← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11254

شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث

ابن عثيمين

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

متن المنظومة البيقونية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّياً ... على مُحمَّدٍ خَيِر نبيْ أُرسلا ٢ - وذِي مِنَ أقسَامِ الحديث عدَّة ... وكُلُّ واحدٍ أتى وحدَّه ٣ - أوَّلُها "الصحيحُ" وهوَ ما اتَّصَل ... ْإسنادُهُ ولْم يُشَذّ أو يُعلّ ٤ - يَرْويهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ ... مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلهِ ٥ - وَ"الَحسَنُ" الَمعْرُوفُ طُرْقاً وغَدَتْ ... رِجَالُهُ لا كالصّحيحِ اشْتَهَرَتْ ٦ - وكُلُّ ما عَنْ رُتبةِ الُحسْنِ قَصْر ... فَهْوَ "الضعيفُ" وهوَ أقْسَاماً كُثُرْ ٧ - وما أُضيفَ للنبي "الَمرْفوعُ" ... وما لتَابِعٍ هُوَ "المقْطوعُ" ٨ - وَ"الُمسْنَدُ" الُمتَّصِلُ الإسنادِ مِنْ ... رَاويهِ حتَّى الُمصْطفى ولْم يَبنْ ٩ - ومَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِل ... ْإسْنَادُهُ للمُصْطَفى فَ"الُمتَّصلْ" ١٠-"مُسَلْسَلٌ" قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أتَى ... مِثْلُ أمَا والله أنْبأنِي الفتى ١١ - كذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قائِما ... ًأوْ بَعْدَ أنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا ١٢ - "عَزيزٌ" مَروِيُّ اثنَيِن أوْ ثَلاثهْ ... "مَشْهورٌ" مَرْوِيُّ فَوْقَ ما ثَلاثهْ ١٣ - "مَعَنْعَنٌ" كَعَن سَعيدٍ عَنْ كَرَمْ ... "وَمُبهَمٌ" مَا فيهِ رَاوٍ لْم يُسَمْ ١٤ - وكُلُّ مَا قَلَّت رِجَالُهُ "عَلا" ... وضِدُّهُ ذَاكَ الذِي قَدْ "نَزَلا" ١٥ - ومَا أضَفْتَهُ إلى الأصْحَابِ مِن ... ْقَوْلٍ وفعْلٍ فهْوَ "مَوْقُوفٌ" زُكنْ ١٦ - "وَمُرْسلٌ" مِنهُ الصَّحَابُّي سَقَطْ ... وقُلْ "غَريبٌ" ما رَوَى رَاوٍ فَقطْ ١٧ - وكلُّ مَا لْم يَتَّصِلْ بِحَال ... ٍإسْنَادُهُ "مُنْقَطِعُ" الأوْصالِ ١٨ - "والُمعْضَلُ" السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَان ... ِومَا أتى "مُدَلَّساً" نَوعانِ ١٩ - الأوَّل الإسْقاطُ للشَّيخِ وأنْ ... يَنْقُلَ مَّمنْ فَوْقَهُ بعنْ وأنْ ٢٠ - والثَّانِ لا يُسْقِطُهُ لكنْ يَصِفْ ... أوْصَافَهُ بما بهِ لا يَنْعرِفْ ٢١ - ومَا يَخالِفُ ثِقةٌ فيهِ الَملا ... فـ"الشَّاذُّ" و"الَمقْلوبُ" قِسْمَانِ تَلا ٢٢ - إبْدَالُ راوٍ ما بِرَاوٍ قِسْمُ ... وقَلْبُ إسْنَادٍ لمتنٍ قِسمُ

стр. 2

٢٣ - وَ"الفَرَدُ" ما قَيَّدْتَهُ بثِقَةِ ... أوْ جْمعٍ أوْ قَصِر على روايةِ ٢٤ - ومَا بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أوْ خَفَا ... "مُعَلَّلٌ" عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا ٢٥ - وذُو اخْتِلافِ سنَدٍ أو مَتْنٍ ... "مُضْطربٌ" عِنْدَ أهيْلِ الفَنِّ ٢٦ - وَ"الُمدْرَجاتُ" في الحديثِ ما أتَتْ ... مِنْ بَعْضِ ألفاظِ الرُّوَاةِ اتَّصَلَتْ ٢٧ - ومَا رَوى كلُّ قَرِينٍ عنْ أخهْ ... "مُدَبَّجٌ" فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخهْ ٢٨ - مُتَّفِقٌ لَفْظاً وخطاً "مُتَّفقْ" ... وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا "الُمفْترقْ" ٢٩ - "مُؤْتَلِفٌ" مُتَّفِقُ الخطِّ فَقَطْ ... وضِدُّهُ "مُختَلِفٌ" فَاخْشَ الغَلَطْ ٣٠ - "والُمنْكَرُ" الفَردُ بهِ رَاوٍ غَدَا ... تَعْدِيلُهُ لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا ٣١ - "مَتُروكُهُ" مَا وَاحِدٌ بهِ انفَردْ ... وأجَمعُوا لضَعْفِه فَهُوَ كرَدّ ٣٢ - والكذِبُ الُمخْتَلَقُ المصنُوعُ ... علَى النَّبيِّ فذَلِكَ "الموْضوعُ" ٣٣ - وقَدْ أتَتْ كالَجوْهَرِ المكْنُونِ ... سَمَّيْتُهَا: مَنْظُومَةَ البَيْقُوني ٣٤ - فَوْقَ الثَّلاثيَن بأرْبَعٍ أتَت ... ْأقْسامُهَا ثمَّ بخيٍر خُتِمتْ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً. أما بعد١: فهذه مقدمة في علم مصطلح الحديث: المصطلح: علم يعرف به أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد. وفائدة علم المصطلح: هو تنقية الأدلة الحديثية وتخليصها مما يشوبها من: ضعيف وغيره، ليتمكن من الاستدلال بها لأن المستدل بالسنة يحتاج إلى أمرين هما: ١ - ثبوتها عن النبي ﷺ . ٢ - ثبوت دلالتها على الحكم. فتكون العناية بالسنة النبوية أمراً مهماً، لأنه ينبني عليها أمرٌ مهم وهو ما كلف الله به العباد من عقائد وعبادات وأخلاق وغير ذلك.

стр. 4

وثبوت السنة إلى النبي ﷺ يختص بالحديث، لأن القرآن نُقل إلينا نقلاً متواتراً قطعياً، لفظاً ومعنى، ونقله الأصاغر عن الأكابر فلا يحتاج إلى البحث عن ثبوته. ثم اعلم أن علم الحديث ينقسم إلى قسمين: ١ - علم الحديث رواية. ٢ - علم الحديث دراية. فعلم الحديث رواية يبحث عما ينقل عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وأحواله. ويبحث فيما يُنقل لا في النقل. مثاله: إذا جاءنا حديث عن النبي ﷺ فإننا نبحث فيه هل هو قول أو فعل أو حال؟ وهل يدل على كذا أو لا يدل؟ فهذا هو علم الحديث رواية، وموضوعه البحث في ذات النبي ﷺ وما يصدر عن هذه الذات من أقوال وأفعال وأحوال، ومن الأفعال الإقرار، فإنه يعتبر فعلاً، وأما الأحوال فهي صفاته كالطول والقِصَر واللون، والغضب والفرح وما أشبه ذلك. أما علم الحديث دراية فهو: علم يُبحث فيه عن أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد. مثاله: إذا وجدنا راوياً فإنا نبحث هل هذا الراوي مقبول أم مردود؟ أما المروي فإنه يُبحث فيه ما هو المقبول منه وما هو المردود؟ وبهذا نعرف أن قبول الراوي لا يستلزم قبول المروي؛ لأن السند قد يكون رجاله ثقاةً عدولاً، لكن قد يكون المتن شاذًّا أو معللاً فحينئذ لا نقبله. كما أنه أحياناً لا يكون رجال السند يصِلون إلى حد القبول

стр. 5

والثقة، ولكن الحديث نفسه يكون مقبولاً وذلك لأن له شواهد من الكتاب والسنة، أو قواعد الشريعة تؤيده. إذن فائدة علم مصطلح الحديث هو: معرفة ما يُقبل وما يردّ من الحديث. وهذا مهمّ بحد ذاته؛ لأن الأحكام الشرعية مبنية على ثبوت الدليل وعدمه، وصحته وضعفه.

