٦٤-
وذا البُرَةِ الّذِي حُدّثْتَ عَنْهُ ... بِهِ نُحْمَى وَنَحْمِي الْمُحْجَرِينَا
ذو البرة: من بني تغلب، سُمّي به لشعر على أنفه يستدير كالحلقة.
يقول: وورثت مجد ذي البرة الذي اشتهر وعرف وحُدِّثْتُ عنه أيها المخاطب وبمجده يحمينا سيدنا وبه نحمي الفقراء الملجئين إلى الاستجارة بغيرهم.
٦٥-
وَمِنّا قَبْلَهُ السّاعِي كُلَيبٌ ... فَأَيُّ الْمَجْدِ إلّا قَدْ وَلِينا
يقول: ومنا قبل ذي البرة الساعي للمعالي كليب، يعني كليب وائل، ثم قال: وأي المجد إلا وقد ولينا، أي قربنا منه فحوينا.
٦٦-
مَتَى نَعْقِدْ قَرِينَتِنَا بِحَبْلٍ ... تَجُذَّ الْحَبْلَ أَو تَقِصِ القَرِينا
يقول: متى قرَنّا ناقتنا بأخرى قطعت الحبل أو كسرت عنق القرين، والمعنى: متى قرنا بقوم في قتال أو جدال غلبناهم وقهرناهم. الجذ: القطع والفعل جذ يجذ. الوقص: دق العنق، والفعل وقص يقص.
٦٧-
وَنُوجَدُ نَحْنُ أَمْنَعَهُمْ ذِمَارًا ... وَأَوْفَاهُمْ إِذَا عَقَدُوا يَمِينَا
يقول: تجدنا أيها المخاطب أمنعهم ذمة وجوارًا وحلفًا وأوفاهم باليمين عند عقدها. الذمار: العهد والحلف والذمة، سُمِّي به لأنه يتذمر له أي يتغضب لمراعاته.
٦٨-
وَنَحْنُ غَدَاةَ أُوقِدَ في خَزَازَى ... رَفَدْنَا فَوْقَ رِفْدِ الرَّافِدِينَا
الرّفد: الإعانة، والرفد الاسم.
يقول: ونحن غداة أوقدت نار الحرب في خزازى أعنّا نزارًا فوق إعانة المعينين، يفتخر بإعانة قومه بني نزار في محاربتهم اليمن.
٦٩-
وَنَحْنُ الْحَابِسُونَ بِذِي أَرَاطَى ... تَسَفُّ الْجِلَّةُ الْخُورُ الدَّرِينَا
تسف: أي تأكل يابسًا، والمصدر السفوف. الْجِلّة: الكبار من الإبل، الخور: الكثيرة الألبان، وقيل: الخور الغزار من الإبل والناقة خوراء. الدَّرين: ما اسود من النبت وقدم.
يقول: ونحن حبسنا أموالنا بهذا الموضع حتى سفت النوق الغزار قديم النبت وأسوده لإعانة قومنا ومساعدتهم على قتال أعدائهم.
стр. 247
٧٠-
وَنَحْنُ الْحَاكِمُون إِذَا أُطِعْنَا ... وَنَحْنُ العَازِمُونَ إِذَا عُصِينَا
٧١-
وَنَحْنُ التّارِكُون لِمَا سَخِطْنَا ... وَنَحْنُ الآخِذُونَ لِمَا رَضِينَا
٧٢-
وَكُنّا الأَيْمَنِينَ إِذَا التَقَيْنَا ... وَكَانَ الأَيْسَرَيْنِ بَنُو أَبِينَا
يقول: كنا حماة الميمنة إذا لقينا الأعداء وكان إخواننا حماة الميسرة، يصف غناءهم في حرب نزار واليمن عندما قتل كليب وائل لبيد بن عنق الغساني عامل ملك غسان على تغلب حين لطم أخت كليب وكانت تحته.
٧٣-
فَصَالُوا صَوْلَةً فيمَنْ يَليهِمْ ... وَصُلْنَا صَوْلَةً فيمَنْ يَلينا
يقول: فحمل بنو بكر على من يليهم من الأعداء، وحملنا على من يلينا.
٧٤-
فَآبُوا بالنِّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا
النِّهاب: الغنائم، الواحد نهب. الأوب: الرجوع، التصفيد: التقييد، يقال: صَفَدْته وَصَفَّدْتُه أي قيدته وأوثقته.
يقول: فرجع بنو بكر بالغنائم والسبايا ورجعنا مع الملوك مقيدين، أي اغتنموا الأموال وأسرنا الملوك.
٧٥-
إِلَيْكُمْ يَا بَنِي بَكْرٍ إِلَيْكُمْ ... أَلَمّا تَعْرِفُوا مِنَّا اليَقِينَا
يقول: تنحوا وتباعدوا مُساماتنا ومباراتنا يا بني بكر، ألم تعلموا من نجدتنا وبأسنا اليقين؟ أي قد علمتم ذلك لنا فلا تتعرضوا لنا، يقال: إليك إليك، أي تَنَحَّ.
٧٦-
أَلَمَّا تَعْلَمُوا مِنَّا وَمِنْكُمْ ... كَتَائِبُ يَطَّعِنَّ وَيَرْتَمِينَا
يقول: ألم تعلموا كتائب منا ومنكم يطعن بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا؟ وما في قول: أَلَمّا صلة زائدة. الاطِّعان والارتماء: مثل التطاعن والترامي.
٧٧-
عَلَيْنَا البَيْضُ وَاليَلَبُ اليَمَانِي ... وَأَسْيَافٍ يَقُمْنَ وَيَنْحَنِينَا
اليلب: نسيجة من سيور١ تلبس تحت البيض٢.
стр. 248
يقول: وكان علينا البيض واليلب اليماني وأسياف يقمن وينحنين لطول الضِّراب بها.
٧٨-
عَلَيْنَا كُلُّ سَابِغَةٍ دِلاصٍ ... تَرَى فَوقَ النّطاقِ لَهَا غُضُونَا
السابغة: الدرع الواسعة التامة. الدِّلاص: البراقة. الغضون: جمع غَضَن وهو التشنج في الشيء.
يقول: وكانت علينا كل درع واسعة براقة ترى أيها المخاطب فوق المنطقة لها غضونًا لسعتها وسبوغها.
٧٩-
إِذَا وُضِعَتْ عَنِ الأَبْطَالِ يومًا ... رَأَيْتُ لَهَا جُلُودَ القَومِ جُونَا
الْجَون: الأسود والجون الأبيض، والجمع الجون.
يقول: إذا خلعها الأبطال يومًا رأيت جلودهم سودًا للبسهم إياها. قوله: لها، أي للبسها.
٨٠-
كَأَنّ غُضُونَهُنَّ مُتُونُ غُدْرٍ ... تُصَفّقُهَا الرّياحُ إِذَا جَرَيْنَا
الغُدْر: مخفّف غُدُر وهو جمع غدير. تصفقه: تضربه، شبه غضون الدرع بمتون الغدران إذا ضربتها الرياح في جريها، والطرائق التي تُرَى في الدروع بالتي تراها في الماء إذا ضربته الريح.
٨١-
وَتَحْمِلُنَا غَدَاةَ الرَّوْعِ جُرْدٌ ... عُرِفْنَ لَنَا نَقَائِذَ وَافْتُلِينا
الرَّوع: الفزع ويريد به الحرب هنا. الجرد: التي رق شعر جسدها وقصر، والواحد أجرد والواحدة جرداء. النقائذ: المخلصات من أيدي الأعداء، واحدتها نقيذة وهي فعيلة بمعنى مفعلة، يقال: أنقذتها، أي: خلصتها، فهي منقذة ونقيذة. الفلو والافتلاء: الفطام.
يقول: وتحملنا في الحرب خيل رقاق الشعور قصارها، عُرفن لنا وفُطمت عندنا وخلصناها من أيدي أعدائنا بعد استيلائهم عليها.
٨٢-
وَرَدْنَ دَوارِعًا وَخَرَجْنَ شُعْثًا ... كَأَمْثَالِ الرّصائِعِ قَدْ بَلينا
стр. 249
رجل دارع: عليه درع، ودروع الخيل تجافيفها١. الرصائع: جمع الرصيعة وهي عقدة العنان على قذال٢ الفرس.
يقول: وردت خيلنا وعليها تجافيفها، وخرجن منها شعثًا قد بلين بِلَى عُقَد الأعنة لما نالها من الكلال والمشاق فيها.
٨٣-
وَرِثْناهُنّ عَنْ آبَاءِ صِدْقٍ ... وَنُورِثُهَا إِذَا مُتْنَا بَنينا
يقول: ورثنا خيلنا من آباء كرام شأنهم الصدق في الفعال والمقال ونورثها أبناءنا إذا متنا، يريد أنها تناتجت وتناسلت عندهم قديْمًا.
٨٤-
عَلَى آثَارِنا بِيضٌ حِسَانٌ ... نُحَاذِرُ أَنْ تُقَسَّمَ أَوْ تَهُونَا
يقول: على آثارنا في الحروب نساء بيض حسان نحاذر عليها أن يسبيها الأعداء فتقسمها وتهينها، كانت العرب تشهد نساءها الحروب وتقيمها خلف الرجال ليقاتل الرجال ذبًّا عن حرمها فلا تفشل مخافة العار بسبي الحرم.
