← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11254

شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث

ابن عثيمين

Полный текст (111 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ووجه التسمية فيه: ظاهرة؛ لأنك إذا علقت شيئاً في السقف، وهو منقطع من أسفله فلن يصل إلى الأرض، فالمعلق ما حُذف منه أول إسناده. وهل المعلق من قسم الصحيح أو هو من قسم الضعيف؟ نقول: هو من قسم الضعيف؛ لأن من شرط الصحيح، اتصال السند، لكن ما علقه البخاري جازماً به فهو صحيح عنده، وإن لم يكن على شرطه، وإنما قلنا صحيح عنده؛ لأنه يعلّقه مستدلاً به على الحكم، ولا يمكن أن يستدل على حُكم من أحكام الله تعالى، إلا بشيء صحيح عنده، لكنه ليس على شرطه، لأنه لو كان على شرطه، لساقه بسنده حتى يُعرف، مع أنه - رحمه الله تعالى - ربما يأتي به معلقاً في باب، ومتصلاً في باب آخر. وأما القسم الثاني وهو: أن يكون الانقطاع من آخر السند فهذا هو المرسل. وأما القسم الثالث وهو: أن يكون الانقطاع من أثناء السند برجل واحد فهذا يسمى منقطعاً في الاصطلاح، فالمنقطع عندهم هو ما حُذف من أثناء سنده راوٍ واحد فقط. وأما القسم الرابع وهو: أن يكون الانقطاع من أثناء السند برجلين فأكثر على التوالي فهذا يسمى معضلاً.

стр. 72

المعضل والمدلس ... ولهذا قال المؤلف ﵀: ١٨ - والُمعْضَلُ الساقِطُ مِنْهُ اثْنَان ... ... ... ... ... هذا هو القسم التاسع عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا وهو المعضل. وقوله "المعضل" مبتدأ، و "الساقط" خبره. وقوله "الساقطُ منه اثنان" يعني على التوالي، لا على التفريق. فمثلاً: إذا كان السند هم الأول، والثاني، والثالث، والرابع وسقط الثاني والثالث فهذا يسمى معضلاً، لأنه سقط راويان على التوالي، وكذلك لو سقط ثلاثة فأكثر على التوالي. وإذا سقط منه الثاني والرابع فهذا منقطع، لأنه وإن سقط منه راويان ولكنهما ليسا على التوالي. وإذا سقط منه الأول والأخير، فهذا معلقٌ مرسل، أي أنه معلقٌ باعتبار أول السند، ومرسلٌ باعتبار آخر السند. وكل هذه الأقسام تعتبر من أقسام الضعيف. وإذا وجدنا حديثين أحدهما معضل، والآخر منقطع، أو معلق، أو مرسل، فإن المعضل أشدُّ ضعفاً، لأنه سقط منه راويان على التوالي.

стр. 73

أنواع التدليس ... قال المؤلف ﵀: ... ... ... ... ... وما أتى مُدلّساً نوعان وقوله "وما أتى مدلساً نوعان" هذا هو القسم العشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم. ف-"مدلساً" حال من فاعل أتى، و"نوعان" خبر المبتدأ، و"ما" اسم موصول بمعنى الذي، يعني والذي أتى مدلساً نوعان. وقوله "مدلساً" المدلس مأخوذ من التدليس، وأصله من الدُّلسة وهي الظلمة، والتدليس في البيع هو أن يُظهر المبيع بصفةٍ أحسن مما هو عليه في الواقع، مثل أن يصري اللبن في ضرع البهيمة، أو أن يصبغ الجدار بأصباغ يظنُّ الرائي أنّه جديد، وهو ليس كذلك. أما التدليس في الحديث فينقسم إلى قسمين: كما قال المؤلف ﵀ "وما أتى مدلساً نوعان"، وبعض العلماء يقسِّمه إلى ثلاثة أقسام. أما على تقسيم المؤلف فهو قسمان: الأول: ذكره بقوله: الأول الإسقاط للشيخ وأن ... ينقلُ عمن فوقه بعن وأن وهذا تدليس التسوية، بان يسقط الراوي شيخه، ويروي عمن فوقه بصيغة ظاهرها الاتصال. كما لو قال: خالدٌ: إنّ عليًّا قال كذا وكذا، وبين خالد وعلي رجل اسمه محمد، وهو قد أسقط محمداً ولم يذكره، وقال إن عليًّا قال كذا وكذا. فنقول هذا تدليس وهو في الحقيقة لم يكذب بل هو صادق، لكن

стр. 74

هناك بعض الأسباب تحمل الراوي على التدليس: كأن يريد الراوي أن يخفي نفسه لئلا يُقال عنه أنه أخذ عن هذا الشيخ مثلاً، أو أخفى ذلك لغرض سياسي، أو لأنه يخشى على نفسه من سلطان أو نحوه، أو لغير ذلك من الأسباب الأخرى، أو لأجل أن الشيخ الذي أسقطه غير مقبول الرواية، إما لكونه ضعيف الحفظ، أو لكونه قليل الدين، أو لأن شيخه الذي روى عنه أقل مرتبة منه، أو ما أشبه ذلك. المهم أن أغراض إسقاط الشيخ كثيرة غير محصورة، لكن أسوأها أن يكون الشيخ غير عدل، فيسقطه من أجل أن يصبح الحديث مقبولاً، لأن هذا يترتب عليه أحكام شرعية كثيرة، وربما يكون الحديث مكذوباً من قبل الشيخ الساقط. ولا يقبل حديث المدلس، ولو كان الراوي ثقة، إلا إذا صرح بالتحديث وقال: حدثني فلان، أو سمعت فلاناً، فحينئذ يكون متصلاً. القسم الثاني: تدليس الشيوخ: وهو ألا يُسقط الشيخ ولكن يصفه بأوصاف لا يعرف بها، وإليه الإشارة بقوله: والثاني لا يسقطه لكن يصف ... أوصافه بما به لا ينعرف مثل أن يسمي أحد شيوخه باسم غير اسمه، أو بلقبٍ غير لقبه، وهو لا يمكن أن يُعرف إلا بذلك الذي لم يسمه به، أو يصفُهُ بصفةٍ عامة كمن يقول: حدثني من أنفه بين عينيه، أو حدثني من جلس للتحديث. والأمر الذي دفع الراوي أن يفعل ذلك هو مثل الأغراض التي تقدمت في النوع الأول، لأنه يخفي اسم الشيخ حتى لا يوسم الحديث بالضعف، أو لأجل أن لا يرد الحديث، أو لأسباب أخرى.

стр. 75

وهذا النوع كسابقه غير مقبول إلا إذا وصف من دلسه بما يعرف به فينظر في حاله. وهل التدليس جائز أم حرام؟ نقول: الأصل فيه أنه حرام، لأنه من الغش، وقد قال النبي ﷺ : "من غش فليس منا" ١ ولا سيما الغش في الشيء الذي ينسب إلى الرسول ﷺ ، فهذا أعظم من الغش في البيع، وإذا كان النبي ﷺ قال لصاحب الطعام الذي أخفى ما أصابته السماء: "من غش فليس منا" فما بالك بمن يغش في سند الحديث، هذا يكون أعظم وأشد، ولكن ومع ذلك فقد كان يستعمله بعض التابعين، وغير التابعين، لأغراض حسنة، ولا يريدون بذلك الإساءة إلى سنة النبي ﷺ ، ولا إلى الناس، وإنما يريدون بذلك بعض الأغراض الحسنة، ولكن هذا في الحقيقة لا يبرر لهم ما صنعوا، بل نقول: هم مجتهدون؛ لهم أجرهم على اجتهادهم، ولكن لو أصابوا وبينوا الأمر، لكان أولى وأحسن وأفضل.

