← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11251

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - من كتاب الصلاة

ابن تيمية

Полный текст (587 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعلى الشريعة عموما فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم وكلام أحمد ابعد شيء عن هذا القول وإنما كان يفعل مثل هذا أهل الجاهلية حين كانت المرأة الحرة والأمة تطوف بالبيت وقد سترت قبلها ودبرها تقول. اليوم يبدو بعضه أو كله. وما بدا منه فلا احله. حتى نهى الله تعالى عن ذلك وأمر بأخذ الزينة عند المساجد وسمى فعلهم فاحشة وإنما وقع الوهم فيه من جهة أن بعض أصحابنا قال عورة الأمة كعورة الرجل بعد أن حكى في عورة الرجل الروايتين وإنما قصد أنها مثله في المشهور في المذهب. ثم اختلف أصحابنا فيما عدا ضواحيها وما بين السرة والركبة وهو الظهر والصدر والمنكب ونحو ذلك هل هو عورة في الصلاة على وجهين. ومنهم من يحكيه على روايتين لأنه قد أومأ إليهما ومنهم من يقول أن المنصوص عورة. أحدهما: أنه ليس بعورة كما ذكره الشيخ ﵀ وهو قول أبن حامد وأبي الخطاب وابن عقيل لما روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "إذا زوج أحدكم خادمه أو

стр. 247

عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" والمراد بالخادم الأمة وإذا جاز للسيد النظر إلى ذلك مع أنها حرام عليه لم يكن عورة. والثاني: هو عورة قاله القاضي في الجامع وابنه أبو الحسين وذكر أنه منصوص أحمد وهو اختيار أبي الحسن الآمدي وهو أشبه بكلام أحمد واصح لأن عليا ﵁ قال تصلي الأمة كما تخرج ومعلوم أنها لا تخرج عارية الصدر والظهر ولأن الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه. فأما كشف ما سوى الضواحي فلم يكن عادتهن ولم يأذن لهن في كشفه فلا معنى لإخراجه من العورة ولأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد وقميص الأمة ورداؤها من زينتها بخلاف الخمار ولأن النبي ﷺ : "نهى الرجل أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".

стр. 248

تكميلا للتزين بستر المنكب فكيف يأذن للامة أن تصلي وظهرها وصدرها مكشوف مع العلم بان انكشاف ذلك منها أشد قبحا وتفاحشا من انكشاف منكب الرجل ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة فأما الظهر والصدر فباق على الأصل. والحديث المتقدم لا دليل فيه لأنه لا يلزم من إباحة النظر إليها بالملك أن يكون المنظور ليس بعورة فإن النظر يباح من المالك والمملوك وذوي المحارم إلى أشياء يجب سترها في الصلاة لكن نظر الزوج والسيد المباح لهما الوطء اعم من نظر غيرهما. فصل. وسواء في ذلك الأمة المزوجة والمتسراة غير المستولدة والمدبرة والمكاتبة والمعلق عتقها بصفة لأن رقهن باق بحاله وما انعقد لهن من أسباب الحرية ليس بلازم وقد تقدم حديث أنس في صفية بأنه دليل على أن السرية لم تكن تحجب حجب الزوجة هذا قول أكثر أصحابنا

стр. 249

وقال أبو علي بن البناء حكم المكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها بصفة حكم أم الولد والمعتق بعضها لأنه قد انعقد لهن سبب الحرية فخرجن عن محض العبودية فرجعن إلى الأصل. وأما أم الولد فقد نص أحمد على أنها تصلي كما تصلي الحرة لأنه انعقد لها سبب الحرية لازما وينجر لها من أحكام الحرية أنها لا تباع ولا توهب ولا توقف ولا ينقل الملك في رقبتها فصار فيها شائبة الحرية فغلب حكمها لوجهين. أحدهما: أنه لا يمكن تمييز حق الحرية عن حق العبودية والعمل بمقتضى ما فيها من الحرية واجب وهو لا يمكن إلا بان تكون كالحرة وما لا يتم الواجب إلا به فواجب. والثاني: أن الأصل أن السترة في الأمة والحرة سواء وإنما ترك ذلك في الأمة المحضة لما فيها من معنى الابتذال والإمتهان وهذا غير مقصود في أم الولد. ثم اختلف أصحابنا هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب على وجهين وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في ذلك روايتين. إحداهما: أنه على سبيل الاستحباب كما ذكره الشيخ ﵀ وهو اختيار الخرقي وغيره فيكره لها كشف رأسها لكن لا تبطل صلاتها أن صلت مكشوفة لأنها أمة فأشبهت المكاتبة ولأنها مال بدليل أنها تقوّم

стр. 250

بالقيمة إذا قتلت أو ماتت تحت اليد العادية فتكون كسائر الإماء وما فيها من منع التصرف في رقبتها لا يخرجها عن ذلك كالأمة الموقوفة وما فيها من انعقاد سبب الحرية لا يوجب أخذ أحكام الحرية كالمدبرة ولقد ميزت على غيرها لما فيها من شوب الحرائر بكراهة كشف رأسها. والثاني: على سبيل الوجوب لما تقدم. وأما المعتق بعضها فهي على هذا الخلاف المذكور إلا أن القول بالوجوب هنا هو القوي عند أصحابنا لأن فيها جزءا حرا فوجب أن يعطى حكم الحرة وذلك لا يمكن إلا بستر جميعها فيجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فواجب ولهذا قلنا فيما لا يمكن تقسيطه من الأحكام مثل الطلاق أنه يكمل فإن المعتق نصفه يطلق ثلاثا لأنه لا يمكن أن يطلق طلقتين وربعا.

