← Адаб

Адаб · id 11253

شرح المعلقات السبع للزوزني

الزوزني، أبو عبد الله

Полный текст (309 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١٧- كأنّ جَناحَي مَضْرَحيٍّ تَكَنّفَا ... حِفافيهِ شُكَّا في العَسيبِ بِمَسْرَدِ المضرحي: الأبيض من النسور، وقيل: هو العظيم منها. التكنف: الكون في كنف الشيء وهو ناحيته. الحفاف: الجانب، والجمع الأحفة. الشك: الغرز. العسيب: عظم الذنب، والجمع العُسُب. والمسرد المسراد: الإشفى١، والجمع المسارد والمساريد. يقول: كأن جناحي نسر أبيض غرزًا بإشفى في عظم ذنبها فصارا في ناحية، شبه شعر ذنبها بجناحي نسر أبيض في الباطن. ١٨- فَطَوْرًا بهِ خَلْفَ الزّميلِ وَتَارَةً ... على حَشَفٍ كالشّنّ ذاوٍ مُجَدَّدِ قوله: فطورًا به، يعني فطورًا تضرب بالذنب، الزميل: الرَّديف، الحشف: الأخلاف التي جف لبنها فتشنجت، الواحدة حشفة، وهو مستعار من حشف التمر أو من الحشيف وهو الثوب الخلِق. الشنّ: القربة الخلق٢، والجمع الشنان. الذوي: الذبول، والفعل ذوى يذوي وذوي يذوى لغة أيضًا. المجدد الذي جُدّ لبنه أي قطع. يقول: تارة تضرب هذه الناقة ذنبها على عجزها خلف رديف راكبها وتارة تضرب على أخلاف متشنجة خلقة كقربة بالية وقد انقطع لبنها. ١٩- لها فَخِذَانٍ أُكْمِلَ النّحْضُ فيهما ... كَأَنَّهما بابا مُنيفٍ مُمَرَّدِ النحض: اللحم. وقوله بابا منيف، أي: بابا قصر منيف، فحذف الموصوف والمنيف: العالي، والإنافة العلو. الممرد: المملس، من قولهم: وجه أمرد وغلام أمرد لا شعر عليه، وشجرة مرداء لا ورق لها، والممرد المطول أيضًا، وقد أُوِّل قوله تعالى: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِير﴾ [النمل: ٤٤] بهما. يقول: لهذه الناقة فخذان أكمل لحمهما فشابها مصراعي باب قصر عالٍ مملس أو مطوّل في العرض ٢٠- وَطَيٍّ مَحالٍ كالْحَنيّ خُلُوفُهُ ... وأَجْرِنَةٌ لُزّتْ بدَأيٍ مُنَضَّدِ

стр. 107

من دلاء الدالجين الأقوياء، شبهها بسقَّاء حمل دلوين إحداهما بيمناه والأخرى بيسراه فبانت يداه عن جنبيه، شبّه بُعد مرفقيها عن جنبيها ببعد هاتين الدلوين عن جنبي حاملهما القوي الشديد. ٢٣- كَقَنْطَرَةِ الرّوميّ أَقْسَمَ رَبّها ... لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ بقَرْمَدِ القرمد: الآجر وقيل هو الصاروج١، الواحدة قرمدة. الاكتناف: الكون في أكناف الشيء وهي نواحيه، شبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة تبنى لرجل رومي قد حلف صاحبها ليحاطنّ بها حتى ترفع أو تجصص بالصاروج أو بالآجر. الشَّيْد: الرفع والطالي بالشيد وهو الجص. قوله: كقنطرة الرومي، أي كقنطرة الرجل الرومي وقوله لتكتنفن، أي والله لتكتنفن. ٢٤- صُهابيّةُ العُثْنُونِ مُوجَدَةُ القَرَا ... بعيدةُ وَخْدِ الرّجْلِ مَوّارَةُ اليَدِ العثنون: شعرات تحت لحيها الأسفل. يقول: فيها صهبة أي: حمرة. القرا: الظهر، والجمع الأقراء. الموجدة: المقوَّاة، والإيجاد التقوية، ومنه قولهم: بعير أجد، أي: شديد الخلق قوي. الوخد والوخدان والوخيد: الذميل٢، والفعل وَخَدَ يَخِد. المور: الذهاب والمجيء. والموّارة مبالغة المائرة، وقد مارت تمور مورًا فهي مائرة. يقول: في عثنونها صهبة وفي ظهرها قوة وشدة، ويبعد ذميل رجليها ومور يديها في السير، ويجوز جر صهابية العثنون على الصفة لعوجاء. ويجوز رفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي صهابية العثنون. ٢٥ - أُمِرَّتْ يَداها فَتْل شَزْرٍ وأُجْنِحتْ ... أُلها عَضُداها في سَقيفٍ مُسَنَّدِ الإمرار: إحكام الفتل. الفتل الشزر: ما أدير عن الصدر، والنظر الشزر والطعن الشزر، ما كان في أحد الشقين. الإجناح: الإمالة، والجنوح الميل، السقف والسقيف واحد والجمع السُقُف. المسند: الذي أسند بعضه إلى بعض.

стр. 108

من دلاء الدالجين الأقوياء، شبهها بسقَّاء حمل دلوين إحداهما بيمناه والأخرى بيسراه فبانت يداه عن جنبيه، شبّه بُعد مرفقيها عن جنبيها ببعد هاتين الدلوين عن جنبي حاملهما القوي الشديد. ٢٣- كَقَنْطَرَةِ الرّوميّ أَقْسَمَ رَبّها ... لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ بقَرْمَدِ القرمد: الآجر وقيل هو الصاروج١، الواحدة قرمدة. الاكتناف: الكون في أكناف الشيء وهي نواحيه، شبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة تبنى لرجل رومي قد حلف صاحبها ليحاطنّ بها حتى ترفع أو تجصص بالصاروج أو بالآجر. الشَّيْد: الرفع والطالي بالشيد وهو الجص. قوله: كقنطرة الرومي، أي كقنطرة الرجل الرومي وقوله لتكتنفن، أي والله لتكتنفن. ٢٤- صُهابيّةُ العُثْنُونِ مُوجَدَةُ القَرَا ... بعيدةُ وَخْدِ الرّجْلِ مَوّارَةُ اليَدِ العثنون: شعرات تحت لحيها الأسفل. يقول: فيها صهبة أي: حمرة. القرا: الظهر، والجمع الأقراء. الموجدة: المقوَّاة، والإيجاد التقوية، ومنه قولهم: بعير أجد، أي: شديد الخلق قوي. الوخد والوخدان والوخيد: الذميل٢، والفعل وَخَدَ يَخِد. المور: الذهاب والمجيء. والموّارة مبالغة المائرة، وقد مارت تمور مورًا فهي مائرة. يقول: في عثنونها صهبة وفي ظهرها قوة وشدة، ويبعد ذميل رجليها ومور يديها في السير، ويجوز جر صهابية العثنون على الصفة لعوجاء. ويجوز رفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي صهابية العثنون. ٢٥ - أُمِرَّتْ يَداها فَتْل شَزْرٍ وأُجْنِحتْ ... أُلها عَضُداها في سَقيفٍ مُسَنَّدِ الإمرار: إحكام الفتل. الفتل الشزر: ما أدير عن الصدر، والنظر الشزر والطعن الشزر، ما كان في أحد الشقين. الإجناح: الإمالة، والجنوح الميل، السقف والسقيف واحد والجمع السُقُف. المسند: الذي أسند بعضه إلى بعض.

стр. 109

يقول: فتلت يداها فتلًا بعدتا به عن كركرتها١، وأميلت عضداها تحت جنبين كأنهما سقف أسند بعض لبنه إلى بعض. ٢٦- جَنوحٌ دِفاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفْرِعَتْ ... لها كَتِفاها في مُعالَىً مُصَعَّدِ الجنوح مبالغة الجانحة: وهي التي تميل في أحد الشقين لنشاطها في السير. الدِفاق: المندفقة في سيرها أي المسرعة غاية الإسراع. العندل: العظيمة الرأس. الإفراع: التعلية، يقال: فرعت الجبل أفرعه فرعًا إذا علوته، وتفرعته أيضًا وأفرعته غيري أي: جعلته يعلوه، المعالاة والإعلاء والتعلية واحد، والتصعيد مثلها. يقول: هذه الناقة شديدة الميلان عن سمت الطريق لفرط نشاطها في السير مسرعة غاية الإسراع عظيمة الرأس، وقد عليت كتفاها في خلق معالي مصعَّد. وقوله: في معالى، يريد في خلق معالى أو ظهر معالى، فحذف الموصوف اجتزاء بدلالة الصفة عليه. ويجوز في الجنوح الرفع والجر على ما مر. ٢٧- كَأنّ عُلوبَ النِّسْعِ في دَأَيَاتِها ... مَوَارِدُ من خلقاء في ظهرِ قَرْدَدِ العلب: الأثر، والجمع العلوب، وقد علبت الشيء علبًا إذا أثَّرْت فيه. والنَّسْع: سير كهيئة العنان تشد به الأحمال، وكذلك النسعة، والجمع الأنساع والنسوع والنُّسْع. الموارد: جمع المورد وهو الماء الذي يورد. الخلقاء: الملساء، والأخلق الأملس، وأراد من خلقاء، أي من صخرة خلقاء، فحذف الموصوف. القردد: الأرض الغليظة الصلبة التي فيها وهاد٢ ونجاد٣. يقول: كأن آثار النسع في ظهر هذه الناقة وجنبيها نقر فيها ماء من صخرة ملساء في أرض غليظة متعادية فيها وهاد ونجاد. شبه آثار النسع أو الأنساع بالنقر التي فيها الماء في بياضها. وجعل جنبها صلبًا كالصخرة الملساء، وجعل خلقها في الشدة والصلابة كالأرض الغليظة.

