يقول: هلا سألت الفرسان عن حالي إذا لم أزل على سرج فرس سابح تناوب الأبطال في جرحه، أي جرحه كلّ منهم، ونهد من صفة السابح وهو الضخم.
٤٥-
طَوْرًا يُجَرَّدُ للطّعانِ وتَارَةً ... يَأْوِي إِلَى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ
الطور: التارة والمرّة، والجمع الأطوار.
يقول: مرة أجرده من صف الأولياء لطعن الأعداء وضربهم وأنضم مرة إلى قوم محكمي القسي، كثير، يقول: مرة أحمل عليه على الأعداء فأحسن بلائي وأنكي فيهم أبلغ نكاية، ومرة أنضم إلى قوم أحكمت قسيهم وكثر عددهم، أراد أنهم رماة مع كثرة عددهم. العرمرم: الكثير. حصِد الشيء حصدًا إذا استحكم، والإحصاد: الإحكام.
٤٦-
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِي ... أَغْشَى الوغى وَأَعِفّ عِندَ الْمَغْنَمِ
يخبرك: مجزوم لأنه جواب هلا سألت. الوقعة والوقيعة: اسمان من أسماء الحروب، والجمع الوقعات والوقائع. الوغى: أصوات أهل الحرب ثم استعير للحرب. المغنم والغُنْمُ والغنيمة واحد.
يقول: إن سألت الفرسان عن حالي في الحرب يخبرك من حضر الحرب بأني كريم عالي الهمة آتي في الحروب وأعف عن اغتنام الأموال.
٤٧-
ومُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُمَاةُ نِزَالَهُ ... لا مُمْعِنٍ هَرَبًا وَلا مُسْتَسْلِمِ
المدجَّج والمدجِّج: التام السلاح. الإمعان: الإسراع في الشيء والغلو فيه. الاستسلام: الانقياد والاستكانة.
يقول: ورب رجل تام السلاح كانت الأبطال تكره نزاله وقتاله لفرط بأسه وصدق مراسه، لا يسرع في الهرب إذا اشتد بأس عدوه، ولا يستكين له إذا صدق مراسه.
٤٨-
جَادَتْ لَهُ كَفِّي بِعَاجِلِ طَعنَةٍ ... بِمُثَقَّفٍ صَدْقِ الكُعوبِ مُقَوَّمِ
يقول: جادت يدي له بطعنة عاجلة برمح مُقَوَّم صلب الكعوب، والبيت جواب ربّ المضمر بعد الواو في: ومدجَّج. قوله: بعاجل طعنة، قدم الصفة على الموصوف ثم أضافها إليه، تقديره: بطعنة عاجلة. الصدق: الصلب.
стр. 282
٤٩-
فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثيابَهُ ... لَيسَ الكَريمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ
الشكُّ: الانتظام، والفعل شَكَّ يشُكُّ، الأصمّ: الصَّلب.
يقول: فانتظمت برمحي الصلب ثيابه، أي طعنته طعنة أنفذت الرمح في جسمه وثيابه كلها، ثم قال: ليس الكريم محرمًا على الرماح، يريد أن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الإقدام، وقيل: بل معناه أن كرمه لا يخلصه من القتل المقدر له.
٥٠-
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السّباعِ يَنُشْنَهُ ... يَقضِمْنَ حُسنَ بَنانِهِ والْمِعْصَمِ
الجزر: جمع جَزَرَة وهي الشاة التي أعدت للذبح. النَّوْشُ: التناول، والفعل ناش ينوش نوشًا. القضم: الأكل بمقدم الأسنان، والفعل قضم يقضم.
يقول: فصيرته طعمة للسباع كما يكون الجزر طعمة للناس، ثم قال: تتناوله السباع وتأكل بمقدم أسنانها بنانه الحسن ومعصمه الحسن، ويريد أنه قتله فجعله عرضة للسباع حتى تناولته وأكلته.
٥١-
وَمِشَكِّ سَابِغَةٍ١ هَتَكْتُ فُرُوجَهَا ... بالسّيفِ عَنْ حامي الْحَقيقةِ مُعلِمِ
المشكّ: الدرع التي قد شُكَّ بعضها إلى بعض، وقيل: مساميرها، يشير إلى أنه الزَّرَد، وقيل: الرجل التام السلاح. الحقيقة: ما يحق عليك حفظه أي يجب. المعلم، بكسر اللام: الذي أعلم نفسه أي شهرها بعلامة يعرف بها في الحروب حتى ينتدب الأبطال لبرازه، والمعلَم، بفتح اللام: الذي يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتيبة وواحد السرية.
يقول: وربّ مِشكّ درع، أي رب موضع انتظام درع واسعة، شققت أوساطها بالسيف عن رجل حام له يجب عليه حفظه، شاهرٍ نفسه في حومة الحرب أو مشار إليه فيها، يريد أنه هتك مثل هذه الدرع مثل هذا الشجاع فكيف الظن بغيره.
٥٢-
رَبِذٍ يَداهُ بالقِداحِ إِذَا شَتَا ... هَتّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوَّمِ
الرَّبِذ: السريع. شتا: دخل في الشتاء، يشتو شتوًا. الغاية: راية ينصبها الخمار
стр. 283
ليعرف مكانه بها. أراد بالتجار الخمارين. الملوم: الذي ليم مرة بعد أخرى. والبيت كله من صفة حامي الحقيقة.
يقول: هتكت الدرع عن رجل سريع اليد خفيفها في إجالة القداح في الميسر في برد الشتاء، وخصّ الشتاء؛ لأنهم يكثرون الميسر فيه لتفرّغهم، وعن رجل يهتك رايات الخمارين، أي كان يشتري جميع ما عندهم من الخمر حتى يقلعوا راياتهم لنفاد خمرهم، ملوم على إمعانه في الجود وإسرافه في البذل، وهذا كله من صفة حامي الحقيقة.
٥٣-
لَمَّا رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ ... أَبْدَي نَوَاجِذَهُ لِغَيرِ تَبَسُّمِ
يقول: لَمّا رآني هذا الرجل نزلت عن فرسي أريد قتله كشر عن أسنانه غير متبسم، أي لفرط كلوحه١ من كراهية الموت قلصت شفتاه عن أسنانه، وليس ذلك لتكلم ولا لتبسّم ولكن من الخوف.
ويروى: لغير تكلم.
٥٤-
عَهْدِي بِهِ مَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا ... خُضِبَ البَنَانُ وَرَأْسُهُ بالعِظْلَمِ
مد النهار: طوله. العظلم: نبت يختضب به. العهد: اللقاء، يقال: عهدته أعهده عهدًا إذا لقيته. يقول: رأيته طول النهار وامتداده بعد قتلي إياه وجفاف الدم عليه كأنّ بنانه ورأسه مخضوبان بهذا النبت.
٥٥-
فَطَعَنْتُهُ بالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ ... بِمُهَنَّدٍ صافي الْحَدِيدَةِ مِخذَمِ
المخذم: السريع القطع.
يقول: طعنته برمحي حين ألقيته من ظهر فرسه ثم علوته مع سيف مهند صافي الحديد سريع القطع.
٥٦-
بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَمِ
السرحة: الشجرة العظيمة. يحذى أي تجعل حذاء له، والحذاء: النعل، والجمع الأحذية.
стр. 284
يقول: وهو بطل مديد القد كأن ثيابه ألبست شجرة عظيمة من طول قامته واستواء خلقه، تجعل جلوس البقر المدبوغة بالقرظ نعالًا له، أي تستوعب رجلاه السِّبتَ، ولم تحمل أمه معه غيره، بالغ في وصفه بالشدة والقوة بامتداد قامته وعظم أعضائه وتمام غذائه عند إرضاعه إذ كان فذًّا غير توأم.
٥٧-
يا شاةَ مَا قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ ... حَرُمَتْ عَلَيّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ
ما: صلة زائدة. الشاة: كناية عن المرأة.
