دلالة التمانع: سُمي التمانع لأنه مبني على فرض تمانع الآلهة بعضها بعضاً عن الصنع ومغالبة بعضهم بعضاً.
عناصر الموضوع:
١ ـ حقيقة التوحيد عند أهل الكلام:
حقيقة التوحيد عند أهل الكلام هي اعتقاد الوحدانية لله ذاتاً وصفة وفعلاً، فنلحظ أنهم غلوا في توحيد الربوبية، وأهملوا توحيد الألوهية والعبادة تماماً، مع نفيهم لكثير من الصفات كالعلو والاستواء، ويدَّعون أن هذا هو التحقيق والغاية من خلق الثقلين الإنس والجن، والغاية من إرسال الرسل وهذا خلاف الأدلة من الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، الحاصل أنهم لا يتعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بالربوبية.
٢ ـ أقسام التوحيد عند أهل الكلام:
ينقسم التوحيد عند أهل الكلام إلى ثلاثة أقسام:
١ـ توحيد الله في أفعاله لا شريك له.
٢ـ أنه واحد بصفاته ولا شبيه له.
٣ـ أنه واحد في ذاته لا قسيم له.
ولا يَخْفى أن من تدبر في توحيد المتكلمين يتبين له ما يلي:
١ـ أنه لا يوجد عندهم توحيد الألوهية ولا اهتمُّوا به، مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعلى والهدف الأسمى من خلق الكون وما فيه، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل كما تقدم بيانه.
غاية من خلق الثقلين الإنس والجن إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء المعطلة يجعلون هذا توحيداً، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون نفوسهم (الموحدين) .
٢ـ اهتمامهم الكبير بتوحيد الربوبية فقد جعلوه هو المقصد الأعلى والغاية العظمى، مع أنه أمر فطري لا يختلف فيه أهل الملل والنحل.
٣ـ قصدهم بتوحيد الذات أن الله لا يتجزأ ولا يتبعض، بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
стр. 352
وهذا حق، لكنهم أدخلوا فيه نفي كثير من الصفات كالوجه واليدين، وأدخلوا فيه نفي علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، فهم يظنون أنه لو ثبت هذه الصفات لله تعالى لكان مركباً مبعَّضاً، فكلامهم هذا من قبيل كلمة حق أريد بها الباطل.
والنوع الثاني: أنه واحد في صفاته لا شبيه له، يراد به معنيان:
١ـ يعني حق وهو: أن يراد أن الله مسمى بالأسماء الحسنى، ومتصف بالصفات الكاملة التي لا يماثله فيها أحد.
٢ـ معنى باطل، وهو: أن يراد به نفي المماثلة من كل وجه، ووجه بطلانه: أنه ليس في الملل من يثبت قديماً مماثلاً لله تعالى على السواء، وما ورد من التشبيه فهو تشبيه لبعض الخلق بالله تعالى من بعض الوجوه لا من جميعها.
ومقصودهم بتوحيد الأفعال: هو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، أي أنه خلق العالم وهذا حق، لكنهم اخطئوا في جعله هو معنى لا إله إلا الله، نتيجة خلطهم بين الربوبية والألوهية.
الحاصل أنهم لا يتعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بتوحيد الربوبية، فظنوا أنه هو المطلوب من العباد، وأن معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله.
٣ ـ أشهر أنواع التوحيد عند أهل الكلام:
أشهر أنواع التوحيد عند أهل الكلام هو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، ومقصودهم به أن خالق العالم واحد، ويستدلون على ذلك بدليل التمانع؛ وهو دليل عقلي معناه: أنه لو كان للعالم صانعان وحصل اختلافهما؛ كأن يريد أحدهما إحياء جسم والآخر مماته، فلا يخلو إما أن يحصل مرادهما معاً أو لا يحصل مراد واحد منهما، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر، فالأول: ممتنع لأنه جمع بين النقيضين، والثاني: كذلك لأنه يستلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهذا ممتنع لأنه يستلزم ارتفاع
стр. 353
النقيضين وهذا باطل، والثالث: ممكن فيكون القادر إلهاً والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، وهذا الاستدلال صحيح ولكن ليس هذا معنى لا إله إلا الله، لأن معناها: لا معبود إلا الله، وهؤلاء غلطوا في جعل الإله بمعنى الرب من وجهين:
أـ أنهم ظنوا أن الربوبية هي التوحيد المطلوب.
ب ـ أنهم ظنوا أن هذا هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن معنى الألوهية عندهم القدرة على الاختراع.
ويرد عليهم: بأن المشركين الذين بعث إليهم الرسول ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ولو كان هذا هو التوحيد المطلوب لم يمتنع المشركون من قول لا إله إلا الله، فلم ينازع أحد في أصل الربوبية، وغاية ما وجد من ذلك أنَّ من الناس من جعل لبعض الموجودات خالقاً غير الله، من القدرية ونحوهم، مع أنهم يقرون بأن الله خالق العباد وقدرتهم، أو قالوا إنهم خالقوا أفعالهم، وأهل الكلام يسمونه توحيد الربوبية، وقد غلطوا في الاستدلال على هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] ؛ لأن المقصود من هذه الآية، بيان توحيد الربوبية كان معلوماً عند المشركين، فأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون، لكن لم ينفعهم ذلك ولم يدخلهم في الإسلام، ومعلوم أن المقصد الأعظم الذي أرسل لأجله الرسل وأنزلت الكتاب وخلق له الجن والإنس هو عبادة الله وحده لا شريك له، فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.
٤ـ المشركون يقرون بتوحيد الربوبية وينكرون توحيد الألوهية:
أخبر الله أن المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا معترفين بالربوبية ولا ينكرونها، دلَّ على ذلك قوله تعالى:
١ـ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
٢ـ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالآبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]
стр. 354
٣ـ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ ـ ٨٩] .
فتبيَّن مما تقدم أن المشركين لا يجعلون أحداً من آلهتهم شريكاً لله تعالى في ربوبيته من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف، فهذه حقيقة لا ينكرها المشركون، وأخبر الله تعالى أن المشركين أنكروا على النبي ﷺ حقيقة أخرى لما نهاهم عن اتخاذ الشركاء وأمرهم بإخلاص العباد لله وحده، فهذا باطل عندهم وفاسد، وقالوا ما حكى الله عنهم في كتابه: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] ، لذا نعجبوا كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده.
• وأما الأدلة من السنة أن النبي ﷺ كان يُعلِّم أصحابه والداخلين في الإسلام من جديد، بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئاً، حين كانوا مُقرِّين بأن الله الخالق، فقد روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" [أخرجه البخاري: ٣/٣٥٧] .
وفي رواية: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى" [أخرجه البخاري، كتاب التوحيد: ١٣/٣٤٧ ح٧٣٧٢] .
وفي رواية أخرى: قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " [أخرجه مسلم، كتاب الإيمان ١/١٥ح ٣١] .
وكذلك قال النبي ﷺ : "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم
стр. 355
على الله" [أخرجه البخاري، كتاب الإيمان: ١/٧٥ ح٢٥] .
وأخبر النبي ﷺ أصحابه أن حق الله على العباد أن يوحدوا الله بالعبادة ويفردوه في ذلك، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، حيث قال لمعاذ: "أتدري ما حق الله على العباد قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ألا يعذبهم" [أخرجه البخاري، كتاب التوحيد: ١٣/٤٣٧ ح٧٣] .
• وأما في لغة العرب فإن معنى الرب غير معنى الإله، فالأول يدل على الإحاطة والخلق والإيجاد والتربية، والثاني يدل على المعبود بحق أو باطل.
فالمقصود أن الكتاب والسنة واللغة دلت جميعها على أن هنالك فرقاً بين الربوبية والألوهية، وهذا خلاف ما عليه المتكلمون؛ فهم خلطوا معنى الألوهية بالربوبية، وظنوا أن الألوهية هي القدرة على الاختراع دون غيره فقد صار عندهم موحداً، وليس الأمر كما ذهبوا إليه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد دون غيره.
стр. 356
حقيقة التوحيد عند الصوفية
قال شيخ الإسلام:
"وإذا تبيّن أن غاية ما يقرره هؤلاء النظّار أهل الإثبات ـ للقدر، المنتسبون إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف عندهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أنّ هذا هو تحقيق ما أقرّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله أو من سادات الأولياء.
وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقرُّون هذا التوحيد مع إثبات الصفات؛ فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته.
وآخرون يضمّون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا، وهذا شر من حال كثير من المشركين.
