← Акыда

Акыда · id 11256

شرح التدمرية - الخميس

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (448 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

[المائدة: ١٦] وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] . س٨: ما وجه احتياج الناس إلى الشرع؟ ج: وجه ذلك أن الله ـ تعالى ـ قد فطر الإنسان على الفعل لجلب المنافع، أو دفع المضار، ولا بد من التفكير والقدرة؛ فالتفكير لتقدير المنفعة والتمييز بينها وبين المفسدة، والقدرة للتمكن من الفعل، وهذا التفكير لا بد له من توجيه؛ فبعض الأمور قد يعلم نفعها بالفطرة، وبعضها بالتجربة، ولكن بعضها لا يعلمه إلا بالشرع، والله يرسل رسله لهداية خلقه إلى أقوم الطرق. س٩: تكلم عن مسألة التحسين والتقبيح من خلال ما يلي: ١ـ المراد بالمسألة ٢ـ محل النزاع. ٣ـ الأقوال فيها. ٤ـ مناقشة الأقوال. ٥ـ ما يبنى عليها. ج: أولاً: المراد بالمسألة: المراد بها هو معرفة حسن الشيء وقبحه؛ هل هو ذاتي يدركه العقل، أم أنه اعتباري ونسبي وليست الأشياء في ذاتها حسنة ولا قبيحة؟ ثانياً: تحرير محل النزاع: ١ـ اتفق الجميع على أن ما يوافق غرض الفاعل يسمى حسناً ويدرك بالعقل؛ كحسن قتل العدو وغيره، وما خالف غرض الفاعل يسمى قبيحاً كالإيذاء ونحوه. ٢ـ اختلفوا في الأفعال هل توصف بالحسن والقبح لذاته أم هي أمور اعتبارية فقط بحسب موافقة أو مخالفة غرض الإنسان؟ وهل يترتب عليها الثواب والعقاب بمجرد تحسينها وتقبيحها أم ذلك متوقف على الرسل؟ ثالثاً: الأقوال في المسألة: وهي على ثلاثة أقوال: • الأول: قول أهل السنة والجماعة: وخلاصته أن العقل قد يدرك قبح الأفعال وحسنها كقبح الكذب والظلم، وحسن الصدق والعدل، ولكن

стр. 387

لا يدرك تفاصيل ذلك، ولا يدرك الثواب والعقاب، بل ذلك لا يعرف إلا بالشرع. • الثاني: قول المعتزلة: وخلاصته أن قبح الأفعال وحسنها يعرف بالعقل، ففيها صفات ذاتية لازمة ليس الشرع إلا كاشفاً لها، فيثبت الثواب والعقاب عليها وإن لم يأت الشرع. • الثالث: قول الأشاعرة: وحاصله أنه ليس للأفعال حسن ولا قبح لذاتها؛ وإنما هي معانٍ إضافية غير حقيقية، وما جاء به الشرع من الثواب والعقاب إنما هو لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لعلة في الفعل، فالحسن والقبح شرعي محض. رابعاً: مناقشة الأقوال: • القول الأول: وهو قول الأشاعرة: إن القبيح في حق الله ممتنع لذاته، فكل ما كان داخلاً في قدرة الله فهو حسن وله فعله؛ كتعذيب الطائعين وإكرام الكافرين ونحوهما. • القول الثاني: وهو قول المعتزلة إن الله منزه عن القبيح لمجرد كونه قبيحاً عقلاً، وكل ما قبحه العقل فالله منزه عنه مع قدرته عليه. خامساً: كلا القولين ـ قول المعتزلة والأشاعرة ـ غاية في الانحراف؛ فقول الأشاعرة ليس في مدح لله ـ تعالى ـ على عدله وتركه للظلم، بل ليس فيه مدح له مطلقاً؛ لأنه لم يترك القبيح اختياراً وإنما لامتناعه عليه لذاته ـ سبحانه، وقول المعتزلة فيه تسوية لله بخلقه، فكل ما قبحته عقولهم في حق المخلوقين نزهوا الله عنه، فلم يقدروا الله حق قدره. س١ ٠: ناقش قول من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد. مع بيان القائلين به، والمقصود من قولهم. ج: قولهم: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد"ة قول باطل، ويمكن تلخيص الرد عليه بما يلي:

стр. 388

١ـ أنه ليس في الوجود واحد صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله تعال، بل كل شيء محتاج إلى غيره في التسبب. أـ فالنار مثلاً لا يحصل الإحراق بها إلا بمحلٍّ يقبل الإحراق. ب ـ وكذلك شعاع الشمس لا بد له من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع. ٢ـ أن هذا القول من أعظم الجهل، وليس عليه دليل عقلي ولا نقلي، بل الله خلق المخلوقات كلها حيث قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ فخالق الأزواج واحد، بل وخالق جميع المخلوقات واحد. ٣ـ أنه يلزم من قولهم هذا نفي إرادة الله؛ بل هو مجبور حيث صدر منه واحد بالاضطرار! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. * والقائلين بهذا القول هم الفلاسفة الملاحدة ومن وافقهم من المتفلسفة ممن ينتسب إلى الإسلام كابن سينا. * والمقصود من قولهم: هو أن قولهم هذا مبني على قولهم في شبهة التركيب: إن الله واحد لا قسيم له. فيمكن أن يجاب عنه هنا بما سبق في شبهة التركيب فليراجع هناك. س١١: اذكر بعض الألفاظ المجملة للصوفية، وبين ما تحتمله من معان. ١ـ (أريد أن أكون) . ٢ـ (إن العارف لا حظَّ له) . ٣ـ (إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل) . • الاحتمال الأول: إذا كان القائل من فضلاء الصوفية كعبد القادر الجيلاني فيحمل كلامه الأول على أنه لا يريد شيئاً إلا أن يكون مأموراً بإرادته.