يقول: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له فتعجبوا من حسنها وجمالها، فإنها قد حازت أتم الجمال، والمعنى: هي حسناء جميلة مَقْنَع لمن كَلِفَ بِهَا وشغف بحبها، ولكنها حرمت عليّ وليتها لم تحرم عليّ، أي ليت أبي لم يتزوجها حتى كان يحل لي تزوجها، وقيل: أراد بذلك أنها حرمت عليه باشتباك الحرب بين قبيلتيهما ثم تمنى بقاء الصلح.
٥٨-
فَبَعَثْتُ جَارِيَتِي فَقُلْتُ لَهَا اذْهَبِي ... فَتَجَسَّسِي أخبارَها لِي وَاعْلَمِي
يقول: فبعثت جاريتي لتتعرف أحوالها لي.
٥٩-
قَالَتْ: رَأَيْتُ مِنَ الأَعَادِي غِرَّةً ... وَالشَّاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هوَ مُرْتَمِ
الغِرّة: الغفلة، رجل غِرٌّ غافل لم يجرب الأمور.
يقول: فقالت جاريتي لَمّا انصرفت لي: صادفت الأعادي غافلين عنها ورمي الشاة ممكن لمن أراد أن يرتميها، يريد أن زيارتها ممكن لطالبها لغفلة الرقباء والقرناء عنها.
٦٠-
وَكَأَنَّمَا الْتَفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايَةٍ ... رَشَأٍ مِنَ الغِزْلانِ حُرٍّ أَرْثَمِ
الْجِداية والْجَداية: ولد الظبية، الجمع الجدايا، الرشأ: الذي قوي من أولاد الظباء. والغزلان جمع الغزال. الْحُرُّ من كل شيء: خالصه وجيِّده. الأرثم: الذي في شفته العليا وأنفه بياض.
يقول: كَأنّ "التفاتها إلينا في نظرها" التفات ولد ظبية هذه صفته في نظره.
стр. 285
٦١-
نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شَاكِرِ نِعْمَتِي ... والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لنَفسِ الْمُنْعِمِ
التنبئة والتنبيء: مثل الإنباء وهذه من سبعة أفعال تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي: أُعلمتُ وأُريتُ وأُنبأتُ ونُبِّئْتُ وأُخبرتُ وخُبِّرْتُ وحُدِّثْتُ، وإنما تعددت الخمسة التي هي غير أعلمت وأريت إلى ثلاثة مفاعيل لتضمنها معنى أعلمت.
يقول: أعلمت أنَّ عمرًا لا يشكر نعمتي، وكفران النعمة ينفّر نفسَ المنعم عن الإنعام، فالتاء في نبئت هو المفعول الأول قد أقيم مقام الفاعل وأسند الفعل إليه، وعمرًا هو المفعول الثاني، وغير هو المفعول الثالث.
٦٢-
وَلَقَدْ حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمّي بالضّحَى ... إِذْ تَقْلِصُ الشّفتانِ عَنِ وَضَحِ الفَمِ
الوصاة والوصية شيء واحد. وضَحُ الفم: الأسنان. القُلوص: التشنج والقِصر. يقول: ولقد حفظت وصيّة عمي إياي فاقتحامي القتال ومناجزتي الأبطال في أشد أحوال الحرب، وهي حالة تقلص الشفاه عن الأسنان من شدة كلوح الأبطال والكماة١ فرقًا من القتل.
٦٣-
في حَوْمَةِ الْحَرِبِ التي لا تَشْتَكِي ... غَمَرَاتِها الأبطالُ غَيْرَ تَغَمْغُمِ
حومة الحرب: معظمها وهي حيث تحوم الحرب أي تدور، وغمرات الحرب: شدائدها التي تغمر أصحابها، أي تغلب قلوبهم وعقولهم. التغمغم: صياح ولجب لا يفهم منه شيء.
يقول: ولقد حفظت وصية عمي في حومة الحرب التي لا تشكوها الأبطال إلا بجلبة وصياح.
٦٤-
إِذْ يَتّقُونَ بِيَ الأَسِنّةَ لم أَخِمْ ... عَنْها وَلَكِنّي تَضَايَقَ مُقْدَمِي
الاتقاء: الحجر بين الشيئين، تقول: أتقيت العدو بترسي، أي جعلت الترس حاجزًا بيني وبين العدو. الْخَيْمُ: الْجُبن. الْمَقدم: موضع الإقدام، وقد يكون الإقدام في غير هذا الموضع.
стр. 286
يقول: حين جعلني أصحابي حاجزًا بينهم وبين أسنة أعدائهم، أي قدموني وجعلوني في نحور أعدائهم، لم أجبن عن أسنتهم ولم أتأخر، ولكن قد تضايق موضع إقدامي، فتعذر التقدم فتأخرت لذلك.
٦٥-
لَمّا رَأَيْتُ القَومَ أَقْبَلَ جَمْعَهُمْ ... يَتَذَامَرُونَ كَرَرْتُ غيرَ مُذَمَّمِ
التذامر تفاعل من الذمر وهو الحض على القتال.
يقول: لما رأيت جمع الأعداء قد أقبلوا نحونا يحض بعضهم بعضًا على قتالنا عطفت عليهم لقتالهم غير مذمم، أي محمود القتال غير مذمومه.
٦٦-
يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّمَاحُ كَأَنَّهَا ... أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ
الشطن: الحبل الذي يستقى به، والجمع الأشطان. اللبان: الصدر.
يقول: كانوا يدعونني في حال إصابة رماح الأعداء صدر فرسي ودخولها فيه، ثم شبهها في طولها بالحبال التي يستقى بها من الآبار.
٦٧-
مَا زِلْتُ أَرْميهِمْ بِثُغْرَةِ نَحْرِهِ ... وَلَبَانِهِ حَتّى تَسَرْبَلَ بِالدَّمِ
الثغرة: الوقبة١ في أعلى النحر، والجمع الثُغَر.
يقول: لم أزل أرمي الأعداء بنحر فرسي حتى جرح وتلطخ بالدم وصار له بمنزلة السربال، أي عَمَّ جسده عموم السربال جسد لابسه.
٦٨-
فَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بِلَبَانِهِ ... وَشَكَا إِلَيّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
الازورار: الميل. التحمحم: من صهيل الفرس ما كان فيه شبه الحنين لِيَرِقَّ صاحبه له.
يقول: فمال فرسي مما أصابت رماح الأعداء صدره ووقوعها به وشكا إلي بعبرته وحمحمته، أي نظر إلي وحمحم لأرقَّ له.
٦٩-
لَوْ كَانَ يَدرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى ... وَلَكَانَ لَوْ عَلِمَ الكَلَامَ مُكَلِّمِي
стр. 287
يقول: لو كان يعلم الخطاب لاشتكى إلَيّ مما يقاسيه ويعانيه، وكلمني لو كان يعلم الكلام، يريد أنه لو قدر على الكلام لشكا إلَيّ مما أصابه من الجراح.
٧٠-
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأذْهَبَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أقدمِ
يقول: ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها قول الفوارس لي: ويلك يا عنترة أقدم نحو العدو واحمل عليه، يريد أن تعويل أصحابه عليه والتجاءهم إليه شفى نفسه ونفى غمه.
٧١-
وَالْخَيْلُ تَقْتَحِمُ الْخَبَارَ عَوَابِسًا ... مِنْ بَيْنِ شَيْظَمَةٍ وَأَجْرَدَ شَيْظَمِ
الخبار: الأرض اللينة. الشَّظِيم: الطويل من الخيل.
يقول: والخيل تسير وتجري في الأرض اللينة التي تسوخ١ فيها قوائمها بشدة وصعوبة وقد عبست وجوهها لما نالها من الإعياء، وهي لا تخلو من فرس طويل أو طويلة، أي كلها طويلة.