وكان جهم ينفي الصفات، ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق المشركين من هذا
стр. 357
الوجه، لكنّ جهماً ومن اتبعه يقول بالأرجاء، فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده.
والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضاً في نفي الصفات.
والكُلاّبية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصّلتُ أقوالهم في غير هذا الموضع، وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة.
والكُلاّبية هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب، الذي سلك الأشعري خلفه، وأصحاب ابن كُلاَّب كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي ونحوهما خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل.
والكرّامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمناً، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم، وأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة.
وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلوا فيه، فهم يكذِّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب.
والإقرار بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر، خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج الحرورية، وإنما يظهر من البدع أولاً ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة.
فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن
стр. 358
الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبَّهون بالمجوس، وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، والمشركون شر من المجوس".
معاني الكلمات:
غاية: أي نهاية.
ما يقرره: أي يعتقدونه ويؤمنون به.
المنتسبون: أي المنتسبون إلى أهل السنة من المتصوفة وأرباب الكلام.
المشركون كانوا مقرين: أي المشركون في زمن النبي ﷺ كانوا معترفين بالربوبية.
أهل التصوف: يعرِّفونه: بأنه الأخذ بعقائد الصوفية، واليأس مما في أيدي الخلائق، وهو الزهد والصفي المؤدي إلى إهدار الأسباب وتركها.
المعرفة: أي المعرفة بالله رب كل شيء.
شهود هذا التوحيد: أي توحيد الربوبية.
العارف: أي الصوفي الذي عرف الله وأُفني فيه حباً.
بموجوده: وهو الله ، فغاية هؤلاء الصوفية أن يصلوا إلى حدِّ أنهم يزعمون أنه لا موجود إلا الله.
مشهوده: أي الله.
عن شهوده: أي شهود نفسه، لسقوط تمييزه.
بمعروفه: أي عن الله .
عن معرفته: أي عن معرفة نفسه، فيسقط تمييزه لاستغراقه في محبة الرب. المقصود (أن الموجود) و (المشهود) و (المعروف) هنا هو الله تعالى عند هؤلاء الصوفية، فغايتهم أن يصلوا إلى أنه لا موجود إلا الله ولا مشهود
стр. 359
إلا الله ولا معروف إلا الله، فغايتهم الفناء في توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، ومعلوم أن هذه الغاية هي ما أقر به المشركون من التوحيد، وهي الغاية لا يكون بها الرجل مسلماً فضلاً أن يكون من أولياء الله.
الفناء: لغة: مصدر فنَِيَ، ومعناه: الاضمحلال والتلاشي. والزوال كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ .
عناصر الموضوع:
١ـ حقيقة التوحيد عند الصوفية:
حقيقة التوحيد عند الصوفية أنهم انقسموا في ذلك إلى ثلاث طوائف:
• الطائفة الأولى: المتصوفة الذين وافقوا أهل الكلام في التوحيد؛ فحقيقة التوحيد عندهم هو ما عند أهل الكلام، ومعناه: هو اعتقاد الوحدانية لله ذاتاً وصفة وفعلاً، فيدّعون أن توحيد الربوبية هو غاية التوحيد وهو أن يشهد المرء أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، ولا سيما إذا غاب العرف بموجوده عن نفسه، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، ومعلوم أن هذه الغاية هي ما أقر به المشركون من التوحيد، وهي الغاية لا يكون بها الرجل مسلماً فضلاً أن يكون من أولياء الله.
• الطائفة الثانية: المتصوفة الاتحادية؛ فتوحيدهم: أن الله موجود أزلاً في كل شيء حتى الكلب والخنزير والقرد، ويعتقدون أن كل المخلوقات ما هي إلا صور تتجلى فيها الذات الإلهية، أي أن الموجود الحقيق هو الله وحده وكل المخلوقات صورة له منذ الأزل.
• الطائفة الثالثة: المتصوفة الحلولية؛ فتوحيدهم: أن الله يحلُّ في عباده الصالحين بكثرة العبادة وإخلاص الحب لله.
٢ ـ أقسام التوحيد عند الصوفية:
ينقسم التوحيد عند الصوفية إلى ثلاثة أقسام:
стр. 360
١ـ توحيد العامة: ويعنون به توحيد الألوهية، وهو الذي يصح بالشواهد أي الرسل.
٢ـ توحيد الخاصة: وهو الذي يثبت بالحقائق، ويقصدون به الفناء في الربوبية، وهو حقيقة التوحيد عندهم، والمحقق له يسمى عارفاً عندهم١، وأعلى مراتبه أن يغيب العارف بمشاهدة موجوده وهو الله تعالى عن وجود نفسه هو، أي يغيب عن الخلق باستحضاره للحق، وبمشهوده أي ربه عن شهوده لنفسه، وبمعروفه أي ربه عن معرفته لنفسه، وهذه الغيبة الصوفية٢ التي تسمى بوحدة الشهود؛ وهي تختلف عن وحدة الوجود؛ لأنهم يعتقدون وجود المخلوقات وأنها غير الله، ولكن لا يشاهدها لقوة تعلقه بالله، ويمثلون لذلك بشعاع الشمس، فإنه يطغى على جميع النجوم فلا تشاهد مع أنها موجودة.
وقولهم هذا باطل من وجهين:
• الأول: أنه حال ناقص؛ فإن غياب العقول عن المشاهدة والمعرفة لم يأتِ به الشرع، ولم يكن عليه الرسل ولا السلف الكرام من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
• الثاني: أنه لو أقر به المشركون وفنوا فيه لم يصيروا بذلك مسلمين، فضلاً عن أن يكونوا أولياء عارفين.
٣ـ توحيد خاصة الخاصة: وهو القائم بالقدم عندهم، وهو وحدة الوجود التي ينتهي إليها أئمتهم.
٣ ـ حقيقة الفناء:
لقد تقدّم تعريف الفناء في اللغة، أما عند المتصوفة فهو عدم الإحساس بعالم الملكوت في الاستغراق في عظمة البارئ ومشاهدة الحق.
стр. 361
والفناء على ثلاثة أقسام:
١ـ ديني شرعي وهوالفناء عن إرادة السوى: أي عن إرادة ما سوى الله بحيث يفنى بالإخلاص لله عن الشرك، وبشرعيته عن البدعة، وبطاعته عن معصيته، وبالتوكل عليه عن التعلق بغيره، وبمراد ربه عن مراد نفسه، إلى غير ذلك مما يشتغل به عن مرضاة الله عما سواه.
وحقيقة: انشغال العبد بما يقربه إلى الله عما لا يقربه إليه وإن سُمَّي فناء في اصطلاحهم.
٢ـ فناء صوفي بدعي وهو ما يذكره بعض الصوفية؛ أن يفنى عن شهود ما سوى الله، فيفنى بمعبوده وهو الله عن عبادته، أي ينشغل بالله إلى حدِّ يترك فيه عبادته، ويفنى بمذكوره أي الله عن ذكره، وبمعروفه أي الله عن معرفته لنفسه؛ بحيث يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله، وهذا حال ناقص كما مر، وقد يعرض لبعض السالكين لكنه ليس من لوازم طريق الله، لذلك لم يعرض للنبي ﷺ ولا للسابقين الأولين، ومن جعله نهاية السالكين فهو ضالٌّ ضلالاً مبيناً، ومن جعله من لوازم الطريق فهو مخطئ كما ذكره أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه منازل السائرين.
وهذا النوع هو: الفناء عن شهود السوى: أي لا يشهد ولا يعرف إلا الله.
وخلاصة وجوه النقص في هذا النوع من الفناء ما يلي:
أـ أنه لم يقع للنبي ﷺ حتى في أعظم المواقف وهو موقف الإسراء والمعراج، وقد رأى النبي ﷺ من آيات ربه الكبرى، فكان غاية في الثبات ظاهراً وباطناً، أما ظاهراً فكما قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] ، وأما باطناً فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى﴾ [النجم:١١] .
وكذلك لم يقع هذا الفناء لخيرة خلقه بعد الرسل وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
стр. 362
ب ـ أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كالمجانين والسكارى ليس فيه مدح لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة، بل يذم من يعتمد ذلك شرعاً وعقلاً وعادة.
ج ـ أن هذا الفناء دليل على ضعف قلب من يحصل له، وأنه لم يستطع الجمع بين الإيمان بالله وعبادته، فيظن أنه إن عبد الله انشغل عن معبوده١.