стр. 6

شرح المنظومة البيقونية شرح البسملة ... قال المؤلف ﵀: "بسم الله الرحمن الرحيم" البسملة آية من كتاب الله ، فهي من كلام الله تعالى، يُبتدأ بها في كل سورة من سور القرآن الكريم؛ إلا سورة "براءة" فإنها لا تُبدأ بالبسملة، اتباعاً للصحابة رضوان الله عليهم، ولو أن البسملة كانت قد نزلت في أول هذه السورة لكانت محفوظة كما حفظت في باقي السور، ولكنها لم تنزل على النبي ﷺ ، ولكن الصحابة أشكل عليهم، هل سورة "براءة" من الآنفال أم أنها سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلاً بينهما دون البسملة. والبسملة فيها جار ومجرور، ومضاف إليه، وصفة. فالجار والمجرور هو "بسم". والمضاف إليه هو لفظ الجلالة "الله". والصفة هي "الرحمن الرحيم". وكل جارّ ومجرور لابد له من التعلق إما بفعل كقام، أو معناه كاسم الفاعل، أو اسم المفعول مثلاً. فالبسملة متعلقة بمحذوف فما هو هذا المحذوف؟ اختلف النحويون في تقدير هذا المحذوف، لكن أحسن ما قيل فيه وهو الصحيح: أن المحذوف فعلٌ متأخرٌ مناسب للمقام. مثاله: إذا قال رجل بسم الله، وهو يريد أن يقرأ النظم فإن التقدير يكون: بسم الله اقرأ، وإذا كان الناظم هو الذي قال: بسم الله فإن التقدير يكون: بسم الله أنظم. ولماذا قدّرناه فعلاً ولم نقدّره اسم فاعلٍ مثلاً؟

стр. 7

نقول: قدّرناه فعلاً، لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بدون شرط، وما سواه من العوامل الاسمية فإنها تحتاج إلى شرط. ولماذا قدرناه متأخراً؟ نقول قدّرناه متأخراً لوجهين: ١ - التيمُّن بالبداءة باسم الله تعالى؛ ليكون اسم الله تعالى هو المقدّم، وحق له أن يُقدّم. ٢ - لإفادة الحصر؛ وذلك لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. فإذا قلت: بسم الله اقرأ، تعيَّن أنك تقرأ باسم الله لا باسم غيره. ونحن قدرناه مناسباً للمقام لأنه أدل على المقصود، ولأنه لا يخطر في ذهن المبسمل إلا هذا التقدير. مثاله: لو أنك سألت الرجل الذي قال عند الوضوء بسم الله عن التقدير في قوله: بسم الله، لقال: بسم الله أتوضأ. ولو قال قائل: أنا أُريد أن أُقدّر المتعلق بسم الله أبتدئ. فإننا نقول: لا بأس بذلك، لكن أبتدئ: فعل عام يشمل ابتداءك بالأكل والوضوء والنظم، وكما قلنا فإن هذا التقدير لا يتبادر إلى ذهن المبسمل. أما اسم فيقولون: إنه مشتق من السمو، وهو العلو. وقيل: من السمة وهي العلامة. والاسم مهما كان اشتقاقه فإنه يُراد به هنا كل اسم من أسماء الله الحسنى، أي أنه لا يُراد به اسم واحد بعينه مع أنه مفرد؛ لأن القاعدة: أن المفرد المضاف يفيد العموم، فبذلك يلزم من قولنا: بسم الله، أن

стр. 8

يكون المعنى: بكل اسم من أسماء الله الحسنى. ولهذا تجد القائل: بسم الله، لا يخطر بباله اسم معين كالرحمن والرحيم والغفور والودود والشكور ونحوها، بل هو يريد العموم ويدل على ذلك، أي على أن المفرد المضاف للعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . ولو كان المراد نعمة واحدة لما قال: ﴿لاَ تُحْصُوهَا﴾ . إذاً فالمعنى ابتدئ بكل اسم من أسماء الله . والباء في قوله: بسم الله أهي للاستعانة أم للمصاحبة؟ هناك من قال: إنها للاستعانة. ومنهم من قال: إنها للمصاحبة. وممن قال إنها للمصاحبة؛ الزمخشري صاحب الشكاف وهو معتزلي من المعتزلة، وكتابه الكشاف فيه اعتزاليات كثيرة قد لا يستطيع أن يعرفها كل إنسان، حتى قال البلقيني: أخرجت من الكشاف اعتزاليات بالمناقيش. وهذا يدل على أنها خفية. والزمخشري رجَّح أن الباء للمصاحبة، مع أن الظاهر أنها للاستعانة! لكنه رجّح المصاحبة؛ لأن المعتزلة يرون أن الإنسان مستقلٌّ بعمله فإذا كان مستقلاً بعمله فإنه لا يحتاج للاستعانة. لكن لا شك أن المراد بالباء هو: الاستعانة التي تصاحب كل الفعل، فهي في الأصل للاستعانة وهي مصاحبة للإنسان من أول الفعل إلى آخره، وقد تفيد معنى آخراً وهو التبرك إذا لم نحمل التبرك على الاستعانة، ونقول كل مستعين بشيء فإنه متبرك به. الله: لفظ الجلالة علمٌ على الذات العلية لا يسمى به غيره، وهو مشتق من الألوهية، وأصله إله لكن حذفت الهمزة، وعُوض عنها ب-"أل" فصارت "الله".

стр. 9

وقيل: أصله الإله وأنَّ "أل" موجودة في بنائه من الأصل وحُذفت الهمزة للتخفيف، كما حذفت من الناس وأصلها " الآناس" وكما حُذفت الهمزة من "خير وشر" وأصلها أخير وأشر. ومعنى الله: مأخوذة من الألوهية وهي التعبد بحب وتعظيم، يقال: ألهَ إليه أي: اشتاق إليه، وأحبه، وأناب إليه، وعظمه. فهي مشتقة من الألوهية، وهي المحبة والتعظيم. وعليه فيكون إله بمعنى مألوه، أي: معبود. وهل فِعَال تأتي بمعنى مفعول؟ نقول: نعم؛ مثل فراش بمعنى مفروش، وبناء بمعنى مبنوء. وغراس بمعنى مغروس. وأما الرحمن: فهو نعت للفظ الجلالة، وهو أيضاً اسم من أسماء الله تعالى يدل على الرحمة، وجميع الذين حدوا الرحمة حدوها بآثارها فمثلاً: أنا أرحم الصغير فما هو معنى أرحم هل هو العظف أو هو الرفق به. الجواب: لا؛ لأن العطف من آثار الرحمة، وكذلك الرفق به من آثار الرحمة. فالرحمة هي الرحمة! فلا تستطيع أن تعرِّفها أو تحددها بأوضح من لفظها. فنقول إن الرحمة معلومة المعنى، ومجهولة الكيفية بالنسبة لله ، ولكنها معلومة الاثار، فالرحمن اسم من أسماء الله تعالى يدل على صفة الرحمة. وأما الرحيم: فهو اسم متضمن للرحمة. وهل الرحيم بمعنى الرحمن، أم أنه يختلف؟

стр. 10

قال بعض العلماء: إنه بمعنى الرحمن، وعلى هذا فيكون مؤكداً لا كلاماً مستقلاً، ولكن بعض العلماء قال: إن المعنى يختلف؛ ولا يمكن أن نقول إنه بمعنى الرحمن لوجهين: ١ - أن الأصل في الكلام التأسيس لا التوكيد، يعني أنه إذا قال لنا شخص إن هذه الكلمة مؤكدة لما قبلها، فإننا نقول له إن الأصل أنها كلمة مستقلة، تفيد معنى غير الأول، وذلك لأن الأصل في التوكيد الزيادة، والأصل في الكلام عدم الزيادة. ٢ - اختلاف بناية الكلمة الأولى، وهي الرحمن على وزن فعلان، والرحيم على وزن فعيل، والقاعدة في اللغة العربية: أن اختلاف المبنى يدلُّ على اختلاف المعنى. إذاً لابد أنه مختلف، فما وجه الخلاف؟ قال بعض العلماء: إن الرحمن يدل على الرحمة العامة، والرحيم يدل على الرحمة الخاصة، لأن رحمة الله تعالى نوعان: ١ - رحمة عامة؛ وهي لجميع الخلق. ٢ - رحمة خاصة؛ وهي للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] . وبعضهم قال: الرحمن يدل على الصفة، والرحيم يدل على الفعل، فمعنى الرحمن يعني ذو الرحمة الواسعة، والمراد بالرحيم إيصال الرحمة إلى المرحوم، فيكون الرحمن ملاحظاً فيه الوصف، والرحيم ملاحظاً فيه الفعل. والقول الأقرب عندي هو: القول الثاني وهو أن الرحمن يدل على الصفة، والرحيم يدل على الفعل.