стр. 251

مسألة: (ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصح صلاته). هذا أشهر الروايتين عن الإمام احمد. والأخرى تصح صلاته مع التحريم وهي اختيار الخلال قال الآمدي وهذا في الفرض فأما النفل فتبطل رواية واحدة لأن المقصود به القربة وهي لا تحصل بالمحرمات بخلاف الفرض فإنه يقصد به القربة وبراءة الذمة فإذا بطلت القربة تبقى براءة ذمته وأكثر أصحابنا أطلقوا الخلاف وهو الصواب لأن منشأ القول بالصحة أن جهة الطاعة مغايرة لجهة المعصية فيجوز أن يثاب من وجه ويعاقب من وجه كما تبرأ الذمة فإنها لا تبرا إلا بامتثال الأمر وامتثال الأمر طاعة والصلاة في الثوب الحرير ممن يحرم عليه لبسه على هذا خلاف لأن المذهب أنه حرام. وكذلك من لبس ثوبا فيه تصاوير إذا قلنا أنه حرام قال أبو عبد الله السامري كل من صلى في سترة يحرم عليه لبسها ولا سترة عليه غيرها كره له ذلك وهل تبطل صلاته على روايتين وذلك مثل المغصوب وما اشتري بعين مال الحرام في حق الرجال والنساء ومثل الحرير وما غالبه

стр. 252

الحرير وما نسج بالذهب ونحو ذلك في حق الرجال. ووجه الإجزاء أن تحريم ذلك لا يخص الصلاة فأشبه من صلى وهو حامل ثوبا مغصوبا ولأن النهي عن الصلاة في المكان والثوب المغصوبين ليس لمعنى في نفس الصلاة كالصلاة مع الحدث والنجاسة وإنما هو لمنع في غيرها وهو ما فيه من ظلم الغير والانتفاع بملكه بغير إذنه وهذه جهة غير جهة العبادة فيكون مطيعا من حيث هو مصلي عاصيا من حيث هو غاصب. ووجه الأول ما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" متفق عليه ومعنى رد أي مردود وفي لفظ: "من صنع أمرا علي غير أمرنا فهو مردود" رواه أحمد وهذه الصلاة ليس عليها أمر الله ورسوله بل هي على غير أمر الله ورسوله ولأنه منهي عن هذه الصلاة فلا يكون مأمور بها فلا يكون قد فعل ما أمر به فيبقى في عهدة الأمر. وقولهم النهي لمعنى في غير المنهي عنه وهي مأمور بها من وجه آخر ليس بجيد لأن هذه الصلاة المعينة لم يأمر الله بها قط بل نهى عنها لمعنى فيها ولمعنى في غيرها فإن التقرب إلى الله بالحركات المحرمة وبالزينة المحرمة توجب أن تكون المفسدة في نفس حركات الصلاة ونفس الزينة التي هي شرط الصلاة وأنه نهى عن غير هذه الصلاة لمعنى يعود إليها كما

стр. 253

هو منهي عن الصلاة في المكان النجس وبالثوب النجس وأولى فإن اشتراط حل المكان واللباس أولى من اشتراط طهارته لما فيه من تعلق حق الغير به يبين ذلك أنا إنما علمنا كون النجاسة مفسدة للصلاة بالنهي عنها والنهي عن لبس الحرير ولبس المغصوب والاستقرار في المكان المغصوب أشد ولأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه إذ لو كان فعلا صالحا صحيحا لما نهي عنه ولأن الصلاة طاعة وقربة والحركات في هذا الثوب والمكان معصية والشيء الواحد لا يكون طاعة ومعصية مع اتحاد عينه فإنه جمع بين النقيضين. وحقيقة المسألة أن السترة والمكان شرط لصحة الصلاة كالطهارتين والأركان ومتى أتى بفرائض الصلاة على الوجه المنهي عنه لم يكن ما أتى به هو المفروض فلم يصح إتيانه به وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين من ارتكب في الصلاة محظورا لا تعلق له بواجباتها مثل لبس خاتم الذهب وحمل المغصوب فإن ذلك معصية منفصلة عن العبادة وأن كانت فيها فأشبهت الظلم والبغي للصائم والمحرم فإن هذه المعاصي تقابل الثواب أن كانت بقدره مع براءة الذمة من عهدة الواجب فيبقى لا له ولا عليه لا يعاقب عقوبة التارك ولا يثاب ثواب الفاعل كما في الحديث رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر أما إذا كان شرط صحة العبادة التي لا تتم إلا به أو شرط وجوبها

стр. 254

الذي به يمكن أداؤها أيضا مفعولا على الوجه المحرم كالماء والتراب في الوضوء والتيمم وكالزينة والبقعة في الصلاة وكالمال في الحج فإنه يكون متقربا إلى الله بنفس ما حرمه ومطيعا له بقدر ما حرمه والتقرب إلى الله والطاعة له بفعل ما حرمه محال ولا يصح ولا يجزئ. ولو كان عليه ثوبان أحدهما: محرم فقال أكثر أصحابنا لا يصح أيضا لأن المباح لم يتعين ساترا سواء كان فوقانيا أو تحتانيا إذ أيهما قدر عدمه ستر الآخر وكذلك لو كان بعض الثوب مغصوبا ولم يكن ساترا لشيء من العورة لأنه تابع للساتر. ومنهم من خص الروايتين بمن صلى في سترة يحرم عليه لبسها ولا سترة عليه غيرها. فأما تكة السراويل أن كانت غصبا أو حريرا فالمنصوص عن أحمد التوقف عن الإعادة إذا صلى بها فتخرج على وجهين. وقال أبو بكر والقاضي وغيرهما حكمهما حكم السراويل لأنها من مصالحه. وأما عمامة الغصب والحرير ففيها وجهان. أحدهما: لا يبطل اختاره ابن عقيل وأبو محمد لأنها ليست مما