٨٥-
أَخَذْنَ عَلَى بُعُولَتِهِنَّ عهدًا ... إِذَا لَاقَوا كَتَائِبَ مُعْلِمِينَا
يقول: قد عاهدن أزواجهن إذا قاتلوا كتائب من الأعداء قد أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها في الحروب أن يثبتوا في حومة القتال ولا يفروا، والبعول والبعولة جمع بعل، يقال للرجل: هو بعل المرأة، وللمرأة هي بَعْلَه وَبَعْلَتُه، كما يقال: هو زوجها وهي زوجه وزوجته.
٨٦-
لَيَسْتَلِبُنَّ أَفْرَاسًا وَبِيضًا ... وَأَسْرَى فِي الْحَديدِ مُقَرَّنينا
أي ليستلب خلينا أفراس الأعداء وبيضهم وأسرى منهم قد قرنوا في الحديد.
٨٧-
تَرَانَا بارِزِينَ وَكُلُّ حَيِّ ... قَدِ اتّخَذُوا مَخافَتَنا قَرينا
يقول: تَرَانَا خارجين إلى الأرض البراز، وهي الصحراء التي لا جبل بها، لثقتنا بنجدتنا وشوكتنا، وكل قبيلة تستجير وتعتصم بغيرها مخافة سطوتنا بها.
стр. 250
٨٨-
إِذَا مَا رُحْنَ يَمْشِينَ الْهُوَيْنَى ... كَمَا اضْطَرَبَتْ مُتُونُ الشَّارِبِينَا
الهوينى: تصغير الهونى وهي تأنيث الأهون، مثل الأكبر والكبرى.
يقول: إذا مشين يمشين مشيًا رفيقًا لثقل أردافهن وكثرة لحومهن، ثم شبههن في تبخترهن بالسكارى في مشيهم.
٨٩-
يَقُتْنَ جِيادَنَا وَيَقُلْنَ لَسْتُمْ ... بُعُولَتَنَا إِذَا لَمْ تَمْنَعُونَا
القوت: الإطعام بقدر الحاجة، والفعل قات يقوت، والاسم القوت والقيت، والجمع الأقوات.
يقول: يعلفن خيلنا الجياد ويقلن: لستم أزواجنا إذا لم تمنعونا من سبي الأعداء إيانا.
٩٠-
ظَعَائِنُ مِنْ بَنِي جُشَمِ بنِ بَكْرٍ ... خَلَطْنَ بِمِيسَمٍ حَسَبًا وَدِينًا
الميسم: الحسن وهو من الوسام والوسامة وهما الحسن والجمال، والفعل وسم يوسم، والنعت وسيم. الحسب: ما يحسب من مكارم الإنسان ومكارم أسلافه، فهو فعل في معنى مفعول مثل النفض١ والخبط٢ والقبض ٣ واللقط٤ في معنى المنفوض والمخبوط والمقبوض والملقوط، فالحسب إذن في معنى المحسوب من مكارم آبائه.
يقول: هن نساء من هذه القبيلة جمعن إلى الجمال الكرم والدين.
٩١-
وَمَا مَنَعَ الظَّعَائِنَ مِثْلَ ضَرْبٍ ... تَرَى مِنْهُ السَّواعِدَ كالقُلِينَا
يقول: ما منع النساء من سبي الأعداء إياهن مثل ضرب تندر وتطير منه سواعد المضروبين كما تطير القلة إذا ضربت بالمقلى.
٩٢-
كَأَنَّا والسُّيوفُ مُسَلَّلاتٌ ... وَلَدْنَا النَّاسَ طُرًّا أَجْمَعِينَا
стр. 251
يقول: كأن حال استلال السيوف من أغمادها، أي حال الحرب، ولدنا جميع الناس، أي نحميهم حماية الوالد ولده.
٩٣-
يُدَهْدونَ الرُّءُوسَ كَمَا تُدَهْدي ... حَزَاوِرَةٌ بِأَبْطَحِهَا الكُرِينا
الْحَزَّوْر: الغلام الغليظ الشديد، والجمع الحزاورة.
يقول: يدحرجون رءوس أقرانهم كما يدحرج الغلمان الغلاظ الشداد الكرات في مكان مطمئن من الأرض.
٩٤-
وَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ مِنْ مَعَدٍّ ... إِذَا قُبَبٌ بِأَبْطَحِهَا بُنينَا
يقول: وقد علمت قبائل معد إذا بنيت قبابها بمكان أبطح. القبب والقباب جمعا قبة.
٩٥-
بِأَنَّا الْمُطْمِعُونَ إِذَا قَدَرْنَا ... وَأَنَّا الْمُهْلِكُونَ إِذَا ابْتُلِينَا
يقول: قد علمت هذه القبائل أنا نطعم الضيفان إذا قدرنا عليه، ونهلك أعداءنا إذا اختبروا قتالنا.
٩٦-
وَأَنَّا الْمَانِعُونَ لِمَا أَرَدْنَا ... وَأَنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينَا
يقول: وأنا نمنع الناس ما أردنا منعه إياهم، وننزل حيث شئنا من بلاد العرب.
٩٧-
وَأَنَّا التَّارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا ... وَأَنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا
يقول: وأنّا نترك ما نسخط ونأخذ إذا رضينا، أي لا نقبل عطايا من سخطنا عليه ونقبل هدايا من رضينا عليه.
٩٨-
وَأَنَّا العَاصِمُونَ إِذَا أُطِعْنَا ... وَأَنَّا العَازِمُونَ إِذَا عُصِينَا
يقول: وأنا نعصم ونمنع جيراننا إذا أطاعونا ونعزم عليهم بالعدوان إذا عصونا.
٩٩-
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا الْمَاءَ صَفْوًا ... وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِرًا وَطِينَا
يقول: ونأخذ من كل شيء أفضله وندع لغيرنا أرذله، يريد لهم السادة والقادة وغيرهم أتباع لهم.
١٠٠-
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي الطّمّاحِ عَنّا ... وَدُعْمِيًّا فَكَيْفَ وَجَدْتُمُونَا
стр. 252
يقول: سل هؤلاء كيف وجدونا؟ شجعانًا أم جبناء؟
١٠١-
إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسُ خَسْفًا ... أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا
الْخَسْف: والْخُسْف: بفتح الخاء وضمها: الذل. السَّوم: أن تجشّم إنسانًا مشقة وشرًّا، يقال: سامه خسفًا، أي حمله وكلفه ما فيه ذل.
يقول: إذا أكره الملك الناس على ما فيه ذلهم أبينا الانقياد له.
١٠٢-
مَلَأنَا البَرَّ حَتّى ضَاقَ عَنّا ... وَمَاءُ البَحْرِ نَمْلَؤهُ سَفِينا
يقول: عممنا الدنيا برًّا وبحرًا فَضَاقَ البر عن بيوتنا والبحر عن سفننا.
١٠٣-
إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌ ... تَخِرُّ لَهُ الْجَبَابِرُ سَاجِدِينَا
يقول: إذا بلغ صبياننا وقت الفطام سجدت لهم الجبابرة من غيرنا.
стр. 253
عنترة بن شداد
مدخل
...
عنترة بن شداد
هو: عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، من أهل نجد وينتهي نسبه إلى مضر.
ويلقب عنترة: بالفَلحاء، فيقال: عنترة الفلحاء.
وكانت أمه أَمَةً حبشية يقال لها: زبيبة، وكان لها أولاد عبيد من غير شدَّاد، وكانوا أخوة عنترة لأمه.
وكان أبوه قد نفاه، وكان العرب في الجاهلية إذا كان لأحدهم ولد من أمه استعبده، ثم ادَّعاه بعد الكبر واعترف به وألحقه بنسبه.
وكان سبب ادعاء أبيه إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منه واستاقوا إبلًا فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة يومئذ فيهم، فقال له أبوه: "كِرّ يا عنترة" فقال عنترة: "العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الْحِلاب والصّر" فقال: "كرَّ وأنت حر". فَكرَّ، وقاتل يومئذ قتالًا حسنًا فادَّعاه أبوه بعد ذلك وألحقه بنسبه.
هو من الشعراء الفرسان، وكان شاعر بني عبس وفارسهم المشهور، وكان جرئيًا شديد البطش. وكان مع شدة بطشه لَيِّن الطباع حليمًا، سهل الأخلاق، لطيف الحاضرة. وكان من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يداه. وكان سَمْحًا أَبِيَّ النفس لا يقر على ضيم ولا يغمض على قذى، ولَمّا أُنشدَ للنبي ﷺ قوله: [الكامل] :
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
стр. 254
قال ﵊: "ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة".
وكان قد حضر حرب داحس والغبراء، وحسن فيها بلاؤه وحُمدت مشاهده.
ووقائعه كثيرة يشتبه فيها الصحيح بالموضوع.
أغار عنترة على بني نَبَهان من طيئ، فأطرد لهم طريدة وهو شيخ كبير، فجعل يرتجز وهو يطردها. وكان "وَزَر بن جابر النبهاني" في فتوَّة فرماه وقال: خذها وأنا ابن سلمى فقطع مطاه. فتحامل بالرميَّة حتى أتى أهله.
وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص.
كان عنترة شاعرًا مجيدًا فصيح الألفاظ، بيِّن المعاني نبيلها. كان كأنما الحماسة أنزلت عليه آياتها. وكان رقيق الشعر. لا يؤخذ مأخذ الجاهلية في ضخامة الألفاظ وخشونة المعاني. وكان يهوى ابنة عمه "عبلة بنت مالك بن قراد" فهاجت شاعريته لذلك، وكان كثيرًا ما يذكرها في شعره، وكان أبوها يمنعه من زواجه بها، فهام بها حتى اشتد وجده، وقيل: إنه قد تزوجها بعد جهد وعناء.