стр. 389

ويحمل كلامه الثاني على أن العرف لا حظ له فيما لم يؤمر بطلبه، والثالث على أنه مسلم لأوامر الله وأقداره. • الاحتمال الثاني: إن كان مقصوده أن إرادته تبطل بالكلية فلا يحس بالضار والنافع ولا يميز بين الأشياء؛ وهو مخالف للحس والعقل والدين. س١٢: اذكر أقسام الفناء عند الصوفية مع التوضيح. ج: الفناء عند الصوفية ثلاثة أقسام: ١ـ الفناء عن إرادة السوى. ٢ـ الفناء عن شهود السوى. ٣ـ الفناء عن وجود السوى. • الأول ـ الفناء عن إرادة السوى: (الفناء الديني الشرعي) فيفنى عن عبادة غير الله بعبادته وحده، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وهذا مطلوب شرعاً لكنه يسمى في الشرع بالإخلاص والإحسان والتقوى والبر والإيمان وغيرها، وينبغي ألا يعدل عن الألفاظ الشرعية؛ فإن تلك الألفاظ مجملة مشتملة على الحق والباطل، ولكن إثمها أكبر من نفعها. • الثاني ـ الفناء عن شهود السوى: أي يفنى بمعبوده وهو الله عن عبادته، أي ينشغل بالله إلى حد يترك فيه عبادته، ويفنى بمذكوره ـ أي: الله ـ عن ذكره وبمعروفه ـ أي الله ـ عن معرفته لنفسه، بحيث يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله، وهذا حال ناقص، فمن جعله نهاية السالكين فهو ضال ضلالاً مبيناً، ومن جعله من لوازم الطريق فهو مخطئ. * ووجوه النقص في هذا النوع ما يلي: ١ـ أنه لم يقع للنبي ﷺ حتى في أعظم المواقف وهو موقف الإسراء والمعراج. ٢ـ أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كالمجانين ليس فيه مدح لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة؛ بل يذم من يعتمد ذلك شرعاً وعقلاً وعادة.

стр. 390

٣ـ أن هذا الفناء دليل على ضعف قلب من يحصل له أنه لم يستطع الجمع بين الإيمان بالله وعبادته. ٤ـ أن هذا الفناء فيه تعطيل للشرائع وفتح لباب التهاون في الأعمال وتضييع الفرائض، ومعلوم ما في ذلك من مناقضة صريحة لدين الله. • الثالث ـ الفناء عن وجود السوى: بحيث يرى أن وجود الخالق هو عين وجود المخلوق وأنه واحد بالعين، وهذا قول وحدة الوجود والاتحاد، وهم أضل عباد الله، وهو مذهب ابن عربي الصوفي وابن سبعين وابن الفارض وغيرهم.

стр. 391

أصل الإسلام الشهادتان قال شيخ الإسلام: "فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّداً رسول الله. وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما، مع ظنه انه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمَّداً رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر. وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين. • الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه أخبر عن المشركين ـ كما تقدم ـ بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الآرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذو هؤلاء الشفعاء مشركون، وقال تعالى عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أأتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٢ـ٢٥] .

стр. 392

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] ، فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء. وقال تعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ـ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [الأنعام: ٥١] . وقد قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ آيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ـ٢٨] . وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الآرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ آذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ـ٢٣] . وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ـ٥٧] . قالت طائفة من السلف: كان أقوام يَدْعُون عزيرا والمسيح والملائكة، فأنزل الله هذه للآية بيَّن فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. ومن تحقيق التوحيد أن يُعلم أن الله تعالى أثبت له حقاً لا يشركه فيه مخلوق، كالعبادة والخوف والخشية والتقوى، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ

стр. 393

مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً﴾ [الإسراء: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا آنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ـ٣] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر ٦٤ـ٦٦] ، وكل من أرسل من الرسل يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] . وقد قال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] .، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ آنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ، فقال في الإيتاء: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] ، وقال في التوكل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإيتاء هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما حلله، والحرام ما حرّمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وأما الحسب فهو الكافي، والله وحده كافٍ عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ، فهو وحده حسبهم كلهم. وقال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين، إذ هو وحده كاف نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسباً للرسول، وهذا في اللغة كقول الشاعر: * فحسبك والضحّاك سيف مهند *

стр. 394

وتقول العرب: حسبك وزيداً درهم، أي يكفيك وزيداً جميعاً درهم. وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] فأثبت الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأطِيعُونِ﴾ [نوح: ٢ـ٣] ، فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [المائدة: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿فلا تخا ... مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٥] ، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أخَافُ مَا آشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أنَّكُمْ أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأيُّ الْفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالآمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] . وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ ١ [لقمان: ١٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] ، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ البقرة: ٤١] . ومن هذا الباب أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "أمن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئاً" ٢، وقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمَّد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمّد"٣.