стр. 255

يجب للصلاة فأشبهت خاتم الذهب. والثاني: يبطل اختاره القاضي لأنها وأن لم تكن شرطا فهي من جنس الشرط لأنها لباس وهي ملحقة في الاستحباب فألحقت به في الحكم كما تلحق اللفافة الثانية والثالث: ة بالأولى في قطع النباش إذ شاركتاها في الاستحباب وأن لم تحلق بها الرابع: ة والخامس: ة لما لم تكن مستحبة. فان لم يجد غير المغصوب فهو كما لو وجد غيره إذا كان التحريم باقيا. وأما الثوب الحرير إذا لم يجد غيره فتصح صلاته فيه لزوال التحريم. وقيل هو كالصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد طاهرا وهذا ضعيف لأن المقتضي للفساد الحرمة وقد زالت فأشبه ما لو كان المصلي فيه امرأة أو كان قد لبسه لحكة أو جرب وأولى فإن لبسه عند عدم غيره جائز إجماعا. ولو كان جاهلا بأن المكان أو الثوب محرم أما لعدم علمه بأنه مغصوب كرجل صلى في مسجد مدة أو في دار ثم علم أنه مكان

стр. 256

مغصوب ورجل لبس ثوبا هو حرير وهو لا يعلم أنه حرير أو لعدم علمه بأن الحرير محرم أو بان القعود في هذا المكان حرام ونحو ذلك فلا إعادة عليه هنا سواء قلنا أن الجاهل بالنجاسة يعيد أو لا يعيد لأن عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين أن تكون نجسة وهنا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية بل يكون طاعة وأن وجب عليه ضمان لحق ادمي.

стр. 257

فصل. ولا فرق في المكان المغصوب أو الثوب المغصوب بين أن يكون قد غصب الرقبة بيد قاهرة أو دعوى فاجرة وبين غصب منافعها بان يدعي إجارتها دعوى كاذبة أو يسكنها مدة بدون أذن أربابها ولا فرق بين غصب القرار وغصب الهواء مثل أن يخرج روشنا أو ساباطا في موضع لا يحل له ولا فرق بين أن يجعل المغصوب دارا أو مسجدا مثل أن يغصب أرضا فيبنيها مسجدا أو يبني المسجد في الطريق الضيقة. ولا فرق بين أن يغصب جميع البقعة أو جزءا مشاعا منها مثل أن يكون بينه وبين غيره أرض مشتركة فيغصبه حصته وكذلك لو كان بعض بدنه في موضع مباح وبعضه في موضع محرم لم تصح صلاته كما لو كان بعض موضعه طاهرا وبعضه نجسا. فإن صلى على راحلة مغصوبة أو سفينة مغصوبة فهو كالأرض المغصوبة لأنها مستقر له ينتقل بانتقالها ويقف بوقوفها وأن صلى على فراش مغصوب كالبساط والحصير والمصلى ففيه وجهان. وإن صلى على سرير مغصوب ففيه وجهان أظهرهما البطلان. وإن غصب مسجدا بان حوله عن كونه مسجدا بدعوى ملكه أو وقفه

стр. 258

على جهة أخرى أو تغيير بنيته لغير الصلاة لم تصح الصلاة فيه وأن بقاه مسجدا ومنع الناس من الصلاة فيه ففيه وجهان. أحدهما: تصح وهو اختيار طائفة من المتأخرين قال ابن عقيل لأنه لم يصح غصبه حكما بمعنى أنه لو تلف المسجد في مدة منعه لم يلزمه ضمانه كالحر إذا غصب وإذا لم يصح غصبه حلمت صلاته فيه ولأن صلاته فيه ولبثه فيه غير محرم وإنما المحرم منع الغير منه فيكون هذا مستثنى من غصبه إياه كما استثنيت مواقيت الصلاة في حق العبد الأبق. والثاني: لا يصح وهو قول قوي لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أولئك مَا كَانَ لَهُمْ أن يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فعاقب الله سبحانه من منع المساجد أن يذكر فيها اسم الله وسعى في خرابها بمنع العمار الذين يعمرونها بذكر الله بان حكم عليه بأنه ليس له أن يدخلها إلا خائفا فيكون هذا الغاصب ممنوعا من لبثه في هذا المسجد عقوبة على منعه الناس واستثناؤه ودخوله خائفا دليل على ثبوت المنع لأنه أما أن يكون خائفا من الله تعالى أن يعاقبه وذلك دليل على أن دخوله سبب العقوبة فيكون حراما وأما أن يكون خائفا من الخلق بتسليط الله

стр. 259

إياهم عليه عقوبة له وإذا كان الله قد عاقبه بان جعله لا يدخل إلا خائفا كان دخوله سببا لحصول الخوف له والخوف عقوبة فلا يكون الدخول إليها مأذونا فيه لأن ما أذن الله فيه لم يجعله سببا للعقوبة ولأن الله تعالى منعه أن يدخل إلا معاقبا بالخوف فعلم أن الدخول ليس مباحا مع مقامه على منع غيره لأن ما أبيح لا يشترط في الإذن فيه حصول عقوبة ولأن دخول المسجد وأن كان مباحا لكن إباحة الشيء قد تكون شرطا بالكف عن محرمات تتعلق بجنسه كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فإنما أباح الأنعام لمن يعتقد تحريم الصيد في الإحرام فمن لم يلتزم هذا التحريم لم يكن مأذونا له في ذلك المباح من جهة الشارع فكذلك الدخول إلى المسجد يجوز أن يكون مشروطا برعاية حرمته والكف عن منع عباد الله من بيته وذلك أن المسجد إنما أبيح له أن يدخله بوصف الاشتراك فأما دخوله بوصف الانفراد فليس بجائز كمن منع غيره من أخذ المباحات ليأخذها هو مثل أن يمنعه عن الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد ثم يأخذ ما منعه منه فإن هذا حرام وأن كان مباحا لو لم يمنع غيره وكذلك لو منع الناس أن يبيعوا أموالهم ليبيع هو ماله كان بيعه حراما لأنه إنما باعه على الوجه المحرم وهو بمنزلة المكره على الشراء منه. وأيضا فمن صور هذه المسألة إذا احتجر موضعا من المسجد ومنع الناس من الصلاة فيه مثل المقصورة وقد كان السلف يكرهون الصلاة في المقصورة ويرون الصف الأول الذي يلي المقصورة ولولا أنهم اعتقدوا