стр. 110

٢٨- تَلاقَى وأحيانًا تبين كأنّها ... بَنَائِقُ غُرٌّ في قميصٍ مُقَدَّدِ ٢٩- وَأتلَعُ نَهّاضٌ إذا صَعّدَتْ بِهِ ... كَسُكَّانِ بوصيٍّ بدِجلَةَ مُصْعِدِ الأتلع: الطويل العنق. النهّاض: مبالغة الناهض. البوصي: ضرب من السفن، السُّكان: ذنب السفينة. يقول: هي طويلة العنق فإذا رفعت عنقها أشبه ذنب سفينة في دجلة تصعد. قوله: إذا صعدت به أي: بالعنق، والباء للتعدية، جعل عنقها طويلًا سريع النهوض ثم شبهه في الارتفاع والانتصاب بسكان السفينة في حال جريها في الماء. ٣٠- وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ العَلاةِ كأنَّما ... وَعى الْمُلتَقى منها إلى حرْفِ مِبْرَدِ الوعي: الحفظ والاجتماع والانضمام، وهو في البيت على المعنى الثاني. الحرف: الناحية، والجمع الأحرف والحروف. يقول: ولها جمجمة تشبه العلاة في الصلابة فكأنما انضم طرفها إلى حد عظم يشبه المبرد في الحدة والصلابة. الملتقى: موضع الالتقاء وهو طرف الجمجمة لأنه يلتقي به فَراش الرأس١. ٣١- وَخَذٌّ كقِرْطاسِ الشّآمي ومِشْفَرٌ ... كَسِبْتِ اليَماني قِدُّهُ لم يُحَرَّدِ قوله: كقرطاس الشآمي يعني كقرطاس الرجل الشآمي، فحذف الموصوف اكتفاء بدلالة الصفة. المشفر للبعير: بمنزلة الشفة للإنسان، والجمع المشافر. السبت: جلود البقر المدبوغة بالقرظ٢. وقوله: كسبت اليماني، يريد كسبت الرجل اليماني، التحريد: اضطراب القطع وتفاوته. شبه خدها في الانملاس بالقرطاس ومشفرها بالسبت في اللين واستقامة القطع. ٣٢- وعينان كَالماوِيّتَينِ اسْتَكَنّتا ... بكهفَيْ حجاجَيْ صَخرَةٍ قَلتِ موْرِدِ الماوية: المرآة. الاستكنان: طلب الكن٣. الكهف: الغار. الحجاج: العُظَيْم

стр. 111

المشرف على العين الذي هو منبت شعر الحاجب، والجمع الأحجّة. القلت: النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، والجمع القلات. المورد: الماء هنا. يقول: لها عينان تشبهان مرآتين في الصفاء والنقاء والبريق, وتشبهان ماء في القلت في الصفاء، وشبه عينيها بكهفين في غؤورهما، وحجاجيها بالصخرة في الصلابة. قول: حجاجي صخرة أي: حجاجين من صخرة كقولهم: باب حديد أي: باب من حديد. ٣٣- طَحورانِ عُوّارَ القَذَى فَتَرَاهُما ... كَمَكْحُولَتَيّ مذعورَةٍ أمِّ فَرْقَدِ الطرح والطحر١ والدحر واحد، والطحور مبالغة الطاحر، والفعل طحر يطحر. العوار والقذى واحد، والجمع العواوير، أراد بالمكحولتين العينين, لا تكحل بقر الوحش ولكن العين محل الكحل على الإطلاق. الذعر: الإخافة، الفرقد: ولد البقر الوحشية، والجمع الفراقد. يقول: عيناها تطرحان وتبعدان القذى عن أنفسهما ثم شبههما بعيني بقرة وحشية لها ولد وقد أفزعها صائد أو غيره. وعين الوحشية في هذه الحالة أحسن ما تكون. ٣٤- وصَادِقتا سَمْعِ التّوَجّسِ للسُّرَى ... لِهَجْسٍ خفيٍّ أو لصَوتٍ مَنَدِّدِ التوجس: التسمّع. السُّرى: سير الليل. الهجس: الحركة. التنديد: رفع الصوت. يقول: ولها أذنان صادقتا الاستماع في حال سير الليل لا يخفى عليهما السر الخفي ولا الصوت الرفيع. ٣٥- مُؤلَّلَتانِ تَعْرِفُ العِتْقَ فيهِما ... كَسَامِعَتَيْ شاةٍ بِحَوْمَلَ مُفْرَدِ التأليل: التحديد والتدقيق من الآلة وهي الحربة وجمعها آل وإلال، وقد ألَّه يؤلّه ألًّا إذا طعنه بالآلة، والدقة والحدة تحمدان في آذان الإبل. العتق: الكرم والنجابة. السامعتان: الأذنان. الشاة: الثور الوحش. حومل: موضع بعينه.

стр. 112

يقول: لها أذنان محددتان تحديد الآلة تعرف نجابتها فيهما، وهي كأذني ثور وحشي منفرد في الموضع المعين، وخص المفرد لأنه أشد فزعًا وتيقظًا واحترازًا. ٣٦- وَأَرْوَع نَبّاضٌ أحذُّ مُلَمْلَمٌ ... كمِرْداةِ صَخْرٍ في صَفيحٍ مصَمَّدِ الأروع: الذي يرتاع لكل شيء لفرط ذكائه. النباض: الكثير الحركة، مبالغة النابض من نبض ينبض نبضانًا. الأحذ: الخفيف السريع. الململم: المجتمع الخلق الشديد الصلب. المرداة: الصخرة التي تكسر بها الصخور. الصفيحة: الحجر العريض، والجمع الصفائح والصفيح، المصمَّد: المحكم الموثق. يقول: لها قلب يرتاع لأدنى شيء لفرط ذكائه، سريع الحركة خفيف صلب مجتمع الخلق، يشبه صخرة يكسر بها الصخور في الصلابة فيما بين أضلاع تشبه حجارة عراضًا موثقة محكمة، شبه القلب بين الأضلاع بحجر صلب بين حجارة عراض. وقوله: كمرداة صخر، أي كمرداة من صخر، مثل قولهم: هذا ثوب خَزّ. وقوله: في صفيح، أي فيما بين صفيح. والمصمّد نعت للصفيح على لفظه دون معناه. ٣٧- وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ من الأنْفِ مارِنٌ ... عَتيقٌ متى تَرْجُمْ به الأرضَ تَزْدَدِ الأعلم: المشقوق الشفة العليا. المخروت: المثقوب، والخرت الثقب. المارِنُ: ما لان من الأنف. يقول: ولها مشفر مشقوق، ومارن أنفها مثقوب، وهي عندما ترمي الأرض بأنفها ورأسها تزداد في سيرها. ٣٨- وإنْ شئتُ لَمْ تُرْقِل وإنْ شئتُ أرْقلتْ ... مَخافَةَ مَلْوِيٍّ مِنَ القَدّ مُحصَدِ الإرقال: دون العدو وفوق السير، والإحصاد: الإحكام والتوثيق. يقول: هي مذلَّلة مروَّضة، فإن شئت أسرعت في سيرها، وإن شئت لم تسرع مخافة سوط ملوي من القد١ موثق. ٣٩- وإنْ شئتُ سامى وَاسطَ الكورِ رَأْسُها ... وعَامَتْ بضَبعَيها نجاءَ الْخَفَيْدَدِ

стр. 113

المساماة: المباراة في السمو وهو العلو. الكور: الرَّحل بأداته، والجمع الأكوار والكيران، وواسطه له كالقربوس١ للسرج. العوم: السباحة. والفعل: عام يعوم عومًا. الضبع: العضد. النجاء: الإسراع. الخفيدد: الظليم، ذكر النعام. يقول: إن شئت جعلت رأسها موازيًا لواسط رحلها في العلو من فرط نشاطها وجذبي زمامها إلَيّ، وأسرعت في سيرها حتى كأنها تسبح بعضديها إسراعًا مثل إسراع الظليم. ٤٠- على مِثْلِهَا أمْضي إذا قالَ صاحبي ... ألا لَيْتَنِي أفديكَ منها وأفْتَدِي يقول: على مثل هذه الناقة أمضي في أسفاري حتى بلغ الأمر غايته، يقول صاحبي: ألا ليتني أفديك من مشقة هذه الشقة فأخلصك منها وأنجي نفسي. ٤١- وجاشَتْ إلَيْهِ النفسُ خوفًا وَخاله ... مُصَابًا وَلَوْ أمسَى على غيرِ مَرْصَدِ خاله: أي ظنه، والخيلولة الظن. المرصد: الطريق، والجمع المراصد، وكذلك المرصاد. يقول: وارتفعت نفسه أي زال قلبه عن مستقره لفرط خوفه فظنه هالكًا وإن أمسى على غير الطريق. يقول: إن صعوبة هذه الفلوات جعلته يظن أنه هالك، وإن لم يكن على طريق يخاف قطاع الطريق. ٤٢- إِذَا القوْمُ قالوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أَنَّني ... عُنيتُ فلَمْ أكسَلْ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ يقول: إذا القوم قالوا من فتى يكفي مُهِمًّا أو يدفع شرًّا؟ خلت أنني المراد بقولهم فلم أكسل في كفاية المهم ودفع الشر ولم أتبلد فيهما. وعنيت من قولهم: عنى يعني عنيًا بمعنى أراد، ومنه قولهم: يعني كذا أي يريده، وأيش تعني بهذا أي أيش تريد بهذا، ومنه المعنى وهو المراد، والجمع المعاني. ٤٣- أَحَلْتُ عَلَيْها بالقَطيعِ فَأَجْذَمتْ ... وَقَدْ خَبّ آلُ الأَمْعَزِ الْمُتَوَقِّدِ الإحالة: الإقبال هنا. القطيع: السوط، الإجذام: الإسراع في السير. الآل: ما

стр. 114

يُرى شبه السراب طرفي النهار، والسراب ما كان نصف النهار، الأمعز: مكان يخالط ترابه حجارة أو حصى، وإذا حمل على الأرض أو البقعة قيل المعزاء، والجمع الأماعز. يقول: أقبلت على الناقة أضربها بالسوط، فأسرعت في السير في حال خبب آل الأماكن التي اختلطت بتربتها بالحجارة والحصى. ٤٤- فَذالتْ كما ذالتْ وَليدَةُ مَجْلِسٍ ... تُرِي رَبّها أذيالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ الذيل: التبختر، والفعل ذال يذيل، الوليدة: الصبية والجارية، وهي في البيت بمعنى الجارية. السحل: الثوب الأبيض من القطن وغيره. يقول: فتبخترت هذه الناقة كما تتبختبر جارية ترقص بين يدي سيدها فتريه ذيل ثوبها الأبيض الطويل في رقصها، شبّه تبخترها في السير بتبختبر الجارية في الرقص وشبّه طول ذنبها بطول ذيلها. ٤٥ - وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً ... وَلكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القوْمُ أرْفِدِ الْحَلَّال: مبالغة الحال من الحلول. التلعة: ما ارتفع من مسيل الماء وانخفض عن الجبال إلى قرار الأرض، والجمع التلعات والتلاع. الرفد والإرفاد. الإعانة، والاسترفاد الاستعانة. يقول: أنا لا أحل التلاع مخافة حلول الأضياف بي أو غزو الأعداء إياي، ولكني أعين القوم إذا استعانوا بي إما في قِرى الأضياف، وإما في قتال الأعداء والحساد. ٤٦- فإنْ تَبْغِنِي فِي حَلقَةِ القَوْمِ تلقَنِي ... وَإنْ تَقْتَنصني في الْحَوانيت تصْطَدِ البغاء: الطلب، والفعل بغى يبغي. الحلقة تجمع على الْحَلَق بفتح الحاء واللام، وهذا من الشواذ، وقد تجمع عى الْحِلَق مثل بدرة١ وَبِدَر وثَلَّة٢ وَثِلَل. الحانوت، بيت الخمار، والجمع الحوانيت. الاصطياد: الاقتناص.

