هذا الحديث وهو ضعيف.
واستثنى بعض العلماء الأحاديث التي تُروى في الترغيب والترهيب، فأجازوا رواية الضعيف منها لكن بأربعة شروط:
١ - أن يكون الحديث في الترغيب والترهيب.
٢ - ألا يكون الضعيف شديداً، فإن كان شديداً فلا تجوز روايته، ولو كان في الترغيب والترهيب.
٣ - أن يكون الحديث له أصل صحيح ثابت في الكتاب أو السنة، مثاله: لو جاءنا حديث يرغِّب في بر الوالدين، وحديث آخر يرغب في صلاة الجماعة، وآخر يُرغب في قراءة القرآن وكلها أحاديث ضعيفة، ولكن قد ورد في بر الوالدين، وفي صلاة الجماعة، وفي قراءة القرآن أحاديث صحيحة ثابتة في الكتاب والسنة.
٤ - ألا يعتقد أن النبي ﷺ قاله، لأنه لا يجوز أن يعتقد أن النبي ﷺ قال حديثاً إلا إذا كان قد صح عنه ذلك.
ولكن الذي يظهر لي: أن الحديث الضعيف لا تجوز روايته، إلا مبيناً ضعفه مطلقاً، لاسيما بين العامة، لأن العامة متى ما قلت لهم حديثاً، فإنهم سوف يعتقدون أنه حديث صحيح، وأن النبي ﷺ قاله.
ولهذا من القواعد المقررة عندهم هو: أن ما قيل في المحراب فهو صواب وهذه القاعدة مقررة عند العامة، فلو تأتي لهم بأكذب حديث على وجه الأرض لصدقوك، ولهذا فالعامة سيصدقونك حتى لو بينت لهم ضعفه، لاسيما في الترغيب والترهيب، فإن العامي لو سمع أي حديث لَحفِظَهُ دون الانتباه لدرجته وصحته.
والحمد لله فإن في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الصحيحة، ما يغني عن هذه الأحاديث.
стр. 37
والغريب أن بعض الوضَّاعين الذين يكذبون على رسول الله ﷺ وضعوا أحاديث النبي ﷺ في حثِّ الناس على التمسك بالسنة، وقالوا: إننا لم نكذب على الرسول ﷺ ، وإنما كذبنا له، والرسول ﷺ يقول: "من كذب علّي فليتبوأ مقعده من النار" ١ أما نحن فقد كذبنا له، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، لأنك نسبت إلى الرسول ﷺ ما لم يقله، وهذا هو الكذب عليه صراحة، وفي السنة الصحيحة غنى عما كذبت عليه.
стр. 38
قال المؤلف ﵀:
٧ - وما أُضيفيَ للنَّبي "المرفوعُ" ... وما لتابِعٍ هو "المقطوعُ"
ذكر المؤلف ﵀ نوعين من أنواع الحديث وهما " المرفوع - والمقطوع " وهما القسم الرابع والخامس مما ذكر في النظم.
ونقول: إن الحديث باعتبار من أسند إليه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - المرفوع.
٢ - الموقوف، ولم يذكره الناظم هنا وسيذكره فيما بعد١.
٣ - المقطوع.
وتختلف هذه الثلاثة باختلاف منتهى السند.
فما انتهى سنده إلى النبي ﷺ فهو المرفوع.
وما انتهى إلى الصحابي فهو الموقوف.
وما انتهى إلى من بعده فهو المقطوع. والمقطوع غير المنقطع كما سيأتي.
فالمرفوع هو: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير.
مثال القول: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢. فهذا مرفوعٌ من القول.
ومثال الفعل: توضأ النبي ﷺ فمسح على خفيه. وهذا مرفوع من الفعل.
стр. 39
ومثال التقرير: قوله ﷺ للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء١. فأقرّها على ذلك، وهذا مرفوع من التقرير.
وهل ما فُعل في وقته، أو قيل في وقته، يكون مرفوعاً؟
نقول: إن علم به فهو مرفوع؛ لأنه يكون قد أقر ذلك، وإن لم يعلم به فليس بمرفوع؛ لأنه لم يُضف إليه، ولكنه حُجة على القول الصحيح، ووجه كونه حُجة إقرار الله إيَّاه.
والدليل على هذا: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - احتجوا بإقرار الله لهم في بعض ما يفعلونه، ولم ينكر عليهم ذلك، كما قال جابر ﵁: "كنا نعزل والقرآن ينزل"٢، وكان القرآن ينزل في عهد النبي ﷺ وكأنهم يقولون: لو كان هذا الفعل حراماً، لنهى الله عنه في كتابه، أو أوحى إلى رسوله ﷺ بذلك، لأن الله لا يقرّ الحرام.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . فهؤلاء الذين بيَّتوا ما لا يرضاه الله تعالى، من القول، قد استخفوا عن أعين الناس، ولم يعلم بهم الناس، ولكن لما كان فعلهم غير مرضي عند الله تعالى أنكر الله عليهم ذلك.
فدلّ هذا على أن ما فُعل في عهد النبي ﷺ ولم ينكره الله تعالى فإنه حُجة، لكننا لا نسمّيه مرفوعاً، وذلك لأنه لا تصحُّ نسبته إلى النبي ﷺ .
стр. 40
وإنما سُمي المرفوع مرفوعاً لارتفاع مرتبته لأن السند غايته النبي ﷺ فإن هذا أرفع ما يكون مرتبة.
وأما ما أضيف إلى الله تعالى من الحديث فإنه يسمى: الحديث القدسي، أو الحديث الإلهي، أو الحديث الرباني؛ لأن منتهاه إلى رب العالمين ، والمرفوع منتهاه إلى النبي ﷺ .
وقوله: "وما لتابعٍ هو المقطوعُ".
وهذا هو القسم السابع. والمقطوع هو: ما أضيف إلى التابعي ومن بعده، هكذا سماه أهل العلم بالحديث.
سمي بذلك لأنه: منقطع في الرتبة عن المرفوع، وعن الموقوف.
مثل: ما لو نُقل كلام عن الحسن البصري ﵀ فنقول عنه هذا أثرٌ مقطوع.
وما أضيف إلى الصحابي نوعان:
١ - ما ثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى عندهم المرفوع حكماً.
٢ - وما لم يثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى موقوفاً.
فالآثار التي تروى عن أبي بكر وعمر ﵄ أو عن أي واحد من الصحابة، نسميها موقوفة، وهذا هو الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإلا فإنه من المعلوم أنه يصح أن نقول حتى في المرفوع أنه موقوف، لأنه وقف عند النبي ﷺ ، لكن هذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
والعلماء قالوا في الضابط في المرفوع حكماً، هو الذي ليس للاجتهاد، والرأي فيه مجال، وإنما يؤخذ هذا عن الشرع.
مثل: ما إذا حدَّث الصحابي عن أخبار يوم القيامة، أو الأخبار الغيبية، فإننا نقول فيه: هذا مرفوع حكماً؛ لأنه ليس للاجتهاد فيه
стр. 41
مجال، وكذلك لو أن الصحابي فعل عبادة لم ترد بها السنة، لقلنا هذا أيضاً مرفوع حكماً.