стр. 260

إن دخولها مع الاحتجار منهي عنه لم ينهوا عن الصلاة في مقدم المسجد بل لما كرهت الصلاة فيها صارت كأنها ليست من المسجد فكيف يصح مع هذا أن يكون دخوله ولبثه غير محرم إذا دخل على هذا الوجه. وأما قول ابن عقيل أن المسجد لو تلف في مدة منعه لم يلزمه ضمانه فليس الأمر كذلك بل المسجد عقار من العقار يضمن بالإتلاف إجماعا ويضمن بالغصب عند من يقول أن العقار يضمن بالغصب وهو المشهور في المذهب ومن لم يضمنه بالغصب لم يفرق بين المسجد وغيره ولا خلاف أنه متقوم تقوم الأموال بخلاف الحر فإنه ليس بمال نعم هو يشبه العبد الموقوف على خدمة الكعبة فإنه ليس له مالك معين ومع هذا فهو مضمون بالغصب بلا تردد وكذلك المال الموقوف على مصالح المسجد حكمه من هذا الوجه.

стр. 261

مسألة: (ولبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال إلا عند الحاجة لقول رسول الله ﷺ في الحرير والذهب: "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها"). هذا الحديث رواه أبو موسى عن النبي ﷺ رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ورواه أيضا علي بن أبي طالب رضي الله عنهولفظه: "إن نبي الله ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه واخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والكلام في فصلين. أحدهما: في الحرير فإنه حرام على الرجال كما ذكر في الحديثين المذكورين وقد استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ بتحريمه فروى عمخر وأنس ﵄ عن النبي ﷺ : "أنه قال من لبس الحرير في الدنيا

стр. 262

لم يلبسه في الآخرة" متفق عليهما وأخرجه البخاري أيضا من حديث ابن الزبير ومسلم من حديث أبي أمامة وعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب أن النبي ﷺ : "نهى عن لبس الحرير والديباج" متفق عليهما ويحرم بيعه من رجل يلبسه والإعانة على لبس الرجل إياه بتفصيل أو تخييط أو غير ذلك والثمن والأجرة التي تؤخذ عليه بهذا السبب من الخبائث. فأما بيعه مطلقا فيجوز إذا أمكن أن يلبسه رجل وامرأة وكذلك صنعته على وجه يشترك في لبسه الرجال والنساء مثل البندك. وأما النساء فيباح لهن لبسه للحديث المذكور ولما روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أهديت للرسول ﷺ حلة سيراء فبعث بها إلى فلبستها فعرفت الغضب في وجهه فقال: "إني لم ابعث بها إليك لتلبسها

стр. 263

إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء" متفق عليه وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" فلما كان بعد ذلك: "أتي بحلل فبعث إلى أسامة بن زيد بحلة فراح أسامة في حلته فنظر إليه نظرا عرف أنه قد أنكر ما صنع فقال أسامة يا رسول الله ما تنظر إلى بعثت بها إلى فقال: "لم ابعثه بها إليك لتلبسها ولكن بعتها لتشققها خمرا بين نسائك" رواه مسلم. ومن حرم عليه لبسه حرم عليه سائر وجوه الاستمتاع به مثل الجلوس عليه والاستناد إليه وتعليقه ستورا فإن لفظ اللباس يشمل ذلك بدليل قول أنس ولنا حصير قد اسود من طول ما لبس وقد جاء ذلك صريحا فروى أبو إمامة أنه دخل على خالد بن يزيد فألقى له وسادة فظن أبو إمامة أنها حرير فتنحى وقال قال رسول الله ﷺ : "لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله" رواه أحمد وعن حذيفة بن اليمان قال: "نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير

стр. 264

والديباج وأن نجلس عليه" رواه البخاري وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ : "نهى عن المياثر الحمر" متفق عليه ورواه الترمذيولفظه: "نهى عن ركوب المياثر. والمياثر المراكب التي تكون على الرحل والسرج سميت مياثر لدثارتها وليها ومنه الوثر والوثير وهو الفراش الطوىء. قال أبو عبيد وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي فإنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير. وعن علي بن أبي طالب قال: "نهاني يعني النبي ﷺ عن لبس القسي وعن الجلوس على المياثر والمياثر شيء كان يجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطايف الأرجوان" رواه مسلم ولأن تحريمه إنما هو والله أعلم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء ونحو ذلك وذلك موجود في لبسه على البدن وفي افتراشه وجعله ستورا بل ربما كان ذلك بغير اللبس أعظم إلا أنه ارخص فيه للنساء لأن بهن حاجة إلى التزين للبعولة في الجملة كما ارخص لهن في التحلي بالذهب وكما ارخص لهن في إطالة الثياب لمصلحة الستر ولأنهن خلقن في الأصل ناقصات

стр. 265

محتاجات إلى ما يتجملن به ويتزين قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ويباح لهن افتراشه والاستناد إليه كما يباح لهن لبسه على أبدانهن في المشهور من المذهب الذي عليه جمهور أصحابنا. قال ابن عقيل لا يباح ذلك لأن حاجة المرأة إنما هي إلى لبسه على بدنها دون افتراشه وتوسده ولأنه أحد المحرمين فلم يبح للنساء منه إلا ما تبع أبدانهن كالذهب. ووجه الأول عموم أحاديث الرخصة ولأن ذلك كله لباس وقد أبيح لهن لباس الحرير. فصل. وما يحرم على الرجال فإنه عام في حق الكبير والصغير في المشهور من الروايتين. وفي الأخرى لا بأس بإلباسه الصبي لأنه غير مكلف ولأنه ضعيف العقل فأبيحت له الزينة كالمرأة كما يباح له من اللعب ما لا يباح للبالغ بحيث لا يمنع منه.