стр. 115

يقول: وإن تطلبني في محفل القوم تجدني هناك، وإن تطلبني في بيوت الخمارين تصطدني هناك. يريد أن يجمع بين الجد والهزل. ٤٧- وإنْ يَلْتَقِ الْحَيُّ الْجَميعُ تُلاقِني ... إلى ذِرْوَةِ البَيتِ الشَّرِيفِ الْمُصَمَّدِ الصمد: القصد، والفعل صمد يصمد، والتصميد مبالغة الصمد. يقول: وإن اجتمع الحي للافتخار تلاقني أنتمي وأعتزي إلى ذروة البيت الشريف أي إلى أعلى الشرف. يريد أنه أوفاهم حظًّا من الحسب وأعلاهم سهمًا من النسب، قوله: تلاقني إلى، يريد أعتزي إلى، فحذف الفعل لدلالة الحرف عليه. ٤٨- ندامايَ بيضٌ كالنّجومِ وَقَيْنَةٌ ... تَرُوحُ علينا بين بُرْدٍ وَمُجْسَدِ الندامى: جمع الندمان وهو النديم، وجمع النديم ندام وندماء، وصفهم بالبياض تلويْحًا إلى أنهم أحرار ولدتهم حرائر، ولم تعرف الإماء فيهم فتورثهم ألوانهن، أو وصفهم بالبياض لإشراق ألوانهم وتلألؤ غررهم في الأندية والمقامات، إذ لم يلحقهم عار يعيرون به فتتغير ألوانهم لذلك، أو وصفهم بالبياض لنقائهم من العيوب؛ لأن البياض يكون نقيًّا من الدرن والوسخ، أو لاشتهارهم، لأن الفَرَس الأغر مشهور فيما بين الخيل. والمدح بالبياض في كلام العرب لا يخرج من هذه الوجوه، القينة: الجارية المغنية، والجمع القينات والقيان. المجسد: الثوب المصبوغ بالجساد وهو الزعفران. ويقال: بل هو الثوب الذي أشبع صبغه فيكاد يقوم من إشباع صبغة، والْمِجسد لغة فيه، وقال جماعة من الأئمة: بل الْمِجسد الثوب الذي يلي الجسد، والْمُجسد ما ذكرنا، والجمع المجاسد. يقول: نداماي أحرار كرام تتلألأ ألوانهم وتشرق وجوههم، ومغنية تأتينا رواحًا١ لابسة بردًا أو ثوبًا مصبوغًا بالزعفران أو ثوبًا مشبع الصبغ. ٤٩- رَحيبٌ قِطابُ الْجَيبِ منْها رَفِيقَةٌ ... بِجَسّ النّدامَى بَضّةُ الْمُتَجَرّدِ الرحب والرحيب واحد، والفعل رَحَبَ رَحَبًا ورحابة ورُحْبًا، قطاب الجيب:

стр. 116

مخرج الرأس منه، الغضاضة والبضاضة: نعومة البدن ورقة الجلد. والفعل غضّ يغَضّ وبض يبَضّ. المتجرد: حيث تجرد أي تعرى. يقول: هذه القينة واسعة الجيب لإدخال الندامى أيديهم في جيبها للمسها، ثم قال: هي رفيقة على جسّ الندامى إياها، وما يعرى من جسدها ناعم اللحم رقيق الجلد صافي اللون. والجس: اللمس، والفعل جس يجس جسًّا. ٥٠- إذا نحنُ قُلْنَا أَسْمعينا انْبَرت لَنا ... على رِسْلِها مَطُْروقَةً لَمْ تَشَدَّدِ أسمعينا: أي غنينا. البري والانبراء والتبري: الاعتراض للشيء والأخذ فيه. على رسلها، أي: على تَؤُدتها ووقارها. المطروقة: التي بها ضعف ويروى مطروفة وهي التي أصيب طرفها بشيء أي: كأنها أصيب طرفها لفتور نظرها. يقول: إذا سألناها الغناء عرضت تغنينا متئدة في غنائها على ضعف نغمتها لا تشدد فيها، أراد لم تتشدد فحذف إحدى التاءين استثقالًا لهما في صدر الكلمة، ومثله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَة﴾ [القدر: ٤] ، ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠] وما أشبه ذلك. ٥١- إذا رَجّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَها ... تَجاوُبَ أظْآرٍ على رُبَعٍ رَدِ الترجيع: ترديد الصوت وتغريده. الظئر: التي لها ولد، والجمع الأظآر، الربع من ولد الإبل: ما ولد في أول النَّتاج. الردى: الهلاك والفعل ردي يردى، والإرداء الإهلاك، والتردِّي مثل الردى. يقول: إذا طربت في صوتها ورددت نغمتها حسبت صوتها أصوات نوق تصيح عند جؤارها١ على هالك، شبه صوتها بصوتهن في التخزين، ويجوز أن يكون الأظآر النساء، والربع مستعار لولد الإنسان، فشبه صوتها في التحزين والترقيق بأصوات النوادب والنوائح على صبي هالك. ٥٢- ومَا زَالَ تَشْرَابِي الْخُمورَ وَلَذّتِي ... وَبَيْعِي وإنْفاقي طَريفي ومُتْلَدي

стр. 117

التشراب: الشرب، وتفعال من أوزان المصادر مثل التقتال بمعنى القتل التنقاد بمعنى النقد، الطريف والطارف: المال الحديث. التليد والتلاد والمتلد: المال القديم الموروث. يقول: لم أزل أشرب الخمر وأشتغل باللذات وبيع الأعلاق١ النفيسة وإتلافها حتى كأن هذه الأشياء لي بمنزلة المال المستحدث والمال الموروث، يريد أنه التزم القيام بهذه الأشياء لزوم غيره القيام باقتنائه المال وإصلاحه. ٥٣- إلى أنّ تحامَتْني العشيرة كُلّها ... وَأُفْرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ الْمُعَبَّدِ التَّحامي: التجنب والاعتزال، البعير المعبّد: المذلل المطلي بالقطران، والبعير يستلذ ذلك فيذل له. يقول: فتجنبتني عشيرتي كما يتجنب البعير المطلي بالقطران. وأفردتني لما رأت أني لا أكف عن إتلاف المال والاشتغال باللذات. ٥٤- رَأَيْتُ بَني غَبَراءَ لا يُنْكِرُونَني ... وَلا أهْلُ هذاكَ الطِّرَافِ الْمُمَدَّدِ. الغبراء: صفة الأرض جعلت كالاسم لها. الطِّراف: البيت من الأدم٢، والجمع الطّروف، وكنَّى بتمديده من عِظَمه. يقول: لما أفردتني العشيرة رأيت الفقراء الذين لصقوا بالأرض من شدة الفقر لا ينكرون إحساني وإنعامي عليهم، ورأيت الأغنياء الذين لهم بيوت الأدم لا ينكرونني لاستطابتهم صحبتي ومنادمتي. يقول: إن هجرتني الأقارب وصلتني الأباعد، وهم الفقراء والأغنياء، فهؤلاء لطلب المعروف وهؤلاء لطلب العلا. ٥٥- ألا أيّهَذَا اللّائمي أَحْضُرَ الوَغَى ... وأن أشهد اللذاتِ هل أنتَ مخلدي؟ الوغى: أصله صوت الأبطال في الحرب ثم جعل اسْمًا للحرب. الخلود: البقاء والفعل خلد يخلد، والإخلاد والتخليد الإبقاء.

стр. 118

يقول: ألا أيها الإنسان الذي يلومني على حضور الحرب وحضور اللذات هل تخلدني إن كففت عنها؟ ٥٦- فإنْ كنتَ لا تَسْطيعُ دَفْعَ مَنيّتي ... فَدَعني أبادِرْها بما مَلَكَتْ يدي اسطاع يسطيع، لغة في استطاع. يقول: فإن كنت لا تستطيع أن تدفع موتي عني فدعني أبادر الموت بإنفاق أملاكي، يريد أن الموت لا بدّ منه فلا معنى للبخل بالمال وترك اللذات وامتناع الذوق. ٥٧- وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنّ من عيشَة الفَتى ... وَجَدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوّدي الْجَدّ: الحظ والبخت، والجمع الجدود وقد جد الرجل يجد جدًّا فهو جديد وجُدَّ يَجُدُّ جدًّا فهو مجدود إذا كان ذا جد، وقد أجدَّه الله إجدادًا جعله ذا جد، وقوله: وجدّك قسم. الحفل المبالاة. العُوَّد جمع عائد من العيادة. يقول: فلولا حُبّي ثلاث خصال هن من لذة الفتى الكريم لم أبالِ متى قام عُوَّدي من عندي آيسين من حياتي، أي لم أبالِ متى مِتُّ. ٥٨- فَمِنْهُنَّ سَبْقِي العَاذِلاتِ بشَرْبةٍ ... كُميتٍ متى ما تُعلَ بالماءِ تُزْبدِ يقول: إحدى تلك الخلال أني أسبق العواذل بشربة من الخمر كُمَيْت١ اللون متى صُبَّ الماء عليها أَزبدت، يريد أن يباكر شرب الخمر قبل انتباه العواذل. ٥٩- وَكَرّي إذا نادى الْمُضافُ مُحَنَّبًا ... كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِ الكرُّ: العطف. والكرور: الانعطاف. المضاف: الخائف والمذعور، والمضاف الملجأ. المحنب: الذي في يده انحناء، والمجنّب الذي في رجله انحناء. السِّيدُ: الذئب والجمع السيدان. الغضا: شجر. الورد والتورّد واحد. يقول: والخصلة الثانية عطفي -إذا ناداني الملجأ إلي والخائف عدوه مستغيثًا إياي- فرسًا في يده انحناء، يسرع في عدوه إسراع ذئب يسكن فيما بين الغضا إذا نبهته وهو يريد الماء، جعل الخصلة الثانية إغاثته المستغيث وإعانته اللاجئ إليه فقال:

стр. 119

أعطف في إغاثته فرسي الذي في يده انحناء وهو محمود في الفرس إذا لم يفرط، ثم شبّه فرسه بذئب اجتمع له ثلاث خلال: إحداها كونه فيما بين الغضا، وذئب الغضا أخبث الذئاب، والثانية إثارة الإنسان إياه، والثالثة وروده الماء، وهما يزيدان في شدة العَدْوِ. ٦٠- وتقصيرُ يومِ الدَّجنِ والدَّجنُ مُعجِبٌ. ... ببَهْكَنَةٍ تَحْتَ الطِّرَافِ الْمُعَمَّدِ قصَّرتُ الشيء: جعلته قصيرًا. الدجن: إلباس الغيم آفاق السماء. البهكنة: المرأة الحسنة الخلق السمينة الناعمة. الْمُعَمَّد: المرفوع بالعمد. يقول: والخصلة الثالثة أني أقصر يوم الغيم بالتمتع بامرأة ناعمة حسنة الخلق تحت بيت مرفوع بالعمد، وجعل الخصلة الثالثة استمتاعه بحبائبه، وشرط تقصير اليوم؛ لأن أوقات اللهو والطرب أقصر الأوقات؛ ومنه قول الشاعر؛ [الوافر] : شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار وقوله: والدَّجنُ معجب أي: يعجب الإنسان. ٦١- كأنّ البُرِينَ والدّماليجَ عُلّقَتْ ... عَلَى عُشَرٍ أَو خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّدِ البرة: حلقة من صُفْرٍ أو شَبَهٍ أو غيرهما تجعل في أنف الناقة، والجمع البُرَا والبرات والبرون في الرفع والبرين في النصب والجر، استعارة للأسورة والخلاخيل. الدملج والدملوج: الْمِعْضَد١، والجمع الدماليج والدمالج. العُشَر والخِرْوَع: ضربان من الشجر. التَّخضيد: التشذيب من الأغصان والأوراق. والعشر وصف البهكنة. يقول: كأن خلاخيلها وأسورتها ومعاضدها معلّقة على أحد هذين الضربين من الشجر، وجعله غير مخضد ليكون أغلظ، شبه ساعديها وساقيها بأحد هذين الشجرين في الامتلاء والنعمة والضخامة. ٦٢- كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ في حَيَاتِهِ ... سَتَعْلَمُ إن مُتْنَا غَدًا أَيّنا الصّدي

стр. 120

يقول: أنا كريم يروِّي نفسه أيام حياته بالخمر، ستعلم إن متنا غدًا أينا العطشان، يريد أنه يموت ريَّان وعاذله يموت عطشان. ٦٣- أَرَى قَبْرَ نَحّامِ بَخيلٍ بِمَالِهِ ... كَقَبْرِ غَوِيٍّ في البطالَةِ مُفْسِدِ النحّام: الحريص على الجمع والمنع. الغويّ: الغاوي الضال، والغي والغواية الضلالة، وقد غوى يغوي. يقول: لا فرق بين البخيل والجواد بعد الوفاة فَلِمَ أبخل بأعلاقي، فقال: أرى قبر البخيل والحريص بماله كقبر الضال في بطالته المفسد بماله. ٦٤- تَرَى جُثَوَتَينِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهما ... صَفائحُ صُمٌّ من صَفِيحٍ مُنَضَّدِ الجثوة: الكومة من التراب وغيره، والجمع الجثى. التنضيد: مبالغة النضد. يقول: أرى قبري البخيل والجواد كومتين من التراب عليهما حجارة عراض صلاب، فيما بين قبور عليها حجارة عراض قد نضدت. ٦٥- أَرَىَ الْمَوْتَ يعتامُ الكرَامَ ويَصْطَفِي ... عَقيلَةَ مالِ الفاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ الاعتيام: الاختيار. العقائل: كرائم المال والنساءِ، الواحدة عقيلة، الفاحش: البخيل. يقول: أرى الموت يختار الكرام بالإفناء، ويصطفي كريمة مال البخيل المتشدد بالإبقاء، وقيل: بل معناه أن الموت يعم الأجواد والبخلاء، فيصطفي الكرام، وكرائم أموال البخلاء؛ يريد أنه لا تخلص منه لواحد من الصنفين، فلا يجدي البخل على صاحبه بخير فالجود أحرى لأنه أحمد. ٦٦- أرَى العيش كنزًا ناقصًا كلَّ ليلةٍ ... ومَا تَنْقُصِ الأيّامُ وَالدّهرُ يَنْفَدِ شبه البقاء بكنز ينقص كل ليلة، وما لا يزال ينقص فإن مآله إلى النفاد، فقال: وما تنقصه الأيام والدهر ينفد لا محالة، فكذلك العيش صائر إلى النفاد لا محالة؛ والنفاد الفناء، والفعل نفد ينفد، والإنفاد الإفناء. ٦٧- لَعَمرُك إنّ الْمَوتَ ما أخطأ الفتى ... لكالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْياهُ باليَدِ.

стр. 121

العَمْر والعُمْر والعُمُر بمعنى، ولا يستعمل في القَسَم إلا بفتح العين، قوله: ما أخطأ الفتى، فما مع الفعل هنا بمنزلة مصدر حل محل الزمان، نحو قولهم: آتيك خفوق النجم ومقدم الحاج، أي: وقت خفوق النجم ووقت مقدم الحاج. الطِّوَل: الحبل الذي يُطَوَّلُ للدابة فترعى فيه. الإرخاء: الإرسال. الثني: الطرف، والجمع الأثناء. يقول: أقسم بحياتك أن الموت في مدة إخطائه الفتى، أي: مجاوزته إياه، بمنزلة حبل طُوِّلَ للدابة ترعى فيه وطرفاه بيد صاحبه، يريد أنه لا يتخلص منه، كما أن الدابة لا تفلت ما دام صاحبها آخذًا بطرفي طولها، لما جعل الموت بمنزلة صاحب الدابة التي أرخى طولها، قال: متى شاء الموت قاد الفتى لهلاكه، ومن كان في حبل الموت انقاد لقوده. ٦٨- فَما لي أرَاني وابنَ عمي مالِكًا ... مَتى أدْنُ مِنْهُ يَنأَ عني ويَبْعُدِ النأي والبعد واحد، فجمع بينهما للتأكيد وإثبات القافية، كقول الشاعر: [الطويل] : وهند أتى من دونها النأي والبعد يقول: فما لي أراني وابن عمي متى تقربت منه تباعد عني؟ يستغرب هجرانه إياه مع تقربه منه. ٦٩- يَلُومُ وما أدري عَلامَ يَلُومُني ... كما لامني في الحي قُرْطُ بن مَعبدِ يلومني مالك وما أدري ما السبب الداعي إلى لومه إياي، كما لامني هذا الرجل في القبيلة، يريد أن لومه إياه ظلم صراح كما كان لوم قُرْط إياه كذلك. ٧٠- وأَيأسَني مِنْ كلّ خَيرٍ طَلَبْتُهُ ... كأَنّا وَضَعناهُ إلى رَمْسِ مُلْحَدِ الرّمس: القبر وأصله الدفن. ألحدت الرجل: جعلت له لحدًا. يقول: قنطني مالك من كل خير رجوته منه حتى كأنا وضعنا ذلك الطلب إلى قبر رجل مدفون في اللحد، يريد أنه آيسه من كل خير طلبه كما أن الميت لا يرجى خيره. ٧١- على غَيرِ شَيءٍ قُلتُهُ غَيرَ أَنّنِي ... نشَدْتُ فَلَمْ أُغْفِل حَمولَةَ مَعبَدِ

стр. 122

النّشدان: طلب المفقود، الإغفال: الترك. الحمولة: الإبل التي تطيق أن يحمل عليها. معبد: أخوه. يقول: يلومني على غير شيء قلته وجناية جنيتها، ولكنني طلبت إبل أخي ولم أتركها، فنقم ذلك مني وجعل يلومني، وقوله: غير أنني، استثناء منقطع تقديره ولكنني. ٧٢- وَقَرّبْتُ بِالقُرْبَى وَجَدِّكَ إنَّنِي ... مَتَى يَكُ أَمْرٌ للنكيثَةِ أَشْهَدِ القربى: جمع قربة، وقيل: هو اسم من القرب والقرابة، وهو أصح القولين، النكيثة: المبالغة في الجهد وأقصى الطاقة، يقال: بلغت نكيثة البعير أي أقصى ما يطيق من السير. يقول: وقربت نفسي بالقرابة التي ضَمَّنا حبلها ونظمنا خيطها، وأُقسمُ بحظك وبختك أنه متى حدث له أمر يبلغ فيه غاية الطاقة ويبذل فيه المجهود أحضره وأنصره. ٧٣- وَإِنْ أُدْعَ للجُلّى أَكُنْ مِنْ حُماتها ... وإنْ يأتكَ الأعداءُ بالْجَهدِ أجهَدِ الْجُلَّى: تأنيث الأجل، وهي الخطة العظيمة، والجلاء بفتح الجيم والمد لغة فيها. الحماة: جمع الحامي من الحماية. يقول: وإن دعوتني للأمر العظيم والخطب الجسيم أكن من الذين يحمون حريمك، وإن يأتك الأعداء لقتالك أجهد في دفعهم عنك غاية الجهد، والباء في قوله بالجهد زائدة. ٧٤- وإن يقذِفوا بالقذعِ عِرْضَكَ أسقهمْ ... بكأسِ حياضِ الْمَوتِ قبلَ التهدّدِ القَذْعُ والقَذَعُ: الفحش. العرض: موضع المدح والذم من الإنسان، قاله ابن دريد، وقد يفسر بالحسب، والعرض النفس، ومنه قول حسان: [الوافر] : فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أي: نفسي فداء، والعرض: العرق وموضع العرق، والجمع الأعراض في جميع الوجوه، التهدد والتهديد: واحد. القذف: السب. يقول: وإن أساء الأعداء القول فيك وأفحشوا الكلام، أوردتهم حياض الموت

стр. 123

قبل أن أهددهم؛ يريد أنه يبيدهم قبل تهديدهم، أي لا يشتغل بتهديدهم بل يشتغل بإهلاكهم، ومن روى بشرب فهو النصيب من الماء، والشرب بضم الشين، مصدر شرب، يريد أسقهم شرب حياض الموت، فالباء زائدة والمصدر بمعنى المفعول والإضافة بتقدير من. ٧٥- بِلا حَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وَكَمُحدَثٍ ... هجائي وقَذفي بالشّكاةِ ومُطْرَدي يقول: أجفى وأهْجَرَ وأضام من غير حدث إساءة أحدثته، ثم أهجى وأشكى وأطرد كما يهجى من أحدث إساءة وجرّ جريرة وجنى جناية ويشكي ويطرد، والشكاية والشكوى، والشكيّة والشكاة واحد، والمطرد بمعنى الإطراد، وأطردته صيرته طريدًا. ٧٦- فَلَو كَانَ مولايَ امْرَأً هُوَ غيرُهُ ... لَفَرّجَ كَرْبي أو لأَنْظَرَني غدي يقول: فلو كان ابن عمي غير مالك لفرج كربي أو لأمهلني زمانًا. فَرَجْتُ الأَمْرَ وفرّجته: كشفته، والفرج انكشاف المكروه. كربه الغم: إذا ملأ صدره، والكربة اسم منه، والجمع كرب. الإنظار: الإمهال، والنَظرة اسم بمعنى الإنظار. ٧٧- وَلَكِنّ مَوْلايَ امْرؤٌ هوَ خانقي ... عَلَى الشّكْرِ والتَّسْآلِ أو أنا مفتَدِ خنقت الرجل خنقًا: عصرت حلقه. التسآل: السؤال. يقول: ولكن ابن عمي رجل يضيق الأمر علي حتى كأنه يأخذ عليّ متنفسي على حال شكري إياه وسؤالي عوارفه١ وعفوه، أو كنت في حال افتدائي نفسي منه. يقول: هو لا يزال يضيّق الأمر عليّ سواء شكرته على آلائه، أو سألته بره وعطفه، أو طلبت تخليص نفسي منه. ٧٨- وَظُلمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدّ مَضَاضَةً ... على الْمَرْءِ مِنْ وَقعِ الْحُسامِ المهنّدِ مضَّني الأمر وأمضَّني: بلغ من قلبي وأثَّر في نفسي تهييج الحزن والغضب، يقول: ظلم الأقارب أشد تأثيرًا في تهييج نار الحزن والغضب من وقع السيف القاطع المحدَّد أو المطبوع بالهند. الحسام: فُعَال من الحسم وهو القطع.