ومثَّلوا لذلك بأن علي بن أبي طالب ﵁ صلى في صلاة الكسوف، في كل ركعة ثلاث ركوعات١، مع أن السنة جاءت بركوعين في كل ركعة٢، وقالوا: هذا لا مجال للرأي فيه، ولا يمكن فيه اجتهادٌ، لأن عدد الركعات أمرٌ توقيفي يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، فلولا أن عند علي بن أبي طالب ﵁ علماً بهذا ما صلى ثلاث ركوعات في ركعة واحدة، فهذا مرفوعٌ حكماً؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.
وكذلك إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فإنه مرفوع حكماً؛ لأن الصحابي إذا قال: من السنة، فإنما يعني به سنة الرسول ﷺ ، كقول ابن عباس ﵄ حين قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة وجهر بها، قال: لتعلموا أنها سنة، أو ليعلموا أنها سنة٣.
وكما قال أنس بن مالك ﵁: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً٤، فهذا وأمثاله يكون من المرفوع حكماً؛ لأن الصحابي لا يُضيف السنة إلا إلى سنة الرسول ﷺ .
وأيضاً لو أخبر أحدٌ من الصحابة عن الجنة والنار لقلنا: هذا
стр. 42
مرفوعٌ حكماً، إلا أنه يُشترط في هذا النوع: ألا يكون الصحابي ممن عُرف بكثرة الأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان ممن عُرفوا بذلك، فإنه لا يُعتبر له حكم الرفع؛ لاحتمال أن يكون ما نقله عن بني إسرائيل، وهؤلاء كثيرون أمثال: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فإنه أخذ جملة كبيرة عن كتب أهل الكتاب، في غزوة اليرموك، مما خلَّفه الروم أو غيرهم، لأن في هذا رخصة، فإذا عُرف الصحابي بأنه ينقل عن بني إسرائيل، فإنه لا يكون قوله مرفوعاً حكماً.
وهل ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، هل هو حجة أم لا؟
نقول: في هذا خلاف بين أهل العلم.
فمنهم من قال: بأنه حجة، بشرط ألا يُخالف نصاً، ولا صحابياً آخر، فإن خالف نصًّا أُخذ بالنص، وإن خالف صحابياً آخر أُخذ بالراجح.
ومنهم من قال: إن قول الصحابي ليس بحجة، لأن الصحابي بشر يجتهد، ويصيب ويخطئ.
ومنهم من قال: الحجة من أقوال الصحابة قول أبي بكر وعمر ﵄ لأن النبي ﷺ قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر" ١ وقال أيضاً: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا" ٢.
وأما من سواهما فليس قوله بحجة.
والذي يظهر لي أن قول الصحابي حجة إن كان من أهل الفقه
стр. 43
والعلم، وإلا فليس بحجة، لأن بعض الصحابة كان يفدُ على النبي ﷺ ، ويتلقى منه بعض الأحكام الشرعية، وهو ليس من الفقهاء، وليس من علماء الصحابة، فهذا لا يكون قوله حجة.
وهذا القول وسط بين الأقوال، وهو القول الراجح في هذه المسألة.
وما الحكم فيما إذا قال التابعي: من السنة كذا، هل له حكم الرفع أم لا؟
نقول: قد اختلف المحدثون في ذلك.
فمنهم من قال: إنه موقوف، وليس من قسم المرفوع؛ لأن التابعي لم يدرك عهد النبي ﷺ ، فلذلك لا نستطيع أن نقول أن ما سماه سنة، فيعني به سنة النبي ﷺ ، بل يحتمل أن يريد سنة الصحابة.
وقال بعض العلماء: بل هو مرفوع؛ لكنه مرسل منقطع؛ لأنه سقط منه الصحابي، ويكون المراد بالسنة عنده هي: سنة النبي ﷺ .
وعموماً فعلى كلا القولين: إن كان مرسلاً: فهو ضعيف، وذلك لعدم اتصال السند.
وإذا كان موقوفاً: فهو من باب قول الصحابي، أو فعله.
وقد تقدم الخلاف في حجية قول الصحابي، وبيان الخلاف فيه وأن القول الصحيح هو أنه حجة بثلاثة شروط:
١ - أن يكون الصحابي من فقهاء الصحابة.
٢ - ألا يخالف نصاً.
٣ - ألا يخالف قول صحابي آخر.
فإن كان ليس من فقهاء الصحابة، فقوله ليس بحجة، وإن كان
стр. 44
من فقهائهم، ولكن خالف نصاً، فالعبرة بالنص، ولا عبرة بقوله، وإن كان من فقهاء الصحابة، ولم يخالف نصاً ولكن خالفه صحابي آخر، فإننا نطلب المرجح.
كذلك من المرفوع حكماً، إذا نسب الشيء إلى عهد النبي ﷺ فقيل: كانوا يفعلون كذا في عهد النبي ﷺ ، فهذا من المرفوع حكماً.
وأمثلته كثيرة: مثل قول أسماء بنت أبي بكر ﵄ نحرنا في عهد النبي ﷺ فرساً في المدينة وأكلناه١.
فهنا لم تصرح بأن النبي ﷺ علم به، لأنها لو صرحت به لكان مرفوعاً صريحاً، فإذاً هو مرفوع حكماً.
ووجه ذلك: أنه لو كان حراماً ما أقره الله تعالى، فإقرار الله له يقتضي أن يكون حجة - وقد علمت فيما سبق - أن من العلماء من يقول: هذا ليس مرفوعاً حكماً، ولكنه حجة، وقال: إنه ليس مرفوعاً لأن النبي ﷺ لم يعلم به، لكنه حجة لأن الله تعالى علم به فأقره.
كذلك من المرفوع حكماً ما إذا قال الصحابي: روايةً.
مثاله: اتصل السند إلى الصحابي فقال: عن أبي هريرة رواية: من فعل كذا وكذا، أو من قال كذا وكذا، فإن هذا من المرفوع حكماً، لأن قول الصحابي رواية، لم يصرح أنها رواية عن النبي ﷺ ، لكن لما كان الغالب أن الصحابة يتلقون عن الرسول ﷺ ، جعله العلماء من المرفوع حكماً.
كذلك من المرفوع حكماً: إذا قال التابعي عن الصحابي: رفعه إلى النبي ﷺ ، مثل ما يقوله بعض التابعين: عن أبي هريرة يرفعه، أو
стр. 45
عن أبي هريرة رفعه، أو عن أبي هريرة يبلغ به، كل هذا من المرفوع حكماً وذلك لأنه لم يصرح فيه بنسبته إلى النبي ﷺ .
стр. 46
المسند وضابطه
...
قال المؤلف ﵀:
٨ - والُمسنَدُ الُمتَّصِلُ الإسنادِ مِنْ ... رَاويه حتى الُمصطفى ولم يَبِنْ
هذا هو القسم السادس من أقسام الحديث المذكورة في النظم، وعندنا فيما يتعلق بالسند خمسة أشياء:
١ - مُسْنَد.
٢ - مُسْنِد.
٣ - مُسْنَد إليه.
٤ - إسناد.
٥ - سَنَد.