стр. 266

ووجه الأول عموم النهي فإنه قال حرام على ذكور أمتي ولم يفرق بين الكبير والصغير ومعنى التحريم في الصغير أنه يمنع منه كما يمنع من شرب الخمر ومن الكذب وغير ذلك من المحرمات وأن كافله يأثم بتمكينه من ذلك وأن لكل واحد ولاية منعه من ذلك لأنه من باب النهي عن المنكر ولما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: "كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري" رواه أبو داود. ومعلوم أنهم إنما يفعلون هذا مفرقين هذا التفريق بأمر رسول الله ﷺ لأنهم لا يقدمون على نزع لباس كانوا يلبسونه أولادهم ثم ينزعونه عن أحد الصنفين دون الآخر إلا عن توقيف وأيضا كما روي أن عبد الرحمن بن عوف دخل على عمر ومعه ابنه محمد عليه قميص من حرير فادخل عمر يده في جيبه فشقه فقال عبد الرحمن بن عوف فزعت الصبي أطرت قلبه فقال عمر تلبسونهم الحرير وعن عبد الرحمن بن يزيد قال كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود فاتاه ابن له صغير وقد ألبسته أمه قميصا من حرير وهو معجب به فقال له يا بني من ألبسك قال أمي قال أدنه فدنا منه فشقه ثم قال اذهب إلى أمك فلتلبسك ثوبا غيره وعن

стр. 267

سعيد بن جبير قال: "قدم حذيفة من سفر وعلى صبيانه قمص من حرير فمزقه على الغلمان وتركه على الجواري" رواهن الخلال وهذا كله دليل على أنهم فهموا من الحديث عموم التحريم في الرجال وعمر وحذيفة من رواة حديث التحريم فهم أعلم بمعنى ما سمعوا ولأن ذلك إجماع منهم فإنه لم يبلغنا أحدا منهم ارخص فيه وعبد الرحمن لم يخالف عمر في إنكاره عليه إلباسه الحرير بل اقره على إنكاره عليه إلباسهم الحرير وإنما قال له أفزعت الصبي فعلم أنه وافق عمر على أن الصبيان ممنوعون من لبس الحرير وأن ذلك الإلباس أما يكون من فعل النساء ويكون عبد الرحمن لم يكن سمع النهي وقد روي أنه قاس ابنه على نفسه لأن رسول الله ﷺ كان قد ارخص له في لبس الحرير للحكة فقال له عمر أنه ليس مثلك وهذا دليل على أن أحدا منهم لم يفرق بين الصغير والكبير ولأن تزيين الغلام بما تزين به الجارية ليس بجائز لأنه ليس محلا للشهوة بل يجب صونه عما يشبه به النساء ويصير به بمنزلة المخنث فإن ذلك سبب لاعتياده التشبه بالنساء وتخنيثه إذا كبر وربما كان سببا للفتنة به إلى غير ذلك من المفاسد. وأما إلباسه الذهب فالمنصوص عنه فيه التحريم لكن أصحابنا اجروا فيه الروايتين لعدم الفرق بينه وبين الحرير.

стр. 268

فصل. ويباح لبس الحرير وهو ما كان أربع أصابع مضمومة إذا كان تابعا لغيره مثل العلم والرقعة في الثوب ولبنة الجيب الذي تسميه العامة الزيق وسجف الفراء وغيرها والإزرار وكف الأكمام والفروج به وطرف العمامة هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة جواباته. وقد روي عنه كراهة العلم لأن ابن عمر كان ينزعه من الثوب قال وهو أسهل من المصمت قال الخلال ذكر حنبل عن أبي عبد الله العلم في موضعين أحدهما: توقف فيه والآخر أباحه على رواية أصحابه وهو إجماع التابعين وذلك لما روى عمر ابن الخطاب ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" رواه الجماعة إلا البخاري وفي لفظ: "احمد وأبي داود وأشار بكفه وذلك إنما

стр. 269

يكون إذا كانت مضمومة فإنها إذا فرقت كان موضعها أكثر من أربع أصابع لأجل الفرج وعن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: "أنها أخرجت جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني وفرجيها مكفوفين به فقالت هذه جبة رسول الله ﷺ كان يلبسها كانت عند عائشة فلما قبضت عائشة قبضتها إلى فنحن نغسلها للمريض يستشفي بها" رواه أحمد ومسلم وهذا لفظ أحمد وفي رواية قالت: "يا جارية ناوليني جبة رسول الله ﷺ فأخرجت جبة طيالسة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج" رواه أبو داود وابن ماجة وعن معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ : "نهى عن لبس الحرير إلا مقطعا" رواه احمد. فأما اليسير المفرد كالتكة والشرابة والمنطقة والخيط ونحو ذلك فيحرم في المنصوص لأنه نهى عن الحرير إلا مقطعا والمقطع المفرق في غيره وكذلك قوله ﵇: "إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" يدل على أنه موضوع في غيره ولأنه قرن الحرير بالذهب والذهب يحرم

стр. 270

منفردا فكذلك الحرير ولأن الذهب والفضة في الآنية والذهب في اللباس إنما يباح يسيره إذا كان تابعا فكذلك يسير الحرير لأن هذه الأشياء تجتمع في السرف والفخر والخيلاء. ولو لبس ثيابا في كل ثوب حرير يسير بحيث لو جمع ما في جميعها صار ثوبا جاز ذلك وأن لم يجز لبس ذلك الحرير لو جمع ونسج ثوبا على حده لأن هذا هو معنى قوله نهى عن لبس الحرير إلا مقطعا فإنه إذا فرق في الثياب صار مقطعا لأن كل ثوب له حكم نفسه. فصل. فان نسج مع الحرير غيره كالقطن والكتان والوبر والصوف ونحو ذلك فالذي ذكره أكثر المتأخرين من أصحابنا القاضي وأصحابه ومن بعدهم أنه أن كان الحرير هو الغالب حرم وأن كان الحرير هو الأقل جاز قال بعضهم: قولا واحدا. وإن استويا فوجهان. أحدهما: يحرم أيضا وهو أشبه بكلام أحمد لأن الرخصة إنما جاءت في اليسير الذي هو مقدار أربعة أصابع وفي الخز فألحقنا بذلك ما إذا كان الحرير هو الأقل لأن الحكم للأكثر أما إذا تتساويا فأحاديث التحريم تعمه ولم يجيء فيه رخصة ولأنه قد تعارض المبيح والحاظر فغلب الحاظر كالمتولد من بين ما يؤكل وما لا يؤكل