معلقته هي الشعر الثابت له بلا اختلاف. أما غيرها فمنها ما هو ثابت له، ومنها ما هو مختلف فيه، ومنها ما ليس له قطعًا. كأكثر ما في ديوانه المشهور.
وسبب نظمها ما حكوا من أنه جلس يومًا في مجلس بعدما كان قد أبلى وحسنت وقائعه واعترف به أبوه وأعتقه فسابَّه رجل من بني عبس، وعاب عليه سوادَ أمه وإخوته وأنه لا يقول الشعر. فسبَّه عنترة وفخر عليه. وقد استهل معلقته بالغرام وشكوى البعد وغير ذلك من أنواع النسيب. ثم تخلص إلى الفخر والحماسة وذكر وقائعه ومشاهده.
стр. 255
[ترجمة عنترة بن شداد
١- نسبه:
في نسب عنترة روايات متعددة أبرزها:
- عنترة بن شداد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس.
- عنترة بن شداد بن معاوية بن قراد أحد بني مخزوم بن عوذ بن غالب.
- عنترة بن عمرو بن شداد بن قراد بن مخزوم بن عوف بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض.
وغيرها من الروايات المتضاربة التي تُبقي نسب عنترة مضطربًا ذلك أنه نشأ عبدًا مغمورًا ولم يعترف به أبوه إلا متأخرًا.
стр. 256
٢- مولده:
من السائد لدى المؤرخين أن حرب داحس والغبراء قد انتهت قبل الإسلام بقليل أي قرابة سنة ٦٠٠ للميلاد، وكانت هذه الحرب قد استغرقت أربعين سنة، لذلك نستطيع أن نجعل ولادة عنترة بحدود سنة ٥٣٠ لأنه شهد بدء هذه الحرب واشترك فيها حتى نهايتها. وقد اعتمدنا هذه الفرضية لأنها تنسجم مع نصوص عديدة وردت عن اجتماع عنترة بعمرو بن معد يكرب ومعاصرته لعروة بن الورد وغيره من شعراء تلك الفترة.
стр. 257
٣- نشأته:
يروى أن أباه قد وقع على أمة حبشية يقال لها زبيبة فأولدها عنترة، وكانت
стр. 258
العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده، وقد ظلت عبودية عنترة هذه فترة من الزمن؛ لأن أباه حرره بعد الكبر. ولهذه الحرية قصة يذكرها الباحثون مفادها أن أمّه الحبشية أتت به إلى والده فقال لأولاده: "إن هذا الغلام ولدي"، قالوا: كذبت أنت شيخ وقد خرفت تدعي أولاد الناس. فلما شبّ قالوا له: اذهب فارعَ الإبل والغنم. فانطلق يرعى وباع منها واشترى سيفًا ورمْحًا وترسًا ودرعًا ودفنها في الرمل. ولئن كان هذا الخبر أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع فإنه يؤكد حرص عنترة على تعلم الفروسية وفنون القتال منذ صغره، وهو الذي كان يشعر، بدافع من لونه، أن أفعاله وبطولته وشجاعته أمور لا ترتبط بالنشأة قدر ارتباطها بالنفس وسموها.
стр. 259
٤- حريته:
تعددت الروايات التي أوردت خبر حصول عنترة على حريته، وأبرز ما فيها أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس فأصابوا منهم. فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم وعنترة فيهم، فقال له أبوه: كرّ يا عنترة. فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر، إنما يحس الحلاب والصر، فقال له: كرّ وأنت حر. فادّعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه. والثابت أن عنترة لم ينل حريته إلا بشق النفس وبذل الجهد والتضحيات.
стр. 260
٥- فروسيته:
كانت حروب داحس والغبراء الميدان الفسيح الذي ظهرت فيه فروسية عنترة وشجاعته, وأخبار هذه الحرب تقترن مع كثير من المواقع والأيام، ومنها يوم "الفروق" حيث اصطدمت عبس بتميم ودارت رحى الحرب بينهما فأقدم عنترة في هذه المعركة وقتل معاوية بن نزال وافتخر بقومه حين قال: "كنا مائة لم نكثر فنتّكل ولم نقلّ فنذّل". ومنها أيضًا معركة "ذات الجراجر" بين ذبيان وحليفاتها من جهة وبين بني عبس من جهة أخرى ودام القتال يومين، وقد أظهر عنترة في هذه الحرب شجاعة لا توصف، ثم أرادت عبس النزول على بني سليم فوقعت معركة ضارية انهزم فيها بنو عبس، وفروا ولكن عنترة ظل واقفًا دون النساء يدافع عنهن حتى عادت الخيل واحتدمت المعركة من جديد وكان الفوز لبني عبس. والأخبار عن فروسية عنترة وشجاعته كثيرة نكتفي منها
стр. 261
بهذا الخبر البارز حين قيل لعنترة: أنت أشجع الناس وأشدها قال: لا، قيل: فبمَ إذن شاع لك هذا في الناس؟ قال: "كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزمًا وأحجم إذا رأيت الإحجام حزمًا ولا أدخل موضعًا لا أرى لي منه مخرجًا، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله".
стр. 262
٦- زواجه:
الحديث عن زواج عنترة نراه مقترنًا بخبر انتزاعه لحريته حيث نجد عند أبي هلال العسكري خبرًا مفاده أن أباه استلحقه يومئذ وزوجه عمه عبلة ابنته. كما نجد أن السيوطي أورد خبرًا ينقل قول عم عنترة له: إنك ابن أخي وقد زوجتك ابنتي عبلة، كما نجد نصًّا ثالثًا نقله الميداني في المناسبة ذاتها على لسان والد عنترة حين قال له: كر وقد زوجتك عبلة، فكر وأبلى ووفى له أبوه بذلك فزوجه عبلة. وهذه النصوص تبدو صريحة في إثبات خبر الزواج.
وقد رأينا كثيرين من الذين ترجموا لعنترة لم يتطرقوا لذكر أمر زواجه ونحن لا نجد بين أيدينا من الوسائل ما يدفعنا إلى تأكيد زواج عنترة بابنة عمه عبلة وهو أمر معقول، ذلك أن عنترة ظل فترة من حياته ما كان له أن يتزوج من حرة مما يترك الفرصة سانحة لعبلة أن تتزوج قبل أن ينال حريته بمن تشاء. وقد صادفتنا مسألة أخرى هي زواجه من امرأة أخرى من بجيلة. وقصة هذا الزواج غير معروفة إلا أن ابن السكيت يقول: "كانت لعنترة امرأة بخيلة لا تزال تلومه في فرس يملكه واسمه الغبوق".
والمرجح أن عنترة قد تزوج وإن لم يكن بابنة عمه عبلة بالتخصيص، ويؤيد ذلك قوله:
ما استمت انثى نفسها في موطن ... حتى أوفي مهرها مولاها
стр. 263
٧- وفاته:
اختلف الرواة في نهاية حياة عنترة كما في سائر أخباره، فتعددت الروايات ومنها أن عنترة خرج فهاجت رائحة من صيف نافخة فأصابت الشيخ فوجدوه ميتًا بينهم وكان عنترة قد كبر وعجز كما يبدو من الرواية. ومنها أيضًا أنه أغار على بني
стр. 264
نبهان من طيئ فأطرد لهم طريدة، وهو شيخ كبير فجعل يرتجز وهو يطردها ويقول:
آثار ظُلمانٍ بقاع مُجدِبِ
قال: وكان وزر بن جابر النبهاني في فتوة فرماه وقال: خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه، فتحامل بالرميّة حتى أتى أهله وهو مجروح. ومن أخبار وفاته أنه غزا طيئًا مع قومه فانهزمت عبس فخرّ عن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب فدخل دغلًا وأبصره ربيئة طيئ فنزل إليه وهاب أن يأخذه أسيرًا فرماه وقتله، ويزعمون أن الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص وهو القائل:
أنا الأسد الرهيص قتلت عمْرًا ... وعنترة الفوارس قد قتلتُ
стр. 265
٨- شعره:
البطولة الحربية ووصف المعارك هي أبرز الموضوعات التي تطرق إليها الشاعر في قصائده المختلفة فحاول أن يرسم لنا في قصائده صورة كاملة عن الفارس الشجاع الذي يخوض ساحات القتال وميدان الأبطال. ومن خلال صورة المقاتل الشجاع يستطيع عنترة أن يؤكد فكرة حريته وجدارته بهذه الحرية وبالتالي جدارته بحب ابنة عمه عبلة. ويحاول أن يربط بين فكرة البطولة وفكرة الحب.