стр. 124

٧٩- فَذَرْني وخُلْقي، إنّني لكَ شاكرٌ ... وَلَو حلّ بيْتي نائبًا عند ضَرْغَدِ ضرغد: جبل يقول: خلّ بيني وبين خلقي وكلني إلى سجيتي، فإني شاكر لك وإن بعدت غاية البعد حتى ينزل بيتي عند هذا الجبل الذي سمي بضرغد، وبينهم وبين ضرغد مسافة بعيدة وشقة شاقة وبينونة بليغة. ٨٠- فلوْ شَاءَ رَبِّي كنتُ قيسَ بن خالِدٍ ... ولوْ شَاءَ رَبِّي كنتُ عمرو بن مَرْثَدِ هذان سيدان من سادات العرب مذكوران بوفور المال ونجابة الأولاد، وشرف النسب وعظم الحسب. يقول: لو شاء الله بلَّغني منزلتهما وقدرهما. ٨١- فأصْبَحتُ ذا مالٍ كثيرِ وزَارَني ... بَنُونَ كِرامٌ سَادَةٌ لِمُسَوَّدِ يقول: فصرت حينئذ صاحب مال كثير وزارني بنون موصوفون بالكرم والسؤدد لرجل مسوَّد يعني به نفسه، والتسويد مصدر سوَّدته فسَادَ. يقول: لو بلَّغني الله منزلتهما لصرت وافر المال، كريم العقب وهو الولد. ٨٢- أنا الرّجُلُ الضّرْبُ الذي تَعرِفُونَهُ ... خَشَاشٌ١ كرَأسِ الْحيّةِ الْمُتَوَقّدِ الضرب: الرجل الخفيف اللحم. يقول: أنا الضرب الذي عرفتموه، والعرب تتمدح بخفة اللحم؛ لأن كثرته داعية إلى الكسل والثقل، وهما يمنعان من الإسراع في دفع الملمات وكشف المهمات ثم قال: أنا دَخّال في الأمور بخفة وسرعة، شبه تيقظه وذكاء ذهنه بسرعة حركة رأس الحية وشدة توقّده. ٨٣- فآلَيْتُ لا يَنفَكّ كَشحي بطانَةً ... لِعَضْبٍ رَقيقِ الشّفرَتَينِ مُهَنّدِ لا ينفك: لا يزال، وما انفكّ ما زال، البطانة: نقيض الظهارة. العضب:

стр. 125

السيف القاطع. شفرتا السيف: حدّاه، والجمع الشفرات والشفار. يقول: ولقد حلفت أن لا يزال كشحي لسيف قاطع رقيق الحدّين طبعته الهند بمنزلة البطانة للظهارة. ٨٤- حُسامٍ إذا ما قُمتُ منتصرًا به ... كفى العَوْدَ منهُ البدءُ ليسَ بِمِعضَدِ الانتصار: الانتقام. المعضد: سيف يقطع به الشجر، والعضد قطع الشجر، والفعل عضد يعضد. يقول: لا يزال كشحي بطانة لسيف قاطع إذا ما قمت منتقمًا به من الأعداء كفى الضربة الأولى به الضربة الثانية فيغني البدء عن العود، وليس سيفًا يقطع به الشجر، نفى ذلك؛ لأنه من أَرْدَأ السيوف. ٨٥- أخي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضرِيبةٍ ... إذا قيلَ مهلًا قال حاجزُه قَدي أخي ثقة: يوثق به، أي صاحب ثقة. الثني: الصرف، والفعل ثنى يثني والانثناء: الانصراف. الضريبة: ما يضرب بالسيف، والرمية: ما يرمى بالسهم، والجمع الضرائب والرمايا. مهلًا: أي كف. قدي وقدني: أي حسبي، وقد جمعهما الراجز في قوله: [الرجز] : قدني من نصر الخبيبين قدي يقول: هذا السيف سيف يوثق بمضائه كالأخ الذي يوثق بإخائه لا ينصرف عن ضريبة أي لا ينبو عما ضرب به، إذا قيل لصاحبه كُفَّ عن ضرب عدوك قال مانع السيف وهو صاحبه: حسبي فإني قد بلغت ما أردت من قتل عدوي، يريد أنه ماضٍ لا ينبو عن الضرائب، فإذا ضرب به صاحبه أغنته الضربة الأولى عن غيرها. ٨٦- إذَا ابْتَدَرَ القوْمُ السّلاحَ وجدْتَني ... مَنيعًا إذا بَلّتْ بقائِمِهِ يَدي ابتدر القوم السلاح: استبقوه. المنيع: الذي لا يقهر ولا يغلب. بلَّ بالشيء يبلّ به بلًّا إذا ظفر به. ويقول: إذا استبق القوم أسلحتهم وجدتني منيعًا لا أقهر ولا أغلب إذا ظفرت يدي بقائم هذا السيف. ٨٧- وَبَرْكٍ هُجُود قَدْ أثارَتْ مَخافَتي ... بَوادِيهَا، أمشي بعَضْبٍ مُجَرّدِ

стр. 126

البرك: الإبل الكثيرة الباركة. الهجود: جمع هاجد وهو النائم، وقد هجد يهجد هجودًا. مخافتي مصدر مضاف إلى المفعول، بواديها: أوائلها وسوابقها. يقول: ورُبّ إبل كثيرة باركة قد أثارتها عن مباركها مخافتها إياي في حال مشيي مع سيف قاطع مسلول من غمده، يريد أنه أراد أن ينحر بعيرًا منها فنفرت منه لتعوّدها ذلك منه. ٨٨- فَمَرّت كَهاةٌ ذاتُ حَيْف جُلالَةٌ ... عَقيلَةُ شَيخٍ كالوَبيلِ يلَنْدَدِ الكهاة والجلالة: الناقة الضخمة السمينة: الْخَيف: جلد الضرغ، وجمعه أخياف. العقيلة: كريمة المال والنساء والجمع العقائل. الوبيل: العصا الضخمة. اليلندد والألندد والألدّ: الشديد الخصومة، وقد لَدَّ الرجل يَلَدُّ لددًا صار شديد الخصومة وقد لدته ألده لدًا غلبته بالخصومة. يقول: فمرت بي في حال إثارة مخافتي إياها ناقة ضخمة لها جلد الضرع وهي كريمة مال شيخ قد يبس جلده ونحل جسمه من الكبر حتى صار كالعصا الضخمة يبسًا ونحولًا، وهو شديد الخصومة؛ قيل: أراد به أباه، يريد أنه نحر كرائم مال أبيه لندمائه، وقيل: بل أراد غيره ممن يغير هو على ماله، والقول الأول أحراهما بالصواب. ٨٩- يَقولُ وَقَدْ تَرّ الوَظيفُ وسَاقُها ... أَلَستَ تَرى أن قد أَتَيتَ بِمُؤيِدِ تَرَّ: أي سقط. المؤيد: الداهية العظيمة الشديدة. يقول: قال هذا الشيخ في حال عقري هذه الناقة الكريمة وسقوط وظيفها١ وساقها عند ضربي إياها بالسيف: ألم تر أنك أتيت بداهية شديدة بعقرك مثل هذه الناقة الكريمة النجيبة؟ ٩٠- وَقَالَ: أَلَا مَاذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍ ... شَديدٍ علينا بغْيُهُ مُتَعَمِّدِ يقول: قال هذا الشيخ للحاضرين: أي شيء ترون أن يفعل بشارب خمر اشتد بغيه علينا عن تعمد وقصد؟ يريد أنه استشار أصحابه في شأني وقال: ماذا نحتال في

стр. 127

دفع هذا الشارب الذي يشرب الخمر ويبغي علينا بعقر كرائم أموالنا ونحرها متعمدًا قاصدًا؟ ترون من الرأي والباء في قوله بشارب صلة محذوف تقديره أن يفعل ونحوه. ٩١- وَقَالَ: ذَرُوهُ إنَّما نَفْعَهَا لَهُ ... وَإلّا تكُفّوا قاصيَ البْرَكِ يَزْدَدِ ذروه: دعوه، والماضي منهما غير مستعمل عند جمهور الأئمة اجتزاء بـ: "تَرَكَ" منهما، وكذلك اسم الفاعل والمفعول لاجتزائهم بالتارك والمتروك. الكفّ: المنع والامتناع، كفَّه فكَفَّ، والمضارع منهما يَكُفُّ. يقول: ثم استقر رأي الشيخ على أنه قال دعوا طرفة إنما نفع هذه الناقة له. أو أراد إنما نفع هذه الإبل له؛ لأنه ولدي الذي يرثني وإلا تردّوا وتمنعوا ما بعد هذه الإبل من الندود يزدد طرفة من عقرها ونحرها، أراد أنه أمرهم بردّ ما نَدَّ لئلا أعقر غير ما عقرت. ٩٢- فَظَلّ الإماءُ يَمْتَلِلْنَ حُوَارَهَا ... ويُسْعَى علَينا بالسَّديفِ الْمُسرْهَدِ الإماء: جمع أمة. الامتلال والملل: جعل الشيء في الملة وهي الجمر والرماد الحار. والحوار للناقة: بمنزلة الولد للإنسان يعم الذكر والأنثى، السديف: السنام، وقيل: قطع السنام. المسرهد: المربّى، والفعل سرهد يسرهد سرهدة. يقول: فظل الإماء يشوين الولد الذي خرج من بطنها تحت الجمر والرماد الحار، ويسعى الخدم علينا بقطع سنامها المقطع، يريد أنهم أكلوا أطايبها وأباحوا غيرها للخدم، وذكر الحوار دال على أنها كانت حبلى وهي من أنفس الإبل عندهم. ٩٣- فَإِن مُتُّ فَاِنعيني بِما أَنا أَهلُهُ ... وَشُقّي عَلَيَّ الجَيبَ يا اِبنَةَ مَعبَدِ لما فرغ من تعداد مفاخره أوصى ابنة أخيه -ومعبدٌ أخوه- فقال: إذا هلكت فأشيعي خبر هلاكي بثنائي الذي أستحقه وأستوجبه وشقي جيبك١ عليّ، يوصيها بالثناء عليه والبكاء. النعي: إشاعة خبر الموت، والفعل نعى ينعى، أهله أي مستحقه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]