стр. 395

ففي الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف (الواو) ، وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف (ثم) وذلك لأن طاعة الرسول طاعةٌ لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة للرسول بخلاف المشيئة، فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله. • الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ ، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي آنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] وأمثال ذلك. فصل إذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره: بقضائه وشرعه. وأهل الضلال الخائصون في القدر انقسموا على ثلاث فرق: مجوسية ومشركية، وإبليسية. • فالمجوسية الذين كذَّبُوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدتهم أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. • والفرقة الثانية ـ المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا

стр. 396

الأمر والنهي، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدّعي الحقيقة من المتصوفة. • والفرقة الثالثة ـ الإبليسية: وهم الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا تناقضاً من الرب ، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر مثل ذلك عن إبليس مقدمهم كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب. والمقصود أن هذا مما يقوله أهل الضلال، وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون بهذا وهذا، فيؤمنون بأن الله خالق كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علماً، وكل شيء أحصاه في كتاب مبين. ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله، وقدرته، ومشيئته ووحدانيته، وربوبيته، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ما هو من أصول الإيمان. ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] ، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] ، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] فأخبر أنه يفعل بالأسباب. ومن قال: يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن وأنكر ما خلقه الله من القُوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد. كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله على غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولا بدّ له من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ

стр. 397

كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] ، أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحدا؛ كان جاهلاً، فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنا، إلا الله خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، فالنار التي جعل الله فيها حرارة، لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل الاحتراق، فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يُطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع لابد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أنه لابدّ من الإيمان بالقدر، فإن الأيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس ﵄: هو نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر تَمَّ توحيده، ومن وحَّد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. ولا بدّ من الإيمان بالشرع، وهو الإيمان بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه. والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لا بد له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يمييز بين الأفعال التي تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يُمَكِّن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميّزون به بين ما يفعلونه ويتركون. وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همّام حارث، كما قال

стр. 398

النبي ﷺ : "أصدق الأسماء حارث وهمّام" ١، وهو معنى قولهم: متحرك بالإرادة، فإذا كان له إرادة هو متحرك بها، فلابد أن يعرف ما يريده هل هو نافع له أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟ وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضه يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضهم لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم له، وهدايتهم إياهم. وفي هذا المقام تكّم الناس في الأفعال هل يعرف حسنها وقبحه بالعقل، أم ليس لها حسن وقبح يعرف بالعقل؟ كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينَّا ما وقع في هذا الموضع من الاشتباه، فإنهم اتفقوا على أن يكون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل، وهو أن يكون الفعل سبباً لما يحبه الفاعل ويلتذ به، وسبباً لما يبغضه ويؤذيه. وهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى، وبهما جميعاً أخرى، لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعلم إلا بالشرع، فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر، وأمرت به من تفاصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم جمل ذلك. وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان، وجاء به الكتاب هو مما دلّ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] .

стр. 399

ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا، فكلتا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت. ثم إن كلتا الطائفتين لما كانت تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية، ودلَّت عليه الشواهد العقلية تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ماهو منه قبيح، هل ذلم ممتنع لذاته وأنه لا تتصور قدرته على ما هو قبيحو أو أنه منزه عن ذلك لا يفعل لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين: والقولان في الانحراف من جني القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة المعصية، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محموداً على ما فعله من العدل أو تركه من الظلم، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة أو تركه من العذاب والنقمة، والآخرون نزّهوه بناءً على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبهوه بعباده فيما يُؤمر به ويُنهى عنه. فمن نظر إلى القدر فقط، وعظَّم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية، لم يميّز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشد والعي، وأولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ودينه وشرائعه، فهم مخالفون أيضاً لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل والقياس، فإن أحدهم لا بد أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء، فيميّز بين ما يُؤكل ويشرب، وما لا يُؤكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، وهذا التمييز ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية. ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي إلى حد يستوي عنده الأمران دائماً فقد افترى

стр. 400

وخالف ضرورة الحس، ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يسقط إحساسه نفسه، بل يرى في منامه ما يسره تارة وما يسوؤه أخرى، فالأحوال التي يُعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقاً. ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقاً، وعظَّم هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدراً وشرعاً: غلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن وجود هذا، ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز والعقل والمعرفة. وإذا سمعت بعض الشيوخ يقول: أريد أن لا أريد، أو إن العارف لا حظّ له، أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل، ونحو ذلك، فهذا إنما يمدح منه سقوط إراداته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يُؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يُؤمر بدفعه. ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذة والألم، والنافع والضار، فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مدح هذا فهو مخالف ضرورة الدين والعقل. والفناء يُراد به ثلاثة أمور: • أحدها: وهو الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، هو أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ماأمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا

стр. 401

وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ، فهذا كله مما أمر الله به ورسوله. • وأما الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية، وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله؛ فهذا حالٌ ناقص، قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرض مثل هذا للنبي ﷺ والسابقين الأولين. ومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضالٌّ ضلالاً مبيناً، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك. • وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهذا قول أهل الإلحاد والاتحاد، الذي هم من أضلّ العباد. وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله، فإنه إذا كان مشاهداً للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور، فعومل بموجب ذلك؛ مثل أن يُضرب ويُجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع فإن لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهب، وقيل له: هذا الذي فعله مقضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله، وهو يعمّكما، فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له، فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي. والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور، وبترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عنران: ١٢٠] ، وقال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى [الله] عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ

стр. 402

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] ، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لا بد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" ١.وقال: (إن ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة) • وكان يقول "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت"٢. وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه، فاجتباه ربه وتاب عليه وهداه، وعن إبليس أبي الجن أنه أصرّ متعلقاً بالقدر فلعنه وأقصاه، فمن أذنب فتاب وندم فقد أشبه اباه، ومن أشبه اباه فما ظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الآمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ آنْ يَحْمِلْنَهَا وَأشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ـ٧٣] . ولهذا قرن بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمَّد: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦] ،

стр. 403

وقال تعالى: ﴿ا?لر لكِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * ألا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ١ـ٣] . وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: "يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً١. وقد ذكر الله عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أنْ لا إِلَهَ إِلا أنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] ، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] ، قال النبي ﷺ : "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها كربه"٢. وجماع ذلك أنه لابد له في الأمر من أصلين، ولا بد له في القدر من أصلين، ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علماً وعملاً، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه للحدود. ولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار؛ فكان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً٣، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ، فقاموا الليل ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ

стр. 404

كَانَ تَوَّابًا﴾ ١ [النصر: ١ـ٣] ، وفي الحديث الصحيح أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن٢. وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقراً إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدَّر عليه. ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى، لما قال: يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوباً عليَّ قبل أن أُخلق ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] ، قال: بكذا وكذا سنة، قال: فحج آدم موسى٣. وذلك أن موسى لم يكن عتبه للآدم لأجل الذنب، فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك، وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] . فمن راعى الأمر والقدر ـ كما ذكر ـ كان عابداً لله، مطيعاً له، مستعيناً به، متوكلاً عليه، من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ

стр. 405

وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ـ٣] ، فالعبادة له والاستعانة به، وكان النبي ﷺ يقول عند الأضحية: "اللهم منك ولك"١، فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم. ولابد في عبادته من أصليين: أحدهما: إخلاص الدين له. والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله. ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وقال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة٢. ولهذا ذمَّ الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدِّين الذي لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدين، قال الله تعالى: ﴿أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] ، كما ذمَّهم على أنهم حرّموا مالم يحرمه الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله. ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام:

стр. 406

فالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه. وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم تحرِّيا للطاعة والورع، ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع. وطائفة فيهم استعانة وتوكّل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة، فقد يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطناً وظاهراً، ويُعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول، ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى، فالأولون لهم دين ضعيف، ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر، واتبع فيه السنة. وشر الأقسام من لايعبده ولا يستعينه، فهو لا يشهد أن عمله لله، ولا أنه بالله. فالمعتزلة ونحوهم من القدرية الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي، والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة، ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي، والوعد والوعيد، حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك، فيصيرون أيضاً معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم، فهم معتزلة من الوجه، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدع شراً من بدعة أولئك المعتزلة، وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة". معاني الكلمات: أصل: الأصل هو ما يُبنى عليه غيره. أصل الإيمان: هم أهل التصديق بالله والانقياد بما جاء به الرسول ﷺ من الشرع.

стр. 407

وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين: هم أهل البدع من أهل الكلام والتصوف. غاية التحقيق: هو نهاية التحقيق. الوحدانية: اعتقاد الوحدانية لله ذاتاً وصفة وفعلاً. توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة. عناصر الموضوع: ١ـ حقيقة الشرع وأصله: حقيقة الشرع وأصله مبني على الإقرار بالوحدانية والرسالة هما حقيقة الشرع، وهما اللذان يفرق بهما بين المسلمين وغيرهم، لا مجرد الإقرار بالربوبية كما يزعم طوائف من أهل الكلام والتصوف. ٢ـ أركان لا إله إلا الله: كلمة التوحيد والتقوى لها ركنان: • الركن الأول: هو "لاإله" نفي الألوهية الحقة عن كل ما سوى الله من المخلوقات. • الركن الثاني: هو "إلا الله" إثبات الألوهية لله وحده لا شريك له. ٣ـ معنى لا إله إلا الله عند أهل السنة ومخالفيهم: المقرون بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله" افترقوا في معناها على أربع فرق١:

стр. 408

• الفرقة الأولى قالت: معناها لا معبود إلا الله، وبناءً على ذلك فإنهم ألَّهوا كل معبود من دون الله، قالوا: لأن الله أخبر في كتابه بأنه قضى وقدَّر أن لا يعبد إلا هو فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ؛ فمن أمحل المحال أن يُعبد إلا الله، معبود عندهم هو الله حقاً، فالعجل هو الله، وفرعون هو الله حقاً، والبقر هو الله، والكواكب هي آلهة حقاً، والأصنام آلهة حقاً، وهذا هو مذهب أهل الحلول والاتحاد. • والفرقة الثانية قالت: معناها لا موجود إلا الله، فليس لله تعالى وجود سوى هذا العالم المرئي، وهؤلاء هم أصحاب وحدة الوجود. • والفرقة الثالثة قالت: إن معنى لا إله إلا الله هو القدرة على الاختراع، وأن من اعتقد أن الله هو وحده القادر على الاختراع؛ فقد حقق معنى لا إله إلا الله، وهذا هو مذهب أهل الكلام. • والفرقة الرابعة: هم أهل السنة والجماعة؛ فإنهم هم الذين يوحّدون الله تعالى حقاً بأقوالهم وأفعالهم امتثالاً لأمره تعالى لنبيه محمد ﷺ الوارد في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنَا أوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ـ١٦٣] ، وهم الذين يفسرون لا إله إلا الله بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وبقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ، وبقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] ، وبقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ـ٣] إلى غير ذلك من الآيات التي تمنع التوكل أو الاعتماد على غيره تعالى، فأهل السنة والجماعة لا يدعون إلا الله، ولا يستغيثون إلا بالله، ولا ينذرون إلا الله، ولا يحلفون إلا بالله، وهم الذين يخشونه ولا يخشون أحداً سواه١. ٤ـ دلالة "لا إله إلا الله" على التوحيد بكل أنواعه: كلمة "لا إله إلا الله" هي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وأساس

стр. 409

التوحيد، وقد دلّت هذه الكلمة على جميع أقسام التوحيد التي ذكرها أهل السنة والجماعة، وذلك على النحو الآتي: أـ دلالتها على الألوهية: وذلك لأن معناها الحقيقي لا مستحق للعبادة إلا الله تعالى، "فلا إله" نفت استحقاق العبودية عما سوى الله تعالى، و"إلا الله" أثبتت جميع أنواع العبادة لله وحده، فهذه دلالتها على توحيد الألوهية. ب ـ توحيد الربوبية: أي انفراد الله تعالى بخصائص الربوبية، وقد دلت كلمة "لا إله إلا الله" على توحيد الربوبية على سبيل التضمن، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية بالدلالة، وذلك لأنه لا يستحق أن يفرد بالعبادة إلا من كان منفرداً بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿هل من خالق.....إلا هو﴾ [فاطر: ٣] ، فدلت الآية على أنه لا يستحق أن يعبد إلا المنفرد بالملك والرزق وغيره من أمور الربوبية، وهكذا نجد أن كلمة التوحيد دالة على توحيد الربوبية على سبيل التضمن. ج ـ توحيد الأسماء والصفات: وذلك لأن إثبات وجود الله أصلاً يعد إثباتاً لأسمائه وصفاته، وذلك لأنه لا يتصور وجود ذات دون أسماء وصفات؛ لأن هذا لا يصح إلا في حق الممتنعات والمعدومات، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على دلالة كلمة لا إله إلا الله على جميع أنواع التوحيد، حيث قال رحمه الله تعالى: "وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر"١.

стр. 410

٥ ـ الغاية من خلق الخلق وإرسال الرسل: اختلف تحديد الغاية من خلق الخلق وإرسال الرسل عند أهل السنة عنه عند مخالفيهم، وذلك كما يلي: * أولاً ـ عند أهل السنة: يقول أهل السنة: إن الغاية من خلق الله هي عبادة الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، فالآية صريحة في بيان أن توحيد العبادة هو غاية خلق الخلق، وكذلك فهو الغاية العظمى من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وهو أول دعوة الرسل، والغاية من خلق الجن والإنس كما يشهد بذلك الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] . ومن السنة حديث ابن عباس وفيه: أن رسول الله لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ... "١. فهذان النصان الشرعيان دالان على أن أول دعوة الرسل والغاية من بعثهم هي الدعوة إلى توحيد الله في العبادة، والنصوص الشرعية في ذلك كثيرة. * ثانياً ـ عند المخالفين من أهل الكلام: خالف أهل الكلام المذموم أهل السنة؛ فجعلوا الغاية العظمى من إرسال الرسل وإنزال الكتب معرفة الله، وإثبات الصانع الخالق ، وهي إثبات الربوبية لله تعالى. وليتهم وقفوا عند هذا؛ بل زعموا أن توحيد الربوبية هو الغاية العظمى