وإذا كانت المعارك عند عنترة تنتهي بموت الخصم فإن فكرة الموت ظلت ماثلة أمام عيني عنترة حين قال: "إني امرؤ سأموت إن لم أقتل". ولا ينسى عنترة أن يصف في شعره عدة البطولة من خيل ورماح وسيوف ودروع. فالفارس البطل هو الذي يعنى بالسلاح وآلة الحرب وهو المقدام الذي لا يتراجع مهما كانت العقبات:
لَمّا رَأَيْتُ القَوْمَ أَقْبَلَ جمعهم ... يتذامرون كررتُ غير مذمّمِ
والفارس الشجاع والمغوار لا يداخله الخوف ولا يصيبه الوجل، والشجاعة تدفع صاحبها إلى عدم التفكير في المخاطر وتفرض عليه عدم التبصّر بالعواقب:
وإذا حملت على الكريهة لم أقل ... بعد الكريهة ليتني لم أفعل
إلى جانب شجاعته حاول عنترة أن يظهر متحلّيًا بكل الأخلاق الحميدة
стр. 266
والصفات الكريمة التي يتصف بها خيار الناس والفرسان. وكانت غايته من حديثه عن الأخلاق رسم صورة خلقية كاملة تغطي بإشراقها في ظل العبودية والرق. فكانت البطولة جزءًا من الفروسية والرجولة الحقة تزينها الأخلاق العربية الأصيلة من صبر ونجدة وكرم وعفة ورقة وقسوة. ومع أن عنترة حاول تغطية عقدة النقص في نسبة فإنه كان لديه الاستعداد النفسي التام لتجسيد فكرة الأخلاق الكريمة والتغني بها والدفاع عنها:
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي وتكرّمي
وهو صبور يتحمل المكاره حين يسيطر الضعف على الناس وتلعب بهم رياح الاستسلام:
وعرفت أنّ منيتي إنْ تأتني ... لا ينجني منها الفرار الأسرع
أمّا فكرة التعفف فهي ظاهرة في شعره، وحين يظن المقاتل أن غاية القتال هي الكسب والربح نرى عنترة يرتفع عن هذه المعاني ليبقى قتاله للقتال وبطولته للبطولة وحربه للحرب، أما الغنائم فذاك أمر يتركه لسواه:
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
وقد تميز شعر عنترة بما تميز به الشعر العربي عمومًا من وقوف على الأطلال ذلك أن هذه الظاهرة هي التعبير الصادق عن حنين الشاعر وعن عاطفته. فما الأطلال إلا تلك المواطن التي عاش فيها الشاعر أو مر بها أو حدثت معه فيها حادثة هزت قلبه أو عصفت بوجدانه. والحديث عن الأطلال يقودنا إلى الكلام عن الغزل عند عنترة الذي هو غزل عذري يعني بالمرأة من خلقها وصفاتها ويعني بها كمثال كما يهدف إلى التغني بجمال نفسها:
وقال لها البدر المنير ألا اسفري ... فإنك مثلي في الكمال وفي السّعْدِ
والغزل العذري أمر طبيعي عند عنترة ينسجم مع توجهه الخلقي الذي أشرنا إليه والذي يطالع الديوان يجد أنه يكاد يخلو من وصف الجمال الجسدي إلا في أبيات
стр. 267
معدودة، وإذا وردت بعض الأوصاف فإنها تكون بعيدة عن الفحش ومحاطة بسياج من الحشمة:
وألثمُ أرضًا أنت فيها مقيمة ... لعل لهيبي من ثرى الأرض يبردُ
وهو حين يصف حبيبته فإنه يراها من خلال نفسه الشفافة:
عربية يهتزّ لين قوامها ... فيخاله العشّاقُ رمْحًا أسْمَرَا
وإذا تطرّق عنترة في شعره إلى الحكمة فحكمته تدور حول الحياة والموت، فيلتقي مع طرفة بن العبد في أن الموت نهاية كل إنسان وخاتمة كل مطاف والكأس التي لا بد من ورودها والتي إذا جاء أوانها لا يمكن تداركها:
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أُسقي بذاك المنهلِ]
стр. 268
معلقة عنترة بن شداد
١-
هَلْ غَادَرَ الشّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ ... أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
المتردم: الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي، والتردم أيضًا مثل الترنم، وهو ترجيع الصوت مع تحزين.
يقول: هل تركت الشعراء موضعًا مسترقعًا إلا وقد رقعوه وأصلحوه؟ وهذا استفهام يتضمن معنى الإنكار، أي لم يترك الشعراء شيئًا يصاغ فيه شعر إلا وقد صاغه فيه، وتحرير المعنى: لم يترك الأول للآخر شيئًا، أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعًا أرقعه ومستصلحًا أصلحه، وإن حملته على الوجه الثاني كان المعنى: إنهم لم يتركوا شيئًا إلا رجعوا نغماتهم بإنشاء الشعر وإنشاده في وصفه ورصفه، ثم أضرب عن هذا الكلام وأخذ في فن آخر فقال مخاطبًا لنفسه: هل عرفت دار عشيقتك بعد شكّك فيها، وأم ههنا معناه بل أعرفت، وقد تكون أم بمعنى بل مع همزة الاستفهام، كما قال الأخطل: [الكامل] :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام ممن الرباب خيالا
أي بل أرأيت، ويجوز أن تكون هل ههنا بمعنى قد كقوله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَان﴾ [الإنسان: ١] أي قد أتى.
٢-
يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالْجِوَاءِ تَكَلَّمِي ... وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي
الجو: الوادي والجمع الجواء، والجواء في البيت موضع بعينه. عبلة: اسم عشيقته، وقد سبق القول في قوله: عِمِي صباحًا.
يقول: يا دار حبيبتي بهذا الموضع تكلمي وأخبريني عن أهلك ما فعلوا، ثم أضرب عن استخباره إلى تحيتها فقال: طاب عيشك في صباحك وسلمت يا دار حبيبتي.
стр. 269
٣-
فَوَقَفْتُ فِيها نَاقَتي وكَأَنَّها ... فَدَنٌ لأَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُتَلَوِّمِ
الفدن: القصر، والجمع الأفدان. المتلوم: المتمكث.
يقول: حبست ناقتي في دار حبيبتي، ثم شبه الناقة بقصر في عظمها وضخم جرمها، ثم قال: إنما حبستها ووقفتها فيها لأقضي حاجة المتمكث بجزعي من فراقها وبكائي على أيام وصالها.
٤-
وَتَحُلّ عَبْلَةُ بالْجِوَاءِ وَأَهْلُنَا ... بالْحَزْنِ فَالصَّمَانِ فَالْمُتَثَلَّمِ
يقول: وهي نازلة بهذا الموضع وأهلنا نازلون بهذه المواضع.
٥-
حُيّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... أقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الْهَيْثَمِ
الإقواء والإقفار: الخلاء، جمع بينهما لضرب من التأكيد كما قال طرفة: [الطويل] :
متى أدن منه ينأ عني ويبعد
جمع بين النأي والبعد لضرب من التأكيد. أم الهيثم: كنية عبلة.
يقول: حييت من جملة الأطلال، أن خُصِّصْتَ بالتحية من بينها، ثم أخبر أنه قدم عهده بأهله وقد خلا عن السكان بعد ارتحال حبيبته عنه.
٦-
حَلّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فأصْبَحَتْ ... عَسِرًا عَلَيّ طِلابُكَ ابنَةَ مَخْرَمِ
الزائرون: الأعداء، جعلهم يزأرون زئير الأسد، شبه توعدهم وتهددهم بزئير الأسد.
يقول: نزلت الحبيبة بأرض أعدائي فعسر عليّ طلبها، وأضرب عن الخبر في الظاهر إلى الخطاب، وهو شائع في الكلام، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ [يونس: ٢٢] .
٧-
عُلّقْتُهَا عَرَضًا وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا ... زَعْمًا لعَمْرُ أبيكَ لَيسَ بِمَزْعَمِ
قوله: عرضًا، أي فجأة من غير قصد له. التعليق هنا: التفعيل من العَلَق والعلاقة وهما العشق والهوى، يقال: علِق فلان بفلانة، إذا كَلِف بها عَلَقًا وعلاقة.
стр. 270
العَمْر والعُمْر، بفتح العين وضمها: الحياة والبقاء، ولا يستعمل في القسم إلا بفتح العين. الزَّعم: الطمع. والمزعم: المطمع.
يقول: عشقتها وشغفت بها مفاجأة من غير قصد مني، أي نظرت إليها نظرة أكسبتني شغفًا وكلفًا مع قتلي قومها، أي مع ما بيننا من القتال، ثم قال: أطمع في حبك طمعًا لا موضع له؛ لأنه لا يمكنني الظفر بوصالك مع ما بين الحيين من القتال والمعاداة، والتقدير: أزعم زعمًا ليس بمزعم أقسم بحياة أبيك أنه كذلك.
٨-
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمَنْزِلَةَ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ
يقول: وقد نزلت من قلبي منزلة من يحب ويكرم فتيقّني هذا واعلميه قطعًا ولا تظني غيره.
٩-
كَيْفَ الْمَزَارُ وَقَدْ تَرَبّعَ أَهْلُهَا ... بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالغَيْلَمِ
يقول: كيف يمكنني أن أزورها وقد أقام أهلها زمن الربيع بهذين الموضعين وأهلنا بهذا الموضع وبينهما مسافة بعيدة ومشقة مديدة؟ أي كيف يتأتى لها زيارتها وبين حلتي وحلتها مسافة؟ المزار في البيت: مصدر كالزيارة. التربع: الإقامة زمن الربيع.
١٠-
إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا ... زُمّتْ رِكَابُكُمْ بِلَيْلٍ مُظْلِمِ
الإزماع: توطين النفس على الشيء. الركاب: الإبل، لا واحد لها من لفظها، وقال الفراء: واحدها ركوب مثل قلوص وقلاص.
يقول: وإن وطنت نفسك على الفراق وعزمت عليه فإني قد شعرت به بِزَمِّكم١ إبلكم ليلًا، وقيل: بل معناه قد عزمت على الفراق إبلكم قد زُمَّت بليل مظلم، فإن، على القول الأول حرف شرط، وعلى القول الثاني حرف تأكيد.
