلاة إلا أن يكون لصلاة أخرى وأما الستارة فأمر مقصود في نفسه واجب في نفسه ومقصود في الصلاة واجب لها وكشف السوءة محرم وأيضا فإن من جنس الحدث الدائم ما يصلى معه كما في المستحاضة والسلس والجريح فأما سجود الإنسان مفضيا بسوءته إلى السماء فلا عهد لنا به في الشرع.
стр. 305
مسألة: (ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا أو مكانا نجسا صلى فيهما ولا إعادة عليه).
أما من لم يجد إلا ثوبا نجسا فإنه يجب أن يصلي فيه.
وخرج بعض أصحابنا أنه يصلي عريانا بناء على أن صلاة حامل النجاسة تجب إعادتها في رواية وصلاة العريان لا تجب إعادتها إجماعا ولأن اجتناب النجاسة يجب في البدن والثوب والبقعة وستر العورة يختص موضعها.
والأول هو المذهب المعروف من غير خلاف عن أبي عبد الله ﵁.
ذكر ابن أبي موسى فيمن لم يجد إلا ثوبا نجسا وصلى فيه هل يعيد على روايتين ولو لم يصل فيه أعاد قولا واحدا لأن مصلحة الستر أهم من مصلحة اجتناب النجاسة لأنه يجب في الصلاة وغيرها وثبت وجوبه بالكتاب والسنة والإجماع المتقدم وسمى الله تركه فاحشة بخلاف اجتناب النجاسة ولأن هذا الثوب يجب لبسه قبل الصلاة فلم تصح صلاته بدونه كما لو لم يجد إلا ثوب حرير أو ما يستر بعض عورته ولأنه إذا تعرى سقط القيام والركوع والسجود الكاملان وحصل الإخلال بالشرط وإذا لبس الثوب النجس لم يحصل إلا الإخلال بشرط مختلف فيه بين
стр. 306
السلف فكان أولى وأنها لم تجب الإعادة على العريان لأن اللباس فعل أمر به وقد عجز عنه فأشبه ما لو عجز عن الاستقبال أو القراءة أو الركوع أو السجود وهو عذر غالب واجتناب النجاسة هو من باب الترك والعجز عن إزالتها عذر نادر فلهذا فرق من فرق بينهما إلا ترى أن مفسدة التعري في الوقت لا تنجبر باللباس بعد خروج الوقت لأن مفسدته لا تختص الصلاة بخلاف حمل النجاسة فإن مفسدته تختص الصلاة.
فصل.
وأما الإعادة ففيها روايتان حكاهما ابن أبي موسى وهو من أوثق الأصحاب نقلا وأقربهم إلى نقل نصوصه وحكاهما غيره.
وأما القاضي وأصحابه ومن تبعهم فذكروا أنه نص هنا على الإعادة ونص في مسألة المكان النجس على عدم الإعادة.
ثم أكثر هؤلاء جعلوا في المسألتين روايتين بطريق النقل والتخريج كما في نجاسة البدن المعجوز عن إزالتها وكما في عدم الماء والتراب وجعلوا هذا النص بناء على قوله بوجوب الإعادة في النجاسة المعجوز عنها وقد وافقوا في هذا التخريج لما نقله ابن أبي موسى.
وعلى هذا فالصحيح أنه لا إعادة عليه في شيء من ذلك كما أن الصحيح أن لا إعادة في النجاسة المعجوز عن إزالتها وكما في المنسية
стр. 307
والمجهولة وأولى فإن طهارة الحدث والسترة تسقط بالعجز ولا تسقط بالنسيان ولأن العاجز فعل ما أمر كما أمر وامتثال الأمر يقتضي الأجزاء بفعل المأمور به فمن امتثل ما أمره الله به فلا إعادة عليه البتة لأن الله تعالى لم يفرض على عباده إلا صلاة واحدة وقد قال لهم نبي الله ﷺ لما فاتتهم الصلاة وسألوه عن الإعادة مرتين " أينهاكم عن الربا ويقبله منكم?" فكيف بمن لم يفوت وإنما اتقى الله ما استطاع.