стр. 11

معنى الحمد والصلاة على النبي ﷺ ... قال المؤلف ﵀: ١ - أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّياً على ... محمدٍ خَيِر نبي أُرسلا قوله: أبدأ بالحمد: يوحي بأنه لم يذكر البسملة، فإنه لو بدأ بالبسملة؛ لكانت البسملة هي الأولى، ولذلك يشك الإنسان هل بدأ المؤلف بالبسملة أم لا؟ لكن الشارح ذكر أن المؤلف بدأ النظم بالبسملة، وبناء على هذا تكون البداءة هنا نسبية أي: بالنسبة للدخول في موضوع الكتاب أو صلب الكتاب. وقوله بالحمد مصلياً: نصَبَ مصلياً على أنه حال من الضمير في أبدأ، والتقدير حال كوني مصلياً. ومعنى الحمد كما قال العلماء: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً، فإن وصفَهُ بالكمال لا محبة ولا تعظيماً، ولكن خوفاً ورهبة سُمي ذلك مدحاً لا حمداً، فالحمد لابد أن يكون مقروناً بمحبة المحمود وتعظيمه. وقول المؤلف بالحمد: لم يذكر المحمود، ولكنه معلومٌ بقرينة الحال، لأن المؤلف مسلمٌ؛ فالحمد يقصد به حمد الله . ومعنى الصلاة على النبي ﷺ هو: طلب الثناء عليه من الله تعالى، وهذا ما إذا وقعت الصلاة من البشر، أما إذا وقعت من الله تعالى فمعناها ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وهذا هو قول أبي العالية، وأما من قال إن الصلاة من الله تعالى تعني الرحمة، فإن هذا القول ضعيفٌ، يضعّفُه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَ-ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] . ولو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لكان معنى الاية أي: أولئك عليهم رحماتٌ من ربهم ورحمة، وهذا لا يستقيم! والأصل في

стр. 12

الكلام التأسيس؛ فإذا قلنا إن المعنى أي: رحمات من ربهم ورحمة، صار عطف مماثل على مماثل. فالصحيح هو: القول الأول وهو أن صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. وقوله محمد خير نبي أُرسلا: محمد: هو اسمٌ من أسماء النبي ﷺ ، وقد ذكر الله تعالى اسمين من أسماء النبي ﷺ في القرآن الكريم وهما: أحمد. ومحمد. أما أحمد: فقد ذكره نقلاً عن عيسى ﵊، وقد اختار عيسى ذلك؛ إما لأنه لم يُوح إليه إلا بذلك، وإما لأنه يدل على التفضيل، فإن أحمد اسم تفضيل في الأصل، كما تقول: فلان أحمد الناس، فخاطب بني إسرائيل ليبين كمالَهُ. أما محمد فهو اسم مفعول من حمده، ولكن الأقرب أن الله تعالى أوحى إليه بذلك لسببين هما: ١ - لكي يبين لبني إسرائيل أن النبي ﷺ هو أحمدُ الناس وأفضلهم. ٢ - لكي يبتلي بني إسرائيل ويمتحنهم، وذلك لأن النصارى قالوا: إن الذي بشرنا به عيسى هو أحمد، والذي جاء للعرب هو محمد، وأحمد غير محمد، فإن أحمد لم يأتِ بعدُ، وهؤلاء قال الله فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ . [آل عمران: ٧] . ولكن نقول لهم: إن قولكم أنه لم يأتِ بعدُ؛ كذب لأن الله تعالى قال في نفس الاية ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَ-تِ قَالُواْ هَ-ذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ . [الصف: ٦] .

стр. 13

و"جاء" فعلٌ ماضي، يعني أن أحمد جاء، ولا نعلم أن أحداً جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ . وبين محمد وأحمد فرق في الصيغة والمعنى: أما في الصيغة: فمحمد: اسم مفعول، وأحمد: اسم تفضيل. أما الفرق بينهما في المعنى: ففي محمد: يكون الفعل واقعاً من الناس. أي: أن الناس يحمدونه. وفي أحمد: يكون الفعل واقعاً منه، يعني أنه ﷺ أحمدُ الناس لله تعالى، يكون واقعاً عليه يعني أنه هو أحقُ الناس أن يُحمد. فيكون محمدٌ حُمدَ بالفعل. وأحمد أي كان حمده على وجه يستحقه؛ لأنه أحقُّ الناس أن يُحمد، ولعل هذا هو السر في أن الله تعالى ألهم عيسى أن يقول: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . حتى يبين لبني إسرائيل أنه أحمدُ الناس لله تعالى، وأنه أحقُّ الناس بأن يُحمد. وقوله خير نبي أرسلا: جمع المؤلف هنا بين النبوة والرسالة، لأن النبي مشتق مع النبأ فهو فعيلٌ بمعنى مفعول، أو هو مشتق من النبوة أي نبا ينبوا إذا ارتفع، والنبي لا شك أنه رفيع الرتبة، ومحمد ﷺ أكمل منْ أرسل وأكمل من أنبىء، ولهذا قال محمد خير نبي أرسلاً. والمؤلف هنا قال نبي أُرسلا: ولم يقل خير رسول أُرسلا، وذلك لأن كل رسول نبي، ودلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة اللزوم؛ لأن من لازم كونه رسولاً أن يكون نبيًّا، فإذا ذُكر اللفظ صريحاً كان ذلك أفصح في الدلالة على المقصود، فالجمع بين النبوة والرسالة نستفيد منه أنه نصّ على النبوة، ولو اقتُصر على الرسالة لم نستفد معنى النبوة إلا

стр. 14

عن طريق اللزوم، وكون اللفظ دالاً على المعنى بنصه أولى من كونه دالاً باستلزامه. كما في حديث البراء بن عازب ﵁ عند تعليم النبي ﷺ له دعاء النوم فلما أعاد البراء بن عازب ﵁ الدعاء قال: وبرسولك الذي أرسلت. فقال له النبي ﷺ : "لا؛ قل: وبنبيك الذي أرسلت" ١. لأجل أن تكون الدلالة على النبوة دلالة نصيَّة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: أنه إذا قال: خير رسول: فإن لفظ الرسول يشمل الرسول الملكي وهو جبريل ﵇، ويشمل الرسول البشري وهو محمد ﷺ ، لكن! على كل حال في كلام المؤلف كلمة: محمد تخرج منه جبريل ﵇. والألف في قوله: أُرسلا يُسميها العلماء ألف الإطلاق، أي: إطلاق الروي.

стр. 15

أقسام الحديث قال المؤلف ﵀: وذي من أقسامِ الحديث عدَّه ... وكلُّ واحدٍ أتى وحَدَّه قوله "ذي" اسم إشارة. والمشار إليه: ما ترتب في ذهن المؤلف. إن كانت الإشارة قبل التصنيف وإن كانت الإشارة بعد التصنيف، فالمشار إليه هو الشيء الحاضر الموجود في الخارج. فما المراد بالحديث هنا، أعلمُ الدراية أم علم الرواية؟ نقول المراد بقوله "أقسام الحديث" هنا علم الدراية. وقوله "عدَّه" أي عدد ليس بكثير. وقوله "وكل واحد أتى وحدَّه" أي أن كل واحد من هذه الأقسام جاء به المؤلف. وقوله "أتى وحدَّه" الواو هنا واو المعيَّة، و"حدَّه" مفعول معه، وهنا قاعدة وهي: إذا عُطف على الضمير المستتر فالأفصح أن تكون الواو للمعية ويُنصب ما بعدها. فإذا قلت: محمدٌ جاء وعليًّا، فإنه أفصح من قولك: محمدٌ جاء وعلي. لأن واو المعية تدل على المصاحبة، فالمصحوب هو الضمير. ومعنى "حدَّه" أي تعريفه، والحدُّ: هو التعريف بالشيء. ويشترط في الحد أن يكون مطرد وأن يكون منعكساً، يعني أن الحدّ يُشترط ألا يخرج عنه شيء من المحدود، وألا يدخل فيه شيء من غير المحدود. فمثلاً: إذا حددنا الإنسان كما يقولون: أنه حيوانٌ ناطق، وهذا الحدُّ يقولون: إنه مطرد، ومنعكس.