١١-
مَا رَاعَنِي إِلَّا حَمُولَةُ أَهْلِهَا ... وَسْطَ الدّيارِ تَسَفّ حَبَّ الْخِمخِمِ
راعه روعًا: أفزعه. الحمولة: الإبل التي تطيق أن يحمل عليها. وسْطَ بتسكين السين، لا يكون إلا ظرفًا، والوسَط، بفتح السين، اسم لما بين طرفي الشيء. الخمخم: نبت تعلفه الإبل. السف والاستفاف معروفان.
стр. 271
يقول: ما أفزعني إلا استفاف إبلها حب الخمخم وسط الديار، أي ما أنذرني بارتحالها إلا انقضاء مدة الانتجاع والكلأ، فإذا انقضت مدة الانتجاع علمت أنها ترتحل إلى ديار حيّها.
١٢-
فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كخافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ
الحلوبة: جمع الحلوب عند البصريين، وكذلك قتوبة وقتوب١ وركوبة وركوب، وقال غيرهم: هي بمعنى محلوب، وفعول إذا كان بمعنى المفعول جاز أن تلحقه تاء التأنيث عندهم. الأسحم: الأسود. الخوافي من الجناح: أربع من ريشها، والجناح عند أكثر الأئمة: ستة عشر ريشة، أربع قوادم وأربع خوافٍ وأربع مناكب وأربع أباهر، وقال بعضهم: بل هي عشرون ريشة وأربع منها كُلى.
يقول: في حمولتها اثنتان وأربعون ناقة تحلب سودًا كخوافي الغراب الأسود، ذكر سوادها دون سائر الألوان لأنها أنفس الإبل وأعزها عندهم، وصف رهط عشيقته بالغنى والتموّل.
١٣-
إِذْ تَسْتَبِيكَ بذي غُرُوبٍ وَاضِحٍ ... عَذْبٍ مُقَبّلُهُ لَذِيذِ الْمَطْعَمِ
الاستباء والسبي واحد. غرب كل شيء: حدّه والجمع غُروب، الوضوح: البياض. المقبل: موضع التقبل. المطعم: الطعم.
يقول: إنما كان فزعك من ارتحالها حين تستبيك بثغر ذي حدة واضح عذب موضع التقبيل منه ولذ مطعمه، أراد بالغروب الأشر٢ التي تكون في أسنان الشواب، وتحرير المعنى: تستبيك بذي أشر يستعذب تقبيله ويستلذ طعم ريقه.
١٤-
وَكَأَنّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسيمَةٍ ... سَبَقَتْ عَوَارِضَهَا إِلَيكَ من الفَمِ
أراد بالتاجر: العطار. سميت فارة المسك فارة لأن الروائح الطيبة تفور منها، والأصل فائرة فخففت فقيل فارة، كما يقال: رجل خائل مال وخال مال، إذا كان
стр. 272
حسن القيام عليه، القسامة: الحسن والصباحة، والفعل قَسُم يَقْسُمُ، والنعت قسيم، والتقسيم والتحسين، ومنه قول العجاج: [الرجز] :
ورب هذا الأثر المقسَّم
أي المحسن، يعني مقام إبراهيم ﵇. العوارض من الأسنان معروفة. يقول: وكأن فارة مسك عطار بنكهة امرأة حسناء سبقت عوارضها إليك من فيها، شبه طيب نكهتها بطيب ريح المسك، أي تسبق نكهتها الطيبة عوارضها إذا رمت تقبيلها.
١٥-
أَوْ رَوْضَةً أُنُفًا تَضَمّن نَبْتَهَا ... غَيْثٌ قَليلُ الدِّمْنِ ليسَ بِمَعْلَمِ
روضة أُنُف: لم ترع بعد، وكأس أنف استؤنف الشرب بها، وأمر أنف مستأنف، وأصله كله من الاستئناف والائتناف وهما بمعنى. الدِّمَن والدِّمْن: جمع دمنة وهي السرجين١.
يقول: وكأن فارة تاجر أو روضة لم ترع بعد وقد زكا نبتها وساقه مطر لم يكن معه سرجين، وليست الروضة بمعلم تطؤه الدواب والناس.
يقول: طيب نكهتها كطيب ريح فارة المسك أو كطيب ريح روضة ناضرة لم ترع، ولم يصبها سرجين ينقص طيب ريحها، ولا وطئتها الدواب فينقص نضرتها وطيب ريحها.
١٦-
جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كالدّرْهَمِ
البَكر من السحاب: السابق مطره، والجمع الأبكار. الحُرَّة: الخالصة من البرد والريح. والحر من كل شيء: خالصه وجيده، ومنه طين حُرّ لم يخالطه رمل، ومنه أحرار البقول وهي التي تؤكل منها، وَحَرّ المملوك خلص من الرق، وأرض حرة لا خراج عليها، وثوب حر لا عيب فيه. ويروى: جادت عليه كل عين ثرة. العين: مطر أيام لا يقلع. والثرة والثرثارة: الكثيرة الماء، القرارة: الحفرة.
стр. 273
يقول: مطرت على هذه الروضة كل سحابة سابقة المطر لا برد معها، أو كل مطر يدوم أيامًا ويكثر ماؤه حتى تركت كل حفرة كالدرهم، لاستدارتها بالماء وبياض مائها وصفائه.
١٧-
سَحًّا وَتَسْكابًا فَكُلَّ عَشِيّةٍ ... يَجْرِي عَلَيهَا الْمَاءُ لَمْ يَتَصَرّمِ
السَّحُّ: الصّب والانصباب جميعًا والفعل سح يسح. التسكاب: السكب، يقال: سكبت الماء أسكبه سكبا فسكب هو يسكب سكوبا. التصرم الانقطاع.
يقول: أصابها المطر الجود صبًّا وسكبًا فكل عشية يجري عليها ماء السحاب ولم ينقطع عنها.
١٨-
وَخَلَا الذُّبابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارحٍ ... غَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ الْمُتَرَنِّمِ
البراح: الزوال، والفعل برح يبرح. التغريد: التصويت، والفعل غرّد، والنعت غُرِدٌ. الترنم: ترديد الصوت بضرب من التلحين.
يقول: وخلت الذباب بهذه الروضة فلا يزايلنها ويصوتن تصويت شارب الخمر حين رجع صوته بالغناء، شبه أصواتها بالغناء.
١٩-
هَزِجًا يَحُكّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ ... قَدْحَ الْمُكِبّ عَلَى الزّنادِ الأَجْذَمِ
هزجًا: مصوّتًا. المكب: المقبل على الشيء. الأجذم: الناقص اليد.
يقول: يصوّت الذباب حال حكِّه إحدى ذراعيه بالأخرى مثل قدح رجل ناقص اليد النار من الزندين. لما شبه طيب نكهة هذه المرأة بطيب نسيم الروضة بالغ في وصف الروضة وأمعن في نعتها ليكون ريحها أطيب ثم عاد إلى النسيب فقال:
٣٠-
تُمْسِي وَتُصْبحُ فَوْقَ ظَهْرِ حشيّةٍ ... وَأَبِيتُ فَوْقَ سَرَاةِ أَدهَمَ مُلجِمِ
السراة: أعلى الظهر.
يقول: تصبح وتمسي فوق فراش وطيء وأبيت أنا فوق ظهر فرس أدهم ملجم، يقول: هي تتنعم وأنا أقاسي شدائد الأسفار والحروب.
٢١-
وَحَشِيّتِي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوَى ... نَهْدٍ مَرَاكِلُهُ نبيلِ الْمَحْزِمِ
стр. 274
الحشية من الثياب: ما حشي بقطن أو صوف أو غيرهما، والجمع الحشايا. العبل: الغليظ، والفعل عبل عبالة. الشوى: الأطراف والقوائم. النهد: الضخم المشرف. المراكل: جمع المركل وهو موضع الركل، والركل: الضرب بالرجل، وافعل رَكَلَ يَرْكُل. النبيل: السمين، ويستعار للخير والشر لأنهما يزيدان على غيرهما زيادة السمين على الأعجف. المحزم: موضع الحزام من جسد الدابة.
يقول: وحشيتي سرج على فرس غليظ القوائم والأطراف ضخم الجنبين منتفخهما سمين موضع الحزام، يريد أنه يستوطئ سرج الفرس كما يستوطئ غيره الحشية، ويلازم ركوب الخيل لزوم غيره الجلوس على الحشية والاضطجاع عليها، ثم وصف الفرس بأوصاف يحمدونها وهي: غلظ القوائم وانتفاخ الجنبين وسمنهما.
٢٢-
هَلْ تُبْلِغَنّي دارَهَا شَدَنِيّة ... لُعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشَّرَابِ مُصَرَّمِ
شدن: أرض أو قبيلة تنسب الإبل إليها. أراد بالشراب اللبن. التصريم: القطع. يقول: هل تبلغنّي دار الحبيبة ناقة شدنية لعنت ودعي عليها بأن تحرم اللبن ويقطع لبنها، أي لبعد عهدها باللقاح، كأنها قد دعي عليها بأن تحرم فاستجيب ذلك الدعاء، وإنما شرط هذا لتكون أقوى وأسمن وأصبر على معاناة شدائد الأسفار لأن كثرة الحمل والولادة تكسبها ضعفًا وهزالًا.
٢٣-
خَطّارَةٌ غِبَّ السُّرَى زَيّافَةٌ ... تَطِسُ الإكامَ بوَخذِ خُفّ مِيثَمِ
خطر البعير بذنبه يخطر خطْرًا وخطرانًا إذا شال به. الزيَف: التبختر: والفعل زاف يزيف. الوطس والوثم: الكسر.