وطرد هذا أن لا تجب الإعادة على من تيمم في الحضر لعدم الماء أو خشية أذى البرد ونحوهم وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن المستحاضة تصلي مع وجود النجاسة ولا إعادة عليها وقد صلى عمر ﵁ وجرحه يثعب دما ولم يعد ولأنا لو أوجبنا عليه الإعادة إذا صلى في ثوب نجس ولم نوجبها إذا صلى عريانا لكان التعري أحسن حالا فكان ينبغي أن يصلي عريانا وقد تقدم تضعيف ذلك.
ومن أصحابنا من فرق بين مسألتي المكان والثوب على ظاهر ما بلغه من النص بأنه هنا قادر على اجتناب النجاسة وعلى الاستتار لكن إنما يمكنه كل واحد منهما بتقريب الآخر فإذا تزاحما قدمنا أوكدهما ثم
стр. 308
أوجبنا القضاء لكونه قادرا على اجتناب النجاسة من بعض الوجوه بخلاف المحبوس وبكل حال فعليه أن يتقي النجاسة ما أمكن فإذا كان معه ثوبان نجسان صلى في اقلهما نجاسة.
وإن كانت النجاسة في طرف ثوب كبير استتر بالطاهر منه وأن كان حاملا للنجاسة لأن محذور الحمل بدون الملاقاة أقل من محذورهما جميعا وقد تقدم حكم من لم يجد إلا ثوب حرير أو ثوبا مغصوبا.
فصل.
وأما من لم تمكنه الصلاة إلا في موضع نجس كالمحبوس فيه إذا لم يكن عنده ما يحتجر به فإنه يصلي فيه بلا خلاف لأنه لا يقدر على غير ذلك وفي الإعادة روايتان.
المنصوص منهما أنه لا إعادة عليه وهي الصحيحة وكذلك كل من عليه نجاسة يعجز عن إزالتها أما بأن لا يجد لها طهورا أو يجده ولا يستطيع إزالتها لكونها على جرح يضره الماء.
فان قلنا يعيد على إحدى الروايتين فلأنها إحدى الطهارتين ولم يأت بها ولا ببدل عنها فأشبهت طهارة الحدث ولأنه قد ترك العبادة لعذر نادر غير متصل فأشبه صوم المستحاضة
стр. 309
والأول أصح لما تقدم ولأنه شرط عجز عنه فلم تلزمه الإعادة من اجله كالسترة والقبلة حال المسايفة هكذا ينبغي أن يكون الكلام إذا حبس في المواضع المنهي عن الصلاة فيها كالحش والحمام والإعادة هنا اضعف لأنه في هذه الحال ليس بمنهي عن الصلاة فيها فأشبه المصلي في الثوب الحرير إذا لم يجد غيره.
وإذا اقيمت الجمعة في مكان مغصوب فإنه يصلي فيه ولا يحل لأحد تركها نص عليه لأن الجمعة لا تفعل إلا في مكان واحد فلو لم يشهدها لأفضى إلى تركها بالكلية ولهذا تصلي خلف كل إمام برا كان أو فاجرا وكذلك تصلى خلف الإمام وأن كان ثوبه حريرا أو مغصوبا لذلك.
ثم أن أمكنه الاقتداء بالإمام في غير المكان المغصوب لم يجز الدخول إليه وألا جاز للضرورة ولا يتفل فيه لعدم الضرورة.
وإذا كان الإمام جاهلا بالغصب فإن صلاته وصلاة من لم يعلم بالغصب وصلى فيها وصلاة من صلى خارجا عنها صحيحة إذا بلغوا العدد المعتبر لأن قصارى صلاة من صلى فيها عالما بالغصب أن تكون معدومة.
وأما بدون ذلك ففي وجوب الإعادة روايتان خرجهما أصحابنا على الائتمام فيها بالفاسق.