стр. 16

فقولنا: "حيوانٌ" خرج به ما ليس بحيوان كالجماد. وقولنا: "ناطق" خرج به ما ليس بناطق كالبهيم، فهذا الحد الآن تام لا يدخل فيه شيء من غير المحدود ولا يخرج منه شيء من المحدود. ولو قلنا: إن الإنسان حيوان فقط؛ فهذا لا يصح! لماذا؟ لأنه يدخل فيه ما ليس منه، فإننا إذا قلنا إن الإنسان حيوانٌ لدخل فيه البهيم والناطق. وإذا قلنا: إن الإنسان حيوانٌ ناطق عاقل، فهذا لا يصح أيضاً؛ لأنه يخرج منه بعض أفراد المحدود وهو المجنون. إذاً فلابد في الحد أن يكون مطرداً منعكساً. وإذا قلنا في الوضوء: إنه غسل الأعضاء الأربعة فقط، فهذا لا يصح، فلابد أن تقول: على صفة مخصوصة، لأنك لو غسلت هذه الأعضاء غير مرتبة لم يكن هذا وضوءاً شرعيًّا. ولو قلت: الوضوء هو غسل الأعضاء الأربعة ثلاثاً على صفة مخصوصة، فإن هذا أيضاً لا يصح، لأنه يخرج منه بعض المحدود، فإنه يخرج منه الوضوء، إذا كان غسل الأعضاء فيه مرة واحدة. وعلى كل حال فالحد هو التعريف، وهو: "الوصف المحيط بموصوفه، المميز له عن غيره". وشرطه: أن يكون مطرداً منعكساً، أي لا يخرج شيء من أفراده عنه، ولا يدخل فيه شيء من غير أفراده.

стр. 17

الحديث الصحيح وشروطه ... قال المؤلف ﵀: ٣ - أوَّلُها الصَّحيحُ وهوَ ما اتّصَل ... إسنَادُهُ ولَم يُشذّ أو يُعَل قوله: "أولها الصحيح" بدأ المؤلف بذكر أقسام الحديث وقدَّم الصحيح لأنه أشرف أقسام الحديث، ثم عرَّفه فقال: "وهو ما اتصل إسناده" يعني ما رُوي بإسناد متصل بحيث يأخذه كل راوي عمن فوقه، فيقول مثلاً: حدثني رقم واحد "ولنجعلها بالأرقام" قال حدثني رقم اثنين، قال حدثني رقم ثلاثة، قال حدثني رقم أربعة، فهذا النوع يكون متصلاً، لأنه يقول حدثني فكل واحد أخذ عمن روى عنه. أما إن قال حدثني رقم واحد عن رقم ثلاثة لم يكن متصلاً، لأنه سقط منه رقم اثنين فيكون منقطعاً. وقوله: "ولم يُشذَّ أو يُعَل" يعني يشترط أن لا يكون شاذًّا ولا معللاً. والشاذُّ هو: الذي يرويه الثقة مخالفاً لمن هو أرجح منه، إما في العدد، أو في الصدق، أو في العدالة. فإذا جاء الحديث بسندٍ متصلٍ لكنه شاذٌّ، بحيث يكون مخالفاً لرواية أُخرى، هي أرجح منه، إما في العدد، وإما في الصدق، وإما في العدالة؛ فإنه لا يقبل ولو كان الذي رواه عدلاً، ولو كان السند متصلاً، وذلك من أجل شذوذه. والشذوذ: قد يكون في حديث واحد، وقد يكون في حديثين منفصلين، يعني أنه لا يشترط في الشذوذ أن يكون الرواة قد اختلفوا في

стр. 18

حديث واحد، بل قد يكون الشاذ أتى في حديث آخر، مثاله: ما ورد في السنن أن النبي ﷺ نهى عن الصيام إذا انتصف شعبان١، والحديث لا بأس به من حيث السند، لكن ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه" ٢ فإذا أخذنا بالحديث الثاني الوارد في الصحيحين قلنا إن فيه دلالة على أن الصيام بعد منتصف شعبان جائز، وليس فيه شيء، لأن النهي حُدد بما قبل رمضان بيوم أو يومين، وإذا أخذنا بالأول فنقول إن النهي يبدأ من منتصف شعبان، فأخذ الإمام أحمد بالحديث الوارد في الصحيحين وهو النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقال إن هذا شاذ، يعني به حديث السنن، لأنه مخالف لمن هو أرجح منه إذ أن هذا في الصحيحين وذاك في السنن. ومن ذلك ما ورد في سنن أبي داود أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم السبت قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" ٣ فقد حكم بعض العلماء على هذا الحديث بالشذوذ، لأنه مخالف لقول النبي ﷺ لإحدى نسائه حين وجدها صائمة يوم الجمعة، فقال: "هل صمت أمس"؟ فقالت: لا، قال: "أتصومين غداً"؟ قالت: لا، قال:

стр. 19

"فأفطري" ١. وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وفيه دليل على أن صيام يوم السبت جائز ليس فيه بأس، وهنا قال بعض العلماء: إن حديث النهي عن صيام يوم السبت شاذ؛ لأنه مخالف لما هو أرجح منه، ومن العلماء من قال: لا مخالفة هنا، وذلك لإمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا مخالفة، والجمع بين الحديثين أن يقال: إن النهي كان عن إفراده، أي أنه نُهي عن صوم يوم السبت مستقلاً بمفرده، أما إذا صامه مع يوم الجمعة، أو مع يوم الأحد فلا بأس به حينئذ، ومن المعلوم أنه إذا أمكن الجمع فلا مخالفة ولا شذوذ. ومن الشذوذ: أن يخالف ما عُلم بالضرورة من الدين. مثاله: في صحيح البخاري رواية "أنه يبقى في النار فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا، فيُنشىء الله لها أقواماً فيدخلهم النار" ٢. فهذا الحديث وإن كان متصل السند فهو شاذ؛ لأنه مخالف لما عُلم بالضرورة من الدين، وهو أن الله تعالى لا يظلم أحداً، وهذه الرواية - في الحقيقة - قد انقلبت على الراوي، والصواب أنه يبقي في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا، فيُنشىء الله أقواماً فيدخلهم الجنة، وهذا فضل ليس فيه ظلم، أما الأول ففيه ظلم. على كل حال فلابد لصحة الحديث ألا يكون شاذًّا. ولو أن رجلاً ثقة عدلاً روى حديثاً على وجه، ثم رواه رجلان مثله في العدالة على وجه مخالف للأول، فماذا نقول للأول؟ نقول: الحديث الأول شاذ، فلا يكون صحيحاً وإن رواه العدل

стр. 20

الثقة. ولو روى إنسان حديثاً على وجه، ورواه إنسانٌ آخر على وجه يخالف الأول، وهذا الثاني أقوى في العدالة أو في الضبط، فيكون الأول شاذًّا. وهذه قاعدة مفيدة تفيد الإنسان فيما لو عرض له حديث، فإذا نظر في سنده وجده متصلاً، ووجد أن رجاله ثقات، ولكن إذا نظر إلى المتن وجده مخالفاً كما سبق فحينئذ نقول له احكم بأن هذا ليس بصحيح، وليس في ذمتك شيء. فإذا قال كيف أحكم عليه بأنه غير صحيح! وسنده متصل ورجاله ثقات عدول؟ فنقول له: لأن فيه علة توجب ضعفه وهي الشذوذ. قوله: "أو يُعَلَّ" معناه أي يُقدح فيه بعلة تمنع قبوله، فإذا وجدت في الحديث علة تمنع قبوله فليس الحديث بصحيح. ومعنى العلة في الأصل هي: وصفٌ يوجب خروج البدن عن الاعتدال الطبيعي. ولهذا يقال: فلانٌ فيه علة، يعني أنه عليل أي مريض، فالعلة مرض تمنع من سلامة البدن. والعلة في الحديث معناها قريبة من هذا وهي: وصفٌ يوجب خروج الحديث عن القبول. لكن هذا الشرط، يشترط فيه شرط زائد على ما قال المؤلف وهو: أن لا يُعلّ الحديث بعلةٍ قادحة، لأن الحديث قد يُعلُّ بعلةٍ لا تقدح فيه، وهذا سيأتي الكلام عليه إن شاءالله. إذاً فيشترط للحديث الصحيح شروط أخذنا منها ثلاثة وهي:

стр. 21

١ - اتصال السند. ٢ - أن يكون سالماً من الشذوذ. ٣ - أن يكون سالماً من العلة القادحة. والعلة القادحة اختلف فيها العلماء اختلافاً كثيراً!؛ وذلك لأن بعض العلماء، قد يرى أن في الحديث علة توجب القدح فيه، وبعضهم قد لا يراها علة قادحة. ومثاله: لو أن شخصاً ظن أن هذا الحديث مخالفٌ لما هو أرجح منه لقال: إن الحديث شاذ، ثم لا يقبله، فإذا جاء آخر وتأمل الحديث وجد أنه لا يخالفه، فبالتالي يحكم بصحة الحديث! لأن أمر العلة أمر خفي، فقد يخفى على الإنسان وجه ارتفاع العلة فيعلله بهذه العلة، ويأتي آخر ويتبين له وجه ارتفاع العلة فلا يعلله. لذلك قلنا لابد من إضافة قيد وهو: أن تكون العلة قادحة، والعلة القادحة هي التي تكون في صميم موضوع الحديث، أما التي تكون خارجاً عن موضوعه فهذه لا تكون علة قادحة. ولنضرب على ذلك مثلاً بحديث فضالة بن عبيد ﵁ في قصة القلادة الذهبية التي بيعت باثني عشر ديناراً، والدينار نقد ذهبي، ففُصلت فوجد فيها أكثر من اثني عشر ديناراً١. واختلف الرواة في مقدار الثمن. فمنهم من قال: اثني عشر ديناراً. ومنهم من قال: تسعة دنانير. ومنهم من قال: عشرة دنانير.

стр. 22

ومنهم من قال غير ذلك، وهذه العلة - لا شك - أنها علة تهزُّ الحديث، لكنها علة غير قادحة في الحديث، وذلك لأن اختلافهم في الثمن لا يؤثر في صميم موضوع الحديث وهو: أن بيع الذهب بالذهب، إذا كان معه غيره، لا يجوز ولا يصح. وكذلك قصة بعير جابر ﵁ -١ الذي اشتراه منه النبي ﷺ ، حيث اختلف الرواة في ثمن هذا البعير، هل هو أوقية، أو أكثر، أو أقل، فهذا الخلاف لا يعتبر علّة قادحة في الحديث، لأن موضوع الحديث هو: شراء النبي ﷺ الجمل من جابر بثمن معين، واشتراط جابر أن يحمله الجمل إلى المدينة، وهذا الموضوع لم يتأثر ولم يُصب بأي علة تقدح فيه، وغاية ما فيه أنهم اختلفوا في مقدار الثمن، وهذه ليست بعلة قادحة في الحديث. ومن العلل القادحة: أن يروي الحديث إثنان، أحدهما يرويه بصفة النفي، والاخر يرويه بصفة الإثبات، وهذا لا شك أنها علة قادحة، وسيأتي الكلام عليه إن شاءالله في الحديث المضطرب الذي اضطرب الرواة فيه على وجهٍ يتأثر به المعنى.

стр. 23

بقية شروط الصحيح ... قال المؤلف ﵀: ٤ - يَرْويهِ عَدْلٌ ضابِطٌ عَن مثله ... مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلِهِ قوله: "يرويه عدل" يعني أنه لابد أن يكون الراوي عدلاً، وهذا هو الشرط الرابع من شروط صحة الحديث. والعدل في الأصل هو: الاستقامة، إذا كان الطريق مستقيماً ليس فيه اعوجاج، يقال: هذا طريق عدل، أي: مستقيم، ومثله العصا المستقيمة يقال لها عدلة، هذا هو الأصل. لكنه عند أهل العلم هو: وصف في الشخص يقتضي الاستقامة، في الدين، والمروءة. فاستقامة الرجل في دينه ومروءته تسمى عدالة. وعلى هذا فالفاسق ليس بعدل؛ لأنه ليس مستقيماً في دينه. فلو رأينا رجلاً قاطعاً لرحمه فليس بعدل، ولو كان من أصدق الناس في نقله، لأنه غير مستقيم في دينه، وكذلك لو وجدنا شخصاً لا يصلي مع الجماعة، وهو من أصدق الناس، فإنه ليس بعدل، فما رواه لا يقبل منه. والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] . فلما أمر الله تعالى بالتبين في خبر الفاسق عُلم أن خبره غير مقبول، لا يقبلُ ولا يُرد حتى نتبين. ونحن نشترط في رواية الحديث: أن يكون الراوي عدلاً يمكن قبول خبره، والفاسق لا يقبل خبره. أما العدل فيقبلُ خبره، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ

стр. 24

مِّنكُمْ﴾ . [الطلاق: ٢] . ولم يأمرنا بإشهادهم إلا لنقبل شهادتهم، إذ أن الأمر بقبول شهادة من لا تقبل شهادته لا فائدة منه وهو لغوٌ من القول. أما المروءة فقال أهل العلم في تعريفها هو: أن يفعل ما يُجمّلُهُ ويزيُنهُ، ويدع ما يُدنّسه ويشينه. أي أن المروءة هي أن يستعمل ما يجمله أمام الناس، ويزينه ويمدحوه عليه، وأن يترك ما يدنسه ويشينه عند الناس، كما لو فعل الإنسان شيئاً أمام المجتمع وهذا الفعل مخالف لما عليه الناس، فإذا رأوا ذلك الفعل عدوه فعلاً قبيحاً، لا يفعله إلا أراذل الناس والمنحطون من السفلة، فنقول: إن هذا ليس بعدل، وذلك لأنه مروءته لم تستقم، وبفعله هذا خالف ما عليه الناس فسقطت مروءته. ومثاله الآن: لو أن رجلاً خرج في بلدنا هذا بعد الظهر، ومعه الغداء على صحن له، وصار يمشي في الأسواق، ويأكل أمام الناس في السوق، لسقطت مروءته من أعين الناس، ولصار محلاًّ للسخرية والآنتقاد من الجميع. أما إذا خرج رجلٌ عند بابه ومعه إبريق الشاي والقهوة لكي يشربه عند الباب فهل يُعد هذا من خوارم المروءة أم لا؟ نقول: إن هذا فيه تفصيل: ١ - فإن كانت العادة جرت بمثل ذلك؛ فلا يُعد من خوارم المروءة؛ لأن هذا هو عُرف الناس وهو شيء مألوف عندهم، كما يفعله بعض كبار السن عندنا الآن، وذلك إذا كان أول النهار أخرج بساطاً له عند بابه، ومعه الشاي والقهوة، وجعل يشرب أمام الناس ومن مرّ بهم قالوا له: تفضل، فهذا لا بأس به؛ لأن من عادة الناس فعله. ٢ - أما إن أتى بهذا الفعل على غير هذا الوجه، وكان الناس