стр. 76

قال المؤلف ﵀: ٢١ - ومَا يَخالفْ ثقَةٌ فيه الَملأ ... ف الشاذُّ والَمقْلُوبُ قسْمَان تَلا وهذان هما الحادي والعشرون والثاني والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذه المنظومة وهما: الشاذ، والمقلوب. فالشاذ مأخوذ من الشذوذ، وهو الخروج عن القاعدة أو الخروج عن ما عليه الناس، وفي الحديث: "عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار" ١ يعني من خرج عنهم، فالشاذُّ هو الذي يخالف فيه الثقة الملأ "أي الجماعة"، ومعلوم أن الجماعة أقرب إلى الصواب من الواحد وأرجح، ولهذا يمكن أن نقول: إن المؤلف ﵀ قال: "ما يخالف ثقة فيه الملأ" على سبيل المثال، وأن المراد بالقاعدة أن الشاذ هو: ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه عدداً، أو عدالة، أو ضبطاً. والمؤلف ذكر القسم الأول وهو: العدد لأن الملأ جماعة، وقد يقال: إن الملأ هم أشراف القوم كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٨٨] . ومعلوم أن الأشراف في علم الحديث هم الحفاظ العدول، فيكون كلامه شاملاً من هو أرجح عدداً، أو عدالة، أو حفظاً. مثال العدد: روى جماعة عن شيخهم حديثاً، ثم انفرد أحدهم برواية تخالف الجماعة وهو ثقة. فنقول: إن هذه الرواية شاذة، لأنه خالف من هو أرجح منه، باعتبار العدد.

стр. 77

ومثال الأرجح عدالة أو حفظاً معلوم. نقول: الأول هو الراجح، والثاني هو الشاذ وهو حديث المرجوح. ونُسمِّي الحديث الذي يقابل الشاذ بالمحفوظ. ومثاله: حديث وضوء النبي ﷺ أنه توضأ، فأخذ لرأسه ماءً غير فضل يديه١، أي لما أراد أن يمسح رأسه، أخذ ماءً فمسحه بماء غير فضل يديه، هكذا جاء في صحيح مسلم، وفي رواية ابن ماجة "أنه مسح أذنيه بماء غير فضل رأسه"٢ فاختلفت الروايتان، فرواية مسلم أنه أخذ ماء جديداً لمسح الرأس غير ماء اليدين. والثانية: أنه أخذ ماء جديداً لمسح الأذنين، غير ما مسح الرأس، قال ابن حجر في بلوغ المرام عن الأول إنه المحفوظ٣، يعني أن رواية مسلم هي المحفوظة، ورواية ابن ماجه تكون شاذة. ولا يحكم بالمخالفة بمجرد ما ينقدح في ذهنه أنه مخالف، بل يجب أن يتأمل ويفكر وينظر ويحاول الجمع، لأنك إذا حكمت بالمخالفة، ثم قلت عن الثاني إنه شاذ فمعناه أنه غير مقبول، لأن من شرط الصحيح المقبول ألا يكون معللاً ولا شاذًّا، فإذا كان شاذًّا فإننا سنرده، فلا يجوز أن نرد الحديث المخالف بمجرد ما ينقدح في الذهن، فلابد من التأمل فإنه ربما يبدو مخالفاً، ولكن عند التأمل لا يكون مخالفاً فمثلاً: حديث "اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته" ٤، "إنك لا تخلف

стр. 78

الميعاد" ١ بعض الناس قال إن زيادة "إنك لا تخلف الميعاد" شاذة، لأن أكثر الرواة رووه بدون هذه الزيادة، فتكون رواية من انفرد بها شاذة، لأنها مخالفة للثقات، وإن كان الراوي ثقة. لكنه يمكن أن نقول: لا مخالفة هنا، لأن هذه الزيادة لا تنافي ما سبق، بحيث أنها لا تكذبه ولا تخصصه، وإنما تطبعه بطابع هو من دعاء المؤمنين كما قال الله عنهم ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] . وهنا تقول: وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، نظير قول الله تعالى: ﴿وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فحينئذ يحتاج إلى أن نتثبت في مسألة الزيادة هل هي مخالفة أو غير مخالفة، أي أننا لا نتسرع بالقول بالمخالفة. لأن المخالفة تعني أنه لا يمكن الجمع، أما إذا أمكن الجمع فلا مخالفة. وهل يشترط في الشذوذ أن يكون في حديث واحد بمعنى أن يكون هذا الحديث رواه جماعة على وجه، ورواه فرد على وجهٍ يخالف الجماعة أو لا يشترط. نقول: لا يشترط، يمكن أن يكون في حديث، وفي حديثين، هذا هو الذي يظهر لنا من تصرفات العلماء. مثال ذلك: ما أخرج أصحاب السنن من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" ٢ وهذا الحديث صححه بعض العلماء، وقال: إنه يُكره الصيام تطوعاً إذا

стр. 79

انتصف شعبان، إلا من كانت له عادةٌ فلا كراهة، وقال الإمام أحمد: لا يكره؛ لأن هذا الحديث شاذ، لأنه يخالف حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الصحيحين وهو قوله ﷺ : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه"١ وذلك لأن الحديث الثاني يدل على جواز الصيام قبل اليومين وهو أرجح من الأول. إذاً نفهم من هذا أن الشذوذ ليس شرطاً أن يكون في حديث واحد. مثال آخر: ما أخرجه أبو داود في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" ٢ فهذا الحديث يخالف الحديث الذي في الصحيحين وهو أن النبي ﷺ قالت له إحدى نسائه إنها صائمة هذا اليوم وكان يوم الجمعة، فقال لها: "أصمت أمس"؟ قالت: لا، قال: "أتصومين غداً؟ "، قالت: لا، قال: "فأفطري" ٣ فقوله: "أتصومين غداً؟ " وهو يوم السبت، يدل على جواز صيام يوم السبت، لذلك اختلف العلماء في صحة حديث النهي عن صيام يوم السبت على أقوال: ١ - فمنهم من قال: إن الحديث منسوخ، وهذا القول ضعيف، لأن من شرط الحكم بالنسخ العلم بالتاريخ، وهنا لا نعلم التاريخ. ٢ - ومنهم من قال: بل الحديث شاذ؛ لأنه يخالف الحديث الذي في الصحيحين الذي يدل على جواز صيام يوم السبت. ٣ - ومنهم من حمله على وجه لا يخالف الحديث الذي في

стр. 80

الصحيحين، وذلك بأن يُحمل النهي على إفراد يوم السبت بالصيام، وأما إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا بأس، وهذا الأخير جمع بين الحديثين، وإذا أمكن الجمع فلا شذوذ، لأن من شرط الشذوذ المخالفة وهنا لا مخالفة، فقالوا: حديث النهي عن صوم يوم السبت، محمولٌ على الإفراد، أما إذا جمع إليه ما قبله أو ما بعده فلا بأس حينئذ. مثال ثالث: وردت أحاديث متعددة - لكن ليست في البخاري ومسلم - في النهي عن لبس الذهب المحلَّق مثل الخاتم والسوار ونحوه١، ووردت أحاديث أخرى في الصحيحين وغيرهما تدل على جواز لبس الذهب المحلق، مثل ما في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر النساء أن يتصدقن، فجعلن يلقين خواتيمهن، وخروصهن في ثوب بلال ﵁ -٢ ثم أن النبي ﷺ لما رأى الرجل الذي عليه خاتم الذهب أخذه ورمى به، وقال: "يعمدُ أحدكم إلى جمرة من النار فيلقيها في يده" ٣. فمن العلماء من قال: إن النهي عن الذهب المحلق حجة يُعمل بها.