فأما المحبوس في مكان مغصوب فينبغي أن لا تجب عليه الإعادة قولا واحدا كمن لا يجد إلا الثوب الحرير لأن لبثه فيه ليس بمحرم عليه
стр. 310
لأنه لم يدخل باختياره إلا أن يكون قادرا على الخروج بخلاف من لم يجد إلا الثوب المغصوب فإن التحريم ثابت في حقه هذه الطريقة الصحيحة.
ومن أصحابنا من يجعل فيمن لم يجد إلا الثوب الحرير روايتين كمن لم يجد إلا الثوب النجس وعلى هذا فمن لم يمكنه أن يصلي إلا في الموضع المغصوب فيه الروايتان وأولى وكذلك من يكره على الكون بأماكن النجس والمغصوب بحيث يخاف من الخروج منه ضررا في نفسه أو ماله ينبغي أن يكون كالمحبوس في الموضع النجس والمحبوس في الموضع النجس يجلس في صلاته على قدميه لأن ما سواهما يمكن صونه عن النجاسة من غير إخلال بركن لأن إلصاق الآليتين بالأرض حال القعود ليس بواجب وأما السجود ففيه روايتان.
إحداهما: أنه يومىء إلى الحد الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة كالعريان.
والثانية: يسجد بالأرض لأنه فرض مقصود في نفسه ومجمع على افتراضه فأشبه من تنتقض طهارته بالسجود وأولى لأن طهارة الحدث اوكد من طهارة الخبث.
стр. 311
فصل.
ومتى بذل للعريان إعارة سترة لزمه قبولها كما يلزمه قبول الماء إذا وهب له والدلو والحبل إذا أعيره.
وقيل لا يجب عليه قبولها كما لا يلزمه قبولها إذا بذلت له هبة وكما لا يلزمه قبول الماء في الحج والكفارات.
وقد خرج وجه بأنه يلزمه قبول الهبة لأن العار في بقاء عورته مكشوفة أكثر من الضرر في المنة التي تلحقه لأشياء عند من قال من أصحابنا أنه يلزمه قبول المال في الحج فإن قبول السترة اوكد لأن فرض السترة لا يتوقف على وجودها وإنما يتوقف على القدرة على تحصيلها كالماء في الوضوء بدليل أنه لو أمكنه تحصيل السترة من المباحات لزمه ولا يلزمه تحصيل ما يحج به من المباحات.
ووجه الأول وهو المشهور أن قبول العارية لا منة فيه في الغالب بخلاف قبول الهبة فصار قبولها كقبول الماء والتراب في الطهارة وكالاسترشاد إلى طريق الجامع ووجود السترة لا يعتمد وجودها وإنما يعتمد القدرة عليها وهي حاصلة بخلاف قبول الهبة فإن فيه ضررا عليه بالحق الذي يجب للواهب عليه وإمكان إلحاق المنة به.
стр. 312
قال بعض أصحابنا: ولا يجب على مالك الثوب أن يعيره إذ لا ضرورة بالعريان إليه كما لا يجب عليه أن يبذل له ماء للوضوء مع أنه يجب عليه بذل الماء للعطش واللباس لخوف الضرر بالحر والبرد ونحو ذلك.
وقياس المذهب أن هذا واجب لأن ستر العورة من الحوائج الأصلية التي لا تختص بالصلاة فمتى اضطر الإنسان إليه وجب بذله له وأن لم يخف ضررا بالتعري بخلاف الطهارة وكشف السوءة فيه ضرر على الإنسان في نفسه أعظم من كثير من الضرر الذي يلحقه في بدنه فيجب إعانته على إزالته ببذل الفضل كإغاثة الجائع والعطشان وأيضا فإن هذا بذل منفعة لتكميل عبادة هي واجبة في الأصل ولا ضرر في بذلها فوجب كتعليم الجاهل ودلالة الغريب على طريق الجامع ومناولة الماء والتراب لمالكهما وتوجيه الأعمى إلى القبلة بخلاف الماء فإنه بذل عين وبكل حال فالمستحب أن يبذل لهم السترة لأنه إعانة على تكميل العبادة فأشبه المتصدق على الرجل بالصلاة معه جماعة وأولى.