يقول المؤلف في تعريف المسنَد: هو المتصل الإسناد، من راويه حتى المصطفى محمد ﷺ .
وقوله: "ولم يَبِنْ" هذا تفسير للاتصال، يعني لم ينقطع، فالمسند عنده إذاً هو المرفوع المتصل إسناده.
أما كونه مرفوعاً فيؤخذ من قوله: "حتى المصطفى".
أما كونه متصل الإسناد فمن قوله "المتصل الإسناد - ولم يبن" هذا هو المسند.
وعلى هذا فالموقوف ليس بمسند، لأنه غير مرفوع أي لم يتصل إلى النبي ﷺ .
وكذلك المنقطع الذي سقط منه بعض الرواة ليس بمسند، لأننا اشترطنا أن يكون متصلاً، وهذا هو ما ذهب إليه المؤلف وهو رأي جمهور علماء الحديث.
وبعضهم يقول: إن المسند أعم من ذلك، فكل ما أسند إليه
стр. 47
راويه، فهو مسند، فيشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، والمتصل، والمنقطع.
ولا شك أن هذا القول هو الذي يوافق اللغة، فإن اللغة تدل على أن المسند هو الذي أُسند إلى راويه، سواء كان مرفوعاً، أم غير مرفوع، أو كان متصلاً، أو منقطعاً، لكن الذي عليه أكثر المحدثين أن المسند هو الذي اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ .
أما "الُمسند" فهو الراوي الذي أسند الحديث إلى راويه، فإذا قال: حدثني فلان.
فالأول مسنِد.
والثاني مسنَد إليه.
يعني أن كل من نسب الحديث فهو مسنِد، ومن نُسب إليه الحديثُ فهو مسند إليه.
أما "السند" فهم رجال الحديث أي رواته، فإذا قال: حدثني فلانٌ عن فلان عن فلان، فهؤلاء هم سند الحديث؛ لأن الحديث اعتمد عليهم، وصاروا سنداً له.
أما "الإسنادُ": فقال بعض المحدثين: الإسناد هو السند، وهذا التعبير يقع كثيراً عندهم فيقولون: إسناده صحيح، ويعنون بذلك سنده أي الرواة.
وقال بعضهم: الإسناد هو نسبة الحديث إلى راويه.
يقالُ: أسند الحديث إلى فلان أي نسبه إليه.
والصحيح فيه: أنه يُطلق على هذا وعلى هذا.
فيطلق الإسناد أحياناً: على السند الذين هم الرواة.
ويطلق أحياناً: على نسبة الحديث إلى راويه، فيقال أسند الحديث
стр. 48
إلى فلان، أسنده إلى أبي هريرة، أسنده إلى ابن عباس، أسنده إلى ابن عمر وهكذا.
وهل يلزم من الإسناد أن يكون الحديث صحيحاً؟
نقول: لا؛ لأنه قد يتصل السند من الراوي إلى النبي ﷺ ، ويكون في الرواة ضعفاء، ومجهولون ونحوهم.
إذاً فليس كل مسندٍ صحيحاً، فقد يكون الحديثُ صحيحاً، وهو غير مسند، كما لو أُضيف إلى الصحابي بسند صحيح، فإنه موقوف وصحيح، لكن ليس بمسند، لأنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، وقد يكون مسنداً متصل الإسناد، لكن الرواة ضعفاء، فهذا يكون مسنداً، ولا يكون صحيحاً.
وبين المسند لغةً، وبين المسند اصطلاحاً فرق، والنسبة بينهما العموم والخصوص.
فالمسند في اللغة هو: ما أسند إلى قائله، سواء كان مرفوعاً، أو موقوفاً أو مقطوعاً.
فإذا قلت: قال فلان كذا، فهذا مسند، حتى ولو أضفته إلى واحد موجود تخاطبه الآن.
فلو قلتُ: قال فلان كذا، فهذا مسند؛ لأني أسندتُ الحديث إلى قائله.
لكن في الاصطلاح: المسندُ هو المرفوع المتصل السند.
فالمسند اصطلاحاً، أخصُّ من المسند لغة، فكل مسندٍ اصطلاحاً، فهو مسندٌ لغة، ولا عكس، فبينهما العموم والخصوص.
стр. 49
المتصل وضابطه
...
قال المؤلف ﵀:
٩ - ومَا بِسَمعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِلْ ... إسنَادُهُ للمُصْطَفَى فالُمتَّصِلْ
قوله: "المصطفى" مأخوذة من الصفوة، وهي خيار الشيء، وأصلها في اللغة "المصتفى" بالتاء.
والقاعدة: أنه إذا اجتمعت الصاد والتاء، وسبقت إحداهما بالسكون فإنها تُقلب طاءً فتصير "المصطفى".
واللام في قوله "للمصطفى" بمعنى "إلى" أي إلى المصطفى. والمتصل هو القسم السابع من أقسام الحديث المذكور في النظم.
وفي تعريفه قولان لأهل العلم:
فالمتصلُ على كلام المؤلف هو: المرفوع الذي أخذه كل راوي عمن فوقه سماعاً.
فاشترط المؤلف للمتصل شرطين:
١ - السماع بأن يسمع كل راوٍ ممن روى عنه.
٢ - أن يكون مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
لقوله "للمصطفى" يعني إلى المصطفى، وبناء على ذلك، فالموقوف، والمقطوع، لا يسمى متصلاً؛ لأن المؤلف اشترط أن يكون متصلاً إلى النبي ﷺ ، وفي المقطوع، والموقوف لم يتصل السند إلى النبي ﷺ .
وكذلك المرفوع، إذا كان فيه سقط في الرواة، فإنه لا يسمى متصلاً، لأنه منقطع.
وعلى ظاهر كلام المؤلف إذا لم يُصّرح الراوي بالسماع، أو ما يقوم مقامه، فليس بمتصل، فلابد أن يكون سماعاً، والسماع من
стр. 50
الراوي هو أقوى أنواع التحمل وهذا هو ما ذهب إليه المؤلف في تعريف المتصل.
وقيل بل المتصل هو: ما اتصل إسناده، بأخذ كل راوي عمن فوقه إلى منتهاه.
وعلى هذا فيشمل الموقوف، والمقطوع، ويشمل ما روي بالسماع وما روي بغير السماع، لكن لابد من الاتصال.
وهذا أصح من قول المؤلف وهو أن المتصل هو: ما اتصل إسناده بأن يروي كل راوي عمن فوقه، سواء كان مرفوعاً، أو موقوفاً، أو مقطوعاً، وسواء كانت الصيغة هي السماع، أو غير السماع، فكل ما اتصل إسناده يكون متصلاً.
وقد سبق لنا خلاف المحدثين حول مسألة: هل تُشترط الملاقاة أو تكفي المعاصرة وتقدم الجواب عليه١.
ولا يشترط في الاتصال أن يثبت سماع هذا الحديث بعينه منه، بل إذا ثبت سماعه منه فيكفي ذلك، إلا إذا قيل إنه لم يسمع منه إلا حديثاً واحداً وهو حديث كذا وكذا مثلاً، فإن ما سوى هذا الحديث لا يعدّ متصلاً.