стр. 81

ومنهم من قال: إن النهي عن لبس الذهب المحلق شاذٌّ لا يعمل به، لأنه يخالف ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من جواز لبس الذهب المحلّق، وهذا هو الذي سلكه شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز. ومنهم من قال: إن الأحاديث الواردة في النهي في أول الأمر حين كان الناس في ضيق وفي شدة ثم بعد ذلك رُخِّص فيه. وإنما ضربت هذه الأمثلة الثلاثة للإشارة إلى أن الشذوذ لا يشترط أن يكون في حديث واحد، بل قد يكون في واحد، أو في اثنين، أو أكثر. إذاً عرفنا ما هو الشاذ، وما هو الذي يقابله، وهناك مخالفة أخرى لم يذكرها المؤلف وهي: إذا كان المخالف غير ثقة فإن حديثه يسمى منكراً. والمنكر هو: ما خالف فيه الضعيف الثقة، وهو أسوأ من الشاذ، لأن المنكر المخالفة مع الضعف، والشاذ المخالفة فيه مع الثقة. ويقابل المنكر المعروف، إذاً فهي أربعة أقسام: ١ - المحفوظ. ٢ - الشاذ. ٣ - المنكر. ٤ - المعروف. فالشاذ هو: ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أرجح منه. والمنكر هو: ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة. والمحفوظ هو: ما رواه الأرجح مخالفاً لثقة دونه، وهو مقابل للشاذ. والمعروف هو: ما رواه الثقة مخالفاً للضعيف.

стр. 82

وقوله: "والمقلوبُ قسمان تلا" هذا تكملة للبيت يعني تلا في الذكر الشاذُّ، لكن هي ليس لها معنى، وإنما هي تكملة للبيت فقط، والمقلوب ينقسم إلى قسمين ذكرها في البيت الذي بعده.

стр. 83

أقسام المقلوب ... قال المؤلف ﵀: ٢٢ - إبْدالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قسْمُ ... وقَلْبُ إسنَادٍ لمتنٍ قِسْمُ قوله "إبدال راوٍ ما براوٍ". ف-"ما" هنا نكرة واصفة. ومعنى نكرة واصفة أي أنك تقدر ما ب-"أي" والتقدير إبدال راوٍ أي راوٍ، و"ما" تأتي نكرة واصفة، وتأتي نكرة موصوفة كما في قوله تعالى: ﴿ِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ومثال النكرة الواصفة قول المؤلف "إبدال راوٍ ما". والمقلوب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: وهو ما ذكره المؤلف بقوله "إبدال راوٍ ما براوٍ قسمُ" وهو ما يُسمَّى بقلب الإسناد. مثلاً: إذا قال: حدثني يوسف عن يعقوب، فيقلبُ الإسناد ويقول: حدثني يعقوب عن يوسف، وهذا أكثر ما يقعُ خطأ، إما لنسيان أو غيره، لأنه لا توجد فائدة في تعمد ذلك. فإذا قال قائل ما الذي أعلمنا أن الإسناد مقلوب فقد يكون على الوضع الصحيح؟ فنقول: نعلم أنه مقلوب، إذا جاء من طريق آخر أوثق على خلاف ما هو عليه، أو جاء من نفس الراوي الذي قَلَبَهُ في حال شبابه وحفظه، يكون قد ضبطه وحدَّث به على الوضع الصحيح، وفي حال كِبَره ونسيانه، يحدِّثُ بالحديث ويقلب إسناده، ففي هذه الحالة نعرف أن الأول هو الصحيح، والثاني هو المقلوب. مثاله: إذا روى هذا الحديث بهذا الإسناد الصحيح رجلان،

стр. 84

أحدهما أوثق من الآخر، فيأتي الذي ليس بأوثق من صاحبه ويقلب الإسناد، بأن يجعل التلميذ شيخاً والشيخ تلميذاً، فإننا نحكم في هذا الحديث بأنه مقلوب عليه لأنه قلب السند. ومثال آخر: هذا الحديث حدَّث به هذا الرجل في حال شبابه وحفظه على وجه، وحدَّث به بعد شيخوخته ونسيانه على وجهٍ آخر، فإننا نحكم على الثاني أنه مقلوب، وربما نطَّلع أيضاً على هذا من طريق آخر بحيث أننا نعرف أن الذي جعله تلميذاً هو الشيخ، لأنه تقدم في عصره بمعرفة التاريخ. والمقلوب من قسم الضعيف، لأنه يدل على عدم ضبط الراوي. القسم الثاني: وهو ما ذكره المؤلف بقوله "وقلب إسناد لمتن قسم" ويعني أن يُقلب إسناد المتن لمتن آخر. مثاله: رجل روى حديثاً: من طريق زيد، عن عمرو، عن خالد، وحديثاً آخر: من طريق بكر، عن سعد، عن حاتم، فجعل الإسناد الثاني للحديث الأول، وجعل الإسناد الأول للحديث الثاني، فهذا يُسمَّى قلب إسناد المتن، والغالب أنه يقعُ عمداً للاختبار، أي لأجل أن يُختبر المحدِّث. كما صنع أهل بغداد مع البخاري، وذلك لما علموا أنه قادم عليهم، اجتمعوا من العراق وما حوله وقالوا: نريد أن نختبر هذا الرجل، فوضعوا له مائة حديث ووضعوا لكل حديث إسناداً غير إسناده، وقلبوا الأسانيد ليختبروا البخاري ﵀ وقالوا: كل واحد منكم عنده عشرة أحاديث يسأله عنها، ووضعوا عشرة رجال حفاظ أقوياء، فلما جاء البخاري ﵀ واجتمع الناس، بدأوا يسوقون الأسانيد كلها حتى انتهوا منها، وكانوا كلما ساقوا إسناداً

стр. 85

ومعه المتن قال البخاري: لا أعرفه، حتى أتموها كلها، فالعامة من الناس قالوا: هذا الرجل لا يعرف شيئاً، يُعرض عليه مائة حديث وهو يقول: لا أعرفه، يعني لا أعرف هذا السند لهذا الحديث، ثم قام ﵀ بعد ذلك وساق كل حديث بإسناده الصحيح، حتى انتهى من المائة كلها، فعرفوا أن الرجل آية من آيات الله في الحفظ، فأقرُّوا وأذعنوا له. فهذا نسميه قلب إسناد المتن يعني أن تركب إسناد متن على متن آخر، والغالب أنه لا يقع إلا للاختبار، وقد يقع غشًّا، بحيث يريد الرجل أن يُروِّج الحديث لكنْ يكون إسناده ساقطاً يعني كلهم ضعفاء مثلاً، فيأتي بإسناد حديث صحيح ويُركبه عليه، فهو نوع من التدليس، لكنه بطريق آخر. وهناك قسم آخر وهو قلب المتن: وهذا الذي يعتني به الفقهاء، وأما قلب الإسناد فيعتني به المحدثون، لأنهم ينظرون إلى السند هل هو صحيح؟ وهل يصح به الحديث أم لا. وأما الفقهاء فيعتنون بقلب المتن، لأنه هو الذي يتغيُّر به الحكم، حيث إن هؤلاء ينظرون إلى الدلالة. وقلب المتن يحصل من بعض الرواة تنقلب عليهم المتون فيروون بعض الأحاديث على غير وجهها. من ذلك مثلاً: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... " ١ الحديث وفيه