د ـ أن هذا الفناء فيه تعطيل للشرائع وفتح باب التهاون في الأعمال وتضييع الفرائض، ومعلوم ما في ذلك من مناقضة صريحة لدين الله.
٣ـ فناء شركي إلحادي وهو الفناء فيه تعطيل عن وجود السّوى بحيث يرى أن وجود الخالق هو عين وجود المخلوق، وأنه واحد بالعين، وهذا قول أصحاب وحدة الوجود والاتحاد، وقد سبق مذهبهم وأنهم أضل عباد الله كما هو مذهب ابن عربي وابن سبعين وابن فارض والتلمساني وغيرهم.
وهؤلاء الملحدون أكفر من النصارى، حيث إنهم جعلوا اتحاد الله عاماً في جميع المخلوقات، وانصارى خصوه بعبده الذي اصطفاه وهو عيسى عليه السلام٢. ولأن النصارى قالوا بالاتحاد بعد أن لم يكن الله متحداً بعبده فلما خلقه اتحد به واما هؤلاء فجعلوا الاتحاد أزلياً أبدياً.
٤ـ العبارات المجملة عند مشائخ الصوفية:
ورد عن بعض مشائخ الصوفية عبارات مجملة محتملة هي:
١ـ أريد أن لا أكون.
٢ـ أن العارف لا حظَّ له.
٣ـ إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل، ونحوها؛ فإن لها أحد احتمالين:
أـ إذا كان القائل من فضلاء الصوفية كعبد القادر الجيلاني وغيره فيحمل كلامه الأول على أنه لا يريد شيئاً إلا أن يكون مأموراً بإرادته٣، وهذا معنى
стр. 363
قول شيخ الإسلام: "فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يُؤمر بها".
ويُحمل كلامه الثاني على أن العارف لاحظ له فيما يُؤمر بطلبه، وهذا معنى قول شيخ الإسلام: "وعدم حظه لم يؤمر بطلبه".
والثالث على أنه كالميت في طلب ما لم يُؤمر بطلبه، أو ترك رفع ما لم يُؤمر بدفعه، أي إنه مسلم لأوامره وأقداره.
ب ـ إن كان مقصوده أن إرادته تبطل بالكلية فلا يحس بالضار والنافع، ولا يميّز بين الأشياء؛ فقوله باطل، وقد سبق أنه مخاف للحس والعقل والدين.
٥ـ منهج الصوفية في الدين والعبادة:
للصوفية منهج في الدين والعبادة يخالف منهج السلف، ويبتعد كثيراً عن الكتاب والسنة، فهم قد بنوا دينهم وعباداتهم على رسوم ورموز واصطلاحات اخترعوها وهي تتلخص فيما يلي:
١ـ قصرهم العبادة على المحبة فقط، فهم يبنون عبادتهم لله على المحبة ويهملون الجوانب الأخرى كالخوف والرجاء، كما قال بعضهم: أنا لا أعبد الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره! وبهذا قد خالفوا سبيل الأنبياء الذين قال عنهم الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ، ولهذا يقول بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهوزنديق،ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجىء، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والرجاء والخوف فهو مؤمن.
٢ـ الصوفية في الغالب لا يرجعون في دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة والاقتداء بالنبي ﷺ ، وإنما يرجعون إلى أذواقهم وما يرسمه لهم شيوخهم من الطرق المبتدعة، وربما يستدلون بالحكايات والمنامات والأحاديث الموضوعة لتصحيح ما هم عليه.
٣ـ من دين الصوفية التزام أذكار وأوراد يضعها لهم شيوخهم، فيتقيدون
стр. 364
بها ويتعبدون بتلاوتها، وربما فضلوا تلاوتها على تلاوة القرآن الكريم، ويسمونها ذكر الخاصة.
٤ـ غلو المتصوفة في الأولياء والشيوخ بخلاف عقيدة أهل السنة الجماعة؛ حيث جعلوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية. وأنهم يتصرفون في الكون ويعلمون الغيب ويجيبون من استعان بهم، وأضافوا عليهم هالة من التقديس في حياتهم، وعبدوهم من دون الله بعد وفاتهم.
٥ـ من دين الصوفية الباطل تقربهم إلى الله بالغناء والرقص وضرب الدفوف والتصفيق، ويعتبرون هذا عبادة لله.
٦ـ ومن دينهم الباطل ما يسمونه بالأحوال التي تنتهي بصاحبها إلى الخروج عن التكاليف الشرعية نتيجة لتطور التصوف، فقد تطور بهم الحال من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى الرقص والغناء والهيمان والخيالات والعشق، ثم إلى القول بالاتحاد والحلول، ثم على ترك الفرائض واستحلال المحارم وسقوط التكاليف.
فهذا دين الصوفية قديماً وحديثاً، وهذه مواقفهم من العبادة والدين، ولم ننقل عنهم إلا القليل مما تضمنته كتبهم في هذا الموضوع.
٦ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من التوحيد هو شهود هذا التوحيد.. إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده ... "١.
أقول: من مصطلحات الصوفية: القول بوحدة الشهود: وفهم ذلك يتوقف على فهم وحدة الوجود.
فأقول: كثير من الصوفية يعتقدون عقيدة وحدة الوجود؛ ووحدة الوجود أن يعتقد أنه لا موجود إلا الله تعالى، فليس هناك موجود غير الله، فكل شيء هو الله! فالله عين الكون وعين الشمس والقمر والجبال ونحوها.
أما وحدة الشهود: فهي أن يعتقد الإنسان أن هناك أشياء موجودة غير الله تعالى.
стр. 365
ولكنه لقوة فنائه في الله تعالى، وشدة عقيدته في ربوبية الله تعالى، وعدم التفاته إلى غير الله تعالى؛ لا يشاهد إلا الله تعالى مع اعتقاده أنه توجد أشياء غير الله تعالى ولكنه لشدة تعلقه بالله لا يشاهد إلا الله تعالى، وذلك كقوة شعاع الشمس فإن النجوم لا تشاهد عند شعاع الشمس بالنهار مع أنها موجود.
فلقوة شعاع وجود الرب تعالى لا يرى هذا الرجل، ولا يشاهد إلا الله تعالى، مع اعتقاده أن هناك أشياء موجودة غير الله تعالى، فلقوة تعلقه بالله في زعمه لا يلتفت ولا يرى لا زوجاً ولا أكلاً ولا شرباً ولا مالاص، فالعارف ـ يعني الصوفي العارف بالله (في زعمهم) ـ إذا غاب بموجوده أي بجسمه هو عن وجوده هو؛ فهو لا يشاهد إلا الله تعالى ولا يرى جسمه، وإذا غاب بمشهوده أي ربه [لأنه بشهود له فقط] غاب عن شهوده لغيره.
فهو لا يشاهد غير مشهوده وهو اللهو وإذا غاب بمعروفه [أي ربه الذي هو معروف لديه] عن معرفته لأشياء أخرى غير الله، فهو لا يعرف شيئاً غير الله تعالى، فإنه حينئذٍ يدخل في فناء التوحيد الكامل، وهو توحيد الربوبية عندهم، وهو توحيد كوني.
بحيث يعتقد أن من لم يكن في الأزل فهو فانٍ غير موجود، ونحو الأكل والشرب والزوجة والكون لم يكن موجوداً فهو الآن كأنه غير موجود، وأن من كان في الأزل وهو الله فهو باق، لم يزل ولا يزال، أما الأشياء الأخرى والموجودات الأخرى كأنها لا وجود لها أصلاً.
أقول: هذه الفلسفة الصوفية متضمنة للحق والباطل، فأما الحق فهو أن الكون لم يكن موجوداً وسيفنى أيضاً، والله كان وسيكون لم يزل ولا يزال موجوداً، وأما الباطل فهو اعتقاد أن هذا الكون غير موجود، وأنه غير مشهود، وأنه غير معروف، وأنه لا تعلق لنا بالدنيا والأكل والشرب والزوج والزوجة أصلاً.
стр. 366
٧ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "أولئك يشبهون المجوس، وهؤلاء يشبهون المشركين".
أقول: يقصد شيخ الإسلام أن الصوفية الملاحدة الحلولية والوجودية الذين جلّ همهم التوحيد الكوني، يزعمون (أن الله حل في الكون، أو الكون هو الله) ويعرضون عن توحيد الألوهية، فلا يتقيدون بالشرع، ولا يأتمرون بأوامر الله، ولا ينتهون عن نواهي الله تعالى، فهؤلاء الصوفية شر من القدرية المعتزلة، بأن العبد خالق لأفعاله؛ فقالوا بخالقين! وتقول المجوس: إن خالق الشر غير الله.