٧٢-
ذُلُلٌ رِكَابِي حَيثُ شِئْتُ مُشَايِعِي ... لُبْتِي وَأَحْفِزُهُ بِأَمْرٍ مُبْرَمِ
ذُلُل: جمع ذَلول من الذل وهو ضد الصعوبة. الركاب: الإبل، لا واحد لها من لفظها عند جمهور الأئمة، وقال الفراء: إنها جمع ركوب مثل قلوص٢ وقلاص ولقوح ولقاح. المشايعة: المعاونة، أخذت من الشياع وهو دقائق الحطب لمعاونته النار على الإيقاد في الحطب الجزل٣. الحفز: الدفع. الإبرام: الإحكام.
يقول: تذلّ إبلي لي حيث وجهتها من البلاد ويعاونني على أفعالي عقلي، وأمضي ما يقتضيه عقلي بأمر محكم.
٧٣-
وَلَقَدْ خَشيتُ بَأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُر ... للحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلَى ابْنَي ضَمْضَمِ
الدائرة: اسم للحادثة، سميت بها لأنها تدور من خير إلى شر ومن شر إلى خير ثم استعملت في المكروهة دون المحبوبة.
стр. 288
يقول: ولقد أخاف أن أموت ولم تدر الحرب على ابني ضمضم بما يكرهانه، وهما حصين وهرم ابنا ضمضم.
٧٤-
الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمْهُمَا ... والنَّاذِرَينِ إِذَا لَمَ الْقَهُمَا دَمِي
يقول: اللذان يشتمان عرضي ولم أشتمهما أنا، والموجبان على أنفسهما سفك دمي إذا لم أرهما، يريد أنهما يتواعدنه حال غيبته فأما في حال الحضور فلا يتجاسران عليه.
٧٥-
إِنْ يَفْعَلَا فَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَاهُمَا ... جَزَرَ السِّبَاعِ وَكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمِ
يقول: إن يشتماني لم أستغرب منهما ذلك؛ فإني قتلت أباهما وصيرته جزَر السباع وكل نسرٍ مُسِنٍّ.
стр. 289
الحارث بن حلزة
مدخل
...
الحارث بن حِلِّزَة اليشكري
هو: أبو عبيدة الحارث بن حلزة بن مكروه، من أهل العراق. وينتهي نسبه إلى: يشكر بن بكر بن وائل، وينتهي نسب وائل إلى نزار بن مَعَدّ بن عدنان.
وقد شهد الحارث بن حلزة حرب البسوس.
كان الحارث بن حلزة خبيرًا بقرض الشعر ومذاهب الكلام، ومعلقته قد جمعت طائفة من أيام العرب وأخبارها، ووَعَت ضروبًا من المفاخر يقام لها ويقعد. وقد ارتجلها بين يدي عمرو بن هند الملك وهو غضبان متوكئ على قوسه. وقيل: بل كان قد أعدها قبل ذلك. وليس ببعيد عن الصواب. لما سترى من اختلاف الرواية في ذلك.
أما شعره فهو قليل جدًّا لأنه كان من المقلين. وإنما اشتهر بمعلقته هذه التي رفعت من قدره، وجعلته في صف شعراء الجاهلية المجيدين.
стр. 290
معلقة الحارث بن حِلِّزَة
١-
آَذَنَتنا بِبَينِها أَسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَواءُ
الإيذان: الإعلام. البين: الفراق. الثواء والثُويّ: الإقامة، والفعل ثوى يثوي. يقول: أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا، أي بعزمها على فراقنا، ثم قال: رب مقيم تمل إقامته ولم تكن أسماء منهم، يريد أنها وإن طالت إقامتها لم أمللها، والتقدير: رب ثاو يمل من ثوائه.
٢-
بَعْدَ عَهدٍ لَها بِبُرقَةِ شَمّا ... ءَ فَأَدْنَى ديارَها الْخَلْصَاءُ
العهد: اللقاء والفعل عهد يعهد.
يقول: عزمت على فراقنا بعد أن لقيتها ببرقة شَمّاء وخلصاء التي هي أقرب ديارها إلينا.
٣-
فَالْمُحيّاةُ فَالصِّفاحُ فَأَعنا ... ق فِتاقٍ فَعَاذِبٌ فَالوَفاءُ
٤-
فَرياضُ القَطا فَأَودِيَةُ الشُّرْ ... بُبِ فَالشُّعْبَتَانِ فَالأَبْلاءُ
هذه كلها مواضع عهدها بها.
يقول: قد عزمت على مفارقتنا بعد طول العهد.
٥ -
لا أَرى مَن عَهِدتُ فيها فَأَبكي الـ ... ـيَومَ دَلْهًا وَما يُحِيرُ البُكاءُ
الإحارة: الرد، من قولهم: حار الشيء يحو حورًا، أي رجع، وأحرته أنا أي رجعته فرددته.
يقول: لا أرى في هذه المواضع من عهدت فيها، يريد أسماء، فأنا أبكي اليوم
стр. 291
ذاهب العقل وأي شيء رد البكاء على صاحبه؟ وهذا استفهام يتضمن الجحود، أي لا يرد البكاء على صاحبه فائتًا، ولا يجدي عليه شيئًا، وتحرير المعنى: لما خلت هذه المواضع منها بكيت جزعًا لفراقها مع علمي بأنه لا طائل في البكاء. الدَّلْه والدَّلَهُ: ذهاب العقل، والتدلية إزالته.
٦-
وَبَعَيْنَيْكَ أَوْقَدَتْ هِنْدٌ النَّا ... رَ أخيرًا تُلْوِي بِهَا العَلْيَاءُ
ألوى بالشيء: أشار به. العلياء: البقعة العالية.
يخاطب نفسه ويقول: وإنما أوقدت هند النار بمرآك ومنظر منك، وكأن البقعة العالية التي أوقدتها عليها كانت تشير إليك بها، يريد أنها ظهرت لك أَتَمّ ظهور فرأيتها أتم رؤية.
٧-
فَتَنَوَّرْتُ نَارَهَا مِنْ بَعيدٍ ... بِخَزَازَى هَيْهَاتَ مِنْك الصِّلاءُ
التَّنَوُّرُ: النظر إلى النار. خزازى: بقعة بعينها. هيهات: بعدُ الأمر جدًّا.
الصلاء مصدر صَلْيِ النَّار، وصَلِيَ بالنار يصلى صِلَىً وَصِلَاءً إذا احترق بها أو ناله حرّها.
يقول: ولقد نظرت إلى نار هند بهذه البقعة على بعد بيني وبينها لأصلاها، ثم قال: بعد منك الاصطلاء بها جدًّا، أي أردت أن آتيها فعاقتني العوائق من الحروب وغيرها.
٨-
أَوْقَدَتْهَا بَيْنَ العَقِيقِ فَشَخْصَيْـ ... ـنِ بِعُودٍ كَمَا يَلُوحُ الضِّياءُ
يقول: أوقدت هند تلك النار بين هذين الموضعين بعود فلاحت كما يلوح الضياء.
٩-
غَيْرَ أني قَدْ أسْتَعِينُ عَلَى الْهَمّ ... إِذَا خَفّ بالثَّوِي النَّجَاءُ
غير أني: يريد ولكني، انتقل من النسيب إلى ذكر حاله في طلب المجد. الثويّ والثاوي: المقيم. النّجاء: الإسراع في السير، والباء للتعدية.
يقول: ولكني أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري إذا أسرع المقيم في السير لعظم الخطب وفظاعة الخوف.
стр. 292
١٠-
بِزَفُوفٍ كَأَنَّهَا هِقْلَةٌ أُ ... مُّ رِئَالٍ دَوِّيّةٍ سَقْفَاءُ
الزَّفيف: إسراع النعامة في سيرها ثم يستعار لسير غيرها، والفعل زفّ يزِف، والنعت زافّ، والزفوف مبالغة. الهقلة: النعامة، والظليم هقل. الرأل: ولد النعامة، والجمع رئال، الدوِّية: منسوبة إلى الدوّ وهي المفازة١. السقف: طول مع انحناء، والنعت أسقف.
يقول: أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري عند صعوبة الخطب وشدته بناقة مسرعة في سيرها، كأنها في إسراعها في السير نعامة لها أولاد طويلة منحنية لا تفارق المفاوز.