стр. 86

"ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" فقلبه بعض الرواة فقال: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" فهذا مقلوب، لأنه جعل اليمين شمالاً، والشمال يميناً. ومن ذلك الحديث الذي ثبت في صحيح البخاري "أنه يبقى في النار فضلٌ عمن دخلها، فينشئ الله لها أقواماً يدخلهم النار" فهذا الحديث منقلبٌ على الراوي وصوابه "أنه يبقي في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة" ١ الحديث. وذلك لأنه - أي إنشاء أقوام للنار - ينافي كمال عدل الله تعالى إذ كيف يمكن أن يُنشأ الله تعالى أقواماً للعذاب، ولأنه ينافي الحديث الصحيح "لا يزال يُلقى في النار وهي تقول هل من مزيد، حتى يضع الله تعالى عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط" ٢. ومثال آخر: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه" ٣ انقلب هذا الحديث على الراوي فقال: "وليضع يديه قبل ركبتيه" والصواب: "وليضع ركبتيه قبل يديه" وإنما قلنا ذلك لأن هذا التفريع يخالف أول الحديث، فأول الحديث "فلا يبرك كما يبرك البعير" فالنهي عن التشبه بالبعير في صفة السجود "فلا يبرك كما يبرك" ونحن إذا

стр. 87

شاهدنا البعير نراه إذا برك، فإنه يقدم يديه قبل ركبتيه، حيث إنه أول ما يبرك ينزل مقدمه قبل مؤخره، وأنت إذا قدمت يديك نزل مقدمك قبل مؤخرك، فأشبهت بروك البعير. فإذا قيل: "وليضع يديه قبل ركبتيه" صار لا يناسب أول الحديث، والذي يناسبه "وليضع ركبتيه قبل يديه"، وقد ظن بعض العلماء أن الحديث ليس فيه قلب، وقال: إن ركبة البعير في يديه، ونحن نُسلِّم أن ركبة البعير في يديه. ولكن الحديث لم يقل فيه الرسول ﷺ : فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، فإنه لو قال كذلك لقلنا: لا تبرك على الركبتين لأن البعير يبرك على ركبتيه، لكن النبي ﷺ قال: "فلا يبرك كما" والكاف هنا للتشبيه، وبين العبارتين فرق. فإذا عرفنا أن مدلول قوله "فلا يبرك كما يبرك البعير" أي لا يقدِّم يديه فينزل مقدمه قبل مؤخره، ولأن النزول في السجود بالركبتين، هو الوضع الطبيعي. ففي الوضع الطبيعي أول ما ينزل إلى الأرض هو ما يلي الأرض وهو الركبة ثم اليد ثم الجبهة والأنف١.

стр. 88

الفرد وأنواعه ... قال المؤلفُ ﵀: ٢٣ - والفَردُ ما قَيَّدْتَهُ بثقَة ... أوْ جْمعٍ أوْ قَصٍر عَلَى رِوَايَةٍ هذا هو الثالث والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذه المنظومة، وهو الفرد، وذكر الناظم له ثلاثة أنواع. ١ - ما قُيد بثقة. ٢ - ما قُيد بجمع. ٣ - ما قُيد برواية. فما هو الفرد؟ نقول: الفرد هو أن ينفرد الراوي بالحديث، يعني أن يروي الحديث رجلٌ فرد. والغالب على الأفراد الضعف، لكن بعضها صحيح متلقى بالقبول، لكن الغالب على الأفراد أنها ضعيفة، لاسيما فيما بعد القرون الثلاثة، لأنه بعد القرون الثلاثة، كثر الرواة فتجد الشيخ الواحد عنده ستمائة راوي. فإذا انفرد عنه راوٍ واحد دون غيره فإن هذا يوجب الشك، فكيف يخفى هذا الحديث على هذا العدد الكثير، ولا يرويه إلا واحد فقط. لكن في عهد الصحابة تكثر الفردية، وكذلك في عهد التابعين لكنها أقل من عهد الصحابة، لانتشار التابعين وكثرتهم، وفي عهد تابع التابعين تكثر الفردية لكنها أقل من عهد التابعين. إذاً فالفردُ من قبيل الضعيف غالباً. وأنواعه ثلاثة وهي: ١ - ما قُيِّدَ بثقة، أي ما انفرد به ثقة، ولم يروه غيره، لكنه لا

стр. 89

يخالف غيره، مثل حديث عمر بن الخطاب ﵁ "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" ١ فقد حصل الإفراد فيه، في ثلاث طبقات من رواته، ومع ذلك فهو صحيح، لأنه انفرد به الثقة عن الثقة عن الثقة، فهذا يُسمى فرداً، ويسمى غريباً. ٢ - ما قُيدَ بجمعٍ، ومراده بالجمع أهل البلد، أو أهل القرية، أو القبيلة أو ما أشبه ذلك، فإذا انفرد بهذا الحديث عن أهل هذا البلد شخص واحد، بمعنى أن يقال: تفرد فلان برواية هذا الحديث عن الشاميين، أو تفرد فلان برواية هذا الحديث عن الحجازيين، أو ما أشبه ذلك، فهنا فردٌ لكنه ليس فرداً مطلقاً، بل هو في بلد معين، وقد انفرد به من بين المحدثين من أهل هذا البلد. فمثلاً إذا قدَّرنا أن المحدثين في الشام ألف محدث، فروى هذا الحديث منهم واحد، ولم يروه سواه. فنقول: هذا فرد لكن هل هو فرد مطلقاً؟ بل فرد نسبي، نسبي أي: بالنسبة لأهل الشام. وللفرد المقيد بالجمع معنى آخر وهو: أن ينفرد به أهل بلد ما، بروايته عن فلان، فيقال: تفرد به أهل الشام عن فلان. ٣ - وقوله "أو قصر على رواية". القصر على الرواية هي أن يقال مثلاً: لم يروِ هذا الحديث بهذا المعنى إلا فلان، يعني أن هذا الحديث بهذا المعنى لم يروه إلا شخص واحد عن فلان، فتجد أن القصر في الرواية فقط، وإلا فالحديث من طرق أخرى مشهور، وطرقه كثيرة. وإنما قسَّم المؤلف الفرد إلى هذا التقسيم: ليبين أن الفرد قد يكون

стр. 90

فرداً نسبيًّا، وقد يكون فرداً مطلقاً، فإذا كان هذا الحديث لم يُروَ إلا من طريق واحد بالنسبة لأهل الشام، أو أي بلد فهو فردٌ نسبي. وكذلك بالنسبة للشيخ فلو قال: تفرَّد به فلان عن هذا الشيخ فإنه يُسمى فرداً نسبيًّا، والفرد النسبي غرابته نسبية، والفرد المطلق غرابته مطلقة، والفرد النسبي أقرب إلى الصحة، لأنه قد يكون فرداً بالنسبة لهؤلاء، ولكنه بالنسبة إلى غيرهم مشهور أو عزيز، أي مروي بعدة طرق.