فهم أيضاً قالوا بخالقين، ولكن هؤلاء الصوفية يشبهون المشركين الذين يعبدون الأوثان والأصنام ولا كتاب لهم.
ولا شك أن المشركين الوثنيين شر من المجوس؛ لأن المجوس يعدون من أهل الكتاب، ولذا قرر الفقهاء الفقهاء أن المشركين لا جزية عليهم ولكن المجوس عليهم الجزية، فأنزلوهم منزلة أهل الكتاب وهم لاشك أنهم مشركون، ولكن أخف شركاً من شرك المشركين الوثيين الذين يعبدون الأصنام.
٨ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ومن قال: إنه يفعل عندها لا بها؛ فقد خالف ما جاء به القرآن".
قصد شيخ الإسلام: أن الله تعالى ـ ولا شك ـ قد قدر الأشياء وعلمها في الأزل، وكل ما يحدث في الكون لا يحدث إلا تحت مشيئته وإرادته وتحت علمه وقدرته، ولكن الله تعالى ربط المسببات بالأسباب، فتلك المسببات لا تحدث إلا بتلك الأسباب كما قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
أي علق إنزال الماء بسبب السحاب، وقال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] ، فعلق الله تعالى إخراج الثمرات بسبب الماء من المطر والعيون.
стр. 367
ولكن زعم قوم أن الله تعالى يحدث الأشياء ويخلق عند هذه الأسباب ولا يخلقها بها.
وهذا الزعم فاسد باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وصاحب هذا الزعم منكر للقوى التي أودعها الله تعالى في السباب، فهذا المنكر في الحقيقة منكر للمحسوسات فهو مكابر وليس بمناظر.
٩ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه".
أقول: (السبب) في اللغة عبارة عن الحبل، ويقال لكل شيء يكون الوصول به إلى شيء آخر: إنه سبب؛ فالسبب ما يتوصل به إلى المقصود، وهذا المقصود يسمى مسبباً، سواء كان ذلك السبب حبلاً، أو دلواً، أو سلاحاً، أو شيئاً آخر.
والسبب في الاصطلاح العام (شرعاً وعرفاً) : هو ما يتوقف عليه المقصود.
أي: السبب هو الذي لا يحصل المسبب إلا بوجوده؛ كالنصاب: فهو سبب لوجود الزكاة.
ثم السبب قد يكون تاماً، وهو الذي يكون سبباً وحيداً لوجود المسبب، وقد يكون ناقصاً: وهو الذي يكون سبباً للمسبب، وقد يكون ناقصاً: وهو الذي يكون سبباً للمسبب، ولكن هو وحده لا يكون سبباً لهذا المسبب؛ بل يكون معه سبب آخر لذلك المسبب، وذلك إذا كان للمسبب سببان لا يستقل احدهما دون الآخر، وإذا اجتمعا يكونان سبباً كاملاً كالنصاب وحوَلان الحول كلاهما سبب لوجوب الزكاة.
الحاصل: أن قصد شيخ الإسلام هو الرد على من جعل الأسباب مستقلة مستغنية في إيجاب المسببات.
فأراد شيخ الإسلام أن يرد على هؤلاء من وجهين:
• الأول: أن الأسباب مفتقر بعضها إلى بعض، فما من سبب مستغنٍ عن الآخر؛ وما من سبب إلا وهو مفتقر بعضها إلى بعض، فما من سبب مستغن عن الآخر؛ وما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه.
стр. 368
• الثاني: أنه لابد في كون الأسباب أسباباً من عدم المانع، فإذا جاء المانع لا ينفع السبب فلا يوجد المسبب؛ فالنار سبب للاحتراق إن لم يكن هناك مانع؛ وإلا فلا.
فإن إبراهيم ﵇ ألقي في النار ولم يحترق، فالنار خلق الله فيها الحرارة لا يحصل الإحراق إلا بها، ولابد من المحل الذي يقبل الاحتراق، وإلا لا يوجد الاحتراق أصلاً، فإن وقع السمندل والياقوت ونحوهما في النار لا يحصل الاحتراق، وقد يطلى الجسم بما يمنع الإحراق فلا يحصل الاحتراق لوجود المانع.
والشمس سبب لوصول شعاعها إلى الأرض بشرط وجود الجسم الذي يقبل انعكاس الشعاع عليه، فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع إلى التحت.
الحاصل: أنه لا شيء يستقل ويستغني إلا الله تعالى؛ فكل شيء يفتقر إلى الله تعالى، والله وحده هو الغني الحميد.
١٠ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد ... "
أقول: قصد شيخ الإسلام الرد على الفلاسفة اليونانيين الكفرة ومن سايرهم من المنتسبين إلى للإسلام كابن سينا وغيره من الملاحدة، حيث قالوا: إن الله واحد فلا يصدر عنه إلا واحد.
وفي هذا القول فسادان:
• الفساد الأول: أنه يدل على أن الله تعالى غير مريد ولا مختار في خلق المخلوقات؛ بل هو مضطر مجبور، حيث صدر منه واحد بالاضطرار بدون الاختيار.
• الفساد الثاني: أن هذه القضية كاذبة في نفسها؛ فإنه لا يوجد دليل على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، بل الحق والصدق أن الواحد يصدر عنه أشياء كثيرة. كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]
стр. 369
فعلم أن الله خالق الأزواج، وأن خالق الأزواج واحد، والأزواج كثيرة.
فدل ذلك على أن الواحد يخلق أشياء كثيرة.
فبطل قولهم: "إن الواحد لا يصدر منه إلا واحد"
١١ـ معنى كلام شيخ الإسلام: "عارض السكر ... "
أقول: (السكر) : من خرافات الصوفية، وهو "غيبة بواردٍ قوي، وهو يعطي الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة، وأتم منها"١.
أقول: حاصل هذا التعريف: أن (السكر) حالة من أحوال الصوفية تحصل بسس وارد قوي يرد على قلب صوفي، إما من مشاهدته لله تعالى ـ حسب زعمه في كلب أو خنزير أو قرد ـ وإما لأجل عقيدته أن هذا الكون كله هو الله تعالى، أو لأجل دعواه الكاذبة أنه وصل في العشق والمحبة إلى حد فقد حواسه وقواه من شدة الوجد والعشق والمحبة، حتى سكر لا يعي ما يقول ولا يفهم، ولا يحس باكون ولا بالتكليف كأنه مجنون، أو نائم، أو ميت لا حراك له، أو يهذي هذيان المحمومين فيتكلم بكلمات الكفر والارتداد، وهذا كله انحلال وكفر وإلحاد وزندقة أيما زندقة.
ولذلك ترى شيخ الإسلام يرد على هؤلاء الزنادقة بقوله:
"فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ـ ونحو ذلك ـ إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض فهي مع ضعف صاحبها وتوقف تمييزه ـ لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقاً؛ ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقاً وعظم هذا المقام ـ فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدراً أو شرعاً، وغلط في خلق الله تعالى وفي أمره، (وأسقط التكليف) ؛ حيث ظن أن وجود هذا (الكون) لا وجود له، (بل كل هذا الكون هو الله، لا موجود إلا الله) إلى آخر كلامه المهم.
стр. 370
١٢ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ولكن توهمت طائفة أن للحسن والقبح معنى غير هذا ... ، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا ... "
أقول: للناس نزاع في أن حسن الأشياء وقبحها عقليان؟ أم شرعيان؟
فطائفة ظنت أن القبح والحسن لا يعلمان إلا بالعقل، وطائفة ظنت أن القبح والحسن لا يعلمان إلا بالشرع.
وكلتا هاتين الطائفتين على غلط.
فأراد شيخ الإسلام أن يبين غلطهما ويبين الحق وهو القول الوسط.
وهو أن حسن الأشياء بمعنى كونها ملائمة للفاعل، وقبحها بمعنى كونها غير ملائمة للفاعل بل منفردة.
أو كون الأشياء مما يحبه الفاعل أو يكرهه، أو يتلذذ بها أو يتأذى بها.
فهذا لا شك يعلم تارة بالعقل، كعلمه بأن الطعام يشبع والماء يروي، وتارة يعلم بالشرع، وتارة يعلم بهما جميعاً.
ولكن تفاصيل الحسن وتفاصيل القبح، وأن هذا يحبه الله وذاك يبغضه الله ونحو ذلك؛ لا يعلم إلا بالشرع فقط.
كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] .