١١-
آنَسَتْ نَبْأَةً وَأَفْزَعَهَا القُـ ... ـنَّاصُ عَصْرًا وَقَدْ دَنَا الإِمْسَاءُ
النَّبْأَةُ: الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله. القُنّاص. جمع قانص وهو الصائد. الإفزاع: الإخافة. العصر: العشي.
يقول: أَحَسّت هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك عشيًّا وقد دنا دخولها في المساء، لما شبه ناقته بالنعامة بسيرها بالغ في وصف النعامة بالإسراع في السير بأنها تَئُوب إلى أولادها مع إحساسها بالصيادين وقرب المساء، فإن هذه الأسباب تزيدها إسراعًا في سيرها.
١٢-
فَتَرَى خَلْفَهَا مِنَ الرَّجْعِ وَالوَقْـ ... ـعِ منينا كأنه إهباء
المنين: الغبار الرقيق. الأهباء: جمع هباء، والإهباء إثارته.
يقول: فترى أنت أيها المخاطب خلف هذه الناقة من رجعها٢ قوائمها وضربها الأرض بها غبارًا رقيقًا كأنه هباء منبث. وجعله رقيقًا إشارة إلى غاية إسراعها.
١٣-
وَطِرَاقًا مِنْ خَلْفِهِنّ طِرَاقٌ ... سَاقِطَاتٌ أَلْوَتْ بِهَا الصّحْراءُ
الطراق: يريد بها أطباق نعلها. ألوى بالشيء: أفناه وأبطله، وألوى بالشيء أشار به.
стр. 293
يقول: وترى خلفهما أطباق نعلها في أماكن مختلفة قد قطعها وأبطلها قطع الصحراء ووطؤها.
١٤-
أَتَلَهّى بِهَا الْهَوَاجِرَ إِذْ كُلّ ... ابنِ هَمٍّ بَلِيَّةٌ عَمْيَاءُ
يقول: أتلعب بها في أشد ما يكون من الحر إذا تحيَّر صاحب كل هم تحير الناقة البلية١ العمياء.
يقول: أركبها وأقتحم بها لفح الهواجر إذا تحير غيري في أمره، يريد أنه لا يعوقه الحرّ عن مرامه.
١٥-
وَأَتَانَا مِنَ الْحَوَادِثِ والأَنْبَا ... ءِ خَطْبٌ نُعْنَى بِهِ وَنُسَاءُ
يقول: ولقد أتانا من الحوادث والأخبار أمر عظيم نحن معنيون محزونون لأجله. عُني الرجل بالشيء يُعْنَى به فهو معني به، وعنِيَ يعْنَى إذا كان ذا عناء به. وسؤت الرجل سواء ومَساءة وسوائية أحزنته.
١٦-
إنّ إِخْوَانَنَا الأَراقِمَ يَغْلُو ... نَ عَلَيْنَا فِي قِيلِهِمْ إِحْفَاءُ
الأراقم: بطون من تغلب، سموا بها لأن امرأة شبهت عيون آبائهم بعيون الأراقم٢. الغلو: مجاوزة الحد. الإحفاء: الإلحاح. ثم فسر ذلك الخطب فقال: هو تعدي إخواننا من الأراقم علينا وغلوهم في عدوانهم علينا في مقالتهم.
١٧-
يَخْلِطُونَ البَرِيءَ مِنَّا بِذِي الذَّنْـ ... ـبِ وَلا يَنْفَعُ الْخَلِيَّ الْخَلَاءُ
يريد بالخلي: البريء الخالي من الذنب.
يقول: هم يخلطون بُرَآءَنَا بمذنبينا، فلا تنفع البريء براءة ساحته من الذنب.
١٨-
زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ ضَرَبَ العَيْـ ... ـرَ مُوالٍ لَنَا وأَنّا الوَلاءُ
العير في هذا البيت يفسر: بالسيد، والحمار، والوتد، والقذى، وجبل بعينه. قوله: وأنَّا الولاء، أي أصحاب ولائهم، فحذف المضاف، ثم إن فسر العير بالسيد
стр. 294
كان تحرير المعنى: زعم الأراقم أن كل من يرضى بقتل كليب وائل بنو أعمامنا وأنَّا أصحاب ولائهم تلحقنا جرائرهم، وإن فسر بالحمار كان المعنى: أنهم زعموا أن كل من صاد حُمُرَ الوحش موالينا، أي ألزموا العامة جناية الخاصة، وإن فسر بالوتد كان المعنى: زعموا أن كل من ضرب الخيام وطنَّبها بأوتادها موالينا، أي ألزموا العرب جناية بعضنا، وإن فسر بالقذى كان المعنى: زعموا أن كل من ضرب القذى ليتنحي فيصفوا الماء موالينا، وإن فسر بالجبل المعيّن كان المعنى: زعموا أن كل من صار إلى هذا الجبل موالٍ لنا. وتفسير آخر البيت في جميع الأقوال على نمط واحد.
١٩-
أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عِشَاءً فَلَمّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوضَاءُ
الضوضاء: الجلبة والصياح. إجماع الأمر: عقد القلب وتوطين النفس عليه. يقول: أطبقوا على أمرهم من قتلنا وجدالنا عشاء، فلما أصبحوا جلبوا وصاحوا.
٢٠-
مِنْ مُنَادٍ وَمِنْ مُجِيبٍ وَمِنْ تَصْـ ... ـهَالِ خَيْلٍ خِلَال ذَاكَ رُغَاءُ
التصهال كالصهيل، وتفعال لا يكون إلا مصدرًا، وتِفعال لا يكون إلا اسْمًا. يقول: اختلطت أصوات الداعين والمجيبين والخيل والإبل، يريد بذلك تجمعهم وتأهبهم.
٢١-
أَيّهَا النّاطِقُ الْمُرَقِّشُ١ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو وَهَلْ لِذَاكَ بَقَاءُ
يقول: أيها الناطق عند الملك الذي يبلّغ عنا الملك ما يريبه ويشككه في محبتنا إياه ودخولنا تحت طاعته وانقيادنا لحبل سياسته، هل لذلك التبليغ بقاء؟ وهذا استفهام معناه النفي، أي لا بقاء لذلك؛ لأن الملك يبحث عنه فيعلم أن ذلك من الأكاذيب المخترعة والأباطيل المبتدعة؛ وتحرير المعنى: أنه يقول: أيها المضرب٢ بيننا وبين الملك بتبليغك إياه عنا ما يكرهه لا بقاء لما أنت عليه لأن بحث الملك عنه يعرفه أنه كذب بحت محض.
стр. 295
٢٢-
لا تَخَلْنَا عَلَى غَرَاتِكَ إنّا ... قَبْلُ مَا قَدْ وَشَى بِنا الأَعْداءُ
الغراة: اسم بمعنى الإغراء، يخاطب من يسعى بهم من بني تغلب إلى عمرو بن هند ملك العرب.
يقول: لا تظننا متذللين متخاشعين لإغرائك الملك بنا، فقد وشى بنا أعداؤنا إلى الملوك قبلك؛ وتحرير المعنى: إن إغراءك الملك بنا لا يقدح في أمرنا كما لم يقدح إغراء غيرك فيه، قوله: على غراتك، أي على امتداد غراتك، والمفعول الثاني لَتَخَلْنَا محذوف تقديره: لا تخلنا متخاشعين، وما أشبه ذلك.
٢٣-
فَبَقِينَا عَلَى الشَّنَاءَةِ تَنْمِيـ ... ـنَا حُصُونٌ وَعِزَّةٌ قَعْسَاءُ
الشناءة: البغض. تنمينا: ترفعنا.
يقول: فبقينا على بغض الناس إيانا وإغرائهم الملوك بنا ترفع شأننا وتعلي قدرنا حصون منيعة وعزة ثابتة لا تزول.