стр. 411

من بعثة الرسل، وأنهم إذا أثبتوه بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد١. وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: "أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له.. وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ كما تشهد به آيات الكتاب العزيز٢. والرد على هذا ما يلي: أـ أن توحيد الربوبية نوعٌ من التوحيد فهو بعضه لا جميعه، وقد أقرّ به المشركون، فكيف مع ذلك يكون هو الغاية العظمى من بعثة الرسل؟. ب ـ أن مجرد الإقرار بهذا التوحيد فقط لا يُوجب الدخول في الإسلام ولا يصير به الرجل مسلماً. فمشركو العرب كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء، ومع هذا سماهم مشركين، حيث قال عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] . فالمراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ﴾ هو تصديقهم واعترافهم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، والمراد من قوله تعالى: ﴿إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي: أنهم أشركوا مع الله في عبادته، وهذا ما فسر به السلف هذه الآية٣. قال محمود الألوسي الحنفي في تفسير هذه الآية: "يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلاً، وكان مرتكباً شركاً كيفما كان، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضرر ممن الله تعالى أعلم بحالة من فيها، وهم اليوم أكثر من الدود"٤.

стр. 412

٦ ـ أول واجب على المكلف: لقد اختلف تحديد أول واجب على المكلف عند أهل السنة وعند أهل الكلام من المخالفين، وذلك بناء على اختلافهم في معنى التوحيد أصلاً، وفي معنى "لا إله إلا الله". وسنحاول إيجاز ذلك على النحو التالي: أـ أول واجب على المكلف عند أهل السنة: ينص أهل السنة والجماعة أن أول ما يجب على العبد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإفراد الله تعالى بالعبادة، وحجتهم في ذلك أمور، من أهمها: قوله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁، لما أرسله إلى اليمن: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... "١. قال ابن أبي العز الحنفي: "ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك، كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يُؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه ... "٢. ب ـ أول واجب على المكلف عند أهل الكلام: اختلف أهل الكلام المذموم في بيان أول واجب على المكلف، وذلك كما يلي: ١ ـ ذهبت طائفة كابن فورك وغيره إلى أن النظر العقلي والاستدلال المؤدي إلى معرفة الخالق هو أول ما يجب على المكلف، وحجتهم أن النظر مقدمة الواجب الذي هو معرفة الله. ٢ ـ وذهبت طائفة كأبي بكر بن الطيب وأبي إسحاق الإسفراييني إلى أن

стр. 413

القصد إلى النظر هو أول الواجبات، وحجتهم في ذلك أن النظر ذو أجزاء يترتب بعضها على بعض١. ٣ ـ وذهبت طائفة إلى أن أول واجب هو الشك الحامل على البحث الموصل إلى المعرفة واليقين، وهذا قولٌ خطير جداً؛ لأنه يجعل الشك في الله ـ وهو كفر ـ يجعله أول ما يجب على المكلف٢. قال القرطبي في (المفهم) في شرح حديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم": "هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهومة، وأشد ذلك الخصومة في الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسلف أمته؛ إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالاً عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعاً من المحال لا يرتضيها البُلُه ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيّز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها، وهل هي الذات أو غيرها، وفي الكلام: هل هو متحد أو منقسم، وعلى الثاني: هل ينقسم بالنوع أو الوصف، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثاً، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلاً هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشرع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم، بل نُهوا عن الخوض فيها لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده، ولا فرق بين

стр. 414

البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به فهو على إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزه عن الشبيه، مقدَّس عن النظير، متصف بصفات الكمال. ثم متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه، كما هو طريق السلف، وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والشافعي، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعرض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين، فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالاً. قال: وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال: "ركبت البحر الأعظم، وغضتُ في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فراراً من التقليد، والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب أهل السلف". هذا كلامه أو معناه، وعنه أنه قال عند موته: "يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به" إلى أن قال القرطبي: ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقاً بالذم: إحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب الشك؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبتُ البحر. ثانيتهما: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه، حتى لقد أورد على بعضه أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تشنع عليَّ بكثرة أهل النار، قال: وقد ردّ بعض من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطأ منه، فإن القائل بالمسألتين كافر شرعاً، لجعله الشك في الله واجباً، ومعظم المسلمين كفاراً حتى يدخل في عموم كلام السلف من

стр. 415

الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة، وإلا فلا يوجد في الشرعيات ضروري، وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن إطالة النَّفَس في هذا الموضع لما شاع بين الناس من هذه البدعة، حتى اغتر بها كثير من الأغمار فوجب بذل النصيحة، والله يهدي من يشاء". انتهى. ٧ ـ معنى شهادة أن محمداً رسول الله: أي أقرُّ وأصدق التصديق الجازم من صميم قلبي المواطئ لقول لساني بأن محمداً ﷺ عبد الله ورسوله إلى الناس كافة، فحقيقة شهادة أن محمداً رسول الله " هو: الانقياد التام والطاعة المطلقة له "، والتمسك بما جاء به عن ربه جل وعلا، ونشر سنته وحماية جناب التوحيد الذي بيّنه، وتعظيم أمره ونهيه، واتباع هديه ﷺ ، ومحبته أكثر من محبة النفس والمال والولد. ٨ ـ مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله: مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله يتلخص في أمور: أـ الإيمان به ﵊ لقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . ب ـ طاعة النبي ﷺ فيما أمر لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] . ج ـ تصديقه فيما أخبر. د ـ نتبعه لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . هـ ـ اجتناب ما نهى عنه وزجر. وـ محبته ﵊. ز ـ وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع المصطفى ﷺ . ح ـ التسليم لحكمه لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ

стр. 416

فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . ي ـ نُرضي الرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . ٩ ـ الشهادة للرسول بالرسالة مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد: الشهادة للرسول بالرسالة مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد، فلا تكفي إحداهما عن الأخرى، ولا بد فيه من اعتراف العبد بكمال عبودية النبي ﷺ لربه تعالى وكمال شريعته. ١٠ ـ طاعة النبي ﷺ واتباعه: أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعة الرسول ﷺ فيما أمر به واجتناب ما نهى عنه وحذرهم من مخالفة أمره؛ فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أآنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ ـ ٣٢] . ولا شك أن مما يجب على العباد محبة ربهم، ولكن حصول هذه المحبة وقبولها متوقف على اتباع النبي ﷺ ، وعلامة هذا الاتباع طاعته ﷺ فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر. ١١ ـ عبادة الله لا تكون إلا بما شرع الرسول ﷺ : الرسول ﷺ هو الموضح والمبيّن والمفسِّر لما أتى به الكتاب الكريم من أوامر ونواهٍ؛ لذا وجب على أمته أن تعبد الله بما شرع لها الصادق الأمين ﷺ ، فمن عمل عملاً لم يشرعه الرسول ﷺ فهو رد، وكما قال عليه

стр. 417

الصلاة والسلام: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"١. وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"٢. المقصود أن إخلاص العبادة ومتابعة الرسول ﷺ من أوجب الواجبات على كل عبد. ١٢ ـ حقيقة التوحيد هو إفراد الله بالعبادة: إن حقيقة التوحيد هي إفراد الله بجميع العبادات الظاهر منها كالصلاة والحج والصيام وغيرها، والباطنية كالتوكل والخوف والتقوى والمحبة وغيرها. ١٣ ـ الأدلة على إخلاص العبادة لله تعالى: أـ قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢] . ب ـ ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] . ج ـ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ آيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] . د ـ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩ ـ ٦٥ ـ ٧٣ ـ ٨٥] . ثم ذكر شيخ الإسلام أدلة التوكل والخوف والخشية والتقوى، فارجع إليها ـ رحمك الله ـ في الرسالة التدمرية. ١٤ ـ معنى قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] . هذا وعد الله لعباده المؤمنين المتبعين لرسوله ﷺ بالكفاية والنصرة على الأعداء، فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع فلا بد أن يكفيهم ما أهمّهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلف الكفاية بتخلف شرطها، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك أي: حسبك الله والمؤمنون، فتكون

стр. 418

(من) في محل رفع عطفاً على اسم الله تعالى، وهذا الذي غلّطه شيخ الإسلام. ١٥ ـ الطاعة لله ولرسوله وأما الخشية والتقوى فهي لله وحده: جعل الله الطاعة للرسول ﷺ طاعة له فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] ، فأثبت الطاعة لله وللرسول ﷺ ، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، فيجب إفراد الله بالعبادات الظاهرة والباطنة. ١٦ ـ وقفات مع قوله ﵊: "ومن يعصهما": ورد عن النبي ﷺ أنه قرن اسمه باسم الله في المعصية فقال: "ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً"١، وهو حديث ضعيف٢، وهو معارض للحديث الصحيح الذي فيه أن رجلاً خطب عند النبي ﷺ فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعضهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله"٣. فنهاه عن الجمع بين ضمير الله تعالى وبين ضمير رسوله ﷺ . ١٧ ـ النبي ﷺ قرن اسمه باسم الله بحرف (الواو) في الطاعة، وبحرف (ثم) في المشيئة: قرن النبي ﷺ اسمه باسم الله تعالى بحرف (و) في الطاعة؛ فقال ﵊: "من يطع الله ورسوله فقد رشد"٤.

стр. 419

وفي المشيئة أمر أن يقرن بـ (ثم) فقال: "قولوا ما شاء الله ثم ما شاء محمد"١. وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله تعالى بخلاف المشيئة، فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس. ١٨ ـ شرطا قبول العبادة: أـ الإخلاص لله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ ـ ٣] . ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] . ب ـ موافقة ما شرع الرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . ولقوله ﵊: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"٢. ١٩ ـ أصول العبادة: أصول العبادة هي: المحبة، والخوف، والرجاء، وقد جمعها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] ، فابتغاء القرب إشارة إلى المحبة، ثم الرجاء، وبعده الخوف. ٢٠ ـ منزلة الحب أرفع من منزلة الخوف: وذلك لسببين: أـ أن المحبة مقصودة لذاتها، وأما الخوف فمقصود لغيره.