فدل ذلك على أن تفاصيل حسن الأمور وقبحها لا يعلم إلا بالوحي الذي هو مبنى الشرع، والعقل لا يدرك تفاصيل هذه الأمور، فحسن الأشياء وقبحها مركوز في الفطرة، والعقل مدرك إجمالاً، والشرع مزكٍّ ومرشد بالتفصيل ومبصر ومكمل١.
стр. 371
١٣ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "فمن نظر إلى القدر فقط، وعظم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية ـ لم يميز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشاد والغيّ، وأولياء الله وأعدائه".
أقول: مقصود شيخ الإسلام: أن هناك حقيقتين:
• الأولى ـ حقيقة كونية:
وهي ما خلقه الله تعالى ودبره وأراده وقدّره من الخير والشر، والتوحيد والشرك، والإسلام والكفر، والظلمة والنور، والعلم والجهل، والظلم والعدل، والبر والفجور، والهدى والضلال، وخلق له أولياء أمثال الأنبياء والمرسلين، وخلق أولياء للشيطان أمثال فرعون وقارون وأبي جهل، وغير ذلك من الأمور الكونية والموجودات الخارجية بقطع النظر عما يحبه الله وشرعه، أو يكرهه ولم يشرعه.
• والثانية ـ حقيقة شرعية:
وهي كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه وشرعه لعباده وأمرهم به؛ كالتوحيد والإسلام والإيمان والبر والعلم والعدل وجميع أبواب الخير ونحوها.
وكل ما يكرهه الله تعالى ويمقته ويغضب عليه ولم يشرعه لعباده بل نهاهم عنه، كالكفر والشرك والسحر والكذب والزور والبهتان والظلم والغي والبغي وغيرها من الأمور التي يكرهها الله تعالى، فهذه كلها حقائق شرعية.
ولكن الذين نظروا إلى الكون من حيث إنه مخلوق موجود في الخارج؛ يرى في هذا الكون أولياء الله أمثال الأنبياء والمرسلين.
ويرى في هذا الكون أولياء الشيطان أمثال فرعون وقارون وهامان وأبي جهل وغيرهم.
стр. 372
كما يرى في هذا الكون الإسلام والإيمان والتوحيد والصدق والخير والعلم والهدى والرشاد ومحبة الصالحين.
كذلك يرى في هذا الكون الكفر والشرك والكذب والشرور والجهل والغواية ومحبة الظالمين.
فمن نظر إلى هذا الكون نظرة واحدة نظرة كونية خلقية بدون التفريق بين الحلال والحرام، وبين الخير والشر، وبين الظلم والعدل، وبين الإسلام الكفر؛ وبين التوحيد والشرك، وجعل هذا الأمور كلها بمنزلة واحدة، فقد ألحد وتزندق وخلط الحق بالباطل، والكفر بالإسلام، وناقض توحيد الألوهية، وإن كان آمن بتوحيد الربوبية بعض الشيء.
فكثير من الصوفية الحلولية والاتحادية، وكثير من الفلاسفة والمتكلمين قد نظروا إلى الكون من حيث إنه كون، ولم يفرقوا بين الشرع وبين الكون؛ فوقعوا في أنواع من الكفر والإلحاد والزندقة، حيث أحلوا كثيراً من المحرمات بحجة أنها أمور كونية، ولهذا ترى هؤلاء الحلولية والاتحادية يعتقدون أن جميع الأديان كلها حق وصواب، وأنه لا يوجد باطل في هذا الكون، ولا يوجد محرم في هذا الكون، فكل ما في هذا الكون حلال وصواب وحق.
فأحلوا جميع الفروج، وأن جميع ملل الكفار والوثنية كلها حق وصواب، لأنهم لم ينظروا إلى الكون بنظر الشرع١.
стр. 373
١٤ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك"١.
أقول: الأحوال: جمع (الحال) .
والحال لغة غير الحال في اصطلاح أهل الكلام، وهو غير الحال في اصطلاح الصوفية، وهو غير الحال في اصطلاح النحاة؛ فالحال في اصطلاح الصوفية: "ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمد ولا اجتلاب ولا اكتساب؛ من طرب أو حزن أو فيض أو بسط.
قلت الأحوال من خرافات الصوفية وترهاتهم.
ولكن المؤمن إذا سمع آيات الجهاد والإنفاق والتوحيد والرد على المشركين وأهل البدع، وفرح بذلك وسر وزاد إيمانه مع إيمانه السابق؛ فهذا من الأحوال الطيبة.
وإذا عمل عملاً صالحاً وفرح بذلك، فهذا من الأحوال الطيبة، وإذا عمل سيئة وحزن عليها وندم وتاب إلى الله تعالى فهذا من الأحوال الطيبة، وأما إذا خالف الكتاب والسنة وعمل السيئة ولم يحزن بل بعكس ذلك فرح بالفسق والفجور فهذا من الأحوال السيئة الفسقية.
وإذا سمع آيات الجنة واشتاق إليها فهذا من الأحوال الحسنة الطيبة، وإذا سمع آيات الترهيب والنار، خاف وَرَقَّ قلبه وخشع وبكى فهذا من الأحوال الحسنة، ولكن إذا سمع آيات الجنة والنار، ولم يترقق قلبه بل زاد قسوة على قسوة، فهذا من الأحوال السيئة.
أما (الاصطلام) فهو في اصطلاح الصوفية: "وجد غامر يرد على العقول فيسلبها، ويسلبها بقوة سلطانه وقهره"٢.
стр. 374
وأما (الفناء) في اصطلاح الصوفية فكما قاله الجرجاني الحنفي (٨١٦هـ) :
"الفناء: سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود الأوصاف المحمودة، والفناء فناءان: أحدهما: ما ذكرنا، وهو بكثرة الرياضة.
والثاني: عدم الإحساس بعالم الملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري، ومشاهدة الحق"١.
أقول: فناء الصوفية هذيان وإلحاد وزندقة وانحلال؛ لأن سقوط الأوصاف المذمومة ووجود الأوصاف المحمودة، لا يمكن إلا بتقوى الله تعالى واجتناب نواهيه، وإيثار أوامره، وعبادته ، وإتباع سنة نبيه محمَّد ﷺ مع الإخلاص التام؛ فمثل هذا يسمى تقوى وإسلاماً، وإيماناً وصلاحاً، ورشداً، وتوحيداً، ولا يسمى فناءً.
وأما قولهم في معنى (الفناء) : "إنه عدم الإحساس بالكون، ومشاهدة الحق" فهذا انحلال وكفر صريح وارتداد قبيح؛ لأن هذه عقيدة وحدة الوجود، فأصحاب وحدة الوجود، لا يرون شيئاً من هذا الكون؛ بل يعتقدون: أن الكون والجبال والسماء والأرض والجبال والشجر والمداد والبحر والناكح والمنكوح كل هذا هو الله بعينه، وأنهم يشاهدون الحق ويرون الله تعالى ولا يرون شيئاً آخر من الكون؛ فكل مايرونه من الكلب والخنزير والقرد وغيرها، فهو الله عندهم، فهم لا يرون ـ حسب زعمهم إلا الله٢.
стр. 375
سيرد شيخ الإسلام على هذه العقيدة بعد قليل، ويبين المفهوم الصحيح الشرعي للفناء.
وأما (السكر) : فقد فسره الجرجاني (٨١٦) فقال: "وعند أهل الحق [أي الصوفية] :
(السكر٩: هو غيبة بوارد قوي، وهو يعطي الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة، وأتم منها"١.
قلت: هذه كلها من شطحات الصوفية نعوذ بالله منها.
١٥ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (فصل في أقسام الفناء....) .
أقول: قصد شيخ اإسلام ههنا هو الرد على الصوفية الحلولية والاتحادية بذكر معاني الفناء.
حيث ذكر للفناء معنى صحيحاً يوافق شرع الله تعالى، وذكر للفناء معنيين باطلين يصادمانشرع الله تعالى:
فقال رحمه الله تعالى ما حاصله:
(الفناء) على ثلاثة أقسام حسب اصطلاح الشرع واصطلاح الصوفية:
• الأول: هو الفناء الديني الشرعي المطلوب الواجب الذي جاءت به الرسل والشرائع وأنزلت به الكتب السماوية.
وهو أن يفنى المرء عما نهى الله عنه بفعل ماأمره الله به؛ فيفنى عن عبادة غير الله بعبادة الله تعالى، وعن طاعة غير الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وبحلاله عن حرامه.