كما قيل: إن الحسن البصري لم يسمع من سمرة بن جندب ﵁ إلا حديثاً واحداً وهو حديث العقيقة.
وبناء على هذا القول: إذا روى الحسن البصري عن سمرة بن جندب حديثاً، سوى حديث العقيقة فهو غير متصل.
والمسألة فيها خلاف بين العلماء، ولكن نقول: إن الحصر صعب، فكوننا نقول إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة
стр. 51
فيه نوع صعوبة جداً، حتى لو فُرض أن الحسن قال: لم أسمع سوى هذا الحديث، فإننا نقول: إن كان قد قال هذه الكلمة بعد موت سمرة، حَكَمنا بأنه لم يسمع من سمرة سواه، لأنه لا يمكن أن يسمع من سمرة بعد موته، وأما إذا كان قد قاله في حال حياة سمرة، فيحتمل أنه قال لم أسمع من سمرة سوى هذا الحديث، ثم يكون قد سمع بعد ذلك حديثاً آخر. والله أعلم.
стр. 52
المسلسل ومثاله
...
قال رحمه الله تعالى:
١٠ - مُسَلْسَلٌ قُلْ ما عَلى وَصفٍ أتَى ... مثلُ: أما والله أنبَأني الفَتى
ومن أقسام الحديث أيضاً "المسلسل" وهذا هو القسم الثامن في النظم وهو اسم مفعول من "سَلسله" إذا ربطه في سلسلة، هذا في اللغة.
وفي الاصطلاح: هو الذي اتفق فيه الرواة، فنقلوه بصيغة معينة، أو حال معينة.
يعني أن الرواة اتفقوا فيه على وصفٍ معيَّن، إما وصف الأداء، أو وصف حال الراوي أو غير ذلك.
والمسلسل من مباحث السند والمتن جميعاً؛ لأن التسلسل قد يكون فيهما، أو في أحدهما دون الآخر.
وفائدة المسلسل هو: التنبيه على أن الراوي قد ضبط الرواية، ولذلك أمثلة كثيرة منها: حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك" ١.
فقد تسلسل هذا الحديث وصار كل راوٍ إذا أراد أن يحدّث به غيره، قال لمن يحدثه هذه الجملة "إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول ... " الحديث.
فهذا مسلسل لأن الرواة اتفقوا فيه على هذه الجملة.
وكذلك لو قال: حدثني على الغداء، ثم إن هذا الراوي حدث الذي تحته وهو على الغداء فقال: حدثني فلان على الغداء، قال حدثني فلانٌ على الغداء، قال حدثني فلان على الغداء، فنُسمي هذا مسلسلاً،
стр. 53
لأن الرواة اتفقوا فيه على حال واحدة فأدّوا وهم على الغداء.
وكذلك إذا اتفق الرواة على صيغة معينة من الأداء بحيث أنهم كلهم قالوا: أنبأني فلانٌ، قال أنبأني فلان، قال: أنبأني فلان، إلى نهاية السند، فإننا نسمي هذا أيضاً مسلسلاً، لاتفاق الرواة على صيغة معين وهي "أنبأني".
قوله: "مسلسل قل ما على وصفٍ أتى".
يعني أن ما أتى على وصف واحد من الرواة، سواء كان هذا الوصف في صيغة الأداء، أو في حال الراوي، فإذا اتفق الرواة على شيء، إما في صيغة الأداء، أو حال الراوي فإن ذلك يسمى مسلسلاً.
قوله: "مثل أما والله أنبأني الفتى".
وقد تقدم هذا المثال، وذلك بأن يقول كل واحد منهم: أنبأني فلان، قال: أنبأني فلان إلى نهاية السند، فإننا نسمي هذا مسلسلاً؛ لأن الرواة اتفقوا فيه على صيغة واحدة في الأداء، ومثله ما لو اتفقوا على صيغة سمعت، أو قال، أو نحو ذلك فإن كل هذا يسمى مسلسلاً.
стр. 54
من صور المسلسل ومثالها
...
ثم قال المؤلف ﵀:
١١ - كذاكَ قدْ حدَثَنيه قائما ... أو بعدَ أن حدَّثَنِي تَبَسَّمَا
يعني أن من صور المسلسل، أن يقول الراوي: حدثني فلان قائماً، قال: حدثني فلان قائماً، قال حدثني فلان قائماً، قال: حدثني فلان قائماً وهكذا إلى نهاية السند.
ومثله ما لو قال: حدثني فلان وهو مضطجع على فراشه، ثم اتفق الرواة على مثل ذلك فإنه يكون مسلسلاً.
ومن صوره أن يقول: حدثني، ثم تبسم، ويستمر ذلك في جميع السند.
ولو أن الرواة اتفقوا في رواية حديث أبي هريرة ﵁، في قصة الرجل المجامع في نهار رمضان، الذي قال بعد أن أتته الصدقة: يا رسول الله، أعلى أفقر مني؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه١، فصار كل محدث يضحك إذا وصل إلى هذه الجملة، حتى تبدوا نواجذه، فنُسمِّي هذا أيضاً مسلسلاً، لأن الرواة اتفقوا فيه على حال واحدة وهي الضحك.
ما هي الفائدة من معرفة المسلسل؟
نقول: إن معرفة المسلسل لها فوائد هي:
أولاً: هو في الحقيقة فن طريف، حيث إن الرواة يتفقون فيه على حال معينة لاسيما إذا قال: حدثني وهو على فراشه نائمٌ، حدثني وهو يتوضأ، حدثني وهو يأكل، حدثني ثم تبسم، حدثني ثم بكى، فهذه
стр. 55
الحالة طريفة، وهي أن يتفق الرواة كلهم على حال واحدة.
ثانياً: أن في نقله مسلسلاً هكذا؛ حتى لدرجة وصف حال الراوي، فيه دليل على تمام ضبط الرواة، وأن بعضهم قد ضبط حتى حال الراوي حين رواه، فهو يزيد الحديث قوة.
ثالثاً: أنه كان التسلسل مما يقرب إلى الله، صار فيه زيادة قربة وعبادة، مثل ما في حديث معاذ ﵁ "إني أحبك فلا تدعنَّ ... " ١ فكون كل واحد من الرواة يقول للثاني إني أحبُّك، كان هذا مما يزيد في الإيمان، ويزيد الإنسان قربة إلى الله تعالى، لأن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله.
стр. 56
ثم قال المؤلف ﵀:
١٢ - عَزِيزٌ مَروي اثنيِن أو ثلاثه ... مشهورٌ مروي فوق ما ثلاثه
ذكر المؤلف في هذا البيت قسمين من أقسام الحديث وهما: العزيز والمشهور ، وبهما يتم التاسع والعاشر من أقسام الحديث التي في النظم.
العزيز في اللغة: مأخوذ من عزَّ إذا قوي، وله معاني أُخرى، منها القوة، والغلبة، والامتناع، لكن الذي يهمنا في باب المصطلح هو المعنى الأول وهو القوة.
أما في الاصطلاح فهو: ما رواه اثنان عن اثنين عن اثنين إلى أن يصل إلى منتهى السند.