ويبدأ بإعارة النساء قبل الرجال لأن عورتهن اغلظ.
стр. 313
فصل.
وإن لم يجد إلا حشيشا أو ورقا يربطه عليه لزمه الستر به لأنه مغط للبشرة من غير ضرر فأشبه الجلود والثياب وقد اخبر الله تعالى عن آدم وحواء أنهما ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ وامرر النبي ﷺ بمصعب بن عمير يوم أحد أن يجعل على رجليه شيء من الاذخر فإذا كان الاذخر كالثوب في ستر الميت فكذلك في ستر الحي.
وإن لم يجد إلا طينا ففيه وجهان.
أحدهما: وهو اختيار ابن عقيل أنه يلزمه أن يتطين به بدل الثوب فما سقط منه سقط حكم الوجوب فيه وتحصل السترة بما بقي.
والثاني: لا يجب وهو اختيار الآمدي وغيره وقيل أنه المنصوص قال أحمد لأنه يتناثر ولا يبقى وهو الصواب المقطوع به لأن السلف من الصحابة ومن بعدهم أمروا العراة الذين انكسر بهم المركب أن يصلوا بحسب حالهم مع العلم بأنه قد كان يمكنهم أن يجبلوا من ماء البحر
стр. 314
بتراب البر فيصير طينا فإن أكثر السواحل يقرب منها التراب وأيضا فإن هذا مثله وهو ملوث مؤذ يتناثر رطبا ويابسا فلا يحصل به مقصود الستر في الغالب وأيضا فإن الفرائض من الجمعة والجماعة تسقط إذا خيف تأذيه بمطر أو بوحل مع سخونة الهواء فكيف يؤمر بان يتطين وأيضا فسنبين أن شاء الله تعالى إنه لا يجب عليه أن يسجد على الطين فإذا سقط تكميل الركن لتلوث جبهته ويديه فتلويث جميع عورته أولى أن لا يجب.
وإن وجد ماء لم يلزمه النزول فيه وأن كان كدرا وكذلك أن وجد حفرة لم يلزمه النزول فيها لأن ذلك لا يحصل مقصود الستر الواجب لكن ينبغي أن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إذا أمكن لأن ذلك أحسن من التعري في الفضاء ولذلك أمر المغتسل والمتخلي أن يستتر بما أمكنه من ذلك.
وإن وجد سترة تضره كالبارية لم يلزمه الاستتار بها.
فصل.
إذا وجد السترة في أثناء الصلاة قريبة منه استتر وبنى لأنها حينئذ وجبت عليه وليس الاستتار بها عملا يبطل الصلاة فأشبه الأمة إذا أعتقت في الصلاة والخمار بقربها وأن كانت السترة بعيدة منه بحيث تكون مسافتها مما يبطل الصلاة يقطعها أو كان يحتاج إلى الاستتار بها إلى عمل كثير فإنه يستتر ويستأنف في ظاهر المذهب كالمتيمم إذا وجد الماء وقلنا يخرج وكالمستحاضة إذا انقطع دمها انقطاعا يوجب الوضوء.
стр. 315
وفيه وجه مخرج على من سبقه الحدث أنه يستتر ويبني كالوجه المخرج في المتيمم والمستحاضة.
والصحيح الفرق بين من حدث المبطل له في أثناء الصلاة ومن كان المبطل موجودا معه من أولها لكن لم يظهر علمه للعذر كما تقدم وإنما نظير المتوضئ هنا الأمة إذا اعتقت في أثناء الصلاة والسترة بعيدة منها أو كان المصلي مستترا فاطارت الريح سترته واحتاج ردها إلى عمل كثير فإن هذا كالمتطهر الذي سبقه الحدث لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحا من غير قيام المبطل بخلاف العاري والمستحاضة والمتيمم فإن المبطل كان مقارنا لأول الصلاة وإنما عفي عنه للضرورة ولا ضرورة إذا زال العذر في أثناء الصلاة ولهذا قلنا أن الإمام إذا علم بحدث نفسه في أثناء الصلاة استأنف المأمومون الصلاة ولو لم يعلم حتى قضوا الصلاة لم يعيدوا.