стр. 376
وهذا الفناء يسمى في الشرع: التقوى والبر والإحسان والإسلام والإيمان، والتوحيد، والسنة، وهو الطريقة السلفية.
وهو فناء مطلوب شرعاً مأمور به في الإسلام.
• الثاني: الفناء عن رؤية ما سوى الله وشهود غير الله.
فيفنى المرء بمعبوده عن عبادته، أي يشتغل بالله إلى حدٍّ يترك عبادته، ويترك التكاليف الشرعية بحيث يغيب عن الكون حتى يغيب عن نفسه إلى أن لا يشاهد إلا الله.
وهذا النوع من الفناء قد يقع فيه كثير من الصوفية الحلولية وأصحاب وحدة الشهود [أي الذين لا يشاهدون إلا الله الواحد، ولا يشلهدون الكون مع اعتقادهم أن الكون موجود] .
وهذا النوع من الفناء إلحاد وزندقة؛ لأن هذا الفناء لم يعرف للأنبياء والمرسلين ولا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
• الثالث: الفناء عن وجود سوى الله تعالى:
بحيث يعتقد أن الوجود واحد، وأن الموجود واحد، وأن الكون هو الله بعينه، وأن الله هو الكلب والخنزير والفهد والقرد والحرباء والناكح والمنكوح والعاشق والمعشوق والواطئ والموطوء، وهذا الفناء قد يقع فيه الصوفية الوجودية من الملاحدة والزنادقة؛ أمثال الحلاج وابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وعبد الكريم الجيلي، وهذا الفناء أعظم كفر على الإطلاق، وأكبر زندقة وأقبح إلحاد، وهؤلاء أشد كفراً من اليهود والنصارى (١) .
стр. 377
١٦ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله".
أي هذا النوع من الفناء:
هو أن يفنى المرء عن رؤية ما سوى الله؛ فلا يشاهد غير الله؛ بل لا يشاهد إلا الله؛ مع اعتقاد أن غير الله موجود، ولكنه لا يشاهد إلا الله، وذلك كاعتقاد الناس أن النجوم موجودة في النهار، ولكنهم لا يشاهدون النجوم لأجل شعاع الشمس؛ فهؤلاء أيضاً لا يشاهدون الكون لأجل قوة شعاع نور الله تعالى (حسب زعمهم الفاسد) ؛ وهو فناء أصحاب وحدة الشهود من الصوفية الحلولية.
١٧ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "فهو الفناء عن وجود السوى".
أي النوع الثالث من الفناء هو فناء المرء عن وجود ما سوى الله، بحيث يعتقد أنه لا موجود إلا الله وأن الكون هو الله.
فهذا الفناء فناء أصحاب وحدة الوجود؛ وهم الوجودية الاتحادية الذين هم أشد كفراً من الحلولية، وهو مذهب الغلاة من الصوفية كابن عربي وغيره.
١٨ ـ الأسئلة والأجوبة على ما تقدم:
س١: هل زعم أحد من الناس أن للعالم صانعين متكافئين؟ وهل وقع الشرك في الربوبية أم لا؟ فصّل القول.
ج: لم يزعم أحد من الناس أن للعالم صانعين متكافئين في الصفات والأفعال، بل عامتهم مقرُّون بأنه ليس له شريك مثله مساوٍ له في جميع الصفات، ولم يقع الشرك في الربوبية؛ وعامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس له شريك مثله، بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥،٨٤] ، وليس المقصود عدم الشرك في
стр. 378
الربوبية مطلقاً، فإن طوائف من الناس ادعت أن هناك بعض المخلوقات خالقة ومبدعة، ولكن لم يقل أحد أنها مماثلة لله في جميع الأفعال والصفات. وأعظم الناس انحرافاً في الربوبية هم (الثنوية) ؛ وهي فرقة من المجوس تقول بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر، فهم يثبتون خالقين ومع ذلك لم يثبتوا التماثل في جميع الأفعال والصفات؛ لأنهم ذكروا في الظلمة قولين:
١ـ أنها محدثة مخلوقة من جملة المخلوقات.
٢ـ أنها قديمة لكنها لم تخلق إلا الشر؛ فتكون أنقص في صفاتها وأفعالها من النور، فبذلك لم يثبتوا صانعينمتكافئين.
س٢: اذكر أنواع التوحيد عند كل مما يلي مع التوضيح:
١ـ عند أهل السنة. ٢ـ عند الصوفية.
ج: التوحيد عند أهل السنة: قسّم علماء السنة إلى ثلاثة أقسام بالتتبع والاستقراء، وهي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وقد اجتمعت هذه الأقسام الثلاثة في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] فالربوبية في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ، والألوهية في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ، والأسماء والصفات في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .
أما التوحيد عند الصوفية: فهو ثلاثة أنواع:
١ـ توحيد العامة: ويعنون به: توحيد الألوهية؛ وهو الذي يصح بالشواهد؛ أي الرسل.
٢ـ توحيد الخاصة: وهو الذي يثبت بالحقائق، ويقصدون به الفناء في الربوبية، وهو حقيقة التوحيد عندهم، والمحقق له يسمى عارفاً عندهم، وأعلى مراتبه أن يغيب العارف عن الخلق باستحضاره للحق (الله) .
٣ـ توحيد خاصة الخاصة: وهو القائم بالقدم عندهم؛ وهو وحدة الوجود التي ينتهي إليها أئمتهم.
стр. 379
* فائدة: التعريف بالصوفية من حيث أصل النسبة، ثم التعريف الاصطلاحي، ثم النشأة باختصار.
• أولاً ـ من حيث النسبة: اختلف في نسبة الصوفية على أقوال كثيرة؛ والراجح منها ما يلي:
* رجح شيخ الإسلام وغيره أنها نسبة إلى الصوف لزهدهم ولبسهم الصوف.
• ثانياً ـ التعريف الاصطلاحي للتصوف: فقد اختلف فيه كثيراً وأشهرها ما يلي:
* التصوف: هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق، وهو تعريف الكرخي له، فالأخذ بالحقائق: فالحقائق تشمل الاعتقادات الصوفية. واليأس مما في أيدي الخلائق: يشمل الزهد الصوفي المؤدي إلى إهدار الأسباب.
• ثالثاً ـ نشأة التصوف: إن نشأة التصوف كانت في القرن الثاني عندما أقبل الناس على الدنيا، وانصرف أناس للزهد والعبادة فسموا بالصوفية، وهم الذين دعوا إلى الحب المجرد من الخوف والرغبة، فخالفوا بذلك سبيل الأنبياء الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] .
س٣: بيِّن موقف الصوفية من العبادة والدين؟
ج: للصوفية ـ خصوصاً المتأخرين منهم ـ منهج في الدين والعبادة يخالف منهج السلف، ويبتعد عن الكتاب والسنة، فهم قد بنوا دينهم وعبادتهم على رسوم ورموز واصطلاحات اخترعوها، وهي تتلخص فيما يلي:
١ـ قصرهم العبادة على المحبة فقط، فهم يبنون عبادتهم لله على المحبة، ويهملون الجوانب الأخرى كالخوف والرجاء، كما قال بعضهم: أنا لاأعبد الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، وبهذا قد خالفوا سبيل
стр. 380
الأنبياء الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ، ولهذا يقول بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.
٢ـ الصوفية في الغالب لا يرجعون في دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة والاقتداء بالنبي ﷺ ، وإنما يرجعون إلى أذواقهم وما يرسمه لهم شيوخهم من الطرق المبتدعة، وربما يستدلون بالحكايات والمنامات والأحاديث الموضوعة لتصحيح ما هم عليه.
٣ـ من دين الصوفية التزام أذكار وأوراد يضعها لهم شيوخهم، فيتقيدون بها ويتعبدون تلاوتها على تلاوة القرآن الكريم، ويسمونها ذكر الخاصة.
٤ـ غلو المتصوفة في الأولياء والشيوخ خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة، حيث جعلوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية، وأنهم يتصرفون في الكون، ويعلمون الغيب، ويجيبون من استعان بهم، وأضافوا عليهم هالة من التقديس في حياتهم، وعبدوهم من دون الله بعد وفاتهم.
٥ـ من دين الصوفية الباطل تقربهم إلى الله بالغناء والرقص وضرب الدفوف والتصفيق، ويعتبرون هذا عبادة لله.
٦ـ ومن دين الصوفية الباطل ما يسمونه بالأحوال التي تنتهي بصاحبها إلى الخروج عن التكاليف الشرعية نتيجة لتطور التصوف، فقد تطور بهم الحال من الزهد والحلم والصبر، والإخلاص والصدق، إلى الرقص والغناء والهيمان والخيالات والعشق، ثم إلى القول بالاتحاد والحلول، ثم إلى ترك الفرائض واستحلال المحارم وسقوط التكاليف.