стр. 25

ينتقدونه على فعله هذا، وصار من معائب الرجل واستهجن الناس هذا الفعل، صار هذا الفعل من خوارم المروءة. وقد يختلف العلماء في تعديل رجل معين - وهذه تقع كثيراً - أنظر مثلاً التهذيب، أو تهذيب التهذيب لابن حجر، أو غيره تجد أن الشخص الواحد يختلف فيه الحفاظ، فيقول أحد الحفاظ: هذا رجل لا بأس به. ويقول غيره: هو ثقة. ويقول آخر: اضرب على حديثه، ليس بشيء. فإذا اختلفوا فماذا نعمل؟ نقول: إذا اختلف العلماء في مثل هذه المسألة وغيرها، فإننا نأخذ بما هو أرجح، فإذا كان الذي وثقه أعلم بحال الشخص من غيره، فإننا نأخذ بقوله؛ لأنه أعلمُ بحاله من غيره. ولهذا لا نرى أحداً يعلم حال الشخص إلا من كان بينه وبينه ملازمة، فإذا علمنا أنّ هذا الرجل ملازم له، ووصفه بالعدالة، قلنا هو أعلم من غيره فنأخذ بقوله. وكذا ما إذا ضعَّف أحدهم رجلاً وكان ملازماً له، وهو أعرف بحاله من غيره، فإننا نأخذ بقوله. فالمهم أنه إذا اختلف حفاظ الحديث في تعديل رجل، أو تجريحه، وكان أحدهما أقرب إلى معرفة الموصوف من الاخر، فإننا نأخذ بقول من هو أقرب إليه، وأعلم بحاله من غيره. أما إن تساوى الأمران بأن كان كل واحد منهما بعيداً عن ذلك الشخص، أو جهلنا الأمر في ذلك. فقد اختلف العلماء: هل نأخذ بالتعديل، أو نأخذ بالتجريح،

стр. 26

بناء على أنه هل الأصل في الإنسان العدالة، أو الأصل فيه عدم العدالة؟ فمن قال: إن الأصل العدالة، أخذ بالعدالة. ومن قال: إن الأصل عدم العدالة، أخذ بالجرح، وردَّ روايته. وفصَّل بعضهم فقال: يقبل منهما ما كان مفسراً، والمفسَّر مثل أن يقول: المعدل الذي وصفه بالعدالة: هو عدلٌ، وما ذكر فيه من الجرح فقد تاب منه، مثل: أن يُجرح بأنه يشرب الخمر. فيقول الذي وصفه بالعدالة: هو عدل وما ذُكرَ عنه من شْرب الخمر فقد تاب منه. إذاً نُقدِّم المفسَّر، لأنه معه زيادة علم، فقد علم أنه مجروح بالأول، ثم زال عنه ما يقتضي الجرح. وإن كان الأمر بالعكس بأن قال الجارح: هذا الرجل ليس بعدل، لأنه مدمن على شرب الخمر، ففي هذه الحالة نقدِّم الجارح. وإن لم يكن أحدهما مفسِّراً، أو فَسَّرا جميعاً شيئاً عن الراوي، فهنا نقول: إن كان الجرح أو التعديل غير مفسر، فينبغي أن نتوقف إذا لم نجد مرجحاً، فالواجب التوقف في حال هذا الرجل. وليُعلم أن بعض علماء الحديث عندهم تشدد في التعديل، وبعضهم عندهم تساهل في التعديل. يعني أن بعضهم من تشدده يجرح بما لا يكون جارحاً. ومنهم من يكون على العكس فيتساهل فيعدَّل من لا يستحق التعيدل، وهذا معروف عند أهل العلم، فمن كان شديداً في الرواة فإن تعديله يكون أقرب للقبول ممن كان متساهلاً، وإن كان الحق أن يكون الإنسان قائماً بالعدل لا يشدد ولا يتساهل، لأننا إذا تشددنا فربما نرد حديثاً صحَّ عن النبي ﷺ ، بناء على هذا التشدد، وكذا ما إذا تساهل الإنسان، فربما ينسب حديثاً إلى النبي ﷺ ، وهو لم يصحّ ثبوته إليه

стр. 27

بسبب هذا التساهل. وقوله "ضابط". هو الذي يحفظ ما روى تحمّلاً وأداءً. مثل: أن يكون نبيهاً يقظاً عند تحديث الشيخ للحديث، فلا تكاد تخرج كلمة من فم الشيخ إلا وقد ضبطها وحفظها وهذا هو التحمل. أما الأداء: فأن يكون قليل النسيان، بحيث أنه إذا أراد أن يحدث بما سمعه من الشيخ، أداه كما سمعه تماماً، فلابد من الضبط في الحالين في حال التحمل، وحال الأداء. وضد الضبط هو: أن يكون الإنسان لديه غفلة عند التحمل، أو أن يكون كثير النسيان عند الأداء. ولا نقول أن لا ينسى؛ لأننا إذا قلنا: إنه يشترط أن لا ينسى، لم نأخذ عُشر ما صح عن النبي ﷺ ، ولكن المراد ألا يكون كثير النسيان، فإن كان كثير النسيان فإن حديثه لا يكون صحيحاً، لماذا؟ لاحتمال أن يكون قد نسي، والناس يختلفون في هذا اختلافاً كبيراً، لا عند التحمل ولا عند الأداء، فبعض الناس يرزقه الله فهماً وحفظاً جيداً، فبمجرد ما أن يسمع الكلمة، إلا وقد تصورها، وقد حفظها وضبطها تماماً وأودعها الحافظة عنده، على ما هي عليه تماماً، وبعض الناس يفهم الشيء خطأ ثم يُودع ما فهمه إلى الحافظة. وكذلك النسيان فإن الناس يختلفون فيه اختلافاً عظيماً، فمن الناس من إذا حفظ الحديث استودعه تماماً كما حفظه، لا ينسى منه شيئاً، وإن نسي فهو نادر، ومن الناس من يكون بالعكس. أما الأول: فمعروفٌ أنه ضابط. أما الثاني: وهو كثير النسيان فليس بضابط، ولكن يجب عليه

стр. 28

تعاهد ما تحمله أكثر مما يجب على الأول، لأنه إذا لم يتعاهده فسوف يُنسى ويضيع. فإن قال قائل هل للنسيان من علاج أو دواء؟ قلنا: نعم له دواء - بفضل الله - وهي الكتابة، ولهذا امتن الله على عباده بها فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ . [العق: ١ - ٤] . فقال "اقرأ" ثم قال: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ يعني اقرأ من حفظك، فإن لم يكن فمن قلمك، فالله ﵎ بين لنا كيف نداوي هذه العلة، وهي علة النسيان وذلك بأن نداويها بالكتابة، والآن أصبحت الكتابة أدقُّ من الأول، لأنه وجد - بحمد الله - الآن المسجِّل. وقوله: "عن مثله". أي أنه لابد أن يكون الراوي متصفاً بالعدالة والضبط، ويرويه عمن اتصف بالعدالة والضبط. فلو روى عدل عن فاسق، فلا يكون حديثه صحيحاً، وكذا إذا روى إنسان عدل جيد الحفظ، عن رجل سيء الحفظ، كثير النسيان، فإن حديثه لا يقبل، ولا يكون صحيحاً، لأنه لم يروه عن رجل ضابط مثله.

стр. 29

مباحث حديثية * المبحث الأول: تنقسم الأخبار المنقولة إلينا إلى ثلاثة أقسم: ١ - الحديث: وهو يختص بما أُضيف إلى النبي ﷺ . ٢ - الأثر: وهو يختص بما أضيف إلى من دونه، من الصحابة، أو التابعين، أو من بعدهم. ٣ - الخبر: وهو يعم الحديث والأثر. ولا يطلق الأثر على المرفوع للنبي ﷺ إلا مقيَّداً، مثل أن يقال: وفي الأثر عن النبي ﷺ ، أما عند الإطلاق فهو ما أُضيف إلى الصحابي فمن دونه. * المبحث الثاني: أحوال التلقي ثلاثة: ١ - أن يصِّرح بالسماع منه. ٢ - أن يثبت لُقيّهُ به دون السماع منه. ٣ - أن يكون معاصراً له ولكن لم يثبت أنه لقيه. فأما إذا ثبت السماع منه فقال: سمعت فلاناً أو حدثني فلان، فالاتصال واضح. أما إذا ثبت اللقي دون السماع فقال الراوي: قال فلان كذا وكذا، أو عن فلان كذا وكذا، ولم يقل سمعتُ أو حدثني، لكن قد ثبتت الملاقاة بينهما فهنا يكون متصلاً، أيضاً؛ لأنه مادام أن الراوي عدلٌ، فإنه لا ينسب إلى أحدٍ كلاماً إلا ما قد سمعه منه، هذا هو الأصل.