стр. 91

قال المؤلف ﵀: ٢٤ - ومَا بعلَة غُموضٍ أوْ خَفَا ... مُعَلِّلٌ عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا هذا هو القسم الرابع والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في النظم وهو المعلول أو المعلل. يقال: " الحديث المعلل "، ويُقال: "الحديث الُمعَلّ"، ويقال الحديث المعلول، كل هذه الاصطلاحات لعلماء الحديث ولا شك أن أقربها للصواب من حيث اللغة هو "الُمعَلُّ"، لأن وزن مُعَلّ الصرفي هو مُفْعَل، وذلك لأن اللام مشددة، فتكون عن حرفين أولهما ساكن، وإذا نظرنا إلى الاشتقاق وجدنا أن هذا هو الصواب، لأنه مأخوذ من أعلّهُ يُعلُّه فهو مُعَلّ مثل أقره يقره فهو مقرّ. والذين قالوا إنه معلول أخذوه من علّة مثل شدَّهُ فهو مشدودٌ، فيسمونه معلولاً، لأنه مأخوذٌ من الفعل الثلاثي. والذين يقولون "مُعَلَّل" أخذوه من علَّلَه، فهو معلل مثل قوّمه فهو مقوّم، والصواب: كما سبق "الُمعَلّ". فنقول: المعلُّ هو الحديث الذي يكون ظاهره الصحة، ولكنه بعد البحث عنه يتبين أن فيه علة قادحة، لكنها خفية. مثال ذلك: أن يُروى الحديث على أنه مرفوع إلى النبي ﷺ باتصال السند، ويكون هذا هو المعروف المتداول عند المحدثين، ثم يأتي أحدُ الحفاظ ويقول هذا الحديث فيه علة قادحة وهي أن الحفاظ رووه منقطعاً، فتكون فيه علة ضعف، وهي الانقطاع، بينما المعروف بين الناس أن الحديث متصلٌ. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح النخبة: وهذا القسم

стр. 92

من أغمض أنواع الحديث، لأنه لا يطَّلع عليه إلا أهل العلم النقاد الذين يبحثون الأحاديث بأسانيدها ومتونها. وابن حجر يقول دائماً في بلوغ المرام: أُعلَّ بالإرسال، أو أُعلَّ بالوقف، وهكذا. فإذا قال ذلك فارجع إلى السند وانظر فيه من رواه؟ ولهذا اشترطوا في الصحيح أن يكون سالماً من الشذوذ والعلة القادحة، والمعلُّ من أقسام علم المصطلح وهو مهمٌّ جداً لطالب علم الحديث حيث إن معرفته تفيده فائدة كبيرة؛ لأنه قد يقرأ حديثاً ظاهره الصحة، وهو غير صحيح.

стр. 93

المضطرب وبيانه ... قال المؤلف ﵀: ٢٥ - وذُو اخْتلافِ سَنَدٍ أو مَتْنٍ ... مُضطَرِبٌ عِنْدَ أُهَيْلِ الفَنِّ وهذا هو الخامس والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المضطرب. والاضطراب معناه في اللغة: الاختلاف. والمضطرب في الاصطلاح: هو الذي اختلف الرواة في سنده، أو متنه، على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا الترجيح. فالاختلاف في السند مثل: أن يرويه بعضهم متصلاً، وبعضهم يرويه منقطعاً. والاختلاف في المتن مثل: أن يرويه بعضهم على أنه مرفوع، وبعضهم على أنه موقوف، أو يرويه على وجه يخالف الاخر بدون ترجيح، ولا جمع. فإن أمكن الجمع فلا اضطراب. وإن أمكن الترجيح أخذنا بالراجح ولا اضطراب. وإذا كان الاختلاف لا يعود لأصل المعنى فلا اضطراب أيضاً. مثال الذي يمكن فيه الجمع: حديث حج النبي ﷺ ، فإن حج النبي ﷺ ، اختلف فيه الرواة على وجوه متعددة. فمنهم من قال: إنه حجَّ قارناً. ومنهم من قال: إنه حجَّ مفرداً. ومنهم من قال: إنه حجَّ متمتعاً. ففي حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهلَّ بحج، ومنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم

стр. 94

بالحج١. وفي حديث ابن عمر وغيره ﵃ أنه حجَّ متمتعاً٢، وفي بعض الأحاديث أنه حج قارناً٣. فهذا الاختلاف إذا نظرنا إليه قلنا في بادىء الأمر: إن الحديث مضطرب، وإذا حكمنا بالاضطراب، بقيت حجة النبي ﷺ مشكلة، فلا ندري هل حج مفرداً، أم متمتعاً، أم قارناً؟ وعند التأمل: نرى أن الجمع ممكن يندفع به الاضطراب. وللجمع بين هذه الروايات وجهان: ١ - الوجه الأول: أن من روى أنه أهلَّ بالحج مفرداً، أراد إفراد الأعمال، يعني أنه لم يزد على عمل المفرد. * وعمل المفرد هو: أنه إذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم، ثم سعى للحج، وإذا كان يوم العيد طاف طواف الإفاضة فقط ولم يسع، وإذا أراد أن يخرج طاف طواف الوداع وخرج. * ومن روى أنه متمتع: أراد أنه جمع بين العمرة والحج في سفر واحد، فتمتع بسقوط أحد السفرين. * ومن روى أنه قرن بين الحج والعمرة فهذا هو الواقع. قال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارناً، والمتعة أحب

стр. 95

إلّي. ٢ - الوجه الثاني: أنه أحرم أولاً بالحج ثم أدخل العمرة عليه، فصار مفرداً باعتبار أول إحرامه، وقارناً باعتبار ثاني الحال، ولكن هذا لا يصح على أصول مذهب الإمام أحمد، لأن من أصوله أنه لا يصح إدخال العمرة على الحج، وإنما الذي يصح هو العكس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مقرراً الوجه الأول: من روى أنه مفرد، فقد أراد أعمال الحج. ومن قال إنه متمتع: فقد أراد أنه أتى بعمرة وحج في سفر واحد، فتمتع بسقوط أحد السفرين عنه، لأنه لولا أنه أتى بالعمرة والحج، لكان قد أتى بعمرة في سفر، وبالحج في سفر آخر، فيكون تمتعه بكونه أسقط أحد السفرين، لأنه سافر سفراً واحداً، وقرن بين العمرة والحج فتمتع بذلك. وأما من قال: إنه كان قارناً فهذا هو الواقع، أي أنه كان قارناً، لأننا لا نشك أن الرسول ﷺ لم يحل من العمرة، بل بقي على إحرامه لكونه قد ساق الهدي. اه-. ثم نرجع إلى الحج فنقول: الآنساك ثلاثة: ١ - الإفراد. ٢ - التمتع. ٣ - القِران. ١ - فالإفراد هو: أن يحرم الإنسان بالحج وحده من الميقات، ويقول: لبيك اللهم حجًّا، ثم إذا وصل إلى مكة فإنه يطوف طواف القدوم، ويسعى للحج، ويبقى على إحرامه إلى أن يتم الحج، وفي يوم العيد يطوف طواف الإفاضة، وعند السفر يطوف طواف الوداع.