وإن وجد البعيد عن السترة من يناوله إياها من غير عمل بطلت في أحد الوجهين لانكشاف العورة زمنا طويلا بعد وجوب الستر.
ولم تبطل في الآخر إذا ناوله إياها من غير تراخ وهو اختيار الآمدي لأنه لم يوجد منه عمل وقد أتى بالستر على الوجه الممكن لأن وجوب الستر بالقدرة على الستر لا بنفس ظهور السترة.
стр. 316
فصل: ولا تسقط السترة بجهل وجوبها ولا نسيان لها كما تسقط بالعجز فلو نسي الاستتار وصلى أو جهل وجوبه أو أعتقت الأمة في أثناء الصلاة ولم تعلم حتى فرغت لزمتهم الإعادة قاله أصحابنا لأن الزينة من باب المأمور به فلا تسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث وهذا لأن الناسي والجاهل يجعل وجود ما فعله كعدمه لأنه معفو عنه فإذا كان قد فعل محظورا كان كأنه لم يفعله فلا إثم عليه ولا تلحقه أحكام الإثم وإذا ترك واجبا ناسيا أو جاهلا فلا إثم عليه بالترك لكنه لم يفعله فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنا وبهذا يظهر الفرق بين الزينة واجتناب النجاسة ولأن التزين هو الأمر المعتاد الغالب فتركه مع القدرة لا يكون إلا نادرا فلم يفرد بحكم.
فصل.
ويعفى عن يسير العورة قدرا أو زمانا فلو انكشف منها يسير وهو ما لا يفحش في النظر في جميع الصلاة أو كشفت الريح عورته فأعادها بسرعة أو انحل مئزره فربطه لم تبطل صلاته وسواء في ذلك العورة المغلظة والمخففة.
стр. 317
إلا أن ما يعفى عنه من العورة المخففة أكثر مما يعفى عنه من المغلظة لأنه يفحش من هذا في العرف أكثر مما يفحش من هذا.
وقال القاضي وغيره هما سواء في مقدار العفو.
وعن أحمد ما يدل على أنه لا يعفى عن يسير العورة كما لا يعفى عن يسير طهارة الحدث ولأنه يجب ستره عن العيون فاشترط ستره في الصلاة.
وعنه التوقف في ظهور جميع العورة إذا أعاد الستر بسرعة.
وحكي عنه أن اليسير إذا طال زمانه ابطل وأن لم يبطل الكثير إذا قصر زمانه وقال أبو الحسن التميمي أن بدت عورته وقتا واستترت وقتا فلا إعادة عليه ولم يقيده بالزمن اليسير لظاهر حديث عمرو بن سلمة.