стр. 271

والآخر يكره ولا يحرم لما روى ابن عباس قال: " إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير" قال ابن عباس فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به" رواه أبو داود وأحمد احتج به ولأنه قد تعارض الحاظر والمبيح فيرجع إلى الأصل وهو الحل وإذا شككنا هل هو من القسم المباح أو القسم المحرم كره لبسه ولا يثبت التحريم بالشك. وجعل بعض المتأخرين من أصحابنا الملحم والقنسي والخز من صور الوجهين وجعل التحريم قول أبي بكر لأنه حرم الملحم والقسي. والإباحة قول ابن البناء لأنه أباح الخز وهذا مع أن أبا بكر قال:

стр. 272

ويلبس الخز ولا يلبس الملحم ولا الديباج وقال: "نهى النبي ﷺ عن لبس القسي وعن الحرير والذهب". وأما المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب فإباحة الخز دون الملحم وغيره وهذا أكثر في كلامه قال اكره لباس الملحم للرجال فأما الخز فلا بأس به الخز ثخين يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته وقال أيضا يكره لباس الملحم إلا الخز فإنه على جلده الخز وقال لا يعجبني إلا الخز قد لبسه القوم وأما هذا الملحم المحدث فما يعجبني وسئل في موضع آخر عن الثوب سداه حرير ولحمته قطن فقال هذا يشبه بالخز لأن الخز سداه حرير وهو الذي لبسه أصحاب النبي ﷺ . وكره هذا لأن سداه قطن وهو محدث وكذلك ذكر أبو بكر وعامة قدماء الأصحاب أن الخز الذي لبسته الصحابة رضوان الله عليهم مباح وكرهوا الملحم وغيره وصرحوا بأن هذه كراهة تحريم فمن زعم أن في الخز خلافا فقد غلط. والأصل في إباحة الخز ما روى عبد الله بن سعد عن أبيه قال: "رأيت رجلا نجارا على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال: كسانيها

стр. 273

رسول الله ﷺ " رواه أبو داود وقد صح عن خلق من الصحابة أنهم لبسوا الخز وارخصوا فيه منهم عبد الرحمن بن عوف وأبو قتادة وعمران بن حصين وعائشة والحسن بن علي وأبو هريرة وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي أوفى وانس بن مالك وأبو أبي الأنصاري ابن أم حرام ووابصة ومروان في أوقات متفرقة ولم ينكر ذلك أحد فصار إجماعا فثبت إباحة الخز وهو الذي يكون سداه حريرا ولحمته وبرا أو صوفا ونحوه وكذلك في حديث ابن عباس فأما العلم من الحرير وسى الثوب فلا بأس وقد احتج به احمد. وإنما كرهنا الملحم لعموم أحاديث التحريم وإنما استثني منها ما استثني وليس في الملحم معناه كما سيأتي ولإن النبي ﷺ : "نهى عن

стр. 274

لبس القسي" والقيسي ثياب مخلوطة بحرير قال البخاري في صحيحه: قال عاصم عن أبي بردة قلنا لعلي: ما القسي؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير أمثال الاترج وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة والحديث ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير قال بعضهم: هو ضرب من ثياب كتان مخلوط بحرير يؤتى بها مصر نسبة إلى قرية على ساحل البحر يقال لها القس ويقال القسي القزي ابدلت الزاء سينا كما يقال السمته الحجة أي ألزمته الحجة وقيل هو منسوب إلى القسي وهو الصقيع لبياضه ونسبتها إلى المكان هو قول الخليل بن أحمد وغيره فقد اتفقوا كلهم على أنها ثياب فيها حرير وليست حريرا مصمتا وهذا ليس هو الملحم وأيضا فإن الخز أخف من وجهين. أحدهما: أن سداه حرير والسدى ايسر من اللحمة وهو إلذي بين ابن عباس جوازه بقوله فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به. والثاني: أن الخز الثخين والحرير مستور فيه بين الوبر فيصير الحرير بمنزلة الحشوة ويصير الذي يلي الجلد ويظهر هو الوبر ومعلوم أن الحرير الباطن ليس بمنزلة الحرير الظاهر إذ ليس في الباطن سرف ولا فخر ولا خيلاء ولهذا كان الصحيح جواز حشو الجلباب والفرش به وقد ذكر احمد

стр. 275

رضي الله عنه هذين الفرقين فإذا كان الحديث عاما في التحريم بل خاصا في الملحم وإنما أبيح الخز لم يجز أن يلحق به إلا ما في معناه فعلى هذا كل ما سوى الخز من الملحم يكره لذلك والخز ما كان لحمته من الوبر ونحوه مما له ثخانة تغطي الحرير فتكون الرخصة معلقة بكون السدى حريرا وكون اللحمة من الوبر ونحوه. وقال القاضي الملحم هو الذي سداه حرير ولحمته غزل أو لحمته حرير وسداه غزل والخز ما كانت لحمته أو سداه خزا فجعل الاعتبار بنفس ما ينسج مع الحرير من غير فرق بين السدى واللحمة لأن أحمد علل بثخانة الخز وأنه يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته. وعنه أن كان السدى حريرا حل مطلقا على ما" رواه صالح لحديث ابن عباس. ثم كراهة الملحم كراهة تحريم ذكره القاضي وغيره وقال غيره من أصحابنا هي كراهة تنزيه إلا أن يكون المنسوج مع الإبريسم أكثر وقد روي عن معاوية عن النبي ﷺ قال: "لا تركبوا الخز ولا النمار" رواه أبو داود وفي حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف ولينزلن