٢٤-
قَبْلَ مَا اليَوْمِ بَيّضَتْ بعُيُونِ النَّـ ... ـاسِ فِيهَا تَغَيُّظٌ وَإبَاءُ
الباء في: بعيون، زائدة، أي بيّضت عيون الناس، وتبييض العين: كناية عن الإعماء. وما في قوله: قبل ما، صلة زائدة.
يقول: قد أعمت عزتنا قبل يومنا الذي نحن فيه عيون أعدئنا من الناس، يريد أن الناس يحسدوننا على إباء عزتنا على من كادها وتغيظها على من أرادها بسوء، حتى كأنهم عموا عند نظرهم إلينا لفرط كراهيتهم ذلك وشدة بغضهم إيانا، وجعل التغيظ والإباء للعزة مجازًا وهما عند التحقيق لهم.
٢٥-
وَكَأَنّ الْمَنُونَ تَرْدِي بِنَا أَرْ ... عَنَ جَوْنًا يَنْجابُ عَنْهُ العَمَاءُ
الرَّديُ: الرّمي، والفعل منه ردى يَردي. قوله: بنا، أي تردينا. الأرعن: الجبل الذي له رعن١. الجون: الأسود والأبيض جميعًا، والجمع الْجُون، والمراد به الأسود في البيت.
стр. 296
الانجياب: الانكشاف والانشقاق. العماء: السحاب.
يقول: وكأن الدهر برميه إيانا بمصائبه ونوائبه يرمي جبلًا أرعن أسود ينشق عنه السحاب، أي يحيط به ولا يبلغ أعلاه، يريد أن نوائب الزمان وطوارق الحدثان لا تؤثر فيهم ولا تقدح في عزهم، كما لا تؤثّر في مثل هذا الجبل الذي لا يبلغ السحاب أعلاه لسموّه وعلوّه.
٢٦-
مُكْفَهِرًّا عَلَى الْحَوَادِثِ لا تَرْ ... تُوهُ للدّهْرِ مُؤَيدٌ صَمَّاءُ
الاكفهرار: شدة العبوس والقطوب. الرتو: الشَّدُّ والإرخاء جميعًا، وهو من الأضداد، ولكنه في البيت بمعنى الإرخاء. المؤيد: الداهية العظيمة، مشتقة من الأيد والآد وهما القوة.
الصمّاء: الشديدة، من الصمم الذي هو الشدة والصلابة، والبيت من صفة الأرعن.
يقول: يشتد ثباته على انتياب الحوادث لا ترخيه ولا تضعفه داهية قوية شديدة من دواهي الدهر، يقول: ونحن مثل هذا الجبل في المنعة والقوة.
٢٧-
إِرَمِيٌّ بِمِثْلِهِ جَالَتْ الْخَيْـ ... ـلُ وَتَأبَى لِخَصْمِهِا الإجْلاءُ
إرم: جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام.
يقول: هو إرمي من الحسب قديم الشرف، بمثله ينبغي أن تجول الخيل وأن تأبى لخصمها أن يجلى صاحبها عن أوطانه، يريد أن مثله يحمي الحوزة ويذبّ عن الحريم.
٢٨-
مَلِكٌ مُقْسِطٌ وَأَفْضَلُ مَنْ يَمْـ ... ـشِي وَمِنْ دُونِ مَا لَدَيْهِ الثَّنَاءُ
الإقساط: العدل.
يقول: هو ملك عادل وهو أفضل ماشٍ على الأرض، أي أفضل الناس، والثناء قاصر عما عنده.
٢٩-
أَيُّمَا خُطَّةٍ أرَدْتُمْ فَأدّو ... هَا إِلَينَا تُشْفَى بِهَا الأمْلَاءُ
стр. 297
الخطة: الأمر العظيم الذي يحتاج إلى مخلص منه. أدّوها أي فوضوها. الأملاء: الجماعات من الأشراف، الواحد ملأ، لأنهم يملأون القلوب والعيون جلالة وجمالًا.
يقول: فوضوا إلى آرائنا كل خصومة أردتم تشفى بها جماعات الأشراف والرؤساء بالتخلص منها إذ لا يجدون عنها مخلصًا، يريد أنهم أولو رأي وحزم يشفى به ويسهل عليهم، ما يتعذر على غيرهم من الأشراف في فصل الخصومات والقضاء في المشكلات.
٣٠-
إِنْ نَبَشْتُمْ مَا بَيْنَ مِلْحَةَ فَالصَّا ... قِبِ فِيهِ الأَمْوَاتُ وَالأَحْياءُ
يقول: إن بحثتم عن الحروب التي كانت بيننا وبين هذين الموضعين وجدتم قتلى لم يثأر بها وقتلى قد ثُئِر بها، فسمّى الذي لم يثأر بها أمواتًا، والذي ثُئِر بهم أحياء؛ لأنهم لما قتل بهم من أعدائهم كأنهم عادوا أحياء إذ لم تذهب دماؤهم هدرًا، يريد أنهم ثأروا بقتلاهم وتغلب لم تثأر بقتلاهم.
٣١-
أَوْ نَقَشْتُمْ فَالنَّقْشُ يَجْشَمَهُ النّا ... سُ وَفيهِ الإِسْقامُ والإبْرَاءُ
الإسقام: مصدر، والأسقام جمع سُقُم وسَقَمَ. الإبراء: مصدر، والأبراء: جمع برء. النقش: الاستقصاء، ومنه قيل لاستخراج الشوك من البدن نقش. والفعل منه نقَش ينقُشُ.
يقول: فإن استقصيتم في ذكر ما جرى بيننا من جدال وقتال، فهو شيء قد يتكلفه ويتبين فيه المذنب من البريء، كنّى بالسقم عن الذنب وبالبرء عن براءة الساحة، يريد أن الاستقصاء فيما ذكر يبيّن براءتنا من الذنب والذنب ذنبكم.
٣٢-
أو سَكَتّمْ عَنّا فَكَنّا كَمَنْ أَغْـ ... ـمَضَ عَيْنًا في جَفْنِهَا الأَقْذَاءُ
الأقذاء: جمع القذى، والقذى جمع قذاة.
يقول: وإن أعرضتم عن ذلك أعرضنا عنكم مع إضمارنا الحقد عليكم كمن أغضى الجفون عن القذى.
٣٣-
أَوْ مَنَعْتُمْ مَا تُسألُونَ فَمَنْ حُدّ ... ثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنَا العَلاء
стр. 298
يقول: وإن منعتم ما سألناكم من المهادنة والموادعة، فمن الذي حدثتم عنه أنه عزنا وعلانا، أي فأي قوم أخبرتم عنهم أنهم فضلونا، أي لا قوم أشرف منا، فلا نعجز عن مقابلتكم بمثل صنيعكم.
٣٤-
هَلْ عَلِمْتُمْ أَيّامَ يُنْتَهَبُ النّا ... سُ غِوَارًا لِكُلّ حَيٍّ عُوَاءُ
الغوار: المغاورة. العواء: صوت الذئب ونحوه، وهو ههنا مستعار للضجيج والصياح.
يقول: قد علمتم غناءنا في الحروب وحمايتنا أيام إغارة الناس بعضهم على بعض، وضجيجهم وصياحهم مما ألَمّ بهم من الغارات. وهل في البيت بمعنى قد لأنه يحتج عليهم بما علموه. الانتهاب: الإغارة.
٣٥-
إذْ رَفَعنا الْجِمَالَ مِنْ سَعَفِ البَحْـ ... ـرَينِ سَيرًا حَتّى نَهاها الْحِسَاءُ
السعف: أغصان النخلة، والوحدة سَعَفة. قوله، سيرًا، أي فسارت سيرًا فحذف الفعل لدلالة المصدر عليه، الحساء: موضع بعينه.
يقول: حين رفعنا جمالنا على أشد السير حتى سارت من البحرين سيرًا شديدًا إلى أن بلغت هذا الموضع الذي يعرف بالحساء، أي طوينا ما بين هذين الموضعين سيرًا وإغارة على القبائل، فلم يكفنا شيء عن مرامنا حتى انتهينا إلى الحساء.