стр. 96

٢ - والقران هو: أن يحرم بالعمرة والحج معاً من الميقات، ويقول: لبيك اللهم عمرة وحجًّا، فإذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم وسعى للعمرة والحج، ثم يبقى على إحرامه، ويوم العيد يطوف طواف الإفاضة، وعند السفر يطوف طواف الوداع. ففعله كفعل المفرد لكن تختلف النية. ٣ - أما التمتع فهو أن يحرم من الميقات بالعمرة، ثم إذا وصل إلى مكة، يطوف ويسعى ويقصِّر، لأنها عمرة، ثم يحل من إحرامه ويلبس ثيابه ويتحلَّل تحللاً كاملاً، ثم في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة يحرم بالحج، وفي يوم العيد يطوف طواف الإفاضة ويسعى للحج، وعند السفر يطوف للوداع. * وإذا لم يمكن الجمع بين الروايات، عملنا بالترجيح فنأخذ بالراجح، ويندفع الاضطراب. مثاله: حديث بريرة ﵂ حين أعتقتها عائشة ﵂، ثم خيرها رسول الله ﷺ على أن تبقى مع زوجها، أو أن تفسخ نكاحها منه١. ففي بعض روايات الحديث أن زوجها - وهو مغيث - كان حرًّا. وفي بعض الروايات أنه كان عبداً. إذاً في الحديث اختلاف والحديث واحد، والجمع غير ممكن فنعمل بالترجيح. والراجح: أنه كان عبداً، فإذا كان هو الراجح، إذاً نلغي المرجوح، ونأخذ بالراجح، ويكون الراجح هذا سالماً من الاضطراب،

стр. 97

لأنه راجح. * وإذا لم يكن الاختلاف في أصل المعنى، فلا اضطراب، بأن يكون أمراً جانبيًّا. مثل: اختلاف الرواة في ثمن جمل جابر ﵁ -١ واختلاف الرواة في حديث فضالة بن عبيد في ثمن القلادة التي فيها ذهب وخرز، هل اشتراها باثني عشر ديناراً، أو بأكثر من ذلك أو بأقل٢. فنقول: هذا الاختلاف لا يضر، لأنه لا يعود إلى أصل المعنى، وهو بيع الذهب بالذهب، لأنهم كلهم متفقون على أنها قلادة فيها ذهب وخرز، وكانت قد بيعت بدنانير، ولكن كم عدد هذه الدنانير؟ قد اختلف فيها الرواة، ولكن هذا الاختلاف لا يضر. وكذلك حديث جابر ﵁ فقد اتفق الرواة على أن الرسول ﷺ اشتراه، وأن جابراً اشترط أن يركبه إلى الميدنة، ولكن اختلفوا في مقدار الثمن، فنقول: إن هذا الاختلاف لا يضر، لأنه لا يعود إلى أصل المعنى الذي سيق من أجله الحديث. وحكم الحديث المضطرب هو: الضعف، لأن اضطراب الرواة فيه على هذا الوجه يدل على أنهم لم يضبطوه، ومعلوم أن الحديث إذا لم يكن مضبوطاً، فهو من قسم الضعيف. وقوله "مضطربٌ عند أُهيل الفن". قد يقول قائل: لماذا صغر كلمة "أهل" وهل ينبغي أن يصغر أهل العلم؟

стр. 98

فنقول: إن المؤلف اضطرَّه النظم إلى التصغير، ولهذا يُعتبر التصغير من تمام البيت فقط، وإلا كان عليه أن يقول: عند أهل الفن. فإذا قال قائل: الفنُّ عندنا غير محمودٍ عُرفاً؟ فنقول: إن المراد بالفن عند العلماء، هو الصنف. قال الشاعر: تمنيتَ أن تمسي فقيهاً مناظراً ... بغير عناء والجنون فنون يعني أن الذي يتمنى أن يُمسي فقيهاً مناظراً بغير تعب فإنه مجنون، والجنون أصناف من جملتها أن يقول القائل: أريد أن أكون فقيهاً مناظراً، وأنا نائم على الفراش.

стр. 99

قال المؤلف ﵀: ٢٦ - و الُمدْرَجَاتُ في الحديثِ ما أتَتْ ... مِن بعضِ ألفاظِ الرُّوَاةِ اتّصلَتْ هذا هو السادس والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المدرج. والحديث المدرج هو: ما أدخله أحد الرواة في الحديث بدون بيان، ولهذا سُمي مدرجاً، لأنه أُدرج في الحديث دون أن يبين الحديث من هذا المدرج، فالمدرج إذاً ليس من كلام النبي ﷺ ، ولكنه من كلام الرواة، ويأتي به الراوي أحياناً، إما تفسيراً لكلمة في الحديث، أو لغير ذلك من الأسباب. ويكون الإدراج أحياناً: * في أول الحديث. * وأحياناً يكون في وسطه. * وأحياناً يكون في آخره. مثاله في أول الحديث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار" فالمرفوع هو قوله: "ويل للأعقاب من النار" ١ وأما قوله "أسبغوا الوضوء" فهو من كلام أبي هريرة ﵁ والذي يقرأ الحديث يظن أن الكل، هو من كلام النبي ﷺ لأنه لم يُبين ذلك. ومثال الإدراج في وسط الحديث: حديث الزهري عن عائشة ﵂ في كيفية نزول الوحي - يعني أوّل ما أُوحي إلى النبي

стр. 100

صلى الله عليه وسلّم - فقالت: "كان النبي ﷺ يتحنَّثُ في غار حراء الليالي ذوات العدد، والتحنُّث التعبد ... " الحديث١. والذي يسمع هذا الحديث يظن أن التفسير من عائشة ﵂ في قولها "والتحنث التعبد" والواقع أن التفسير من الزهري ﵀ وهو الآن مدرج في الحديث بدون بيان منه أنه مدرج، وهذا الإدراج يُراد به التفسير، والتفسير هنا لابد منه؛ لأن الحنث في الأصل هو الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ . [الواقعة: ٤٦] . وإذا لم يُبين معنى التحنث لاشتبه بالإثم، ولكن النبي ﷺ كان يتعبد، والتعبُّد مزيلٌ للحنث الذي هو الإثم، فهو من باب تسمية الشيء بضده. مثال الإدراج في آخر الحديث: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن أمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غرته وتحجيله فليفعل" ٢، فهذا الحديث إذا قرأته فإنك تظن أنه من قول الرسول ﷺ ، ولكن الواقع أن الجملة الأخير ليست من كلام النبي ﷺ وهو قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل" بل هي مدرجة من كلام أبي هريرة ﵁ والذي من كلامه ﷺ : "إن أمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء". أما الجملة الأخيرة فقد أدرجها أبو هريرة ﵁ تفقهاً

стр. 101

منه في الحديث، ولهذا قال ابن القيم ﵀ في النونية: وأبو هريرة قال ذا من كيسه ... فغدا يميزه أولو العرفان * ويعرف الإدراج بأمور: ١ - بالنص، حيث يأتي من طريق آخر ويُبين أنه مدرج. ٢ باستحالة أن يكون النبي ﷺ قد قاله، وذلك لظهور خطأ فيه، أو قرينة تدل على أنه لا يمكن أن يكون من كلام النبي ﷺ . ٣ - بنص من أحد الحفَّاظ الأئمة يبين فيه أن هذا مدرج. * ما هو حكم الإدراج؟ نقول: إن كان يتغير المعنى بالإدراج فإنه لا يجوز إلا ببيانه. وإن كان لا يتغير به المعنى مثل: حديث الزهري "والتحنُّث التعبُّد" فإنه لا بأس به، وذلك لأنه لا يعارض الحديث المرفوع، وإذا كان لا يعارضه فلا مانع من أن يُذكر على سبيل التفسير والإيضاح. وإذا تبين الإدراج فإنه لا يكون حجة، لأنه ليس من قول النبي ﷺ فلا يحتج به. وقوله "من بعض ألفاظ الرواة اتصلت" فكلمة "اتصلت" جملة حالية من فاعل أتت، يعني ما أتت متصلة في الحديث بدون بيان.