يقول: هي رافعة ذنبها في سيرها مرحًا ونشاطًا بعدما سارت الليل كله متبخترة تكسر الإكام بخفها الكثير الكسر للأشياء. ويروى: بذات خف، أي برجل ذات خف، ويروى: بوخد خف. الوخد والوخدان: السير السريع. الميثم: للمبالغة كأنه آلة الوثم١، كما يقال: رجل مِسعر حرب وفرس مِسَحّ٢، كأن الرجل آلة لسعر الحروب والفرس آلة لسحّ الجري.
стр. 275
٢٤-
وَكَأنَّما تَطِسُ الإكامَ عَشِيَّةً ... بِقَرِيبِ بَيْنَ الْمَنْسَمَيْنِ مُصَلَّمِ
الْمُصَلَّمِ: من أوصاف الظليم لأنه لا أذن له، والصلم الاستئصال، كأن أذنه استؤصلت.
يقول: كأنما تكسر الإكام لشدة وطئها عشية بعد سرى الليل وسير النهار كظليم قرب ما بين منسميه ولا أذن له، شبهها في سرعة سيرها بعد سرى ليلة ووصل سير يوم به بسرعة سير الظليم، ولما شبهها في سرعة السير بالظليم أخذ في وصفه فقال:
٢٥-
تأوي لَهُ قُلُصُ النَّعَامِ كَمَا أَوَتْ ... حِزَقٌ يَمَانِيَةٌ لأَعْجَمَ طِمْطِمِ
القلوص من الإبل والنعام: بمنزلة الجارية من الناس، والجمع قلص وقلائص. يقال: أوى يأوي أويًا، أي انضم، ويوصل بإلى يقال: أويت إليه وإنما وصلها باللام لأنه أراد: تأوي إليه قلص له. الحزق: الجماعات، والواحدة حزقة وكذلك الحزيقة، والجمع حزيق، وحزائق، الطِمْطِم: الذي لا يفصح أي العَيُّ الذي لا يفصح وأراد بالأعجم الحبشي.
يقول: تأوي إلى هذا الظليم صغائر النعام كما تأوي الإبل اليمانية إلى راع أعجم عَيِيٍّ لا يفصح، شبه الظليم في سواده بهذا الراعي الحبشي، وقلص النعام بإبل يمانية لأن السواد في إبل اليمانيين أكثر، وشبه أُوِيَّها إليه بأُوِيِّ الإبل إلى راعيها ووصفه بالعِيِّ والعجمة لأن الظليم لا نطق له.
٢٦-
يَتْبَعْنَ قُلّةَ رَأْسِهِ وَكَأَنَّهُ ... حِدْجٌ عَلَى نَعْشٍ لَهُنَّ مُخَيَّمِ
قلة الرأس: أعلاه. الحدج: مركب من مراكب النساء. النعش: الشيء المرفوع، والنعش بمعنى المنعوش. المخيم: المجعول خيمة.
يقول: تتبع هؤلاء النعام أعلى رأس هذا الظليم، أي جعلته نصب أعينها لا تنحرف عنه، ثم شبه خلقه بمركب من مراكب النساء جعل كالخيمة فوق مكان مرتفع.
٢٧-
صَعْلٍ يَعودُ بِذِي العُشَيْرَةِ بَيضَهُ ... كالعبدِ ذي الفَرْوِ الطَّويلِ الأَصْلَمِ
الصعل والأصعل: الصغير الرأس، يعود: يتعهد. الأصلم: الذي لا أذن له، شبه الظليم بعبد ليس فروًا طويلًا ولا أذن له لأنه لا أذن للنعام، وشرط الفرو الطويل
стр. 276
ليشبه جناحيه، وشرط العبد لسواد الظليم، وعبيد العرب السودان، ذو العشيرة: موضع، ثم رجع إلى وصف ناقته فقال:
٢٨-
شَرِبتْ بِمَاءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصْبَحَتْ ... زَوْرَاءَ تَنفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيلمِ
الزَّوَر: الميل، والفعل زَوِرَ يَزْوَرُّ، والنعت أزور، والأنثى زوراء، والجمع زور. مياه الديلم: مياه معروفة، وقيل: العرب تسمي الأعداء ديلمًا؛ لأن الديلم صنف من أعدائها.
يقول: شربت هذه الناقة من مياه هذا الموضع، فأصبحت مائلة نافرة عن مياه الأعداء. والباء في قوله بماء الدحرضين زائدة عن البصريين كزيادتها في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وقول الشاعر: [البسيط] :
هن الحرائر لا ربّات أخمرةٍ ... سود المحاجر لا يقرأنَ بالسُّوَرِ
أي لا يقرأن السور، والكوفيون يجعلونها بمعنى من، وكذلك الباء في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه﴾ [الإنسان: ٦] قد اختلف فيه على هذا الوجه.
٢٩-
وَكَأَنَّمَا تَنْأَى بِجَانِبِ دَفّها الـ ... وَحْشِيّ من هَزِجِ العشيّ مُؤوَّمِ
الدَّفُّ: الجنب. الجانب الوحشي: اليمين، وسمي وحشيًّا لأنه لا يركب من ذلك الجانب ولا ينزل. الهزج: الصوت والفعل هزج يهزج، والنعت هَزِجٌ. المؤوَّم: القبيح الرأس العظيمة، قوله: من هزج العشي، أي من خوف هزج العشي، فحذف المضاف، والباء في قوله بجانب دفها للتعدية.
يقول: كأن هذه الناقة تبعد وتنحي الجانب الأيمن منها من خوف هِرٍّ عظيم الرأس قبيحه، وجعله هزج العشي لأنهم إذا تعشوا فإنه يصيح على هذا الطعام ليطعم، يصف هذه الناقة بالنشاط في السير وأنها لا تستقيم في سيرها نشاطًا ومرحًا، فكأنها تنحي جانبها الأيمن خوف خدش سِنَّور إياه، وقيل: بل أراد أنها تنحيه وتبعده مخافة الضَّرب بالسوط فكأنها تخاف خدش سِنَّور جانبها الأيمن.
٣٠-
هِرّ جَنيب كُلَّمَا عَطَفَتْ لَهُ ... غَضْبَى اتّقَاهَا باليَديَنِ وبالفَمِ
هِرّ: بدل من هزج العشي. جنيب أي مجنوب إليها أي مقود. اتّقاها أي استقبلها.
стр. 277
يقول: تتنحى وتتباعد من خوف سنور كلما انصرفت الناقة غضبى لتعقره استقبلها الْهِرّ بالخدش بيده والعض بفمه، يقول: كلما أمالت رأسها إليه زادها خدشًا وعضًا.
٣١-
بَرَكَتْ عَلَى جَنْبِ الرّدَاعِ كَأَنَّمَا ... بَرَكَتْ عَلَى قَصَبٍ أجشّ مُهضَّمِ
رداع: موضع. أجش: له صوت. مهضم أي مكسَّر.
يقول: كأنما بركت هذه الناقة وقت بروكها على جنب الرّداع على قصب مكسر له صوت، شبه أنينها من كلالها بصوت القصب المكسر عند بروكها عليه، وقيل: بل شبه صوت تكسر الطين اليابس الذي نضب عنه الماء بصوت تكسّر القصب.
٣٢-
وكأنَّ رُبًّا أَوْ كُحَيْلًا مُعْقَدًا ... حَشَّ الوَقُودُ بهِ جَوانبَ قُمقُمِ
الربّ: الطلاء. الكحيل: الطقران. عقد الدواء: أغليته حتى خثَر. حشّ النّار يحشها حشًا: أوقدها. الوقود: الحطب، والوُقود بضم الواو: الإيقاد، شبه العرق السائل من رأسها وعنقها برُبٍّ أو قطران جعل في قمقم أوقدت عليه النار، فهو يترشح به عند الغليان، وعرق الإبل أسود لذلك شبهه بهما، وشبّه رأسها بالقمقم في الصلابة؛ وتقدير البيت: وكأنها ربًّا أو كحيلًا حُشّ الوقود بإغلائه في جوانب قمقم عرقها الذي يترشح منها.
٣٣-
يَنْباعُ من ذِفْرَى غضُوبٍ جَسْرَةٍ ... زَيّافَةٍ مِثْلَ الفَنيقِ الْمُكْدَمِ
أراد ينبع فأشبع الفتحة لإقامة الوزن فتولدت من إشباعها ألف، ومثله قول إبراهيم بن هرمة: [البسيط] :
من حوثما سلكوا أدنو فأنظور
أراد فأنظر فأشبعت الضمة فتولدت من إشباعها واو، ومثله قولنا: آمين والأصل أمين، فأشبعت الفتحة فتولدت من إشباعها ألف، يدلك عليه أنه ليس في كلام العرب اسم جاء على فاعيل، وهذه اللفظة عربية بالإجماع، ومنهم من جعله ينفعل من البوع وهو طيّ المسافة. الذِّفرى: ما خلف الأذن. الجسرة: الناقة الموثقة الخلق. الزيف: التبختر والفعل زاف يزيف. الفنيق: الفحل من الإبل.
يقول: ينبع هذا العرق من خلف أذن ناقة غضوب موثقة الخلق شديدة التبختر في
стр. 278
سيرها، مثل فحل من الإبل قد كدمته الفحول، شبهها بالفحل في تبخترها ووثاقة خلقها وضخمها.
٣٤-
إنْ تُغْدِفِي دُونِي القِنَاعَ فَإِنَّنِي ... طَبٌّ بأخْذِ الفارِسِ الْمُسْتَلْئِمِ
الإغداف: الإرخاء. طَبٌّ: حاذق عالم. استلأم: لبس اللأمة١.