стр. 128

٩٤- وَلا تجعَليني كامْرِئٍ ليْسَ هَمّهُ ... كَهَمّي ولا يُغني غَنائي ومَشهدي يقول: ولا تُسوّي بيني وبين رجل لا يكون همه مطلب المعالي كهمّي، ولا يكفي المهم والملم كفايتي، ولا يشهد الوقائع مشهدي، والهمّ أصله القصد، يقال: هم بكذا أي قصد له، ثم يجعل الهم والهمة اسْمًا لداعية النفس إلى العلا. الغناء: الكفاية. المشهد في البيت بمعنى الشهود وهو الحضور، أي: ولا يغني غناء مثل غنائي ولا يشهد الوقائع شهودًا مثل شهودي. يقول: لا تعدلي بي من لا يساويني في هذه الخلال فتجعلي الثناء عليه كالثناء عليّ والبكاء عليه كالبكاء عليّ. ٩٥- بَطِيءٍ عَنِ الْجُلّي سَريعٍ إلى الخنا ... ذَلولٍ بِأَجْمَاعِ الرّجالِ مُلَهَّدِ البطء: ضد العجلة، والفعل بطؤ يبطأ، الجلّي: الأمر العظيم. الخنا: الفحش. جُمع الكف، وجَمعها لغتان يقال: ضربه بجمع كفه إذا ضربه بها مجموعة، والجمع الأجماع. التلهيد: مبالغة اللهد وهو الدفع بجمع الكف، يقال: لهده يلهده لهدًا. والبيت كله من صفة من ينهى ابنة أخيه أن تعدل غيره به. يقول: ولا تجعليني كرجل يبطأ عن الأمر العظيم ويسرع إلى الفحش وكثير ما يدفعه الرجال بأجماع أكفهم فقد ذل غاية الذل. ٩٦- فَلَوْ كُنْتُ وَغْلًا في الرّجَال لَضَرّني ... عداوَةُ ذي الأصحابِ والْمُتَوَحِّدِ الوغل: أصله الضعيف يستعار للئيم. يقول: لو كنت ضعيفًا من الرجال لضرّتني معاداة ذي الأتباع والمنفرد الذي لا أتباع له، إياي، ولكنني قوي منيع لا تضرني معاداتهما إياي ويروى وغدًا، وهو اللئيم. ٩٧- وَلكِنْ نَفَى عَنِّي الرجال جَرَاءَتِي ... عليْهِمْ وإقْدَامي وصِدقي ومَحْتدي الجرأة والجراءة واحد، والفعل جرؤ يجرؤ، والنعت جريء، وقد جرَّأه على كذا أي شجعه، المحتد: الأصل.

стр. 129

يقول: ولكن نفى عني مباراة الرجال ومجاراتهم شجاعتي وإقدامي في الحروب وصدق صريمتي١ وكرم أصلي. ٩٨- لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عليّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي ولا لَيلِي عَليّ بسرْمَدِ الغمة والغم واحد، وأصل الغم التغطية، والفعل غم يغم ومنه الغمام؛ لأنه يغم السماء أي يغطيها، ومنه الأغم والغماء، لأن كثرة الشعر تغطي الجبين والقفا. يقول: أقسم ببقائك ما يغم أمري رأيي، أي ما تغطي الهموم رأيي في نهاري، ولا يطول عليّ ليلي حتى كأنه صار دائمًا سرمدًا، وتلخيص المعنى: أنه تمدح بمضاء الصريمة وذكاء العزيمة، يقول: لا تغمني النوائب فيطول ليلي ويظلم نهاري. ٩٩- وَيَوْمَ حَبَسْتُ النَّفْسَ عندَ عرَاكهِ ... حفَاظًا عَلى عوْرَاتِهِ والتّهَدّدِ العراك والمعاركة: القتال، وأصلهما من العرك وهو الدلك، الحفاظ: المحافظة على ما تجب المحافظة عليه من حماية الحوزة والذب عن الحريم ودفع الذم عن الأحساب. يقول: وربّ يوم حبست نفسي عن القتال والفزعات وتهدد الأقران محافظة على حسبي. ١٠٠- عَلَى مَوْطنٍ يخشَى الفَتَى عندَهُ الرّدَى ... متى تعْترِكُ فيهِ الفرَائصُ تُرْعَدِ الموطن: الموضع. الردى: الهلاك، والفعل ردي يردى، والإرداء: الإهلاك. الاعتراك والتعارك واحد. الفرائص: جمع فريصة وهي لحمة عند مجمع الكتف ترعد عند الفزع. يقول: حبست نفسي في موضع من الحرب يخشى الكريم هناك الهلاك ومتى تعترك الفرائص فيه أرعدت من فرط الفزع وهول المقام. ١٠١- وَأَصْفَرَ مَضْبوحٍ نظَرْتُ حِوَارَه ... على النَّار واستَودعتُه كفّ مُجْمِدِ ضبحت الشيء: قربته من النار حتى أثرت فيه، أضبحه ضبحًا. الحوار

стр. 130

والمحاورة: مراجعة الحديث، وأصله من قولهم: حار يحور إذا رجع؛ ومنه قول لبيد: [الطويل] : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعدَ إذ هو ساطع نظرت: أي انتظرت، والنظر الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَاَ نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] . استودعته وأودعته واحد. المجمد: الذي لا يفوز، وأصله من الجمود. يقول: ورب قدح أصفر قد قرب من النار حتى أثرت فيه، وإنما فعل ذلك ليصلب ويصفر، انتظرت مراجعته أي انتظرت فوزه أو خيبته ونحن مجتمعون على النار له، وأودعت القدح كفَّ رجل معروف بالخيبة وقلة الفوز، يفتخر بالميسر وإنما افتخرت العرب به لأنه لا يركن إليه إلا سمح جواد، ثم كمل المفخرة بإيداع قدحه كف مجمد قليل الفوز. ١٠٢- ستُبْدِي لكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جاهلًا ... وَيَأْتِيكَ بالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ يقول: ستطلعك الأيام على ما تغفل عنه وسينقل إليك الأخبار من لم تزوده. ١٠٣- وَيَأْتِيكَ بالأَخْبَارِ من لَمْ تَبعْ لَهُ ... بَتاتًا وَلَمْ تضرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِدِ باع قد يكون بمعنى اشترى، وهو في البيت بهذا المعنى، البتات: كساء المسافر وأداته [والجمع أبتّة] . ولم تضرب له أي لم تبين له كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [النحل: ٧٥] أي بيّن وأوضح. يقول: سينقل إليك الأخبار من لم تشترِ له متاع المسافر، ولم تبيّن له وقتًا لنقل الأخبار إليك.

стр. 131

زهير بن أبي سلمى مدخل ... زهير بن أبي سلمى هو: زهير بن أبي سُلمى، واسم أبي سلمى: ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن، وينتهي نسبه إلى: مضر بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان. وهو أحد الثلاثة المقدَّمين على سائر الشعراء، وإنما اختلفوا في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه. وأما الثلاثة فلا اختلاف فيهم، وهم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني. وكان من حديث زهير، وأهل بيته أنهم كانوا من "مزينة" إحدى قبائل مضر. وكان يقيم هو وأبوه وولده في منازل بني: عبد الله بن غطفان، بالحاجز من نجد، ولذلك كان يذكر في شعره بني مرة وغطفان ويمدحهم. نشأ زهير فيهم، وهناك قال قصيدته المعلقة يذكر فيها قتل ورد بن حابس العبسي: هَرِمَ بن ضَمْضَم المري، ويمدح فيها هرم بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف، وسعد بن ذبيان المريين لأنهما احتملا ديته من مالهما. وكان زهير بعد ذلك يكثر من مدح هَرِم وأبيه سنان وله فيهما قصائد غُر. فحلف هرم ألا يمدحه إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبدًا أو وليدة أو فرسًا. فاستحيا زهير من كثرة بذله له على كل حال، وجعل يتجنب مقابلته. وكان إذا رآه في محفل قال: "عموا صباحًا غير هَرِم، وخيرَكم استثنيت". كان زهير قد رأى في منامه في آخر عمره أن آتيًا أتاه فحمله إلى السماء حتى كاد يمسها بيده، ثم تركه فهوى إلى الأرض، فلما احتضر قصَّ رؤياه على ولده.

стр. 132

كعب. ثم قال: "إني لا أشك أنه كائن من خبر السماء بعدي، فإن كان فتمسكوا به وسارعوا إليه". ثم توفي قبل مبعث النبي ﵊ بسنة. وكانت وفاته سنة: ٦٠٩ لميلاد المسيح ﵊. امتاز زهير بما نظمه من منثور الحكمة البالغة، وكثرة الأمثال وسنيِّ المدح، وتجنُّب وحشي الكلام، وعدم مدح أحد إلا بما فيه. وقد كان أحسن الشعراء شعرًا، وأبعدهم عن سخف الكلام، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من اللفظ. وكان لزهير أخلاق عالية، ونفس كبيرة، مع سعة صدر وحلم وورع، فرفع القوم منزلته وجعلوه سيدًا. وكثر ماله واتسعت ثروته. وكان مع ذلك عريقًا في الشعر. وكان لشعره تأثير كثير في نفوس العرب. وهو واسطة عقد الفحول من شعراء الطبقة الأولى. وكان زهير شديد العناية بتنقيح شعره، حتى ضُرب به المثل، وسميت قصائده بالحوليات، نسبة إلى الحول أي السنة، وذلك لأنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها بنفسه في أربعة أشهر، ويعرضها على أصحابه الشعراء في أربعة أشهر، فلا يشهرها حتى يأتي عليها حول كامل. معلقة زهير أشعر شعره. وقد جمعت ما أشبه كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء ففيها الحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، والأخلاق الفاضلة، والمعاني العالية والأغراض النبيلة، أضف إلى ذلك ما حوته من الأساليب البلاغية، والكلام الْجَزْل. وقد أنشأها يمدح بها: الحارث بن عوف، وهرم بن سنان المريين، ويذكر سعيهما بالصلح بين: عبس وذبيان، وتحملهما ديته من مالهما.

стр. 133

ترجمة زهير بن أبي سلمى اسمه ... [ترجمة زهير بن أبي سلمى١: (..... - ١٣ق. هـ:..... - ٦٠٩م) . ١- اسمه، هو: "زهير بن أبي سلمى، واسم أبي سُلمى ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هرمة الأصم بن عثمان بن عمرو بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضر بن نزار. ومُزَينة أُمّ عمرو بن أُدّ هي بنت كلب بن وبرة٢. ولد في بلاد مُزَينَة بنواحي المدينة وكان يقيم في الحاجز من ديار نجد، واستمرّ بنوه فيه بعد الإسلام٣.