٣٦-
ثُمَّ مِلْنَا عَلَى تَميمٍ فَأحْرَمْـ ... ـنَا وَفِينَا بَنَاتُ قَوْمٍ إِمَاءُ
أحرمنا أي دخلنا في الشهر الحرام.
يقول: ثم ملنا من الحساء فأغرنا على بني تميم، ثم دخل الشهر الحرام وعندنا سبايا القبائل قد استخدمناهن، فبنات الذين أغرنا عليهم كن إماء لنا.
٣٧-
لا يُقيمُ العَزيزُ بالبَلَدِ السَّهْـ ... ـلِ وَلا يَنْفَعُ الذّليلَ النَّجَاءُ
النجاء، ممدودًا ومقصورًا: الإسراع في السير.
يقول: وحين كان الأحياء الأعزة يتحصنون بالجبال ولا يقيمون بالبلاد السهلة، والأذلاء كان لا ينفعهم إسراعهم في الفرار، يريد أن الشر كان شاملًا عامًا لم يسلم منه العزيز ولا الذليل.
стр. 299
٣٨-
لَيْسَ يُنْجِي الّذِي يُوَائِل مِنّا ... رَأْسُ طَوْدٍ وَحَرَّةٌ رَجْلاءُ
وَأَلَ، وَوَاءَلَ: أي هرب وفزع. الرجلاء: الغليظة الشديدة.
يقول: لم ينج الهارب منا تحصنه بالجبل ولا بالحرّة١ الغليظة الشديدة.
٣٩-
مَلِكٌ أَضْرَعَ البَرِيّة لا يُو ... جَدُ فِيهَا لِمَا لَدَيْهِ كِفَاءُ
أضرع: ذَلَّلَ وقهر ومنه قولهم في المثل: الحمى أضرعتني لك. الكفاءة والمكافأة: المساواة.
يقول: هو ملك ذلل وقهر الخلق فما يوجد فيهم من يساويه في معاليه. والكفاء بمعنى المكافئ، فالمصدر موضوع اسم الفاعل.
٤٠-
كَتَكَالِيفِ قَوْمِنَا إِذَ غَزَا الْمُنْـ ... ـذِرُ هَلْ نَحْنُ لابنِ هِنْدٍ رِعَاءُ
التكاليف: المشاقّ والشدائد.
يقول: هل قاسيتم من المشاق والشدائد ما قاسى قومنا حين غزا منذر أعداءه فحاربهم؟ وهل كان رعاء٢ لعمرو بن هند كما كنتم رعاءه؟ ذكر أنهم نصروا الملك حين لم ينصره بنو تغلب، وعيّرهم بأنهم رعاء الملك وقومه يأنفون من ذلك.
٤١-
مَا أَصابُوا مِنْ تَغْلَبِيٍّ فَمَطْلُو ... لٌ عَلَيْهِ إِذَا أُصِيبَ العَفَاءُ
طُلَّ دمه وأطل: أهدر. العفاء: الدروس، وهو أيضًا التراب الذي يغطي الأثر يقول: ما قتلوه من بني تغلب أهدرت دماؤهم حتى كأنها غطيت بالتراب ودرست، يريد أن دماء بني تغلب تهدر ودماؤهم لا تهدر بل يدركون ثأرهم.
٤٢-
إِذْ أَحَلَّ العَلْياءَ قُبّةَ مَيْسُو ... نَ فَأَدْنَى دِيارِها العَوْصَاءُ
ميسون: امرأة.
يقول: وإنما كان هذا حين أنزل الملك قبة هذه المرأة علياء وعوصاء التي هي أقرب ديارها إلى الملك.
стр. 300
٤٣-
فَتَأَوّتْ لَهُ قَرَاضِبَةٌ مِنْ ... كُلّ حَيٍّ كَأَنّهُمْ أَلْقَاءُ
القرضوب والقرضاب: اللص الخبيث، والجمع القراضبة. التأوي: التجمع. الألقاء: جمع لَقوة وهي العُقاب.
يقول: تجمعت له لصوص خبثاء كأنهم عقبان لقوتهم وشجاعتهم.
٤٤-
فَهَدَاهُمْ بِالأَسْوَدَينِ وَأَمْرُ الله ... بِلْغٌ تَشْقَى بِهِ الأَشْقِيَاءُ
الأسودان: الماء والتمر. هداهم أي تقدمهم.
يقول: وكان يتقدمهم ومعه زادهم من الماء والتمر، وقد يكون هدى بمعنى قاد، والمعنى: فقاد هذا المعسكر وزادهم التمر والماء، ثم قال: وأمر الله بالغ مبالغة يشقى به الأشقياء في حكمه وقضائه.
٤٥-
إِذْ تَمَنّونَهُمْ غُرُورًا فَسَاقَتْـ ... ـهُمْ إِلَيكُمْ أًمْنِيّةٌ أَشْرَاءٌ
الأشر: البطر، والأشراء: البَطِرة.
يقول: حين تمنيتم قتالهم إياكم ومصيرهم إليكم اغترارًا بشوكتكم وعدتكم، فساقتهم إليكم أمنيتكم التي كانت مع البطر.
٤٦-
لَمْ يَغُرّوكُمُ غُرُورًا وَلَكِنْ ... رَفَعَ الآلُ شَخْصَهُم والضَّحاءُ
الآل: ما يرى كالسراب في طرفي النهار. الضحاء: بعيد الضحى.
يقول: لم يفاجئوكم مفاجأة ولكن أتوكم وأنتم ترونهم خلال السراب حتى كأن السراب يرفع أشخاصهم لكم.
٤٧-
أَيّها النّاطِقُ الْمُبَلِّغُ عَنّا ... عِنْدَ عَمْرٍو وَهَلْ لِذَاكَ انْتِهَاءُ
يقول: أيها الناطق المبلغ عنا عند عمرو بن هند الملك ألا تنتهي عن تبليغ الأخبار الكاذبة عنا؟
٤٨-
مَنْ لَنَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ آيَا ... تٌ ثَلاثٌ فِي كُلِّهِنّ القَضَاءُ
يقول: هو الذي لنا عنده ثلاث آيات، أي ثلاث دلائل من دلائل غنائنا وحسن بلائنا في الحروب والخطوب، يقضى لنا على خصومنا في كلها، أي يقضي الناس لنا بالفضل على غيرنا فيها.
стр. 301
٤٩-
آيَةٌ شَارِقُ الشّقيقَةِ إِذْ جَا ... ءَتْ مَعَدٌّ لِكُلّ حَيٍّ لِوَاءُ
الشقيقة: أرض صلبة بين رملتين، والجمع شقائق. الشروق: الطلوع والإضاءة. يقول: إحداها شارق١ الشقيقة حين جاءت معد بألويتها وراياتها. وأراد بشارق الشقيقة: الحرب التي قامت بها.
٥٠-
حَوْلَ قَيْسٍ مُسْتَلئِمينَ بِكَبشٍ ... قَرَظِيٍّ كَأَنَّهُ عَبْلاءُ
أراد قيس بن معد يكرب من ملوك حمير. الاستلئام: لبس اللأمة وهي الدرع. القرظ: شجر يدبغ به الأديم. الكبش: السيد، مستعار له بمنزلة القرم. البعلاء: هضبة بيضاء.
يقول: جاءت مع راياتها حول قيس متحصنين بسيد من بلاد القرظ، وبلاد القرظ: اليمن كأنه في منعته وشوكته هضبة من الهضاب، يريد أنهم كفوا عادية قيس وجيشه عن عمرو بن هند.
٥١-
وَصَتيتٍ مِنَ العَوَاتِكِ لا تَنْـ ... ـهَاهُ إلا مُبْيَضّةٌ رَعْلاءُ
الصتيت: الجماعة. العواتك: الشوابّ الحرائر الخيار من النساء. الرعلاء: الطويلة الممتدة.