والمؤلف هنا لم يشترط أن يكون مرفوعاً، فيشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، لأنه قال "مروي اثنين" ولم يقل "مروي اثنين مرفوعاً"، ولهذا فإنه لا يشترط في العزيز أن يكون مرفوعاً.
ووجه تسميته عزيزاً: لأنه قوي برواية الثاني، وكلما كثُرَ المخبرون ازداد الحديث أو الخبر قوة، فإنه لو أخبرك ثقة بخبر، ثم جاء ثقة آخر فأخبرك بنفس الخبر، ثم جاءك ثالث، ثم رابع، فأخبروك بالخبر، لكان هذا الخبر يزداد قوة بازدياد المخبر به.
وقوله "أو ثلاثة".
"أو" للتنويع، ومن حيث الصيغة يحتمل أن تكون للخلاف لكنه لما قال فيما بعد "مشهور مروي فوق ما ثلاثة" عرفنا أن "أو" هنا للتنويع يعني أن العزيز هو ما رواه اثنان عن اثنين إلى آخره، أو ما رواه ثلاثة عن ثلاثة إلى آخره. فما رواه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهى السند يعتبر - في رأي المؤلف - عزيزاً لأنه قوي بالطريقين الآخرين.
стр. 57
ولكن المشهور عند المتأخرين: أن العزيز هو: ما رواه اثنان فقط.
وأن المشهور هو: ما رواه ثلاثة فأكثر، وعلى هذا فيكون قول المؤلف "أو ثلاثة" مرجوحاً، والصواب أن العزيز هو: ما رواه اثنان فقط من أول السند إلى آخره.
أما لو رواه اثنان عن واحد عن اثنين عن اثنين إلى منتهاه فإنه لا يسمى عزيزاً، لأنه اختل شرط، في طبقة من الطبقات، وإذا اختل شرط ولو في طبقة من الطبقات اختل المشروط.
وهل العزيز شرطٌ للصحيح؟
نقول: إن العزيز ليس شرطاً للصحيح.
وقال بعض العلماء: بل إنه شرط للصحيح.
قالوا: لأن الشهادة لا تقبل إلا من اثنين، ولا شك أن الحديث عن النبي ﷺ أعظم مشهود به، ولهذا فإن من كذب على النبي ﷺ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
ولكن قد سبق لنا في كلام المؤلف أن هذا ليس بشرط وهو في قوله ... "ما اتصل إسناده ولم يُشذ أو يُعل" ولم يذكر اشتراط أن يكون عزيزاً١.
ويُجاب عن قول من قال: بأن الشهادة لا تُقبل إلا باثنين.
بأن هذا خبٌر، وليس بشهادة، والخبر يكفي فيه الواحد، بدليل أن المؤذن يؤذن، ويفطر الناس على أذانه، مع أنه واحد، لأن هذا خبر ديني يكفي فيه الواحد، ويدلُّ لهذا: أن العلماء اتفقوا على قبول حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه سمع
стр. 58
النبي ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... " ١. وهذا الحديث في ثلاث طبقات لم يُرو إلا عن واحد واحد، فدل ذلك على أنه ليس من شرط الصحيح أن يكون مروي اثنين فأكثر.
قوله: "مشهور مروي فوق ما ثلاثة".
هذا رأي المؤلف، وعلى القول الراجح نقول: مشهور مروي فوق ما اثنين، فالمشهور على كلام المؤلف هو ما رواه أربعة فصاعداً، وعلى القول الصحيح هو: ما رواه ثلاثة فصاعداً، ولم يصل إلى حد التواتر.
والمشهور يُطلق على معنيين هما:
١ - ما اشتهر بين الناس.
٢ - ما اصطلح على تسميته مشهوراً.
أما ما اشتهر بين الناس فإنه أيضاً على نوعين:
أما اشتهر عند العامة.
ب ما اشتهر عند أهل العلم.
فأما ما اشتهر عند العامة: فلا حكم له؛ لأنه قد يشتهر عند العامة بعض الأحاديث الموضوعة فهذا لا عبرة به، ولا أثر لاشتهاره عند العامة، لأن العامة ليسوا أهلاً للقبول أو الرد، حتى نقول إن ما اشتهر عندهم مقبول، ولهذا نجد كثيراً من الأحاديث المشتهرة عند العامة قد ألَّف العلماء فيها مؤلفات مثل كتاب "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث".
стр. 59
ومما اشتهر من الأحاديث عندهم "خير الأسماء ما حِّمد وعُبِّد"١ وهذا مشتهر عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث لا أصل له، ولم يصح ذلك عن النبي ﷺ ، بل قال النبي ﷺ : "أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن" ٢.
ومثله "حب الوطن من الإيمان"٣ وهو مشهور عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث موضوع مكذوب، بل المعنى أيضاً غير صحيح بل حب الوطن من التعصب.
ومثله حديث "يوم صومكم يوم نحركم"٤ وهو مشهور عند العامة، على أنه حديث صحيح، وهو لا أصل له.
ومثله ما يقال "رابعة رجب غرة رمضان فيها تنحرون" وهو حديث منمق لا أصل له، ويعني أن اليوم الرابع لرجب، هو اليوم الأول لرمضان، وهو اليوم العاشر لذي الحجة، وهو باطل غير صحيح.
والنوع الثاني هو المشهور عند العلماء فهذا يحتج به بعض العلماء وإن لم يكن له إسناد، ويقول: لأن اشتهاره عند أهل العلم، وقبولهم إياه وأخذهم به، يدل على أن له أصلاً.
ومن ذلك حديث "لا يقاد الوالد بالولد" ٥ يعني لا يُقتل الوالد
стр. 60
بالولد قصاصاً، وهو مشهور عند العلماء، فمنهم من أخذ به، وقال لأن اشتهاره عند العلماء وتداولهم إياه واستدلالهم به يدل على أن له أصلاً.
ومن العلماء من لم يعتبر بهذا.
ومنهم من فصَّل وقال: إن لم يُخالف ظاهر النص فهو مقبول. كتب عليكم
أما إن خالف ظاهر النص فهو مردود، وهذا أقرب الأقوال الثلاثة وهو: أن ما اشتهر بين العلماء يُنظر فيه، فإن لم يُخالف نصًّا فهو مقبول، وإن خالف نصًّا فليس بمقبول.
مثلاً "لا يُقاد الوالد بالولد" ١ مخالف لظاهر النص وهو قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] . الآية. بل ويخالف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ "البقرة: ١٧٨" الآية. وقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس ... " ٢. الحديث.
стр. 61
المعنعن والمبهم
...
قال المؤلف ﵀:
١٣ - معنعنٌ كعن سعيدٍ عن كَرَمْ ... ومبهمٌ ما فيه راو لم يُسَمْ
المعنعن مأخوذٌ من كلمة "عن" وهو: ما أُدي بصيغة عن.
وهذا هو القسم الحادي عشر، من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم مثل أن يقول: عن نافع عن ابن عمر ﵄ ومثل أن يقول: حدثني فلان، عن فلان، عن فلان، عن فلان.