والأول هو المشهور لما روى عمرو بن سلمة في قصة إسلام قومه لما ذكر أنه صلى بقومه على عهد النبي ﷺ قال: "وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي إلا تغطوا عنا أست قارئكم فقطعوا لي قميصا" رواه البخاري ومن احتج بهذا قال هذه قضية جرت لهؤلاء الصحابة ولا يكاد مثلها يخفى على النبي ﷺ وسائر أصحابه ولم ينكر فصارت حجة من جهة إقراره ومن جهة أن أحدا من
стр. 318
الصحابة لم ينكر ذلك ولا يقال فانتم تقولون بهذا في إمامة الصبي في الفرض لانا سنتكلم عليه أن شاء الله تعالى في موضعه ولأنه قد صح عنه ﷺ أنه قال للنساء: "لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا لا ترين عورات الرجال" من ضيق الأزر وكانوا يعقدون أزرهم على أكتافهم ولولا أن يسير العورة يعفى عنه لأمر الرجال بإعادة الصلاة منه كما أمر النساء بغض أبصارهن عنه أو لأمر بذلك من كان يمكنه الاتزار بإزار واسع ولأمرهم بالائتزار على وجه لا يؤدي إلى كشف شيء من العورة بان يأتزروا على العورة فقط كما ذكره في الإزار الضيق فإن ستر العورة أهم من ستر المنكب فإن الناس قائلان قائل يقول يجب عليه أن يستر العورة ويسجد وقائل يقول يستر المنكب ويصلي جالسا مومئا فأما أن يستر المنكب ويسجد مكشوف السوءة فليس بجائز وفاقا وأيضا فإن ذلك يشق عموم الاحتراز منه فإن المأزر والسراويلات تنحط في العادة عن السرة قليلا والمرأة يبدوا أطراف شعرها ورسغها كثيرا وأكثر الفقراء لا تسلم أثوابهم من يسير فتق أو خرق وقد قال النبي ﷺ : "لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد أولكلكم ثوبان" فلم يوجب من السترة إلا ما يجده عامة الناس دون ما يجده ذوو اليسار وقد صح عنه ﷺ : "أنه كان يبدو بعض فخذه" فعلم أنه ليس بمحرم ولأنه لما عفي عن الكثير في الزمن
стр. 319
اليسير فكذلك اليسير في الزمن الكثير ولأنه شرط للصلاة ليس له بدل فعفي عن يسيره كاجتناب النجاسة وطرده القبلة في الانحراف اليسير والنية في تقدمها بالزمن اليسير ولأنه إخلال بيسير من الشرائط يشق مراعاته في الجملة فعفي عنه كيسير النجاسة وطرده طهارة الحدث عفي فيها عن باطن الشعور الكثيفة لما شقت مراعاتها بخلاف البشرة الظاهرة فإنه لا يشق غسلها ولأن الصلاة تصح مع كثيرها للضرورة فجاز أن تصح مع يسيرها مطلقا كالعمل الكثير والمناسبة في هذه الاقيسة ظاهرة.
وحد اليسير ما لا يفحش في النظر في عرف الناس وعادتهم إذ ليس له حد في اللغة ولا في الشرع وأن كان يفحش من الفرجين ما لا يفحش من غيرهما.
فصل.
والعراة يصلون جماعة ويقف أمامهم وسطهم لأنهم من أهل الجماعة وهي واجبة عليهم ولأن الجماعة مشروعة في الخوف مع ما فيها من العمل الكثير وفراق الإمام وغير ذلك فلان تشرع هنا أولى ويؤمر كل واحد منهم بغض بصره كما " أمر النبي ﷺ النساء بغض أبصارهن عن الرجال".
ويصلون صفا واحدا أن أمكن وأن ضاق المكان عنهم فقيل:
стр. 320
يصلون جماعتين.
وقيل بل يصلون صفوفا وهو أصح.
وإن كانوا رجالا ونساء والمكان واسع صلى كل نوع لأنفسهم وأن كان ضيقا صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال.
وإن بذلت سترة واحدة للعراة فقال أصحابنا: يصلون فيها واحد بعد واحد لأن مصلحة الستر أهم من مصلحة الجماعة إلا أن يخافوا ضيق الوقت فيستتر بها أحدهم ويصلي الباقون عراة.
وقيل يصلون فيه واحد بعد واحد وأن فات الوقت لأن المحافظة على الشرط مع إمكانه أولى من إدراك الوقت كما لو وجد ماء لا يمكنه استعماله إلا بعد فوات الوقت أو سترة يخاف فوات الوقت أن تشاغل بالمشي إليها والاستتار بها.
والأول مذهب لأن من خوطب بالصلاة في أول الوقت وهو عاجز عن شرط أو ركن في الحال قادرا على تحصيله بعد الوقت لم يجز له تأخير الصلاة عن وقتها ولو جاز هذا لكان من عجز عن الطهارة أو السترة أو الركوع أو السجود وغير ذلك من الشرائط والأركان يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على ذلك إذا علم أو غلب على ظنه أنه يقدر على ذلك وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع فإن رعاية الشرع للوقت أعظم من رعايته
следующие страницы →