يقول: والثانية جماعة من أولاد الحرائر الكرائم الشوابّ، لا يمنعها عن مرامها ولا يكفها عن مطالبها إلا كتيبة مبيضة ببياض دروعها وبَيْضها عظيمة ممتدة، وقيل: بل معناه إلا سيوف مبيضة طوال، وقوله: من العواتك، أي من أولاد العواتك.
٥٢-
فَرَدَدْنَاهُمُ بِطَعْنٍ كَمَا يَخْـ ... ـرُجُ مِنْ خُرْبَةِ الْمَزَادِ الْمَاءُ
خربة المزاد: ثقبها. والمزاد: جمع مزادة وهي زق الماء خاصة.
يقول: رددنا هؤلاء القوم بطعن خرج الدم من جراحه خروج الماء من أفواه القرب وثقوبها.
٥٣-
وَحَمَلْنَاهُمُ عَلَى حَزْمِ ثَهْلَا ... نَ شِلالًا وَدُمّي الأَنْسَاءِ
стр. 302
الحزم: أغلظ من الْحَزَن١. ثهلان: جبل بعينه. الشِلال: الطراد. الأنساء: جمع النسا وهو عرق معروف في الفخذ. التدمية والإدماء: اللطخ بالدم.
يقول: ألجأناهم إلى التحصين بغلظ هذا الجبل والالتجاء إليه في مطاردتنا إياهم وأدمينا أفخاذهم بالطعن والضرب.
٥٤-
وَجَبَهْنَاهُمْ بِطَعْنٍ كَمَا تُنْـ ... ـهَزُ فِي جُمَّةِ الطَّوِيِّ الدّلاءُ
الجبه: أعنف الردع، والفعل جبه يجبه. النهز: التحريك. الجمة: الماء الكثير المجتمع. الطوي: البئر التي طويت بالحجارة أو اللبن.
يقول: منعناهم أشد منع وأعنف ردع، فتحركت رماحنا في أجسامهم كما تحرك الدلاء في ماء البئر المطوية بالحجارة.
٥٥-
وَفَعَلْنَا بِهِمْ كَمَا عَلِمَ اللهُ ... وَمَا إِنْ للحَائِنِينَ دِمَاءُ
حان: تعرض للهلاك، وحان: هلك، يحين حينًا.
يقول: وفعلنا بهم فعلًا بليغًا لا يحيط به علمًا إلا الله ولا دماء للمتعرضين للهلاك أوالهالكين، أي لم يطلب بثأرهم ودمائهم.
٥٦-
ثُمَّ حُجْرًا أعْني ابنَ أُمّ قَطَامِ ... وَلَهُ فَارِسِيّةٌ خَضْرَاءُ
يقول: ثم قاتلنا بعد ذلك حجر بن أم قطام، وكانت له كتيبة فارسية خضراء لما ركب دروعها وبيضها من الصدأ، وقيل: بل أراد وله دروع فارسية خضراء لصدئها.
٥٧-
أَسَدٌ فِي اللِّقَاءِ وَرْدٌ هَمُوسٌ ... وَرَبِيعٌ إِنْ شَمّرَتْ غَبْرَاءُ
الورد: الذي يضرب لونه إلى الحمرة. الهمس: صوت القدم. وجعل الأسد هموسًا؛ لأنه يسمع من رجليه في مشيه صوت. شمرت: استعدت. الغبراء: السنة الشديدة لاغبرار الهواء فيها.
يقول: كان حجر أسدًا في الحرب بهذه الصفة، وكان للناس بمنزلة الربيع إذا
стр. 303
تهيأت، واستعدت السنة الشديدة للشر، يريد أنه كان ليث الحرب غيث الجدب.
٥٨-
وَفَكَكْنَا غُلّ امْرِئِ القَيْسِ عَنْهُ ... بَعْدَمَا طَالَ حَبْسُهُ وَالعَنَاءُ
يقول: وخلصنا امرأ القيس من حبسه وعنائه بعدما طال عليه.
٥٩-
وَمَعَ الْجَونِ جَوْنِ آلِ بَني الأَوْ ... سِ عَنُودٌ كَأَنَّهَا دَفْوَاءُ
يقول: وكانت مع الجون كتيبة شديدة العناد كأنها في شوكتها وعُدَّتها هضبة دَفِئَة. والجون الثاني بدل من الأول، والأول في التقدير محذوف كقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] .
٦٠-
مَا جَزِعْنَا تَحْتَ العَجَاجَةِ إِذْ وَلّـ ... وا شِلالًا وإِذ تَلَظّى الصِّلاء
العجاجة: الغبار. تلظى: تلهب. الصِّلاء والصِلَى: مصدر صليت بالنار أصلى إذا نالك حرها.
يقول: ما جزعنا تحت غبار الحرب حين تولوا في حال الطراد ولا حين تلهب نار الحرب.
٦١-
وَأَقْدْنَاهُ رَبَّ غَسّانَ بِالْمُنْـ ... ـذِرِ كَرْهًا إِذْ لا تُكَالُ الدِّمَاءُ
أقدته: أعطيته القَوَد١.
يقول: وأعطيناه ملك غسان قودًا بالمنذر حين عجز الناس عن الاقتصاص وإدراك الأثآر، وجعل كيل الدماء مستعارًا للقصاص، وهذه هي الآية الثالثة.
٦٢-
وَأَتْيْناهُمُ بِتِسْعَةِ أَمْلا ... كٍ كِرام أَسْلابُهُمْ أَغْلاءُ
يقول: وأتيناهم بتسعة من الملوك وقد أسرناهم وكانت أسلابهم غالية الأثمان لعظم أخطارهم وجلالة أقدارهم. الأسلاب: جمع السلب وهو الثياب والسلاح والفرس.
٦٣-
وَوَلدْنَا عَمْرَو بنَ أُمّ أُنَاسٍ ... مِنْ قَريبٍ لَمّا أَتَانَا الْحِبَاءُ
стр. 304
يقول: وولدنا هذا الملك بعد زمان قريب لما أتانا الْحِباء، أي زوّجنا أمه من أبيه لما أتانا مهرها، يريد إنا أخوال هذا الملك.
٦٤-
مِثْلُهَا تُخْرِجُ النّصِيحَةَ للقَوْ ... مِ فَلاةٌ مِنْ دُونِهَا أَفْلاءُ
يقول: مثل هذه القرابة تستخرج النصيحة للقوم الأقارب قربى أرحام يتصل بعضها ببعض كفلوات يتصل بعضها ببعض. الفلاة تجمع على الفلا ثم تجمع الفلا على الأفلاء، وتحرير المعنى: إن مثل هذه القرابة التي بيننا وبين الملك توجب النصيحة له إذ هي أرحام مشتبكة.
٦٥-
فَاتْرُكُوا الطَّيْخَ وَالتّعاشِي وَإمّا ... تَتَعَاشَوْا فَفِي التّعاشي الدّاءُ
الطَّيْخُ: التكبر. التعاشي: التعامي، وهما تكلف العَشَى والعَمَى ممن ليس به عشىً وعمىً وكذلك التفاعل إذا كان بمعنى التكلف.
يقول: فاتركوا الكبر وإظهار التجبر والجهل وإن لزمتهم ذلك ففيه الداء، يعني: أفضى بكم ذلك إلى شر عظيم.
٦٦-
وَاذْكُرُوا حِلْفَ ذِي الْمَجازِ وَمَا قُدّ ... مَ فِيهِ العُهُودُ وَالكُفَلاءُ
ذو المجاز: موضع جمع به عمرو بن هند بكرًا وتغلب وأصلح بينهما وأخذ منهما الوثائق والرهون.
يقول: واذكروا العهد الذي كان منا بهذا الموضع وتقديم الكفلاء فيه.
٦٧-
حَذَرَ الْجَوْرِ والتّعَدّي وَهَلْ يَنْـ ... ـقُضُ مَا فِي الْمَهارِقِ الأَهْوَاءُ؟
المهارق: جمع المهرق، وهو فارسي معرب، يأخذون الخرقة ويطلونها بشيء ثم يصقلونها ثم يكتبون عليها شيئًا، والمهرق: معرب مهر كرد.