стр. 276

أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم رجل فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" رواه البخاري بلفظ الحر ورواه أبو داود. قال أصحابنا: وهذا محمول على خز كثير حريره أو نوع من الحرير يسمى خزا كما يسمى قزا قال بعض أصحابنا: الذي يسميه الناس اليوم الخز هو ما يعملونه من سقط الحرير ومشاقته والتبر الذي يلقيه الصايغ من فمه من تقطيع الطاقات فيدقونه كالقطن ثم يغزلونه ويعملونه ثيابا وهذا حكمه حكم الحرير فظهر بهذا أن الخز اسم لثلاثة أشياء للوبر الذي ينسج مع الحرير وهو وبر الأرانب واسم لمجموع الحرير والوبر واسم لرديء الحرير فالأول والثاني: هو الحلال والثالث: حرام. وأما حشو الثياب والفرش بالحرير فالمشهور من الوجهين أنه مباح من غير كراهة لأنه لا يستبين ولا يستمتع به وليس فيه سرف والوجه الأخر يحرم. فصل. وإذا احتاج إلى لبس الحرير لدفع حر أو برد أو ستر عورة أو تحصن

стр. 277

من العدو ولم يقم غيره مقامه أبيح قولا واحدا لأنه إذا أبيح للنساء لعموم حاجتهن إليه للزينة فلان يباح عند الضرورة أولى فإن الضرورة الخاصة ابلغ من الحاجة العامة ولأنه إذا اضطر إلى ما حرم من الأطعمة أبيح له فكذلك المحرم من اللباس لأنهما يشتركان في الاضطرار. وإن احتاج إليه لمرض أو حكة يرجى نفع الحرير وتأثيره فيه ففيه روايتان. إحداهما: لا يباح لعموم أحاديث النهي ولأنه تداو بمحرم يشتهى فأشبه التداوي بالخمر وتحمل إباحة النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن على تخصيصهما بذلك لعلمه بانتفاء مفسدة اللبس في حقهما كما شهد لأبي بكر أنه ليس ممن يجر ثوبه خيلاء. والثانية: يباح وهي الصحيحة لما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ : "رخص للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير من حكة كانت بهما" رواه الجماعة وما ثبت في حق الواحد من الأمة ثبت في حق الجميع إلا ما خص مع أن أحدا لم يخص بحكم إلا لسبب اختص به وهنا لم يختصا بالسبب لأن الحكة هي السبب وهي

стр. 278

تعرض لغيرهما كما عرضت لهما ولأن النساء ارخص لهن في لبسه للحاجة إلى التزين به فالحاجة إلى التداوي أولى بخلاف الخمر فإنها محرمة مطلقا على كل أحد وفي كل حال وقد حرم قليلها وكثيرها. فصل. وفي لبسه في الحرب روايتان. إحداهما: يحرم للعمومات فيه ولأنه يحرم في غير الحرب فحرم في الحرب كالذهب. والأخرى يباح وهي أقوى لما روت أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "كانت عندي للزبير ساعدان من ديباج كان النبي ﷺ أعطاهما إياه يقاتل بهما" رواه أحمد وروى وكيع بإسناده قال قال ناس من المهاجرين لعمر بن الخطاب إنا إذا لقينا العدو وأريناهم قد كفروا على سلاحهم بالحرير والديباج فرأينا لذلك هيبة فقال عمر وانتم أن شئتم فكفروا على سلاحكم بالحرير والديباج ولأن في ذلك إرهابا للعدو وكسرا لقلوبهم وإظهارا لأبهة جيش الإسلام فجاز ذلك وأن كان

стр. 279

فيه اختيال لأن الاختيال عند القتال غير مكروه لما روى جابر بن عتيك أن النبي ﷺ قال: "إن من الخيلاء ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فالخيلاء التي يحب الله اختيال الرجل في القتال واختياله في الصدقة والخيلاء التي يبغض الله الخيلاء في البغي أو قال في الفخر" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقد قال ﷺ : "لأبي دجانة لما اختال يوم أحد أنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" وقد ذكر بعض أصحابنا أن الروايتين في لبسه في دار الحرب وذلك اعم من لبسه وقت الحرب. فصل. ولا بأس أن يوضع المصحف في كيس حرير أو ديباج نص عليه في مواضع قال القاضي. والمسألة محمولة على أن ذلك قدر يسير فلا يحرم استعماله كالطراز والذيل والجيب. والصواب إقرار النص على ظاهره لأن الكيس إنما يكون أكثر من أربع أصابع وذلك كثير ولأنه مفرد ولا فرق في المفرد بين اليسير والكثير

стр. 280

كالتكة وإنما وجه ذلك أن المحرم إنما هو لباس الحرير والاستمتاع به ووضع المصحف فيه إنما هو جعله لباسا للمصحف ووعاء له ليصان ويحفظ وما شرع له الكسوة من شعائر الله جاز أن يكسى الحرير كالكعبة وأولى ولأن لباس الحرير إنما يكره للآدمي لما فيه من العظمة والسرف وهذا أمر مطلوب لكتاب الله وبيته. والفرق بين هذا وبين الزخرفة أن الكسوة فيها منفعة للبيت والمصحف فإذا حصلت باشرف الثياب كان ذلك تعظيما لحرمات الله بخلاف الزخرفة فإنه لا منفعة فيها بل تلهي المصلين. الفصل الثاني: في الذهب وهو قسمان. أحدهما: لبسه. والثاني: التحلي به. أما لبسه فيحرم على الرجال لبس المنسوج بالذهب والمموه به إذا كان كثيرا لما تقدم من حديث علي وأبي موسى ﵄ ولأنه ابلغ في السرف والفخر والخيلاء من الحرير والحاجة إليه أقل فيكون أولى بالتحريم. وإذا استحال لونه ففيه وجهان. أحدهما: يحرم لعموم النهي. والثاني: لا يحرم لأنه قد زالت مظنة الفخر والخيلاء.