يقول مخاطبًا عشيقته: إن ترخي وترسلي دوني القناع، أي تستتري عني، فإني حاذق بأخذ الفرسان الدارعين، أي لا ينبغي لك أن تزهدي فِيّ مع نجدتي وبأسي وشدة مراسي٢، وقيل: بل معناه إذا لم أعجز عن صيد الفرسان الدارعين فكيف أعجز عن صيد أمثالك؟
٣٥-
أَثْنِي عَلَيّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي ... سَمْحٌ مُخَالَقَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَمِ
الْمخالفة: مفاعلة من الخلق.
يقول: أثني علي أيتها الحبيبة بما علمت من محامدي ومناقبي فإني سهل المخالطة والمخالقة إذا لم يهضم حقي ولم يبخس حظي.
٣٦-
وَإِذَا ظُلِمْتُ فَإِنّ ظُلْمِي بَاسِلٌ ... مُرٌّ مَذَاقَتُهُ كَطَعْمِ العَلْقَمِ
باسل: كريه، ورجل باسل شجاع، والبسالة الشجاعة.
يقول: وإذا ظلمت وجدت ظلمي كريهًا مُرًّا كطعم العلقم، أي من ظلمني عاقبته عقابًا بالغًا يكرهه كما يكره طعم العلقم من ذاقه.
٣٧-
وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ الْمُدَامَةِ بَعْدَمَا ... رَكَدَ الْهَوَاجِرُ بِالْمَشُوفِ الْمُعْلَمِ
ركد: سكن. الهواجر: جمع الهاجرة وهي أشد الأوقات حرًّا. المشوف: المجلوّ. المدام والمدامة: الخمر، سميت بها لأنها أديمت في دِنّها.
يقول: ولقد شربت من الخمر بعد اشتداد حرِّ الهواجر وسكونه بالدينار المجلوّ المنقوش، يريد أنه اشترى الخمر فشربها، والعرب تفتخر بشرب الخمر والقمار، لأنها من دلائل الجود عندها.
стр. 279
قوله: بالمشوف، أي بالدينار، فحذف الموصوف ومنهم من جعله من صفة القدح وقال: أراد بالقدح المشوف.
٣٨-
بزُجَاجَةٍ صَفْرَاءَ ذاتِ أَسِرّةٍ ... قُرِنَتْ بِأَزْهَرَ فِي الشّمالِ مَفَدَّمِ
الأَسِرَّة: جمع السر والسرر، وهما الخط من خطوط اليد والجبهة وغيرهما، وتجمع أيضًا على الأسرار ثم تجمع على أسارير. بأزهر أي: بإبريق أزهر. مفدّم: مسدود الرأس بالفِدام١.
يقول: شربتها بزجاجة صفراء عليها خطوط قرنتها بإبريق أبيض مسدود الرأس بالفدام لأصب الخمر من الإبريق في الزجاجة.
٣٩-
فَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ ... مَالِي وَعْرِضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ
يقول: فإذا شربت الخمر فإنني أهلك مالي بجودي ولا أشين عرضي، فأكون تام العرض مهلك المال لا يَكْلِم٢ عرضي عيب عائب، يفتخر بأن سكره يحمله على محامد الأخلاق ويكفه عن المثالب.
٤٠-
وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصّرُ عن نَدَىً ... وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكرُّمِي
يقول: وإذا صحوت من سكري لم أقصّر عن جودي، أي يفارقني السكر ولا يفارقني الجود، ثم قال: وأخلاقي وتكرمي كما علمت أيتها الحبيبة، افتخر بالجود ووفور العقل إذ لم ينقص السكر عقله. وهذان البيتان قد حكم الرواة بتقدمهما في بابهما.
٤١-
وَحَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا ... تَمكو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأَعْلَمِ
الحليل: بالمهملة: الزوج والحليلة الزوجة، وقيل في اشتقاقهما: إنهما من الحلول فسميا بهما لأنهما يحلان منزلًا واحدًا وفراشًا واحدًا، فهو على هذا القول فعيل بمعنى مفاعل، مثل شريب وأكيل ونديم بمعنى مشارب ومؤاكل ومنادم، وقيل: بل هما مشتقان من الحلّ لأن كلًّا منهما يحل لصاحبه، فهو على هذا القول فعيل
стр. 280
بمعنى مفعل مثل الحكيم بمعنى المحكم، وقيل: بل هما مشتقان من الحل، وهو على هذا القول، فعيل بمعنى فاعل، وسميا بهما لأن كلًّا منهما يحل إزار صاحبه. الغانية: ذات الزوج من النساء لأنها غنيت بزوجها عن الرجال؛ وقال الشاعر: [الطويل] :
أحب الأيامى إذ بثينة أَيِّمٌ ... وأحببت لما أن غَنِيتِ الغوانيا
وقيل: بل الغانية البارعة الجمال المستغنية بكمال جمالها عن التزين، وقيل: الغانية المقيمة في بيت أبويها لم تُزوَّج بعد، من غني بالمكان إذا أقام به، وقال عمارة بن عقيل: الغانية الشابة الحسناء التي تعجب الرجال ويعجبها الرجال، والأحسن القول الثاني والرابع. جدّلته: ألقيته على الْجَدالة، وهي الأرض، فتجدَّلَ أي سقط عليها. المكاء: الصفير. العَلَم: الشق في الشفة العليا.
يقول: ورُبَّ زوج امرأة بارعة الجمال مستغنية بجمالها عن التزين قتلته وألقيته على الأرض، وكانت فريصته تمكو بانصباب الدم منها كشدق الأعلم، قال أكثرهم: شبه سعة الطعن بسعة شدق الأعلم، وقال بعضهم: بل شبه صوت انصباب الدم بصوت خروج النفس من شدق الأعلم.
٤٢-
سَبَقَتْ يَدَايَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ ... وَرَشَاشِ نَافِذَةٍ كَلَوْنِ العَنْدَمِ
العندم: دم الأخوين، وقيل: بل هو البقم١، وقيل شقائق النعمان.
يقول: طعنته طعنة في عجلة ترش دمًا من طعنة نافذة تحكي لون العندم.
٤٣-
هَلّا سَأَلْتِ الْخَيْلَ يَابْنَةَ مَالِكٍ ... إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي
يقول: هل سألت الفرسان عن حالي في قتالي إن كنت جاهلة بها؟
٤٤-
إِذْ لَا أَزَالُ على رِحَالَةِ٢ سَابِحٍ ... نَهْدٍ تَعَاوَرُهُ الكُمَاةُ مُكَلَّمِ
التعاور: التداول، يقال: تعاوروه ضربًا جعلوا يضربونه على جهة التناوب، وكذلك الاعتوار. الكَلْم: الْجَرح، والتَّكليم التَّجريح.
стр. 281
يقول: هلا سألت الفرسان عن حالي إذا لم أزل على سرج فرس سابح تناوب الأبطال في جرحه، أي جرحه كلّ منهم، ونهد من صفة السابح وهو الضخم.
٤٥-
طَوْرًا يُجَرَّدُ للطّعانِ وتَارَةً ... يَأْوِي إِلَى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ
الطور: التارة والمرّة، والجمع الأطوار.
يقول: مرة أجرده من صف الأولياء لطعن الأعداء وضربهم وأنضم مرة إلى قوم محكمي القسي، كثير، يقول: مرة أحمل عليه على الأعداء فأحسن بلائي وأنكي فيهم أبلغ نكاية، ومرة أنضم إلى قوم أحكمت قسيهم وكثر عددهم، أراد أنهم رماة مع كثرة عددهم. العرمرم: الكثير. حصِد الشيء حصدًا إذا استحكم، والإحصاد: الإحكام.
٤٦-
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِي ... أَغْشَى الوغى وَأَعِفّ عِندَ الْمَغْنَمِ
يخبرك: مجزوم لأنه جواب هلا سألت. الوقعة والوقيعة: اسمان من أسماء الحروب، والجمع الوقعات والوقائع. الوغى: أصوات أهل الحرب ثم استعير للحرب. المغنم والغُنْمُ والغنيمة واحد.
يقول: إن سألت الفرسان عن حالي في الحرب يخبرك من حضر الحرب بأني كريم عالي الهمة آتي في الحروب وأعف عن اغتنام الأموال.
٤٧-
ومُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُمَاةُ نِزَالَهُ ... لا مُمْعِنٍ هَرَبًا وَلا مُسْتَسْلِمِ
المدجَّج والمدجِّج: التام السلاح. الإمعان: الإسراع في الشيء والغلو فيه. الاستسلام: الانقياد والاستكانة.
يقول: ورب رجل تام السلاح كانت الأبطال تكره نزاله وقتاله لفرط بأسه وصدق مراسه، لا يسرع في الهرب إذا اشتد بأس عدوه، ولا يستكين له إذا صدق مراسه.
٤٨-
جَادَتْ لَهُ كَفِّي بِعَاجِلِ طَعنَةٍ ... بِمُثَقَّفٍ صَدْقِ الكُعوبِ مُقَوَّمِ
يقول: جادت يدي له بطعنة عاجلة برمح مُقَوَّم صلب الكعوب، والبيت جواب ربّ المضمر بعد الواو في: ومدجَّج. قوله: بعاجل طعنة، قدم الصفة على الموصوف ثم أضافها إليه، تقديره: بطعنة عاجلة. الصدق: الصلب.
стр. 282
٤٩-
فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثيابَهُ ... لَيسَ الكَريمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ
الشكُّ: الانتظام، والفعل شَكَّ يشُكُّ، الأصمّ: الصَّلب.