واقتصر المؤلف على التعريف بالمثال؛ لأن التعريف بالمثال جائز، إذ أن المقصود بالتعريف هو إيضاح المعرَّف، والمثال قد يُغني عن الحد، والمثال الذي ذكره المؤلف هو "عن سعيد عن كرم" فيقول أروي هذا الحديث عن سعيد عن كرم، هذا هو المعنعن.
وهناك نوع آخر مثله وهو المؤنن، وهو ما روي بلفظ "أن"، مثل أن يقول: حدثني فلان أن فلاناً قال: أن فلاناً قال ... إلخ.
وحكم المعنعن والمؤنن هو: الاتصال، إلا ممن عُرف بالتدليس، فإنه لا يُحكم باتصاله إلا بعد أن يُصرح بالسماع في موضع آخر. ومن ثم نحتاج إلى معرفة المدلسين، وذلك لكي تستطيع أن تعرف الحديث إذا جاء بلفظ "عن"، وكان عن مدلس فإنه لا يُحكم له بالاتصال، لأن المدلس قد يُسقط الراوي الذي بينه وبين المذكور تدليساً، لأن الراوي الذي أسقطه قد يكون ضعيفاً في روايته، أو في دينه، فيُسقطه حتى يظهر السند بمظهر الصحيح، فهذا لا نحمله على الاتصال ونخشى من تدليسه، وهذا من احتياط أهل العلم لسنة النبي ﷺ ، ومن نعمة الله تعالى على هذه الأمة حيث إنهم كانوا يتحرزون أشد التحرز فيما يُنسب إلى النبي ﷺ .
قوله: "ومبهمٌ ما فيه راوٍ لم يُسم".
стр. 62
والمبهم هو: الذي فيه راو لم يسم، وهذا هو القسم الثاني عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم.
مثل أن يقول: حدثني رجل، قال: حدثني فلانٌ عن فلان عن فلان، فإننا نسمي هذا الحديث مبهماً، لأنه أُبهم فيه الراوي، وكذلك إذا قال: حدثني الثقة فإنه أيضاً يكون مبهماً، لأننا لا ندري من هو هذا الثقة فقد يكون ثقة عند المحدث، وليس بثقة عند غيره.
وكذلك إذا قال: حدثني من أثق به، فهذا أيضاً يكون مبهماً.
وكذلك إذا قال: حدثني صاحب هذه الدار فإنه يكون مبهماً ما لم يكن صاحب الدار معروفاً.
إذاً فالمبهم هو: كل ما فيه راوٍ لم يُسم، أما ما كان الحديث فيه عن رجل لم يسمَّ مثل حديث أنسٍ ﵁ قال: دخل أعرابي يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب ... الحديث١، فالأعرابي هنا مبهم، لكنه لا يدخل في التعريف الذي معنا، لأن الأعرابي هنا لم يحدث بالحديث، ولكنه تُحدِّث عنه.
إذاً فقوله "ما فيه راوٍ لم يُسمّ" معناه أي: ما كان في السند راوٍ لم يسمّ.
وحكم المبهم أن حديثه لا يُقبل، حتى يُعلم من هو هذا المبهم، وذلك لجهالتنا بحال هذا المبهم، إلا المبهم من الصحابة فإن إبهامه لا يضر، لأن الصحابة كلهم عدولٌ ثقاتٌ بشهادة الله تعالى لهم في قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] . وتزكيته إياهم في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:
стр. 63
٢٩] . وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
إذاً فحكم الحديث المبهم أنه موقوف حتى يتبين من هو هذا المبهم إلا الصحابة رضوان الله عليهم فإن المبهم منهم مقبول كما سبق بيانه.
стр. 64
العلو والنزول
...
قال المؤلف ﵀:
١٤ - وكُلُّ ما قَلّتْ رجَالُهُ "عَلا" ... وضِدُّه ذاكَ الذي قَدْ "نَزَلا"
هذان قسمان من أقسام الحديث وهما الثالث عشر والرابع عشر مما ذُكر في هذا النظم وهما العالي، والنازل.
وعلو الإسناد ونزوله من وصف الإسناد.
وينقسم العلو إلى قسمين:
١ - علو عدد، وهو ما عرّفه المؤلف بقوله "ما قلت رجاله ... إلخ" فكل ما قل رجال السند فيه فهو عالٍ، وكل ما كثر رجال السند فيه فهو نازل، وذلك لأنه إذا قلَّ عدد الرجال، قلت الوسائط، وكلما قلت الوسائط ضعف احتمال الخطأ، ويتضح هذا بالمثال:
فإذا كان الرواة زيداً، عن عمرو، عن بكر، فالخطأ يحتمل في الأول، ويحتمل في الثاني، ويحتمل في الثالث، فالاحتمالات ثلاثة، وإذا كانوا زيداً، عن عمرو، عن بكر، عن خالد، عن سفيان، صار عندنا خمسة احتمالات، ومعلوم أنه كلما قل احتمال الخطأ كان أقرب إلى القبول.
فإذا رُوي الحديث بسند بينه وبين الراوي خمسة، ورُوي من طريق آخر بينه وبين الراوي ثلاثة، فالثاني هو العالي، والأول هو النازل، لأن احتمال الخطأ في الثلاثة أقل من احتمال الخطأ في الخمسة.
وهل يلزم من علو السند عدداً أن يكون أصحَّ من النازل؟
نقول: لا يلزم ذلك، لأن هذا العدد القليل من الرواة قد يكون الرواة فيه ضعفاء، ويكون في العدد الكثير الرواة فيه ثقات أثبات، فلا يلزم من علو الإسناد عدداً، أن يكون العالي أصح، لأن اعتبار حال
стр. 65
الرجال أمرٌ مهم.
٢ - علو صفة. وذلك بأن يكون رجال السند أثبت في الحفظ والعدالة من السند الآخر.
مثاله:
إذا روي الحديث من طريق عدد رجاله ثلاثة، وروي من طريق آخر عدد رجاله ثلاثة، لكن رجال الطريق الأول أضعف من الطريق الثاني في الحفظ، والعدالة، فالثاني بلا شك أقوى وأعلى من الطريق الأول.
ولو رُوي الحديث من طريق فيه أربعة رجال، وروي من طريق آخر فيه ثلاثة رجال، لكن الطريق الأول أثبت من الطريق الثاني في العدالة والحفظ، فالأول أعلى باعتبار حال الرواة.
يعني أن الأول أعلى علو صفة، والثاني أعلى علو عدد، ففي هذه الحالة أيهما نقدم؟
نقول: نقدم الأول وهو العلو في الصفة، لأن العلو في الصفة هو الذي يُعتمد عليه في صحة الحديث، لأن العدد قد يكون مثلاً ثلاثة رواة وكلهم ثقات، فيكون الحديث صحيحاً، وقد يكون العدد عشرين راوياً، لكن كلهم ضعفاء، فلا يكون الحديث صحيحاً.
إذاً فالعلو ينقسم إلى قسمين:
١ - علو العدد وهو: ما كان فيه عدد الرجال أقل.
٢ - علو الصفة وهو: ما كان حال الرجال فيه أقوى وأعلى من جهة الحفظ والعدالة.
والمؤلف ﵀ لم يتكلم عن علو الصفة وإنما تكلم عن علو العدد.