стр. 281

فإنه لم يحصل منه شيء إذا جمع أبيح قولا واحدا. وفي يسير الذهب في اللباس مثل العلم المنسوج بالذهب روايتان مومىء إليهما. إحداهما: يحرم وهو اختيار كثير من أصحابنا لعموم النهي ولأنه استعمال للذهب فحرم كاليسير في الآنية. والثانية: لا يحرم وهي اختيار أبي بكر وغيره لما روى معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ : "نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا" رواه أحمد وأبو داود والنسائي واحتج به أحمد وفسر قوله إلا مقطعا باليسير ولأنه أحد الأصناف الثلاثة فحل منه اليسير التابع لغيره كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية. والفرق بين يسير الذهب في الآنية ويسيره في اللباس ونحوه ظاهر لأن الآنية تحرم من الفضة ومن الذهب على الرجال والنساء واللباس يباح للنساء من الذهب والفضة مطلقا ويباح للرجال يسير الفضة منه مفردا كالخاتم ونحوه ولا يصح إلحاق أحدهما: بالآخر. وعنه رواية ثالثة أنه يباح اليسير لحاجة سواء كان مفردا أو تابعا ولا

стр. 282

يباح للتزين وهي المنصوصة عنه صريحا وكذلك ذكر القاضي في اللباس قال في رواية صالح وعبد الله وأبي طالب وأبي الحارث واللفظ له أن النبي ﷺ : "نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا" قال الشيء اليسير كشد أسنانه وما كان مثله مما لا يتزين به الرجل فأما الخاتم ونحوه فلا وذلك لأنه قد دل ذلك على أن القطع من الذهب وهو اليسير منه مباح مطلقا لكن لا بد أن يكون لحاجة لأنه قد دلت النصوص على تحريم خاتم الذهب ونحوه. وعن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن النبي ﷺ قال: "من تحلى أو حلى بخر بصيصة من ذهب كوي يوم القيامة" رواه أحمد وهذا نهي عن التحلي بقليل الذهب مطلقا ومفهومه يدل على أنه لا يحرم

стр. 283

منه ما ليس بتحلي. القسم الثاني التحلي به فيحرم على الرجل أن يتحلى بالذهب المفرد كالخاتم والسوار ونحو ذلك لما تقدم من قوله ﵇: "هذان حرام على ذكور أمتي" ولما روى البراء بن عازب وأبو هريرة ﵄ أن النبي ﷺ : "نهى عن خاتم الذهب" وعن ابن عمر ﵄: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ذهب فجعله في يمينه وجعل فصه مما يلي باطن كفه فاتخذ الناس خواتيم الذهب قال فصعد رسول الله ﷺ المنبر فألقاه ونهى عن التختم بالذهب" متفق عليهن وجاء ذلك من عدة وجوه وقد تقدم قوله ﷺ : "من تحلى أو حلى بخر بصيصة من ذهب كوي يوم القيامة". قال أبو زيد الأنصاري يقال ما عليها خر بصيصة أي شيء من الحلي. فأما التابع من الذهب فيباح من حلية السيف مثل القبيعة نص عليه. وعنه ما يدل على المنع لما تقدم.

стр. 284

والأول أصح لما روى مزيدة العصري قال: "دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة قال الراوي كانت قبيعة السيف فضة" رواه الترمذي وذكر أحمد أنه كان لعمر بن الخطاب سيف فيه سبائك من ذهب وكان في سيف عثمان بن حنيف مسمار ذهب. ثم من أصحابنا من لا يبيح إلا القبيعة قال ابن عقيل قال أصحابنا: هذا في القبيعة فأما تحلية جوانبه وحمائله ومنطقته بالذهب فلا يباح لأن القياس المنع مطلقا والمنصوص عن أحمد الإباحة في القبيعة وغيرها من حلية السيف مثل المسمار فيه والسبائك للأثر في ذلك ولعدم الفرق. وأم تحلية غير السيف ففيه ثلاثة أوجه موميا إليها في كلامه. أحدها: وهو قول القاضي وأكثر أصحابه مثل ابن عقيل وأبي الخطاب لا يباح لأن العموم والقياس يقتضي التحريم مطلقا وإنما خص من ذلك السيف للأثر فيبقى الباقي على الأصل. والثاني: وهو قول أبي بكر وغيره أنه يباح التحلي باليسير منه مطلقا

стр. 285

إذا كان على وجه التبع كما تقدم في اللباس وأولى. والثالث: أنه يباح في السلاح دون غيره قال الآمدي فأما استعمال الذهب في سلاحه كالمسمار في السيف والسبائك فيه وقبيعة السيف ونعله فيجوز وهذا أبين في كلام أحمد قال في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الفص يخاف أن يسقط يجعل فيه مسمار من ذهب قال إنما رخص في الأسنان يعني وما كان لضرورة قيل له قد كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب قال ذاك الآن سيف وذلك لأن المقصود من السلاح قتال العدو وإرهابه فجاز أن يحلى بما يفيد إرهاب العدو وخيلاء المسلم تكميلا لهذا المقصود ولذلك جاز لبس الحرير حين القتال ولأن اللت ونحوه في معنى السيف على هذا القول فيخرج فيه وجهان كالفضة. أحدهما: الجواز وهو قول الآمدي ذكره في المنطقة وفي حمائل السيف. والثاني: المنع قاله جماعة وحكاه القاضي عن احمد. وسائر مسائل التحلي في الزكاة.
следующие страницы →