стр. 134

وهو حكيم الشعراء، في الجاهلية، وأحد الثلاثة المقدّمين على سائر الشعراء، وإنما اختُلِف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه. فأما الثلاثة فلا اختلاف فيهم، وهم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني١. قال ابن الأعرابي وحدثني أبو زياد الكِلابيّ: أن زهير وأباه وولدَه كانوا في بني عبد الله بن غطفان، ومنزلهم اليوم بالحاجر، وكانوا فيه في الجاهلية. وكان أبو سُلمى تزوج إلى رجل من بني فهر بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان يقال له الغدير -والغدير هو أبو بشامة الشاعر- فولدت له زهيرًا وأوسًا، وولد لزهير من امرأة من بني سُحيم. وكان زهير يذكر في شعره بني مرة وغطفان ويمدحهم. وكان زهير في الجاهلية سيّدًا كثير المال حليمًا معروفًا بالورع٢. قال ابن الاعرابي: "أُمُّ أوْفَى" التي ذكرها زهير في شعره كانت امرأته، فولدت منه أولادًا ماتوا، ثم تزوج بعد ذلك امرأة أخرى وهي كبشة بنت عمار الغطفانية وهي أم ابنيه كعب وبجير، فغارت من ذلك وآذته فطلقها ثم ندم فقال فيها: لعمرك والخطوب مُغَيِّراتٌ ... وفي طول المعاشرة التّقالي لقد باليتُ مَظْعَنَ أُمّ أوفى ... ولكن أم أوفى ما تبالي فأما إذ نأيت فلا تقولي ... لذي صهر أذلت ولم تذالي أصبت بنيّ منك ونلتِ مني ... من اللّذات والحلل الغوالي٣ وقال ابن الأعرابِيّ وأبو عمرو الشيباني: كان من حديث زهير وأهل بيته أنهم كانوا من مزينة، وكانوا بنو عبد الله بن غطفان جيرانهم، وقِدْمًا ولدتهم بنو مرة. وكان من أمر أبي سلمى أنه خرج وخاله أسعد بن الغدير بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض وابنه كعب بن أسعد في ناس من بني مرة يغيرون على طيئ، فأصابوا نعمًا كثيرة وأموالًا فرجعوا حتى انتهوا إلى أرضهم، فقال أبو سلمى لخاله أسعد وابن

стр. 135

خاله كعب: أفردوا لي سهمي، فأبيا عليه ومنعاه حقّه، فكف عنهما، حتّى إذا كان الليل أتى أمه، فقال: والذي أحلف به لتقومن إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدنّ عليه أو لأضربن بسيفي تحت قرطيكِ. فقامت أمّه إلى بعير منها سنامه، وساق بها أبو سلمى وهو يرتجز ويقول: وَيْلٌ لأجمال العجوز منّي ... إذا دنوت ودنون مني كأنني سمعمع١ من جن وساق الإبل وأمه حتى انتهى إلى قومه مزينة، فذلك حيث يقول: ولتغدون إبل مجنبة٢ ... من عند أسعد وابنه كعب الآكلين صريح قومهما ... أكل الحبارى٣ بُرْعُم الرّطب٤ قال: فلبث فيهم حينًا، ثم أقبل بمزينة، مغيرًا على بني ذبيان، حتى إذا مزينة أسهلت وخلّفت بلادها، ونظروا إلى أرض غطفان، تطايروا عنه راجعين، وتركوه وحده، فذلك حين يقول: من يشتري فرسًا لخير غزوها ... وأَبتْ عشيرة ربّها أنْ تُسهِلا يعني أن تنزل السهل. قال: وأقبل حين رأى ذلك من مزينة حتى دخل فيه أخواله بني مرة، فلم يزل هو وولده في بني عبد الله بن غطفان إلى اليوم٥.

стр. 136

٢- حياته ونتاجه: ليس بين أيدينا شيء واضح عن نشأة زهير سوى أنه عاش في منازل بني عبد الله بن غطفان وأخواله من بني مرة الذبيانيين، وفي كنف خاله بشامة بن الغدير وكان شاعرًا مجيدًا كما كان سيدًا شريفًا ثريًّا، يقول ابن سلام: "وكان زهير ممن فقأ

стр. 137

عين بعير، في الجاهلية، وكان الرجل إذا ملك ألف بعير فقأ عين فحلها"١. "كان ورد بن حابس العبسي قتل هرم بن ضمضم المري، فتشاجر عبس وذبيان قبل الصلح، وحلف حصين بن ضمضم ألا يغسل حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يطلع على ذلك أحدًا، وقد حمل الحمالة٢ الحارث بن عوف بن أبي حارثة، قيل: بل أخوه حارثة بن سنان، فأقبل رجل من بني عبس ثم أحد بني مخزوم، حتى نزل بحصين بن ضمضم. فقال له حصين: من أنت أيها الرجل؟ قال: عبسي. قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى بني غالب، فقتله حصين. وبلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم بن سنان فاشتد عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو الحارث. فلما بلغه ركوبهم إليه وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم وأنهم يريدون قتل الحارث، بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه وقال للرسول: قل لهم: الإبل إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك فقال لهم الربيع بن زياد: يا قوم إن أخاكم قد أرسل إليكم: الإبل أحب إليكم أم ابني تقتلونه مكان قتيلكم. فقالوا نأخذ الإبل ونصالح قومنا، ونتم الصلح. فذلك حين يقول زهير يمدح الحارث وهرمًا: أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم ... بحومانة الدراج، فالمتثلَّم؟ وهي أول قصيدة مدح بها هرمًا٣، ثم مدح هرمًا بقصائد كثيرة حتى حلف هرم ألا يمدحه زهير إلا أعطاه، ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبدا أو وليدة أو فرسًا، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحًا غير هَرِم، وخيركم استثنيت٤. يقول الرواة: إن أباه ربيعة لم يعشْ طويلًا في عشيرة أخواله، وإن امرأته تزوجت

стр. 138

من بعده أوس بن حجر الشاعر التميمي المشهور. وهنا يلمع في حياة زهير اسم خاله بشامة بن الغدير، فقد كفله هو وإخوته، وعرف منهم سلمى والخنساء١. قال ابن الأعرابي: وكان بشامة بن الغدير خال زهير بن أبي سلمى، وكان زهير منقطعًا إليه وكان معجبًا بشعره. وكان بشامة رجلًا مقعدًا ولم يكن له ولد، وكان مكثرًا من المال، ومن أجل ذلك نزل إلى هذا البيت في غطفان لخئولتهم. وكان بشامة أحزم الناس رأيًا، وكانت غطفان إذا أرادوا أن يغزوا أتوه فاستشاروا وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، فمن أجل ذلك كثر ماله. وكان أسعد غطفان في زمانه. فلما حضره الموت جعل يقسم ماله في أهل بيته وبين إخوته. فأتاه زهير فقال: يا خولاه لو قسمت لي من مالك!! فقال: والله يابن أختي لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله. قال: وما هو؟ قال: شعري وَرَثتنيه٢. وقد كان زهير قبل ذلك قال الشعر، وقد كان أول ما قال. فقال له زهير: الشعر شيء ما قلته فكيف تعتد به عليّ؟ فقال بشامة: ومن أين جئت بهذا الشعر! لعلك ترى أنك جئت به من مزينة وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحي من غطفان ثم لي منهم، وقد رَوَيته عني، وأحذاه٣. نصيبًا من ماله ومات٤. كان لزهير ابنٌ يقال له: سالم، وكان من أم كعب بن زهير، جميل الوجه حسن الشعر. فأهدى رجلٌ إلى زهير بردين٥، فلبسهما الفتى وركب فرسًا له، فمر بامرأة من العرب بماء يقال له النُّتاءة، فقالت: ما رأيت كاليوم قط رجلًا ولا بُرْدَين ولا فرسًا، فعثر به الفرس فاندقت عنقه وعنق الفرس وانشقَّ البردان، فقال زهير يرثيه: رأت رجلًا لاقى من العيش غِبطَةً ... وأخطأه فيها الأمور العظائم

стр. 139

فأصبح محبورًا ١ ينظر حوله ... بغبطته لو أن ذلك دائم وعندي من الأيام ما ليس عنده ... فقلت تَعَلَّم إنما أنت حالم٢ لعلك يومًا أن تراعي بفاجع ... كما راعني النُّتاءَةِ سالِمُ٣ وقد برز عنصر التهذيب والتعليم بقوة في شعر زهير، ولا سيما في معاني العتاب والزهد، حتى ظن بعض العلماء أنه خاضع لتأثير النصرانية، نعم كان تأثير النصرانية واسع الانتشار قديِمًا في جزيرة العرب بيد أنه لا يجوز من أجل ذلك عدّه نصرانيًّا٤. ويقول ابن قتيبة: كان زهير يتأله ويتعفف في شعره. ومن معلقته ما يحمل على القول إنه كان مؤمنًا بالله وبالبعث والحساب بدليل قوله: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفي ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم٥ وكان يعنى بتنقيح شعره وتهذيبه، وقد رويت له أربع قصائد سميت بالحوليات أي السنويات، وزعم رواة أخباره أنه كان ينظم الواحدة منها في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر، ويعرضها على أخصّائه في أربعة أشهر، فلا تظهر إلا بعد حول. وأشهر شعره معلّقته التي مطلعها: "أمِنْ أُمّ أوْفى دمنة لَمْ تكلَّم"، ويتميز بمتانة لغته وقوة تركيبه، وكثرة الغريب في شعره، وبتطلبه حقيقة المعنى الوضعي ليخرجه على ماديته الحقيقية، وبتحكيمه عقله ورويته في تصوراته وخياله، فلا يبتعد، إلا في النادر، عن الحقائق الواقعية المحسوسة. وهو أشهر شعراء الجاهلية في إعطاء الحكمة وضرب المثل، وعرف في حياته

стр. 140

بالرصانة والتعقّل، وهو شخصية ممتازة من شخصيات الشعر الجاهليّ، شخصية فيها بر ورحمة وفيها نزعة قوية إلى الخير. وآراؤه ليست إلا من أوليات التفكير الإنساني وتفكير الشعب، وهذه الآراء هي التي جعلته قريبًا من الشعب؛ لأنه كان يكلمه فيها بما يعرف ويألف. وتحكيمه عقله في شعره، وإعماله تفكيره فيه، أضعفا عمل خياله، وعمل عاطفته، فلا تجد لهما عنده من الحّظ إلا يسيرًا، ومما يدل على تعقله وحنكته وسعة صدره حكمه في معلقته. وقد جمع خلاصة التقاضي في بيت واحد وهو: وإنَّ الحق مَقطَعُهُ ثلاثٌ ... يمين أو نفارٌ أو جِلاءُ ولا ريب أنَّ لكبر سنة تأثيرًا في خمود عاطفته وضعف خياله، فكل شعره يدلنا على أنه نظمه في حرب داحس والغبراء، وبعدها خاصة عندما بلغ الثمانين على حدّ قوله، أو تجاوزه، فمن البديهي أن يغلب عليه التعقل والترصن، وأن يكون للعقل العمل المهيمن في نتاجه الشعريّ. وحياة زهير من الوجهة الأدبية طريفة، يقول الأصبهاني: "كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا، وأخته سُلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة، وهي القائلة ترثيه: وما يُغني تَوَقِّي الموت شيئًا ... ولا عَقْدُ التميم ولا الغضار١ إذا لاقى منيته فأمسى ... يساق به وقد حق الحذار ولاقاه من الأيام يومٌ ... كما من قَبْلُ لم يَخْلُد قدارُ٢ وابن ابنه المضرّب بن كعب بن زهير شاعر، وهو القائل: إني لأحبس نفسي وهي صادية ... عن مصعب ولقد بانت لِيَ الطُرُقُ رُعْوَى عليه كما أرعى على هَرِمٍ ... جدّي زهير وفينا ذلك الْخُلُقُ