стр. 30

وإذا كان معاصراً له، لكنه لم يثبت أنه لقيه فهل يُحمل الحديث على الاتصال؟ قال البخاري ﵀: لا يحمل على الاتصال، حتى يثبت أنه لاقاه. وقال مسلم ﵀: بل يحمل على الاتصال؛ لأنه مادام أنه معاصٌر له ونسب الحديث إليه فالأصل أنه سمعه منه. ولكن قول البخاري أصحُّ، وهو أنه لابد أن يثبت أن الراوي قد لقي من روى عنه. ولهذا كان صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، لأن البخاري يشترط الملاقاة، أما مسلم فلا يشترطها. وذهب بعض العلماء الذين يتشددون في نقل الحديث، إلى أنه لابد من ثبوت السماع، لأنه ربما يلاقيه ولا يسمع منه، وهذا لا شك أنه أقوى، لكننا لو اشترطنا السماع لفات علينا الكثير من السنة الصحيحة. وما هو أصحُّ كتب السنة؟ وما هو أصحُّ الصحيح؟ نقول: الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، تعتبر أصح الأحاديث، فمثلاً في بلوغ المرام يقول الحافظ عقب الحديث: متفق عليه، يعني رواه البخاري ومسلم. ثم ما انفرد به البخاري، لأن شرط البخاري أقوى من شرط مسلم، وهو ثبوت اللقاء بين الراوي ومن روى عنه، بخلاف مسلم الذي اشترط المعاصرة دون الملاقاة، فكان شرط البخاري أشد وأقوى، فلذلك قالوا: إن صحيح البخاري أصحُّ من صحيح مسلم.

стр. 31

قال الناظم: تشاجرَ قومٌ في البخاري ومسلم ... لدَي وقالوا: أي ذَينٍ تَقَدمُ فقلتُ لقد فاقَ البخاريُّ صحةً ... كما فاق في حُسنِ الصناعةِ مسلمُ يعني أن مسلماً في الترتيب، وسياق طرق الحديث، أحسن من البخاري، لكن من حيث الصحة فالبخاري يفوق مسلماً. ونحن في بحث الحديث يهمنا الصحة أكثر مما يهمنا التنسيق وحسن الصناعة. فمراتب الأحاديث سبعة وهي: ١ - ما اتفق عليه البخاري ومسلم. ٢ - ما انفرد به البخاري. ٣ - ما انفرد به مسلم. ٤ - ما كان على شرطهما. وأحياناً يعبرون بقولهم: على شرط الصحيحين، أو على شرط البخاري ومسلم. ٥ - ما كان على شرط البخاري. ٦ - ما كان على شرط مسلم. ٧ - ما كان على شرط غيرهما. * المبحث الثالث: هل جميع ما اتفق عليه البخاري ومسلم صحيح؟ بمعنى أننا لا نبحث عن رواته ولا نسأل عن متونه أم لا؟ نقول: أكثر العلماء يقولون: إن ما فيهما صحيح، مفيدٌ للعلم، لأن الأمة تلقتهما بالقبول، والأمة معصومة من الخطأ، وهذا رأي ابن الصلاح، وأظنه رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن القيم ﵀.

стр. 32

وأما ما انفرد به أحدهما: فإنه صحيح، لكنه ليس كما اتفقا عليه، ولهذا انُتقدَ على البخاري بعض الأحاديث، وانتقد على مسلم أكثر، وأجاب الحفاظ عن هذا الانتقاد بوجهين: الوجه الأول: أن هذا الانتقاد يعارضه قول البخاري، أي أن المنتقد على البخاري، يعارضه قول البخاري، والبخاري إمامٌ حافظ، فيكون مقدَّماً على من بعده ممن انتقده، وكما هي العادة أنه إذا تعارض قولان لأهل العلم، فإننا نأخذ بالأرجح. فيقولون: البخاري إمام حافظ في الحديث، فإذا جاء من بعده، وقال هذا الحديث ليس بصحيح، والبخاري قد صححه، ووضعه في صحيحه، والبخاري أحفظ من هذا المنتقد، وأعلمُ منه، فقوله هذا يتعارض مع قول البخاري، وهذا الجواب مجمل. أما الجواب المفصل فهو في: الوجه الثاني: أن أهل العلم تصدوا لمن انتقد على البخاري ومسلم، وردوا عليه حديثاً حديثاً، وبهذا يزول الانتقاد على البخاري ومسلم، لكنه لا شك أنه قد يقع الوهم من بعض الرواة، في البخاري ومسلم، لكن هذا لا يقدح في نقل البخاري ومسلم له، لأن الوهم لا يكاد يسلم منه أحد، وليس من شرط عدالة الراوي أن لا يخطئ أبداً، لأن هذا غير موجود.

стр. 33

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥ - والَحسَنُ المعروفُ طُرْقاً وغَدَتْ ... رجَالُهُ لا كالصحيحِ اشتَهَرَتْ انتقل المؤلف إلى تعريف الحسن، والحسن في المنظومة هو: القسم الثاني من أقسام الحديث. ويقول في تعريفه "المعروف طرقاً" يعني المعروفة طرقه، بحيث يكون معلوماً أن هذا الراوي يروي عن أهل البصرة، وهذا عن أهل الكوفة، وهذا عن أهل الشام، وهذا عن أهل مصر، وهذا عن أهل الحجاز، وما أشبه ذلك. قوله: "وغدت رجاله لا كالصحيح" يعني أن رجاله أخف من رجال الصحيح، ولهذا قال "لا كالصحيح اشتهرت" إذاً يختلف الحسن عن الصحيح، بأن رجاله ليسوا كرجال الحديث الصحيح، والمراد أنهم ليسوا كرجال الحديث الصحيح في الضبط. ولهذا قال العلماء المتأخرون الذين بسطوا هذا الفن، كالحافظ ابن حجر ﵀: إن الفرق بين الحديث الصحيح و الحديث الحسن ، فرق واحد وهو بدل أن تقول في الصحيح تامُّ الضبط، قل في الحسن: خفيف الضبط، وإلا فبقية الشروط الموجودة في الصحيح موجودة في الحسن. وعلى هذا فتعريف الحسن هو: ما رواه عدلٌ، خفيف الضبط، بسند متصل، وخلا من الشذوذ، والعلة القادحة.

стр. 34

الضعيف وأقسامه ... قال المؤلف ﵀: ٦ - وكلُّ ما عَن رُتَبةِ الُحسنِ قَصْر ... فهَوَ الضَّعيفُ وهوَ أقْساماً كُثُرْ الحديث الضعيف هو القسم الثالث في النظم، وهو: ما خلا عن رتبة الحديث الحسن. ومعلوم أنه إذا خلا عن رتبة الحديث الحسن، فقد خلا عن رتبة الصحة، وحينئذ نقول: الحديث الضعيف: ما لم تتوافر فيه شروط الصحة والُحسن، أي ما لم يكن صحيحاً ولا حسناً، فلو رواه شخص عدل لكن ضبطه ضعيف، وليس بخفيف الضبط، فإن هذا الحديث يكون ضعيفاً، وإذا رواه بسند منقطع يكون ضعيفاً أيضاً؛ وهلمَّ جرّا. وقد ذكر المؤلف الآن ثلاثة أقسام من أقسام الحديث وهي: ١ - الصحيح. ٢ - الحسن. ٣ - الضعيف. لكن الواقع أن الأقسام خمسة على ما حرره ابن حجر وغيره: ١ - الصحيح لذاته. ٢ - الصحيح لغيره. ٣ - الحسن لذاته. ٤ - الحسن لغيره. ٥ - الضعيف. فالصحيح لذاته: هو ما تقدم تعريفه. والصحيح لغيره: هو الحسن إذا تعددت طرقه، وسُمي صحيحاً لغيره؛ لأنه إنما وصل إلى درجة الصحة من أجل تعدد الطرق. فمثلاً: إذا جاءنا حديث له أربعة أسانيد، وكل إسناد منه فيه راوي خفيف الضبط، فنقول: الآن يصل إلى درجة الصحة، وصار