стр. 66
الموقوف وضابطه
...
قال المؤلف ﵀:
١٥ - وما أضَفتهُ إلى الأصحابِ مِنْ ... قولٍ وفعلٍ فهو موقوفٌ زُكِنْ
هذا هو القسم الخامس عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو الموقوف.
قوله "ما" شرطية.
"أضفته إلى الأصحاب" أي ما أضفته أيها الراوي إلى الأصحاب.
والأصحاب جمع صحبٍ، وصَحْبٌ اسم جمع صاحب.
والمراد بالأصحاب هنا: أصحاب النبي ﷺ .
والصحابي هو: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به، ومات على ذلك.
حتى ولو كان الاجتماع لحظة، وهذا من خصائص النبي ﷺ أن يكون صاحبه من اجتمع به ولو لحظة.
أما غيره فلا يكون الصاحب صاحباً إلا بطول صحبة، أما مجرد أن يلاقيه في أي مكان، فلا يكون بذلك صاحباً له.
ولابد في الصحابي أن يموت مؤمناً بالنبي ﷺ حتى ولو ارتد عن الإسلام ثم رجع إليه مرة أخرى، فهو صحابي على الصحيح من أقوال أهل العلم.
إذاً فما أضفته إلى الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - فإنه يسمى عند المحدثين موقوفاً.
وقوله "زُكِنْ" يعني عُلِم.
وقوله "من قول وفعل".
يُستثنى من ذلك ما ثبت له حكم الرفع، من قول الصحابي أو
стр. 67
فعله، فإنه يكون مرفوعاً حُكماً، ولو كان من فعل الصحابي، كصلاة علي ﵁ في الكسوف ثلاث ركوعات في كل ركعة، فهذا مرفوعٌ حُكماً، لأن عدد الركوعات في ركعة واحدة، أمرٌ يتوقف فيه على الشرع، ولا مجال للاجتهاد فيه، وكذلك لو تحدث الصحابي عن أمر من أمور المستقبل، أو أمور الغيب، فإنه يُحكم له بالرفع، لأن أمور الغيب ليس للرأي فيها مجال.
стр. 68
قال المؤلف ﵀:
١٦ - ومُرْسَلٌ منْهُ الصحَابُّي سَقَطْ ... ... ... ... .... ....
هذا هو القسم السادس عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المرسل .
والمرسل في اللغة: المطلق، ومنه أرسل الناقة في المرعى، أي أطلقها.
وفي الاصطلاح عرفه الناظم بأنه: ما سقط منه الصحابي.
وعرفه بعض العلماء بأنه: ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ وهذا التعريف أدق؛ لأن ظاهر كلام المؤلف أنه إذا ذكر الصحابي فليس بمرسل، ولو كان الصحابي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كمحمد بن أبي بكر ﵄ الذي ولد في حجة الوداع وهذا ليس بجيد، فإن حديث الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ من قبيل المرسل عند المحققين.
والمرسل من أقسام الضعيف؛ لأن الواسطة بين النبي ﷺ وبين من رفعه مجهول إلا في المواضع التالية:
الأول: إذا علم الواسطة بين النبي ﷺ ومن رفعه، فيحكم بما تقتضيه حاله.
الثاني: إذا كان الرافع له صحابيًّا.
الثالث: إذا علم أن رافعه لا يرفعه إلا عن طريق صحابي.
الرابع: إذا تلقته الأمة بالقبول.
стр. 69
الغريب وتعريفه لغة واصطلاحا
...
قال المؤلف ﵀:
... ... .... .... .... ... وقُلْ غَريبٌ ما رَوى راوٍ فَقَطْ
هذا هو القسم السابع عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو الغريب.
قوله: "وقُل غريبٌ ما روى راوٍ فقط" الغريب مشتق من الغربة، والغريب في البلد هو الذي ليس من أهلها.
والغريب في الحديث هو: ما رواه راوٍ واحد فقط، حتى ولو كان الصحابي، فهو غريب، مثل أن لا نجد راو من الصحابة إلا ابن عباس ﵄ فهو غريب، أو لم نجد راوياً من التابعين إلا قتادة فهو غريب.
والغرابة إما أن تكون في: أول السند.
أو في أثنائه.
أو في آخره.
يعني قد يكون الحديث غريباً في آخر السند لم يروه إلا تابعي واحد عن الصحابة، ثم يرويه عنه عدد كبير، فيكون هذا غريباً في آخر السند، وفيما بعده قد يصل إلى حد التواتر، فحديث "إنما الأعمال بالنيات ... " ١ من الغريب، لكنه غريب في طبقة الصحابة والتابعين، وأما بعد ذلك فقد انتشر انتشاراً عظيماً.
وقد يكون غريباً في أثنائه، رواه جماعة وانفرد به عنهم واحد، ثم رواه عن جماعة، وقد يكون غريباً في أوله انفرد به واحد عن جماعة.
والغريب قد يكون صحيحاً، وقد يكون ضعيفاً، لكن الغالب على الغرائب أنها تكون ضعيفة.
стр. 70
المنقطع وضابطه
...
قال المؤلف ﵀:
١٧ - وكُلُّ ما لْم يتصلْ بحال ... إسْنَادُهُ مُنْقَطِعُ الأوصَالِ
هذا هو القسم الثامن عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المنقطع.
قوله: "وكل ما".
أي كل حديث أو كل إسناد، لكن الظاهر أن مراده كل حديث بدليل قوله: "لم يتصل إسناده" أي أن كل حديث لم يتصل إسناده بأي حال من الأحوال فإنه يسمى منقطعاً، وهذا بالمعنى العام، فإذا كان الحديث قد رواه خمسة، الأول، عن الثاني، عن الثالث، عن الرابع، عن الخامس.
ثم وجدناه مروياً عن الأول، عن الثالث، عن الرابع، عن الخامس فهو منقطع.
ولو وجدناه مروياً عن الثاني، عن الثالث، عن الرابع، عن الخامس فهو منقطع لأنه سقط أوله.
ولو رواه الأول، عن الثالث، عن الخامس فهو أيضاً منقطع.
ويقسم العلماء الانقطاع إلى أربعة أقسام:
١ - أن يكون الانقطاع من أول السند.
٢ - أن يكون الانقطاع من آخر السند.
٣ - أن يكون الانقطاع من أثناء السند بواحد فقط.
٤ - أن يكون الانقطاع من أثناء السند باثنين فأكثر على التوالي.
فأما القسم الأول وهو: إذا كان الآنقطاع من أول السند فإنه يسمى معلقاً.
стр. 71
ووجه التسمية فيه: ظاهرة؛ لأنك إذا علقت شيئاً في السقف، وهو منقطع من أسفله فلن يصل إلى الأرض، فالمعلق ما حُذف منه أول إسناده.
وهل المعلق من قسم الصحيح أو هو من قسم الضعيف؟
نقول: هو من قسم الضعيف؛ لأن من شرط الصحيح، اتصال السند، لكن ما علقه البخاري جازماً به فهو صحيح عنده، وإن لم يكن على شرطه، وإنما قلنا صحيح عنده؛ لأنه يعلّقه مستدلاً به على الحكم، ولا يمكن أن يستدل على حُكم من أحكام الله تعالى، إلا بشيء صحيح عنده، لكنه ليس على شرطه، لأنه لو كان على شرطه، لساقه بسنده حتى يُعرف، مع أنه - رحمه الله تعالى - ربما يأتي به معلقاً في باب، ومتصلاً في باب آخر.