فهذا هو دين الصوفية قديماً وحديثاً، وهذا هو موقفهم من العبادة والدين، ولم ننقل عنهم إلا القليل مما تضمنته كتبهم في هذا الموضوع.
стр. 381
س٤: اذكر أنواع التوحيد عند المتكلمين مبيناً مقصودهم في كل نوع مع ذكر حجتهم على النوع الأخير؟
ج: أنواع التوحيد عندهم ثلاثة:
١ ـ (توحيد الذات) وهو أنه واحد في ذاته لا قسيم له، وهذا النوع يراد منه معنيان:
• الأول: يراد به أن الله سبحانه لا يجوز عليه التعدد، بل هو واحد فرد صمد. وهذا المعنى حق.
• الثاني: أن يراد به نفي الصفات كصفة العلو ونحو ذلك، وهذا هو مرادهم زاعمين أن ذلك هو التوحيد. وهذا المعنى باطل.
٢ـ (توحيد الصفات) وهو أنه واحد في صفاته لا شبيه له، وهذا النوع يراد به معنيان أيضاً:
• الأول: يراد به أن الله مسمى بالأسماء الحسنى، ومتصف بالصفات الكاملة التي لا يماثله فيها أحد، وهذا المعنى حق.
• الثاني: يراد به نفي الصفات من كل وجه وهو الذي أرادوه، ووجه بطلانه: أنه ليس من الأمم من يثبت قديماُ مماثلاً لله في أسمائه وصفاته وأفعاله على السواء، وأقصى ما ورد من التشبيه: هو تشبيه لبعض الخلق بالله من بعض الوجوه لا من جميعها.
٣ـ (توحيد الأفعال) وهو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، أي أن خالق العالم واحد، وهذا هو المراد عندهم. وأشهر الأنواع عندهم هو هذا النوع، ويظنون أنه هو المطلوب، وأنه معنى (لا إله إلا الله) ، ويجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع.
وحجتهم على هذا النوع من التوحيد هو دليل التمانع، ودليل التمانع عندهم هو استحالة وجود خالقين متكافئين، وذلك لو فرضنا أن هناك جسماً وأراد أحدهما تسكينه والآخر تحريكه في وقت واحد، فلا يخلو الحال من أحد ثلاثة أمور:
١ـ أن يحصل مرادهما معاً: وهذا محال لأنه جمع بين النقيضين.
стр. 382
٢ـ أن لا يحصل مرادهما: وهذا محال لأنه خلو عن النقيضين؛ ولأنه يؤدي إلى عجزهما وعدم كونهما إلهاً.
٣ـ أن يحصل مراد أحدهما فيصير الثاني عاجزاً فلا يكون إلهاً، فثبت أن الإله واحد، ويستدلون عليه بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فهم يغلطون من وجهين:
أـ أنهم يظنون أن هذا غاية التوحيد مع إهمالهم لتوحيد الألوهية الذي جاءت به الرسل.
ب ـ وأنهم يستدلون بالآية السابقة (على الربوبية) ؛ مع أنها في تقرير الألوهية، فإنها ذكرت السموات والأرض فكانت موجودة مخلوقة، وقد قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ وهذا الفساد بعد الوجود، والتمانع يمنع وجود المفعول ولا يوجب فساده بعد وجوده، وقال أيضاً: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ ولم يقل أرباب؛ فدل على أن المراد بالآية الإله المعبود لا الرب الخالق، والمعنى: لو كان في السموات والأرض إله معبود إلا الله لفسد نظام العالم لأنه قام بالعدل، والشرك أظلم الظلم.
س٥: وازن بين الفرق التي ضلت في الشرع والقدر.
ج: يمكن أن نبين هذه الموازنة بالشكلين الآتيين١:
القدر
غلاة (جبرية) نفاة (قدرية)
خالصة متوسطة غلاة النفاة مقتصدون
الجهمية الأشاعرة إنكار العلم إنكار المعيشة
وخلق الفعل
المعتزلة
١ التوضيحات الأثرية لأبي العالية ص ٣٢٧.
??
??
??
??
стр. 383
الإيمان
مرجئة وعيدية
الجهمية الأشاعرة الكرامية الحنفية خوارج حرورية معتزلة
المعرفة والماتريدية اللسان القلب
القلبية التصديق فقط واللسان
القلبي
فائدة١:
* تعريف الخوارج الحرورية: الحرورية نسبة إلى حروراء؛ وهي قرية بالكوفة نزل بها الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ بعد رجوعه من صفين بعد التحكيم، فنسبوا إليها.
* تعريف المرجئة: المرجئة هم من أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وسموا بذلك لأحد سببين:
١ـ إما من الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان.
٢ـ أو من إعطاء الرجاء، لأنهم غلوا في الرجاء وأهملوا الوعيد.
* وهم أربع مراتب في تعريفهم للإيمان وهي كما يلي:
١ـ من يقول: إن الإيمان هو المعرفة فقط، وهؤلاء الغلاة وهم الجهمية.
стр. 384
٢ـ ومن يقول: إن الإيمان هو التصديق فقط، وهذا مذهب الأشعري والماتريدي.
٣ـ ومن يقول: إن الإيمان هو قول اللسان فقط، وهذ قول الكرامية وهو أغربها.
٤ـ ومن يقول: إن الإيمان هو اعتقاد القلب وقول السان فقط، وهذا قول عامة الحنفية، وهم من يسمى بمرجئة الفقهاء، وخلافهم مع أهل السنة لفظي والله أعلم.
* أما تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة فهو: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وهو يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
س٦: اذكر الفرق الثلاث التي انحرفت في القدر، مع بيان سبب التسمية.
ج: الفرق الثلاث هم:
١ـ المجوسية: وهم الذين أنكروا القدر وأقروا بالشرع، وسُمّوا بذلك لأنهم أثبتوا خالقاً غير الله وهو العبد؛ حيث زعموا أنه خالق لفعله.
٢ـ المشركية: وهم الذين أقروا بالقدر ولكنهم غلوا فيه حتى أنكروا الأمر والنهي، فصادموا الشرع بالقدر وسموا بذلك لأنهم احتجوا على تعطيل الشرع بالقدر، كما قال المشركون فيما حكى الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
٣ـ الإبليسية: وهم الذين أقروا بالأمرين ـ الشرع والقدر ـ ولكنهم طعنوا في حكمة الله تعالى وعدله، وسموا بذلك لمشابهتهم لإبليس في طعنه في حكمة الله تعالى وعدله، حيث قال الله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿أنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وكذلك: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ، فهنا أقر إبليس بخلق الله تعالى وقدرته،
стр. 385
وكذلك أقر بشرعه، ولكنه طعن في حكمة الله وعدله؛ لأنه أمره بالسجود لمن هو دونه بزعمه.
س٧: بين مواقف الناس من الأسباب، مع التوضيح والمناقشة.
ج: مواقف الناس من الأسباب هما طرفان ووسط:
١ـ نفاة الأسباب: الذين ينكرون تأثير الأسباب ويجعلونها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها، حتى قالوا: انكسار الزجاجة بالحجر حصل عند الإصابة لا أن الإصابة هي التي كسرتها، وهؤلاء خالفوا السمع وأنكروا ما خلقه الله من القوى والطباع.
٢ـ غلاة: وهم الذين أثبتوا تأثيرها حتى جعلوها هي المؤثرة بذاتها، فوقعوا في الشرك؛ فأضافوا خلقاً إلى غير الله كما فعل القدرية، وهؤلاء خالفوا المحسوس من عدة وجوه:
• الوجه الأول: أن الحس دل على أنه ما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصوله سببه.
• الوجه الثاني: ولا بد من عدم تمانعه يمنعه أثره إذا لم يدفعه الله عنه، فلا يستقل شيء بفعل شيء إلا الله.
• الوجه الثالث: أننا نشاهد تخلف بعض المسببات عن أسبابها؛ كتخلف الإحراق عن النار في قصة إبراهيم ﵇، حيث قال الله تعالى: ﴿ينَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] .
٣ـ ووسط: وهم أهل السنة الذين يثبتون تأثير الأسباب لا لذاتها بل بما أودعه الله فيها من القوة؛ وهي قسمان: ١ـ كونية ٢ـ شرعية، وأمثلتها كما يلي:
أولاً: الكونية: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا آقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]
ثانياً: الشرعية: قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾
стр. 386
[المائدة: ١٦] وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] .