стр. 420

ب ـ أن الخوف يتعلق بأفعال الله، والمحبة تتعلق بذاته وصفاته١. ٢١ ـ مراعاة الشرع والقدر توجب العبادة والاستعانة: مراعاة الشرع والقدر توجب العبادة والاستعانة لأن الأصل الأول من الشرع هو العبادة، والأصل الأول من القدر هو الاستعانة، وهذا هو الصراط المستقيم، وقد جمع الله تعالى بين العبادة والاستعانة وهي التوكل في مواضع من كتابه منها: أـ قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . ب ـ وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] . ج ـ وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] . د ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ ـ ٣] . وكان النبي ﷺ يقول في الأضحية: "اللهم منك وإليك"٢. أي: منك إعانة وتوفيقاً ورزقاً، وإليك عبادة وطاعة وتقرباً، فما لم يكن بالله ومشيئته وتوفيقه لا يكون، وما لم يكن لله تعالى قربة وطاعة لا يدوم، وهذا غاية التوحيد والتحقيق، فالعبادة تحقيق لتوحيد الألوهية، والاستعانة تحقيق لتوحيد الربوبية٣. ٢٢ ـ وجوب الاستغفار في الذنوب والمصائب الشرعية: لا يحتج بالقدر في الذنوب والمصائب الشرعية بل يجب الاستغفار، أما في المصائب الكونية ينظر إلى القدر ويحتج به مع الصبر عليها، ومن هذا القبيل احتجاج آدم على موسى بالقدر لما قال موسى: يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته،

стр. 421

لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبِكم وجدت مكتوباً عليّ من قبل أن أخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] ، قال: بكذا وكذا، فقالصلى الله عليه وسلم: "فحج آدم موسى"١. لأن موسى لم يعاتب آدم لأجل الذنب، فإنه قد تاب منه ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم وهي إخراجهم من الجنة٢. وقد جمع الله تعالى بين الاستغفار عن الذنوب والصبر على الكروب كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] . المقصود أن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، فالإيمان بالقضاء السابق والتقدير الماضي يعين العبد على أن ترضى نفسه بما يصيبه فيصبر على المصائب٣، ففي المصائب الشرعية يجب الاستغفار، وفي المصائب الكونية يجب الصبر. ٢٣ ـ العلاقة بين الاستغفار وتوحيد العبادة: للعبادة والعمل الصالح أصلان: أـ الأصل الأول: يكون مع العبادة، وهو الاجتهاد في الإتيان بالعبادة على وجه الكمال وفق شرع الشارع. ب ـ الأصل الثاني: يكون بعد العبادة: فيستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه الحدود. لذلك جمع الله بين توحيد العبادة والاستغفار في مواضع كثيرة، منها: أـ قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] . ب ـ وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] .

стр. 422

ج ـ وذكر الله تعالى عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أنْ لا إِلَهَ إِلا أنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧] ، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] . وقال النبي ﷺ : "دعوة أخي ذي النون: ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّج الله كربه"١. د ـ في الحديث يقول الشيطان: "أهلكتُ الناسَ بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً"٢. ٢٤ ـ جماع الكلام في الشرع والقدر: جماع الكلام في الشرع والأمر والقدر أنه لا بد من أصلين: أصلٌ قبله: وهو الاجتهاد والامتثال فلا يزال العبد يجتهد في العلم بما أمر الله والعمل بذلك. وأصلٌ بعده: وهو الاستغفار. ولا بد في القدر من أصلين: أصلٌ قبله: وهو الاستعانة، فيستعين بالله في فعل ما أمر به ويتوكل عليه. وأصل بعده: وهو الصبر فيصبر على المقدور. ٢٥ ـ مشروعية ختم العبادات بالاستغفار: شرع أن تختم جميع العبادات بالاستغفار، وأمثلة ذلك فيما يلي: أـ قوله تعالى: ﴿وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] ، فقاموا الليل بالعبادة ثم ختموه بالاستغفار. ب ـ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأيْتَ النَّاسَ

стр. 423

يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ ـ ٣] قال ابن القيم: "فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجاً، فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأداها فشرع له الاستغفار عقيبها"١. ج ـ أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً٢.

стр. 424

الخاتمة قال شيخ الإسلام: "إنما دين الله ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله ﷺ خير القرون، وأفضل الأمة وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، فرضي عن السابقين الأولين رضاً مطلقاً، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "خير القرون القرن الذي بُعثتُ فيهم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"١. وكان ابن مسعود ﵁ يقول: "من كان منكم مستنّاً فليستنّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". وقال حذيفة بن اليمان ﵁: يا معشر القراء، استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً٢.

стр. 425

وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطاً، وخطَّ خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . وقد أمرنا أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ ـ ٧] ، قال النبي ﷺ : "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون"، وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم، ولهذا كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] ، قال ابن عباس ﵄: تكفَّل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية. وكذلك قوله ﵎: ﴿ا?لم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ ـ ٥] ، فأخبر أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين. فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين،
следующие страницы →