يقول: فانتظمت برمحي الصلب ثيابه، أي طعنته طعنة أنفذت الرمح في جسمه وثيابه كلها، ثم قال: ليس الكريم محرمًا على الرماح، يريد أن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الإقدام، وقيل: بل معناه أن كرمه لا يخلصه من القتل المقدر له.
٥٠-
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السّباعِ يَنُشْنَهُ ... يَقضِمْنَ حُسنَ بَنانِهِ والْمِعْصَمِ
الجزر: جمع جَزَرَة وهي الشاة التي أعدت للذبح. النَّوْشُ: التناول، والفعل ناش ينوش نوشًا. القضم: الأكل بمقدم الأسنان، والفعل قضم يقضم.
يقول: فصيرته طعمة للسباع كما يكون الجزر طعمة للناس، ثم قال: تتناوله السباع وتأكل بمقدم أسنانها بنانه الحسن ومعصمه الحسن، ويريد أنه قتله فجعله عرضة للسباع حتى تناولته وأكلته.
٥١-
وَمِشَكِّ سَابِغَةٍ١ هَتَكْتُ فُرُوجَهَا ... بالسّيفِ عَنْ حامي الْحَقيقةِ مُعلِمِ
المشكّ: الدرع التي قد شُكَّ بعضها إلى بعض، وقيل: مساميرها، يشير إلى أنه الزَّرَد، وقيل: الرجل التام السلاح. الحقيقة: ما يحق عليك حفظه أي يجب. المعلم، بكسر اللام: الذي أعلم نفسه أي شهرها بعلامة يعرف بها في الحروب حتى ينتدب الأبطال لبرازه، والمعلَم، بفتح اللام: الذي يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتيبة وواحد السرية.
يقول: وربّ مِشكّ درع، أي رب موضع انتظام درع واسعة، شققت أوساطها بالسيف عن رجل حام له يجب عليه حفظه، شاهرٍ نفسه في حومة الحرب أو مشار إليه فيها، يريد أنه هتك مثل هذه الدرع مثل هذا الشجاع فكيف الظن بغيره.
٥٢-
رَبِذٍ يَداهُ بالقِداحِ إِذَا شَتَا ... هَتّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوَّمِ
الرَّبِذ: السريع. شتا: دخل في الشتاء، يشتو شتوًا. الغاية: راية ينصبها الخمار
стр. 283
ليعرف مكانه بها. أراد بالتجار الخمارين. الملوم: الذي ليم مرة بعد أخرى. والبيت كله من صفة حامي الحقيقة.
يقول: هتكت الدرع عن رجل سريع اليد خفيفها في إجالة القداح في الميسر في برد الشتاء، وخصّ الشتاء؛ لأنهم يكثرون الميسر فيه لتفرّغهم، وعن رجل يهتك رايات الخمارين، أي كان يشتري جميع ما عندهم من الخمر حتى يقلعوا راياتهم لنفاد خمرهم، ملوم على إمعانه في الجود وإسرافه في البذل، وهذا كله من صفة حامي الحقيقة.
٥٣-
لَمَّا رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ ... أَبْدَي نَوَاجِذَهُ لِغَيرِ تَبَسُّمِ
يقول: لَمّا رآني هذا الرجل نزلت عن فرسي أريد قتله كشر عن أسنانه غير متبسم، أي لفرط كلوحه١ من كراهية الموت قلصت شفتاه عن أسنانه، وليس ذلك لتكلم ولا لتبسّم ولكن من الخوف.
ويروى: لغير تكلم.
٥٤-
عَهْدِي بِهِ مَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا ... خُضِبَ البَنَانُ وَرَأْسُهُ بالعِظْلَمِ
مد النهار: طوله. العظلم: نبت يختضب به. العهد: اللقاء، يقال: عهدته أعهده عهدًا إذا لقيته. يقول: رأيته طول النهار وامتداده بعد قتلي إياه وجفاف الدم عليه كأنّ بنانه ورأسه مخضوبان بهذا النبت.
٥٥-
فَطَعَنْتُهُ بالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ ... بِمُهَنَّدٍ صافي الْحَدِيدَةِ مِخذَمِ
المخذم: السريع القطع.
يقول: طعنته برمحي حين ألقيته من ظهر فرسه ثم علوته مع سيف مهند صافي الحديد سريع القطع.
٥٦-
بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَمِ
السرحة: الشجرة العظيمة. يحذى أي تجعل حذاء له، والحذاء: النعل، والجمع الأحذية.
стр. 284
يقول: وهو بطل مديد القد كأن ثيابه ألبست شجرة عظيمة من طول قامته واستواء خلقه، تجعل جلوس البقر المدبوغة بالقرظ نعالًا له، أي تستوعب رجلاه السِّبتَ، ولم تحمل أمه معه غيره، بالغ في وصفه بالشدة والقوة بامتداد قامته وعظم أعضائه وتمام غذائه عند إرضاعه إذ كان فذًّا غير توأم.
٥٧-
يا شاةَ مَا قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ ... حَرُمَتْ عَلَيّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ
ما: صلة زائدة. الشاة: كناية عن المرأة.
يقول: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له فتعجبوا من حسنها وجمالها، فإنها قد حازت أتم الجمال، والمعنى: هي حسناء جميلة مَقْنَع لمن كَلِفَ بِهَا وشغف بحبها، ولكنها حرمت عليّ وليتها لم تحرم عليّ، أي ليت أبي لم يتزوجها حتى كان يحل لي تزوجها، وقيل: أراد بذلك أنها حرمت عليه باشتباك الحرب بين قبيلتيهما ثم تمنى بقاء الصلح.
٥٨-
فَبَعَثْتُ جَارِيَتِي فَقُلْتُ لَهَا اذْهَبِي ... فَتَجَسَّسِي أخبارَها لِي وَاعْلَمِي
يقول: فبعثت جاريتي لتتعرف أحوالها لي.
٥٩-
قَالَتْ: رَأَيْتُ مِنَ الأَعَادِي غِرَّةً ... وَالشَّاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هوَ مُرْتَمِ
الغِرّة: الغفلة، رجل غِرٌّ غافل لم يجرب الأمور.
يقول: فقالت جاريتي لَمّا انصرفت لي: صادفت الأعادي غافلين عنها ورمي الشاة ممكن لمن أراد أن يرتميها، يريد أن زيارتها ممكن لطالبها لغفلة الرقباء والقرناء عنها.
٦٠-
وَكَأَنَّمَا الْتَفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايَةٍ ... رَشَأٍ مِنَ الغِزْلانِ حُرٍّ أَرْثَمِ
الْجِداية والْجَداية: ولد الظبية، الجمع الجدايا، الرشأ: الذي قوي من أولاد الظباء. والغزلان جمع الغزال. الْحُرُّ من كل شيء: خالصه وجيِّده. الأرثم: الذي في شفته العليا وأنفه بياض.
يقول: كَأنّ "التفاتها إلينا في نظرها" التفات ولد ظبية هذه صفته في نظره.
стр. 285
٦١-
نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شَاكِرِ نِعْمَتِي ... والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لنَفسِ الْمُنْعِمِ
التنبئة والتنبيء: مثل الإنباء وهذه من سبعة أفعال تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي: أُعلمتُ وأُريتُ وأُنبأتُ ونُبِّئْتُ وأُخبرتُ وخُبِّرْتُ وحُدِّثْتُ، وإنما تعددت الخمسة التي هي غير أعلمت وأريت إلى ثلاثة مفاعيل لتضمنها معنى أعلمت.
يقول: أعلمت أنَّ عمرًا لا يشكر نعمتي، وكفران النعمة ينفّر نفسَ المنعم عن الإنعام، فالتاء في نبئت هو المفعول الأول قد أقيم مقام الفاعل وأسند الفعل إليه، وعمرًا هو المفعول الثاني، وغير هو المفعول الثالث.
٦٢-
وَلَقَدْ حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمّي بالضّحَى ... إِذْ تَقْلِصُ الشّفتانِ عَنِ وَضَحِ الفَمِ
الوصاة والوصية شيء واحد. وضَحُ الفم: الأسنان. القُلوص: التشنج والقِصر. يقول: ولقد حفظت وصيّة عمي إياي فاقتحامي القتال ومناجزتي الأبطال في أشد أحوال الحرب، وهي حالة تقلص الشفاه عن الأسنان من شدة كلوح الأبطال والكماة١ فرقًا من القتل.
٦٣-
في حَوْمَةِ الْحَرِبِ التي لا تَشْتَكِي ... غَمَرَاتِها الأبطالُ غَيْرَ تَغَمْغُمِ
حومة الحرب: معظمها وهي حيث تحوم الحرب أي تدور، وغمرات الحرب: شدائدها التي تغمر أصحابها، أي تغلب قلوبهم وعقولهم. التغمغم: صياح ولجب لا يفهم منه شيء.
يقول: ولقد حفظت وصية عمي في حومة الحرب التي لا تشكوها الأبطال إلا بجلبة وصياح.
٦٤-
إِذْ يَتّقُونَ بِيَ الأَسِنّةَ لم أَخِمْ ... عَنْها وَلَكِنّي تَضَايَقَ مُقْدَمِي
الاتقاء: الحجر بين الشيئين، تقول: أتقيت العدو بترسي، أي جعلت الترس حاجزًا بيني وبين العدو. الْخَيْمُ: الْجُبن. الْمَقدم: موضع الإقدام، وقد يكون الإقدام في غير هذا الموضع.