وأما القسم الثاني وهو: أن يكون الانقطاع من آخر السند فهذا هو المرسل.
وأما القسم الثالث وهو: أن يكون الانقطاع من أثناء السند برجل واحد فهذا يسمى منقطعاً في الاصطلاح، فالمنقطع عندهم هو ما حُذف من أثناء سنده راوٍ واحد فقط.
وأما القسم الرابع وهو: أن يكون الانقطاع من أثناء السند برجلين فأكثر على التوالي فهذا يسمى معضلاً.
стр. 72
المعضل والمدلس
...
ولهذا قال المؤلف ﵀:
١٨ - والُمعْضَلُ الساقِطُ مِنْهُ اثْنَان ... ... ... ... ...
هذا هو القسم التاسع عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا وهو المعضل.
وقوله "المعضل" مبتدأ، و "الساقط" خبره. وقوله "الساقطُ منه اثنان" يعني على التوالي، لا على التفريق.
فمثلاً: إذا كان السند هم الأول، والثاني، والثالث، والرابع وسقط الثاني والثالث فهذا يسمى معضلاً، لأنه سقط راويان على التوالي، وكذلك لو سقط ثلاثة فأكثر على التوالي.
وإذا سقط منه الثاني والرابع فهذا منقطع، لأنه وإن سقط منه راويان ولكنهما ليسا على التوالي.
وإذا سقط منه الأول والأخير، فهذا معلقٌ مرسل، أي أنه معلقٌ باعتبار أول السند، ومرسلٌ باعتبار آخر السند.
وكل هذه الأقسام تعتبر من أقسام الضعيف.
وإذا وجدنا حديثين أحدهما معضل، والآخر منقطع، أو معلق، أو مرسل، فإن المعضل أشدُّ ضعفاً، لأنه سقط منه راويان على التوالي.
стр. 73
أنواع التدليس
...
قال المؤلف ﵀:
... ... ... ... ... وما أتى مُدلّساً نوعان
وقوله "وما أتى مدلساً نوعان" هذا هو القسم العشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم.
ف-"مدلساً" حال من فاعل أتى، و"نوعان" خبر المبتدأ، و"ما" اسم موصول بمعنى الذي، يعني والذي أتى مدلساً نوعان.
وقوله "مدلساً" المدلس مأخوذ من التدليس، وأصله من الدُّلسة وهي الظلمة، والتدليس في البيع هو أن يُظهر المبيع بصفةٍ أحسن مما هو عليه في الواقع، مثل أن يصري اللبن في ضرع البهيمة، أو أن يصبغ الجدار بأصباغ يظنُّ الرائي أنّه جديد، وهو ليس كذلك.
أما التدليس في الحديث فينقسم إلى قسمين: كما قال المؤلف ﵀ "وما أتى مدلساً نوعان"، وبعض العلماء يقسِّمه إلى ثلاثة أقسام.
أما على تقسيم المؤلف فهو قسمان:
الأول: ذكره بقوله:
الأول الإسقاط للشيخ وأن ... ينقلُ عمن فوقه بعن وأن
وهذا تدليس التسوية، بان يسقط الراوي شيخه، ويروي عمن فوقه بصيغة ظاهرها الاتصال.
كما لو قال: خالدٌ: إنّ عليًّا قال كذا وكذا، وبين خالد وعلي رجل اسمه محمد، وهو قد أسقط محمداً ولم يذكره، وقال إن عليًّا قال كذا وكذا.
فنقول هذا تدليس وهو في الحقيقة لم يكذب بل هو صادق، لكن
стр. 74
هناك بعض الأسباب تحمل الراوي على التدليس: كأن يريد الراوي أن يخفي نفسه لئلا يُقال عنه أنه أخذ عن هذا الشيخ مثلاً، أو أخفى ذلك لغرض سياسي، أو لأنه يخشى على نفسه من سلطان أو نحوه، أو لغير ذلك من الأسباب الأخرى، أو لأجل أن الشيخ الذي أسقطه غير مقبول الرواية، إما لكونه ضعيف الحفظ، أو لكونه قليل الدين، أو لأن شيخه الذي روى عنه أقل مرتبة منه، أو ما أشبه ذلك.
المهم أن أغراض إسقاط الشيخ كثيرة غير محصورة، لكن أسوأها أن يكون الشيخ غير عدل، فيسقطه من أجل أن يصبح الحديث مقبولاً، لأن هذا يترتب عليه أحكام شرعية كثيرة، وربما يكون الحديث مكذوباً من قبل الشيخ الساقط.
ولا يقبل حديث المدلس، ولو كان الراوي ثقة، إلا إذا صرح بالتحديث وقال: حدثني فلان، أو سمعت فلاناً، فحينئذ يكون متصلاً.
القسم الثاني: تدليس الشيوخ: وهو ألا يُسقط الشيخ ولكن يصفه بأوصاف لا يعرف بها، وإليه الإشارة بقوله:
والثاني لا يسقطه لكن يصف ... أوصافه بما به لا ينعرف
مثل أن يسمي أحد شيوخه باسم غير اسمه، أو بلقبٍ غير لقبه، وهو لا يمكن أن يُعرف إلا بذلك الذي لم يسمه به، أو يصفُهُ بصفةٍ عامة كمن يقول: حدثني من أنفه بين عينيه، أو حدثني من جلس للتحديث.
والأمر الذي دفع الراوي أن يفعل ذلك هو مثل الأغراض التي تقدمت في النوع الأول، لأنه يخفي اسم الشيخ حتى لا يوسم الحديث بالضعف، أو لأجل أن لا يرد الحديث، أو لأسباب أخرى.
стр. 75
وهذا النوع كسابقه غير مقبول إلا إذا وصف من دلسه بما يعرف به فينظر في حاله.
وهل التدليس جائز أم حرام؟
نقول: الأصل فيه أنه حرام، لأنه من الغش، وقد قال النبي ﷺ : "من غش فليس منا" ١ ولا سيما الغش في الشيء الذي ينسب إلى الرسول ﷺ ، فهذا أعظم من الغش في البيع، وإذا كان النبي ﷺ قال لصاحب الطعام الذي أخفى ما أصابته السماء: "من غش فليس منا" فما بالك بمن يغش في سند الحديث، هذا يكون أعظم وأشد، ولكن ومع ذلك فقد كان يستعمله بعض التابعين، وغير التابعين، لأغراض حسنة، ولا يريدون بذلك الإساءة إلى سنة النبي ﷺ ، ولا إلى الناس، وإنما يريدون بذلك بعض الأغراض الحسنة، ولكن هذا في الحقيقة لا يبرر لهم ما صنعوا، بل نقول: هم مجتهدون؛ لهم أجرهم على اجتهادهم، ولكن لو أصابوا وبينوا الأمر، لكان أولى وأحسن وأفضل.