стр. 102

وقال رحمه الله تعالى: ٢٧ - ومَا رَوَى كُلُّ قَرينٍ عَنْ أخِهْ ... مُدَبَّجٌ فاعرِفهُ حقًّا وانتَخِهْ هذا هو القسم السابع والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المدبج . وعرفه بقوله: وما روى ... الخ. والقرين هو: المصاحب لمن روى عنه، الموافِق له في السنن، أو في الأخذ عن الشيخ. فإذا قيل: فلان قرينٌ لفلان، أي مشاركٌ له، إما في السن، أو في الأخذ عن الشيخ الذي رويا عنه، مثل: أن يكون حضورهما للشيخ متقارباً مثلاً في سنةٍ واحدة، وما أشبه ذلك. فالأقران إذا روى أحدهم عن الآخر، فإن ذلك يسمى عند المحدثين رواية الأقران، ولهذا تجد في كتب الرجال أنهم يقولون: وروايته عن فلان من رواية الأقران، أي أنه اشترك معه في السنّ، أو في الأخذ عن الشيخ، فإن روى كل منهما عن الآخر فهو "مُدبَّج". فمثلاً: أنا رويتُ عن قريني حديث "إنما الأعمال بالنيات" وهو روى عني حديث "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" فهذا يكون مُدَبَّجاً، أو يروي عني نفس الحديث الذي رويته أنا، وأكون أنا قد رويته عنه من طريق، وهو رواه عني من طرق آخر، فهذا يسمى أيضاً مُدَبَّجاً. * وما وجه كونه مُدَبَّجاً؟ قالوا: إنه مأخوذ من ديباجة الوجه، أي جانب الوجه، لأن كل قرين يلتفت إلى صاحبه ليحدثه فيلتفت إليه صاحبه ليحدثه، فيكون قد

стр. 103

قابله بديباجة وجهه، وبالطبع فإن هذا الاشتقاق اصطلاحي، وإلا لقلنا إن كل حديث بين اثنين يتجه فيه أحدهما إلى الآخر فإنه يسمى مدبَّجاً، لكن علماء المصطلح خصوه، ولا مشاحة في الاصطلاح. * ورواية المدبج هو: أن يروي كل قرين عن قرينه، إما حديثاً واحداً، أو أكثر من حديث. * والفرق بينهما أن المدبَّج يُحدِّث كل منهما عن الآخر. أما الأقران فأحدهما يحدث عن الآخر فقط بدون أن يحدث عنه صاحبه.

стр. 104

قال المؤلف ﵀: ٢٨ - مُتفقٌ لَفْظاً وخَطًّا مُتَّفِقْ ... وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا الُمفْتَرقْ هذان هما القسم الثامن والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو: المتفق والمفترق . وهما في الحقيقة قسم واحد، خلافاً لما يظهر من كلام المؤلف ﵀ حيث جعلهما قسمين وهذا القسم يتعلق بالرواة، وهو ما إذا وجدنا اسمين متفقين لفظاً وخطًّا، لكنهما مفترقان ذاتاً أي أن الاسم واحد والمسمى اثنان فأكثر. وهذا العلم نحتاج إليه لئلا يقع الاشتباه، فمثلاً: كلمة عباس اسم لرجل مقبول الرواية، وهو اسم لرجل آخر غير مقبول الرواية، فهذا يسمى المتفق والمفترق. فإذا رأينا مثلاً أن الحافظ يقول: حدثني عباس وهو أحد شيوخه، وهو ثقة، ثم يقول مرة أخرى حدثني عباس وهو أيضاً من شيوخه ولكنه ليس بثقة، ثم يأتي هذا الحديث ولا ندري أي العباسين هو، فيبقى الحديث عندنا مشكوكاً في صحته، ويسمَّى عند أهل الفن بالمتفق والمفترق. * ووجه التسمية ظاهر: وهو الاتفاق بحسب اللفظ والخط، والافتراق بحسب المسمى. * والعلم بهذا أمر ضروري، لأنهما إذا اختلفا في التوثيق صار الحديث محل توقف، حتى يتبين من هذا، فإن كان كل منهما ثقة، وقد لاقى كل منهما المحدِّث فإنه لا يضر لأن الحديث سيبقى صحيحاً. فالمتفق والمفترق يتعلق بالرواة لا بالمتون، وإذا كان يتعلق بالرواة فإنه يُنظر إذا كان هذا المتفق والمفترق كل منهما ثقة، فإنه لا يضر، وإذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً فإنه حينئذ محل توقف، ولا يحكم بصحة الحديث، ولا ضعفه حتى يتبين الافتراق والاتفاق.

стр. 105

قال المؤلف ﵀: ٢٩ - مُؤتَلفٌ مُتَّفقُ الخطِ فَقَطْ ... وضِدُّهُ مختَلِفٌ فاخْشَ الغَلِطْ هذا هو القسم التاسع والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المؤتلف والمختلف . والمؤتلف والمختلف هو: الذي اتفق خطًّا ولكنه اختلف لفظاً، مثل: عباس وعياش، وخياط وحباط، وما أشبه ذلك. يعني أن اللفظ في تركيب الكلمة واحد، لكن تختلف في النطق، فهذا يسمى مؤتلفاً مختلفاً. * وسُمي مؤتلفاً لإتلافه خطًّا، وسُمي مختلفاً لاختلافه نطقاً، وهو أيضاً في نفس الوقت مفترق لاختلافه عيناً وذاتاً. فالأشخاص متعددون في المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، ولكن الكلام على الأسماء إن كانت مختلفة فسمِّه مؤتلفاً مختلفاً، وإن كانت متفقة فسمِّه متفقاً مفترقاً، وهذا اصطلاح، واصطلاح المحدثين أمرٌ لا يُنازَعون عليه، لأنه يقال: لا مشاحة في الاصطلاح. * إذا ما هي الفائدة من معرفة هذا القسم من أقسام الحديث؟ نقول: الفائدة لئلا يشتبه الأشخاص، فمثلاً: إذا كان عندنا عشرة رجال كلهم يُسمَّون ب-"عباس" فلابد أن نعرف من هو عباس، لأنه قد يكون أحدهم ضعيفاً: إما لسوء حفظه. وإما لنقص في عدالته، وإما لغير ذلك. فلابد أن نعرف من عباس هذا، لأجل أن نعرف هل هو مقبول الرواية، أو غير مقبول الرواية، وهذا الباب قد ألَّف فيه كثير من

стр. 106

العلماء وتكلموا فيه، وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر ﵀. فإذا قال قائل: بأي طريق نميز هذا من هذا؟ فنقول: أما المؤتلف والمختلف فتمييزه يسير؛ لأنه مختلف في النطق، ولا يكون فيه اشتباه في الواقع، إلا إذا سلكنا طريق المتقدمين في عدم الإعجام. * والإعجام هو: عدم تنقيط الحروف. فمثلاً: عند المتقدمين كانت كلمة "عباس - وعيَّاش" واحدة لأنها كانت لا تُشكل ولا تُنقط، أما عند المتأخرين فإن الباب يقلُّ فيه الاشتباه، لأنهم يُعجمون الكلمات. أما المتفق والمفترق فهو صعب، حتى في زمن المتأخرين، لأن تعيين المراد تحتاج إلى بحث دقيق في معرفة الشخص بعينه، ووصفه تماماً. * فصار إذاً فائدة معرفة هذا الباب هو: تعيين الراوي، للحكم عليه بقبول روايته أو بردّها، والمرجع في ذلك الكتب المؤلفة في هذا الباب، ومما يُعين على تعيين الرجل معرفة شيوخه الذين يروي عنهم، وكذلك معرفة طلابه، الذين يروون عنه.