стр. 141

مَدْحُ الملوكِ وسعيٌ في مسرَّتهم ... ثم الغِنى ويدُ الممدوح تنطلق١ كان لشعر زهير تأثير في نفوس العرب، وكان مقرّبًا من أمراء ذبيان، وخصوصًا هرم بن سنان والحارث بن عوف. وزهير عريق في الشعر، كان له فيه ما لم يكن لغيره وليس هذا فحسب فإنه عاش للشعر يعلّمه ابنيه بجيرًا وكعبًا من جهة، وأناسًا آخرين من غير بيته أشهرهم الحطيئة، فهو تلميذه وخرّيجه. وفي أخباره مع ابنه كعب ما يدل على الطريقة التي كان يخرّج بها الشعراء، فقد كان يلقنهم شعره فيروونه عنه، وما يزالون يتلقونه حتى ينطبع في أنفسهم طريقة نظم الشعر وصوغه، وهو في أثناء ذلك يمتحن قدرتهم، بما يلقي عليهم من أبيات يطلب إليهم أن يجيزوها بنظم بيت على غرار البيت الذي ينشده في الوزن والقافية، ولابنه كعب قصيدة معروفة في مديح الرسول ﷺ وهي ذائعة مشهورة٢. ويقال: إنه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، وفي الإسلام ما اتصل في ولد جرير٣. وقيل: إن زهيرًا كان راوية أوس بن حجر زوج أمه، وكان أوس راوية الطفيل الغنوي وتلميذه٤. وقد جمعت أشعاره في ديوان شرحه ثعلب المتوفى سنة ٢٩١هـ. ومنه نسخة خطية في دار الكتب المصرية، وقد طبع سنة ١٣٢٣هـ. وشرحه الشنتمري المعروف بالأعلم المتوفى سنة ٤٧٦هـ. وقد طبع هذا الشرح في ليدن سنة ١٣٠٦هـ. وله شروح أخرى ضاعت أو لم نقف عليها٥. وقد ترجم كثير من ديوانه إلى الألمانية، وللمستشرق الألماني: ديروف

стр. 142

"DYROFF" كتاب في زهير وأشعاره بالألمانية طبع في منشن سنة ١٨٩٢م١. وقد جمعت أخباره وأقواله في كتاب الأغاني، في ديوانه الستة الجاهليين، وخزانة الأدب، والشعر والشعراء، وجمعت معلقته مع سائر المعلقات، وفي الجمهرة، وقد شرحها كثيرون منهم النحاس وهو أهم شروحها، وقد نشره "هوسهير" الألمانيّ سنة ١٩٠٥م في برلين مع مقدمة ألمانية مفيدة ٢] .

стр. 143

معلقة زهير ١- أمِنْ أُمّ أوْفَى دِمْنَةٌ لم تَكَلّمِ ... بِحَوْمَانَةِ الدّرّاجِ فالْمُتَثَلَّمِ الدّمنة: ما اسوّد من آثار الدار بالبعر والرماد وغيرهما، والجمع الدِّمَن، والدمنة الحقد، والدمنة السرجين١. وهي في البيت بمعنى الأول. حومانة الدراج والمتثلم: موضعان، وقوله: أمن أم أوفى يعني: أمن منازل الحبيبة المكناة بأم أوفى دمنة لا تجيب؟ وقوله: لم تكلّم، جزم بلم ثم حرك الميم بالكسر؛ لأن الساكن إذا حرِّك كان الأحرى تحريكه بالكسر. ولم يكن بدّ ههنا من تحريكه ليستقيم الوزن ويثبت السجع ثم أشبعت الكسرة بالإطلاق؛ لأنّ القصيدة مطلقة القوافي. يقول: أمن منازل الحبيبة المكناة بأم أوفى دمنة لا تجيب سؤالها بهذين الموضعين. أخرج الكلام في معرض الشك ليدل بذلك على أنه لبعد عهده بالدمنة وفرط تغيرها لم يعرفها معرفة قطع وتحقيق. ٢- وَدَارٌ لَهَا بالرّقْمَتَينِ كأنّها ... مراجيعُ وشْمٍ في نَواشِرِ مِعْصَمِ الرقمتان: حرّتان٢ إحداهما قريبة من البصرة والأخرى قريبة من المدينة. المراجيع: جمع المرجوع، من قولهم: رجعه رجعًا، أراد الوشم المجدد والمردّد. نواشر المعصم: عروقه، الواحد: ناشر، وقيل ناشرة، والمعصم: مواضع السوار من اليد والجمع المعاصم. يقول: أمن منازلها دار بالرقمتين؟ يريد أنها تحل الموضعين عند الانتجاع٣،

стр. 144

ولم يرد أنها تسكنهما جميعًا؛ لأن بينهما مسافة بعيدة، ثم شبه رسوم دارها بهما بوشم في المعصم قد رُدِّدَ وَجُدِّدَ بعد انمحائه، شبه رسوم الدار عند تجديد السيول إياها بكشف التراب عنها بتجديد الوشم. وتلخيص المعنى: أنه أخرج الكلام في معرض الشك في هذه الدار أهي لها أم لا، ثم شبه رسومها بالوشم المجدد في المعصم، وقوله: ودار لها بالرقمتين، يريد: وداران لها بهما، فاجتزأ بالواحد عن التثنية لزوال اللُّبس إذ لا ريب في أن الدار الواحدة لا تكون قريبة من البصرة والمدينة؛ وقوله: كأنها، أراد كأن رسومها وأطلالها، فحذف المضاف. ٣- بها العِينُ والأَرْآم يَمشينَ خِلْفَة ... وأطْلاؤهَا يَنْهَضْنَ من كل مِجْثَمِ قوله: بها العِين أي: البقر العِين، فحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه، والعين: الواسعات العيون، والعَيَن سعة العين. الأرْآم: جمع رئم وهو الظبي الأبيض خالص البياض؛ وقوله: خلفة، أي: يخلف بعضها بعضًا إذا مضى قطيع منها جاء قطيع آخر ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] يريد أن كلًّا منهما يخلف صاحبه، فإذا ذهب النهار جاء الليل، وإذا ذهب الليل جاء النهار، الأطلاء: جمع الطلا وهو ولد الظبية والبقرة الوحشية، ويستعار لولد الإنسان ويكون هذا الاسم للولد من حين يولد إلى شهر أو أكثر منه. الجثوم للناس والطير والوحوش بمنزلة البروك للبعير، والفعل جثم يجثم، والمجثم: موضع الجثوم، والمجثم الجثوم، فالمفعل من باب فعل يفعل، إذا كان مفتوح العين كان مصدرًا، وإذا كان مكسور العين كان موضعًا، نحو: المضرَب بالفتح والمضرِب بالكسر. يقول: بهذه الدار بقر وحش واسعات العيون، وظباء بيض يمشين بها خالفات بعضها بعضًا وتنهض أولادها من مرابضها لترضعها أمهاتها. ٤- وقفْتُ بها من بعدِ عشرِينَ حِجَّةً ... فلأيًا عَرَفْتُ الدّار بَعْدَ تَوهمِ الحجة: السنة، والجمع الحجج، الّلأيُ: الجهد والمشقة. يقول: وقفت بدار أم أوفى بعد مضي عشرين سنة من بينها، وعرفت دارها بعد

стр. 145

التوهم بمقاساة جهد ومعاناة مشقة، يريد أنه لم يثبتها إلا بعد جهد ومشقة لبعد العهد بها ودروس أعلامها. ٥- أثافِيَّ سُفْعًا فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ ... وَنُؤيًا كجِذْم الحوْضِ لم يتثلَّمِ الأُثفية والإثْفية: جمعها الأثافِي والأثافِيُّ، بتثقيل الياء وتخفيفها، وهي حجارة توضع القدر عليها، ثم إن كان من الحديد سُمّي منصبًا، والجمع المناصب ولا يسمى أثفية. السفع: السود، والأسفع مثل الأسود، والسفاع مثل السواد، المعرس: أصل المنزل، من التعريس وهو النزول في وقت السحر، ثم استعير للمكان الذي تنصب فيه القدر. المرجل: القدر عند ثعلب من أي صنف من الجواهر كانت. النؤي: نهير يحفر حول البيت ليجري فيه الماء الذي يَنْصَّبُ من البيت عند المطر ولا يدخل البيت، الجمع الآناء والنُئِيّ. الجذم: الأصل، ويروى: كحوض الجد، والجد: البئر القريبة من الكلأ، وقيل: بل هي البئر القديمة. يقول: عرفت حجارة سودًا تنصب عليها القدر، وعرفت نهيرًا كان حول بيت أم أوفى بقي غير متثلم كأنه أصل حوض، نصب أثافي على البدل في قوله: عرفت الدار؛ يريد أن هذه الأشياء دلته على أنها دار أم أوفى. ٦- فَلَمّا عَرَفْتُ الدَّارَ قلتُ لِرَبْعِهَا: ... أَلَا انْعَمْ صباحًا أيها الرَّبع واسلَمِ كانت العرب تقول في تحيتها: انعم صباحًا، أي طاب عيشك في صباحك، من النعمة وهي طيب العيش، وخص الصباح بهذا الدعاء؛ لأن الغارات والكرائه تقع صباحًا، وفيها أربع لغات: انعم صباحًا، بفتح العين من نَعِمَ ينعَم مثل علم يعلم. والثانية: انعِم، بكسر العين، من نَعِمَ ينعِم مثل حسب يحسب، ولم يأت على فَعِلَ يفْعِل من الصحيح وغيرهما، وقد ذكر سيبويه أن بعض العرب أنشده قول امرئ القيس: [الطويل] : ألا انعم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي؟ بكسر العين من ينعم. والثالثة: عَمْ صباحًا، من وَعَمَ يَعَمُ مثل وضع يضع. والرابعة: عِمْ صباحًا من وَعَمَ يَعِمُ مثل: وعد يعد.
следующие страницы →