стр. 35

صحيحاً لغيره. أما الحسن لذاته: فقد تقدم تعريفه١ وهو ما رواه عدل خفيف الضبط، بسند متصل، وخلا من الشذوذ، والعلة القادحة. وأما الحسن لغيره: فهو الضعيف إذا تعددت طرقه، على وجه يجبر بعضها بعضاً، فإنه يكون حسناً لغيره، لماذا؟ لأننا لو نظرنا إلى كل إسناد على انفراده لم يصل إلى درجة الحسن، لكن باجتماع بعضها إلى بعض صار حسناً. أما الضعيف فهو: ما ليس بصحيح ولا حسن. وجميع هذه الأقسام مقبولة ما عدا الضعيف، وكلها حُجة ما عدا الضعيف. وجميع هذه الأقسام يجوز نقله للناس والتحديث بها؛ لأنها كلها مقبولة، وحجة، ما عدا الضعيف، فلا يجوز نقله، أو التحدث به، إلا مبيناً ضعفه، لأن الذي ينقل الحديث الضعيف، بدون أن يبين ضعفه للناس، فهو أحد الكاذبين على النبي ﷺ ، لما روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: "من حدث عني بحديث، يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين" ٢. وفي حديث آخر: "من كذب علّي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ٣. إذاً فلا تجوز رواية الحديث الضعيف إلا بشرط واحد وهو أن يبين ضعفه للناس، فمثلاً إذا روى حديثاً ضعيفاً قال: رُوي عن النبي ﷺ

стр. 36

هذا الحديث وهو ضعيف. واستثنى بعض العلماء الأحاديث التي تُروى في الترغيب والترهيب، فأجازوا رواية الضعيف منها لكن بأربعة شروط: ١ - أن يكون الحديث في الترغيب والترهيب. ٢ - ألا يكون الضعيف شديداً، فإن كان شديداً فلا تجوز روايته، ولو كان في الترغيب والترهيب. ٣ - أن يكون الحديث له أصل صحيح ثابت في الكتاب أو السنة، مثاله: لو جاءنا حديث يرغِّب في بر الوالدين، وحديث آخر يرغب في صلاة الجماعة، وآخر يُرغب في قراءة القرآن وكلها أحاديث ضعيفة، ولكن قد ورد في بر الوالدين، وفي صلاة الجماعة، وفي قراءة القرآن أحاديث صحيحة ثابتة في الكتاب والسنة. ٤ - ألا يعتقد أن النبي ﷺ قاله، لأنه لا يجوز أن يعتقد أن النبي ﷺ قال حديثاً إلا إذا كان قد صح عنه ذلك. ولكن الذي يظهر لي: أن الحديث الضعيف لا تجوز روايته، إلا مبيناً ضعفه مطلقاً، لاسيما بين العامة، لأن العامة متى ما قلت لهم حديثاً، فإنهم سوف يعتقدون أنه حديث صحيح، وأن النبي ﷺ قاله. ولهذا من القواعد المقررة عندهم هو: أن ما قيل في المحراب فهو صواب وهذه القاعدة مقررة عند العامة، فلو تأتي لهم بأكذب حديث على وجه الأرض لصدقوك، ولهذا فالعامة سيصدقونك حتى لو بينت لهم ضعفه، لاسيما في الترغيب والترهيب، فإن العامي لو سمع أي حديث لَحفِظَهُ دون الانتباه لدرجته وصحته. والحمد لله فإن في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الصحيحة، ما يغني عن هذه الأحاديث.

стр. 37

والغريب أن بعض الوضَّاعين الذين يكذبون على رسول الله ﷺ وضعوا أحاديث النبي ﷺ في حثِّ الناس على التمسك بالسنة، وقالوا: إننا لم نكذب على الرسول ﷺ ، وإنما كذبنا له، والرسول ﷺ يقول: "من كذب علّي فليتبوأ مقعده من النار" ١ أما نحن فقد كذبنا له، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، لأنك نسبت إلى الرسول ﷺ ما لم يقله، وهذا هو الكذب عليه صراحة، وفي السنة الصحيحة غنى عما كذبت عليه.

стр. 38

قال المؤلف ﵀: ٧ - وما أُضيفيَ للنَّبي "المرفوعُ" ... وما لتابِعٍ هو "المقطوعُ" ذكر المؤلف ﵀ نوعين من أنواع الحديث وهما " المرفوع - والمقطوع " وهما القسم الرابع والخامس مما ذكر في النظم. ونقول: إن الحديث باعتبار من أسند إليه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - المرفوع. ٢ - الموقوف، ولم يذكره الناظم هنا وسيذكره فيما بعد١. ٣ - المقطوع. وتختلف هذه الثلاثة باختلاف منتهى السند. فما انتهى سنده إلى النبي ﷺ فهو المرفوع. وما انتهى إلى الصحابي فهو الموقوف. وما انتهى إلى من بعده فهو المقطوع. والمقطوع غير المنقطع كما سيأتي. فالمرفوع هو: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير. مثال القول: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢. فهذا مرفوعٌ من القول. ومثال الفعل: توضأ النبي ﷺ فمسح على خفيه. وهذا مرفوع من الفعل.

стр. 39

ومثال التقرير: قوله ﷺ للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء١. فأقرّها على ذلك، وهذا مرفوع من التقرير. وهل ما فُعل في وقته، أو قيل في وقته، يكون مرفوعاً؟ نقول: إن علم به فهو مرفوع؛ لأنه يكون قد أقر ذلك، وإن لم يعلم به فليس بمرفوع؛ لأنه لم يُضف إليه، ولكنه حُجة على القول الصحيح، ووجه كونه حُجة إقرار الله إيَّاه. والدليل على هذا: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - احتجوا بإقرار الله لهم في بعض ما يفعلونه، ولم ينكر عليهم ذلك، كما قال جابر ﵁: "كنا نعزل والقرآن ينزل"٢، وكان القرآن ينزل في عهد النبي ﷺ وكأنهم يقولون: لو كان هذا الفعل حراماً، لنهى الله عنه في كتابه، أو أوحى إلى رسوله ﷺ بذلك، لأن الله لا يقرّ الحرام. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . فهؤلاء الذين بيَّتوا ما لا يرضاه الله تعالى، من القول، قد استخفوا عن أعين الناس، ولم يعلم بهم الناس، ولكن لما كان فعلهم غير مرضي عند الله تعالى أنكر الله عليهم ذلك. فدلّ هذا على أن ما فُعل في عهد النبي ﷺ ولم ينكره الله تعالى فإنه حُجة، لكننا لا نسمّيه مرفوعاً، وذلك لأنه لا تصحُّ نسبته إلى النبي ﷺ .

стр. 40

وإنما سُمي المرفوع مرفوعاً لارتفاع مرتبته لأن السند غايته النبي ﷺ فإن هذا أرفع ما يكون مرتبة. وأما ما أضيف إلى الله تعالى من الحديث فإنه يسمى: الحديث القدسي، أو الحديث الإلهي، أو الحديث الرباني؛ لأن منتهاه إلى رب العالمين ، والمرفوع منتهاه إلى النبي ﷺ . وقوله: "وما لتابعٍ هو المقطوعُ". وهذا هو القسم السابع. والمقطوع هو: ما أضيف إلى التابعي ومن بعده، هكذا سماه أهل العلم بالحديث. سمي بذلك لأنه: منقطع في الرتبة عن المرفوع، وعن الموقوف. مثل: ما لو نُقل كلام عن الحسن البصري ﵀ فنقول عنه هذا أثرٌ مقطوع. وما أضيف إلى الصحابي نوعان: ١ - ما ثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى عندهم المرفوع حكماً. ٢ - وما لم يثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى موقوفاً. فالآثار التي تروى عن أبي بكر وعمر ﵄ أو عن أي واحد من الصحابة، نسميها موقوفة، وهذا هو الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإلا فإنه من المعلوم أنه يصح أن نقول حتى في المرفوع أنه موقوف، لأنه وقف عند النبي ﷺ ، لكن هذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح. والعلماء قالوا في الضابط في المرفوع حكماً، هو الذي ليس للاجتهاد، والرأي فيه مجال، وإنما يؤخذ هذا عن الشرع. مثل: ما إذا حدَّث الصحابي عن أخبار يوم القيامة، أو الأخبار الغيبية، فإننا نقول فيه: هذا مرفوع حكماً؛ لأنه ليس للاجتهاد فيه
следующие страницы →