س٨: ما وجه احتياج الناس إلى الشرع؟
ج: وجه ذلك أن الله ـ تعالى ـ قد فطر الإنسان على الفعل لجلب المنافع، أو دفع المضار، ولا بد من التفكير والقدرة؛ فالتفكير لتقدير المنفعة والتمييز بينها وبين المفسدة، والقدرة للتمكن من الفعل، وهذا التفكير لا بد له من توجيه؛ فبعض الأمور قد يعلم نفعها بالفطرة، وبعضها بالتجربة، ولكن بعضها لا يعلمه إلا بالشرع، والله يرسل رسله لهداية خلقه إلى أقوم الطرق.
س٩: تكلم عن مسألة التحسين والتقبيح من خلال ما يلي:
١ـ المراد بالمسألة ٢ـ محل النزاع. ٣ـ الأقوال فيها. ٤ـ مناقشة الأقوال. ٥ـ ما يبنى عليها.
ج: أولاً: المراد بالمسألة:
المراد بها هو معرفة حسن الشيء وقبحه؛ هل هو ذاتي يدركه العقل، أم أنه اعتباري ونسبي وليست الأشياء في ذاتها حسنة ولا قبيحة؟
ثانياً: تحرير محل النزاع:
١ـ اتفق الجميع على أن ما يوافق غرض الفاعل يسمى حسناً ويدرك بالعقل؛ كحسن قتل العدو وغيره، وما خالف غرض الفاعل يسمى قبيحاً كالإيذاء ونحوه.
٢ـ اختلفوا في الأفعال هل توصف بالحسن والقبح لذاته أم هي أمور اعتبارية فقط بحسب موافقة أو مخالفة غرض الإنسان؟ وهل يترتب عليها الثواب والعقاب بمجرد تحسينها وتقبيحها أم ذلك متوقف على الرسل؟
ثالثاً: الأقوال في المسألة: وهي على ثلاثة أقوال:
• الأول: قول أهل السنة والجماعة: وخلاصته أن العقل قد يدرك قبح الأفعال وحسنها كقبح الكذب والظلم، وحسن الصدق والعدل، ولكن
стр. 387
لا يدرك تفاصيل ذلك، ولا يدرك الثواب والعقاب، بل ذلك لا يعرف إلا بالشرع.
• الثاني: قول المعتزلة: وخلاصته أن قبح الأفعال وحسنها يعرف بالعقل، ففيها صفات ذاتية لازمة ليس الشرع إلا كاشفاً لها، فيثبت الثواب والعقاب عليها وإن لم يأت الشرع.
• الثالث: قول الأشاعرة: وحاصله أنه ليس للأفعال حسن ولا قبح لذاتها؛ وإنما هي معانٍ إضافية غير حقيقية، وما جاء به الشرع من الثواب والعقاب إنما هو لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لعلة في الفعل، فالحسن والقبح شرعي محض.
رابعاً: مناقشة الأقوال:
• القول الأول: وهو قول الأشاعرة: إن القبيح في حق الله ممتنع لذاته، فكل ما كان داخلاً في قدرة الله فهو حسن وله فعله؛ كتعذيب الطائعين وإكرام الكافرين ونحوهما.
• القول الثاني: وهو قول المعتزلة إن الله منزه عن القبيح لمجرد كونه قبيحاً عقلاً، وكل ما قبحه العقل فالله منزه عنه مع قدرته عليه.
خامساً: كلا القولين ـ قول المعتزلة والأشاعرة ـ غاية في الانحراف؛ فقول الأشاعرة ليس في مدح لله ـ تعالى ـ على عدله وتركه للظلم، بل ليس فيه مدح له مطلقاً؛ لأنه لم يترك القبيح اختياراً وإنما لامتناعه عليه لذاته ـ سبحانه، وقول المعتزلة فيه تسوية لله بخلقه، فكل ما قبحته عقولهم في حق المخلوقين نزهوا الله عنه، فلم يقدروا الله حق قدره.
س١ ٠: ناقش قول من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد. مع بيان القائلين به، والمقصود من قولهم.
ج: قولهم: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد"ة قول باطل، ويمكن تلخيص الرد عليه بما يلي:
стр. 388
١ـ أنه ليس في الوجود واحد صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله تعال، بل كل شيء محتاج إلى غيره في التسبب.
أـ فالنار مثلاً لا يحصل الإحراق بها إلا بمحلٍّ يقبل الإحراق.
ب ـ وكذلك شعاع الشمس لا بد له من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع.
٢ـ أن هذا القول من أعظم الجهل، وليس عليه دليل عقلي ولا نقلي، بل الله خلق المخلوقات كلها حيث قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ فخالق الأزواج واحد، بل وخالق جميع المخلوقات واحد.
٣ـ أنه يلزم من قولهم هذا نفي إرادة الله؛ بل هو مجبور حيث صدر منه واحد بالاضطرار! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
* والقائلين بهذا القول هم الفلاسفة الملاحدة ومن وافقهم من المتفلسفة ممن ينتسب إلى الإسلام كابن سينا.
* والمقصود من قولهم: هو أن قولهم هذا مبني على قولهم في شبهة التركيب: إن الله واحد لا قسيم له. فيمكن أن يجاب عنه هنا بما سبق في شبهة التركيب فليراجع هناك.
س١١: اذكر بعض الألفاظ المجملة للصوفية، وبين ما تحتمله من معان.
١ـ (أريد أن أكون) .
٢ـ (إن العارف لا حظَّ له) .
٣ـ (إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل) .
• الاحتمال الأول: إذا كان القائل من فضلاء الصوفية كعبد القادر الجيلاني فيحمل كلامه الأول على أنه لا يريد شيئاً إلا أن يكون مأموراً بإرادته.
стр. 389
ويحمل كلامه الثاني على أن العرف لا حظ له فيما لم يؤمر بطلبه، والثالث على أنه مسلم لأوامر الله وأقداره.
• الاحتمال الثاني: إن كان مقصوده أن إرادته تبطل بالكلية فلا يحس بالضار والنافع ولا يميز بين الأشياء؛ وهو مخالف للحس والعقل والدين.
س١٢: اذكر أقسام الفناء عند الصوفية مع التوضيح.
ج: الفناء عند الصوفية ثلاثة أقسام:
١ـ الفناء عن إرادة السوى. ٢ـ الفناء عن شهود السوى. ٣ـ الفناء عن وجود السوى.
• الأول ـ الفناء عن إرادة السوى: (الفناء الديني الشرعي) فيفنى عن عبادة غير الله بعبادته وحده، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وهذا مطلوب شرعاً لكنه يسمى في الشرع بالإخلاص والإحسان والتقوى والبر والإيمان وغيرها، وينبغي ألا يعدل عن الألفاظ الشرعية؛ فإن تلك الألفاظ مجملة مشتملة على الحق والباطل، ولكن إثمها أكبر من نفعها.
• الثاني ـ الفناء عن شهود السوى: أي يفنى بمعبوده وهو الله عن عبادته، أي ينشغل بالله إلى حد يترك فيه عبادته، ويفنى بمذكوره ـ أي: الله ـ عن ذكره وبمعروفه ـ أي الله ـ عن معرفته لنفسه، بحيث يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله، وهذا حال ناقص، فمن جعله نهاية السالكين فهو ضال ضلالاً مبيناً، ومن جعله من لوازم الطريق فهو مخطئ.
* ووجوه النقص في هذا النوع ما يلي:
١ـ أنه لم يقع للنبي ﷺ حتى في أعظم المواقف وهو موقف الإسراء والمعراج.
٢ـ أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كالمجانين ليس فيه مدح لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة؛ بل يذم من يعتمد ذلك شرعاً وعقلاً وعادة.
стр. 390
٣ـ أن هذا الفناء دليل على ضعف قلب من يحصل له أنه لم يستطع الجمع بين الإيمان بالله وعبادته.
٤ـ أن هذا الفناء فيه تعطيل للشرائع وفتح لباب التهاون في الأعمال وتضييع الفرائض، ومعلوم ما في ذلك من مناقضة صريحة لدين الله.
• الثالث ـ الفناء عن وجود السوى: بحيث يرى أن وجود الخالق هو عين وجود المخلوق وأنه واحد بالعين، وهذا قول وحدة الوجود والاتحاد، وهم أضل عباد الله، وهو مذهب ابن عربي الصوفي وابن سبعين وابن الفارض وغيرهم.