стр. 107

المنكر وبيانه ... ثم قال المؤلف ﵀: ٣٠ - والُمنكَرُ الفَرْدُ بهِ رَاوٍ غَدَا ... تَعدِيلُه لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا هذا هو القسم الثلاثون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المنكر. * وقد اختلف المحدثون في تعريف المنكر: فقيل: إن المنكر هو ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة. مثل: أن يروي الحديث ثقةٌ على وجه، ويرويه رجل ضعيف على وجه آخر، حتى وإن كانا الراويان تلميذين لشيخ واحد. وقال بعضهم في تعريف المنكر: هو ما انفرد به واحد، لا يحتمل قبوله إذا تفرَّد. وهذا ما ذهب إليه الناظم. وعلى هذا التعريف يكون المنكر هو الغريب، الذي لا يحتمل تفرد من انفرد به، وهو مردود حتى لو فُرض أن له شواهد من جنسه، فإنه لا يرتقي إلى درجة الحسن، وذلك لأن الضعف فيه متناهي، والتعريف الأول هو الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه نخبة الفِكر.

стр. 108

المتروك وبيانه ... قال المؤلفُ ﵀: ٣١ - مَتُروكُهُ ما وَاحِدٌ بهِ انْفَرَدْ ... وأجَمعُوا لضَعْفِهِ فهْوَ كَرَدّ هذا هو القسم الحادي والثلاثون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المتروك، وقد عرفه الناظم بقوله: "ما واحدٌ به انفرد" يعني أن المتروك هو ما انفرد به واحد، أجمعوا على ضعفه. والضمير في "أجمعوا" يعود على المحدثين. قوله "فهو كردّ" أي هو مردود، والكاف زائدة من حيث المعنى. فالمتروك كما عرفه المؤلف، هو: الذي رواه ضعيفٌ أجمع العلماء على ضعفه. فخرج به: ما رواه غير الضعيف فليس بمتروك، وما رواه الضعيف الذي اختلفوا في تضعيفه. هذا هو ما ذهب إليه المؤلف. وقال بعض العلماء ومنهم ابن حجر في النخبة: إن المتروك هو ما رواه راوٍ متهمٌ بالكذب. فمثلاً: إذا وجدنا في التهذيب لابن حجر، عن شخصٍ من الرواة، قال فيه: أجمعوا على ضعفه، فإننا نسمي حديثه متروكاً إذا انفرد به، لأنهم أجمعوا على ضعفه. وإذا وجدنا فيه قوله: وقد اتهم بالكذب فنسميه متروكاً أيضاً، لأن المتهم بالكذب حديثه كالموضوع، ولا نجزم بأنه موضوع، ولكن كونه متهماً بالكذب، ينزل حديثه إلى درجة تقرُب من الوضع.

стр. 109

الموضوع وبيانه ... ثم قال رحمه الله تعالى: ٣٢ - والكذبُ الُمخْتَلَقُ المصنُوعُ ... على النبيِّ فذلكَ الموضوعُ هذا هو القسم الثاني والثلاثون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو الموضوع. وقد عرفه المؤلف بقوله: والكذب المختلق ... الخ. يعني هو: الذي اصطنعه بعض الناس، ونسبه إلى النبي ﷺ ، فإننا نسميه موضوعاً في الاصطلاح. * وكلمة موضوع هل تعني أن العلماء وضعوه ولم يلقوا له بالاً، أم أن راويه وضعه على النبي ﷺ ؟ نقول: هو في الحقيقة يشملهما جميعاً، فالعلماء وضعوه ولم يلقوا له أي بالٍ، وهو موضوع أي وضعه راويه على النبي ﷺ . والأحاديث الموضوعة كثيرة ألَّف فيها العلماء تآليف منفردة، وتكلموا على بعضها على وجه الخصوص، ومما أُلف في هذا الباب كتاب "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" ومنها "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني، ومنها "الموضوعات" لابن الجوزي، إلا أن ابن الجوزي ﵀ يتساهل في إطلاق الوضع على الحديث، حتى إنهم ذكروا أنه ساق حديثاً رواه مسلم في صحيحه وقال إنه موضوع! ولهذا يُقال: "لا عبرة بوضع ابن الجوزي، ولا بتصحيح الحاكم، ولا بإجماع ابن المنذر" لأن هؤلاء يتساهلون، مع أن ابن المنذر تتبعته فوجدته أن له أشياء مما نقل فيه الإجماع ويقول: لا نعلم فيه خلافاً، وإذا قال ذلك فقد أبرأ ذمته أمام الله تعالى. والأحاديث الموضوعة لها أسباب: * منها التعصب لمذهب أو لطائفة، أو على مذهب أو على طائفة،

стр. 110

مثل آل البيت؛ فإن الرافضة أكذب الناس على رسول الله ﷺ ، لأنهم لا يستطيعون أن يُروجوا مذهبهم إلا بالكذب، إذ أنَّ مذهبهم باطل، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ عنهم. وهناك أحاديث كثيرة رويت في ذم بني أمية، وأكثر من وضعها الرافضة، لأن بني أمية كان بينهم، وبين علي بن أبي طالب ﵁ حروب وفتن. والموضوع مردود، والتحدث به حرام، إلا من تحدّث به من أجل أن يبين أنه موضوع فإنه يجب عليه أن يبين ذلك لناس، ووضع الحديث على رسول الله ﷺ من كبائر الذنوب لقول النبي ﷺ : "من كذب علّي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ١، وثبت عنه أنه قال: "من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحدُ الكاذبين" ٢. وإذا أردت أن تسوق حديثاً للناس، وتُبين لهم أنه موضوع ومكذوب على النبي ﷺ ، فلابد أن تذكره بصيغة التمريض "قيل ويُروى ويُذكر" ونحو ذلك، لكي لا تنسبه إلى النبي ﷺ بصيغة الجزم، لأنه إن فعلت ذلك أوقعت السامع في الإيهام. * ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن ننبه عليها: ما يفعله الزمخشري في تفسيره من تصديره السورة التي يفسرها، أو ختمها بأحاديث ضعيفة جداً أو موضوعة، في فضل تلك السورة، ولكن الله يسر للحافظ ابن حجر ﵀ فخرَّج أحاديث تفسير "الكشَّاف" للزمخشري وبين الصحيح من الضعيف من الموضوع.
следующие страницы →