يقول: وإنما تعاقدنا هناك حذر الجور والتعدي من إحدى القبيلتين فلا ينقض ما كتب في المهارق الأهواء الباطلة، يريد أن ما كتب في العهود لا تبطله أهواؤكم الضالة.
٦٨-
وَاعْلَمُوا أَنّنَا وَإِيّاكُمْ فِيـ ... ـمَا اشْتَرَطْنَا يَوْمَ اخْتَلَفْنَا سَوَاءُ
стр. 305
يقول: واعملوا أننا وإياكم في تلك الشرائط التي أوثقناها يوم تعاقدنا مستوون.
٦٩-
عَنَنًا بَاطِلًا وَظُلْمًا كَمَا تَعْـ ... ـتَرُ عَنْ حُجْرَةِ الرّبِيضِ١ الظّباءُ
العنن: الاعتراض، والفعل عَنَّ يَعِنُّ. العَتْر: ذبح العتيرة، وهي ذبيحة كانت تذبح للأصنام في رجب. الحجرة: الناحية، والجمع الْحَجْرات. وقد كان الرجل ينذر إن بلَّغ الله غنمه مائة ذبح منها واحدة للأصنام ثم ربما ضنّت نفسه بها فأخذ ظبيًا وذبحه مكان الشاة الواجبة عليها.
يقول: ألزمتمونا ذنب غيرنا عَنَنًا كما يذبح الظبي لحقٍّ وجب في الغنم.
٧٠-
أَعَلَيْنَا جُنَاحُ كِنْدَةَ أَنْ يَغْـ ... ـنَمَ غَازِيهِمُ وَمِنَّا الْجَزَاءُ
الجناح: الإثم.
يقول: أعلينا ذنب كندة أن يغنم غازيهم منكم ومنا يكون جزاء ذلك؟ يوبخهم ويعيرهم أن كندة غزتهم فغنمت منهم، وأنّا يلزمنا جزاء ذلك.
٧١-
أَمْ عَلَيْنَا جَرّى إيادٍ كَمَا نِيـ ... ـطَ بِجَوْزِ الْمُحَمَّلِ الأَعْبَاءُ
الجراء والْجَرَّى بالمد والقصر: الجناية. النَّوطُ: التعليق. الجوز: الوسط، والجمع الأجواز. العبء: الثقل.
يقول: أم علينا جناية إياد؟ ثم قال: ألزمتمونا ذلك كما تعلق الأثقال على وسط البعير المحمل.
٧٢-
لَيسَ منّا الْمَضَرَّبُونَ وَلا قَيْـ ... ـسٌ وَلَا جَنْدَلٌ وَلَا الْحَدَّاءُ
يقول: هؤلاء المضربون ليسوا منا، عيّرهم بأنهم منهم.
٧٣-
أَمْ جَنَايَا بَنِي عتيق فَإِنَّا ... مِنْكُمُ إِنْ غَدَرْتُمْ بُرَآءُ
يقول: أم علينا جنايا بني عتيق؟ ثم قال: إن نقضتم العهد فإنا برآء منكم.
٧٤-
وَثَمَانُونَ مِنْ تَمِيمٍ بِأَيْدِيـ ... ـهِمْ رِمَاحٌ صُدُورُهُنّ القَضَاءُ
стр. 306
القضاء: القتل.
يقول: وغزاكم ثمانون من بني تميم بأيديهم رماح أسنتها القتل، أي القاتلة. وصدر كل شيء: أوله.
٧٥-
تَرَكُوهُمْ مُلَحَّبِينَ وَآَبُوا ... بِنِهَابٍ يُصِمُّ مِنْهَا الْحُدَاءُ
التلحيب: التقطيع. الأوب والإياب: الرجوع.
يقول: تركت بنو تميم هؤلاء القوم مقطعين بالسيوف وقد رجعوا إلى بلادهم مع غنائم يصم حداء حداتها آذان السامعين، أشار بذلك إلى كثرتها.
٧٦-
أَمْ عَلَيْنَا جَرّى حَنيفَةَ أَمْ مَا ... جَمّعَتْ مِنَ مُحَارِبٍ غَبْرَاءُ
يقول: أم علينا جناية بني حنيفة أم جناية ما جمعت الأرض أو السنة الغبراء من محارب.
٧٧-
أَمْ عَلَيْنَا جَرحى قُضَاعَةَ أَمْ لَيْـ ... ـسَ عَلَيْنَا فِيمَا جَنَوا أَنْدَاءُ
يقول: أم علينا جناية قضاعة؟ بل ليس علينا في جنايتهم ندى، أي لا تلحقنا ولا تلزمنا تلك الجناية.
٧٨-
ثُمَّ جَاءوا يَسْتَرْجِعُونَ فَلَمْ تَرْ ... جِعْ لَهُمْ شَامَةٌ وَلا زَهْرَاءُ
يقول: ثم جاءوا يسترجعون الغنائم فلم ترد عليهم شاة زهراء، أي بيضاء، ولا ذات شامة، هذه الأبيات كلها تعيير لهم وإبانة عن تعديهم وطلبهم المحال؛ لأن مؤاخذة الإنسان بذنب غيره ظلم صراح.
٧٩-
لَمْ يُحِلّوا بَنِي رَزَاحٍ بِبَرْقَا ... ءِ نِطَاعٍ لَهُمْ عَلَيْهِمْ دُعَاءُ
أحللته: جعلته حلالًا.
يقول: ما أحل قومنا محارم هؤلاء القوم وما كان منهم دعاء على قومنا، يعيرهم بأنهم أحلوا محارم هؤلاء القوم بهذا الموضع فدعوا عليهم.
٨٠-
ثُمَّ فَاءُوا مِنْهُمْ بِقاصِمَةِ الظَّهْـ ... ـرِ وَلَا يَبْرَدُ الغَليلَ الْمَاءُ
الفيء: الرجوع، والفعل فاء يفيء.
стр. 307
يقول: ثم انصرفوا منهم بداهية قصمت ظهورهم وغليل أجواف لا يسكنه شرب الماء لأنه حرارة الحقد لا حرارة العطش، يريد أنهم فاءوا وقتلوا ولم يثأروا بقتلاهم.
٨١-
ثُمَّ خَيْلٌ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ مَعَ الغَلّا ... قِ لَا رَأفَةٌ وَلَا إِبْقَاُء
يقول: ثم جاءتكم خيل من الغلاق فأغارت عليكم ولم ترحمكم، ولم تُبْقِ عليكم.
٨٢-
وَهُوَ الرّبّ والشّهيدُ عَلَى يَوْ ... مِ الْحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ
يقول: وهو الملك والشاهد على حسن بلائنا يوم قتالنا بهذا الموضع والعناء عناء، أي قد بلغ الغاية، يريد عمرو بن هند فإنه شهد عناءهم هذا، والله أعلم.
стр. 308
الفهارس
...
محتوى الكتاب
مقدمة ٥
ترجمة امرئ القيس؟ - ٥٦٥م ١٥
معلقة امرئ القيس ٣٥
طرفة بن العبد ٧٩
ترجمة طرفة بن العبد ٨٣
معلقة طرفة بن العبد ٨٩
زهير بن أبي سلمى ١٢١
ترجمة زهير بن أبي سلمى ١٢٣
معلقة زهير بن أبي سلمى ١٣٣
لبيد بن ربيعة ١٥٣
ترجمة لبيد بن ربيعة ١٥٥
معلقة لبيد بن ربيعة ١٧١
عمرو بن كلثوم ٢٠٣
ترجمة عمرو بن كلثوم ٢٠٥
معلقة عمرو بن كلثوم ٢١٥
عنترة بن شداد ٢٣٧
ترجمة عنترة بن شداد ٢٣٩
معلقة عنترة بن شداد ٢٤٥
стр. 309
الحارث بن حلزة اليشكري ٢٦٧
معلقة الحارث بن حلزة ٢٦٩
محتوى الكتاب ٢٨٧