← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11259

شرح حديث جبريل في تعليم الدين

عبد المحسن العباد

Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح حديث جبريل في تعليم الدِّين تأليف: عبد المحسن بن حمد العباد البدر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رضي لنا الإسلامَ ديناً، وأتَمَّ علينا النِّعمةَ وأكملَ لنا الدِّين، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، الملِك الحقّ المبين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله رحمة للعالَمين، فأدَّى الأمانة ونصح الأمَّة وبلَّغ البلاغَ المبين، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سلك سبيلَه واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين. أمَّا بعد، فقد كنت منذ فترة طويلة راغباً في كتابة شرح مستقلٍّ لحديث جبريل المشتمل على بيان الإسلام والإيمان والإحسان، وقد قال النَّبيُّ ﷺ في نهايته: "هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينَكم"، وقد تحقَّق ذلك بفضل الله بإخراج هذا الشرح في هذا العام (١٤٢٤هـ) ، وقد جاء عن جماعة من أهل العلم بيان عظم شأن هذا الحديث، قال القاضي عياض كما في شرح النووي على صحيح مسلم (١/١٥٨) : "وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إنَّ علومَ الشريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه، قال: وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألَّفنا كتابنا الذي سمَّيناه بالمقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان؛ إذ لا يشذ شيءٌ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة، والله أعلم".

стр. 2

وقال النووي (١/١٦٠) : "واعلم أنَّ هذا الحديث يجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام، كما حكيناه عن القاضي عياض". وقال القرطبي كما في الفتح (١/١٢٥) : "هذا الحديث يصلح أن يُقال له أم السنَّة؛ لِمَا تضمَّنه من جُمل علم السنَّة". وقال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: "فهو كالأمِّ للسنَّة، كما سُمِّيت الفاتحة أم القرآن؛ لِمَا تضمَّنته من جمعها معاني القرآن". وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/٩٧) : "وهو حديث عظيم يشتمل على شرح الدِّين كلِّه، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ في آخره: "هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم"، بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كلَّه ديناً". وقد سَمَّيته "شرح حديث جبريل في تعليم الدِّين". وأسأل الله أن ينفع به، وأن يوفِّق الجميع لتحصيل العلم النافع والعمل به، إنَّه سميع مجيب.

стр. 3

روى الإمام مسلم في صحيحه (٨) بإسناده عن يحيى بن يَعمر قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد ابن عبد الرحمن الحميري حاجَّين أو معتمرَين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عمَّا يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يَمينه والآخر عن شماله، فظننت أنَّ صاحبي سيَكِل الكلامَ إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنَّه قد ظهر قِبَلَنا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلمَ، وذكر من شأنهم، وأنَّهم يزعمون أن لا قَدر، وأنَّ الأمرَ أُنُف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرْهم أنِّي بريء منهم، وأنَّهم بُرآء منِّي، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أنَّ لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قَبل الله منه حتى يؤمنَ بالقدر، ثم قال: "حدَّثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طَلَعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر ولا يعرفه منَّا أحدٌ، حتى جلس إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأسنَد ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً، قال: صدقتَ، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمنَ بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لَم تكن تراه فإنَّه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلمَ من السائل، قال: فأخبرني عن

стр. 4

أمَاراتِها؟ قال: أن تلدَ الأَمَةُ ربَّتَها، وأن ترى الحُفاةَ العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان، قال: ثمَّ انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: يا عمر أتدري مَن السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمُكم دينَكم".

стр. 5

وقد رواه أيضاً عن رسول الله ﷺ خمسةٌ من الصحابة، ذكرهم الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/١١٥ ـ ١١٦) ، وهم أبو ذر عند أبي داود والنسائي، وابن عمر عند أحمد والطبراني وأبي نعيم، وأنس عند البخاري في خلق أفعال العباد والبزار، وقال: "وإسناده حسن"، وجرير بن عبد الله البجلي عند أبي عوانة، وابن عباس وأبو عامر الأشعري عند أحمد، وقال: "وإسنادهما حسن". ٣ ـ في القصَّة التي أوردها مسلم قبل سياق الحديث عن يحيى بن يَعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري فوائد: الأولى: أنَّ بدعةَ القول بنفي القَدَر ظهرت بالبصرة في عصر الصحابة في حياة ابن عمر، وكانت وفاته سنة (٧٣هـ) . الثانية: رجوع التابعين إلى الصحابة في معرفة حكم ما يقع من أمور مشكلة، سواء كان ذلك في العقائد أو غيرها، وهذا هو الواجب على كلِّ مسلم أن يرجع في أمور دينه إلى أهل العلم؛ لقول الله : ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الثالثة: أنَّه يُستحبُّ للحُجَّاج والمعتمرين أن يستغلُّوا مناسبة ذهابهم إلى الحرمين للتفقُّه في الدِّين والرجوع إلى أهل العلم في معرفة ما يُشكل عليهم من أحكام دينهم، كما حصل من يحيى بن يَعمر وحُميد بن عبد الرحمن الحميري في هذه القصة، ومن النتائج الطيِّبة التي يظفر بها مَن وفَّقه الله تفقهُه في الدِّين والسلامة من الوقوع في الشرِّ، كما في صحيح مسلم (١٩١) عن يزيد الفقير قال: "كنتُ قد شَغَفَنِي رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عِصابةٍ ذوي عدد نريد أن نحجَّ، ثمَّ نخرجَ على

стр. 6

الناس، قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يُحدِّث القومَ ـ جالسٌ إلى ساريةٍ ـ عن رسول الله ﷺ ، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين، قال: فقلتُ له: يا صاحبَ رسول الله! ما هذا الذي تُحدِّثون؟ والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ، فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأُ القرآنَ؟ قلتُ: نعم! قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇، يعني الذي يبعثه فيه؟ قلتُ: نعم! قال: فإنَّه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يُخرج اللهُ به مَن يُخرج. قال: ثمَّ نعتَ وضعَ الصِّراط ومرَّ الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنَّه قد زعم أنَّ قوماً يَخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنَّهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنَّة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنَّهم القراطيس. فرجعنا، قلنا: وَيْحَكم! أَتَروْنَ الشيخَ يَكذِبُ على رسول الله ﷺ ؟! فرجعنا، فلا ـ والله! ـ ما خرج منَّا غيرُ رَجل واحد، أو كما قال أبو نعيم". وأبو نعيم هو الفضل بن دكين هو أحد رجال الإسناد. فهذه العصابة جاؤوا إلى الحجِّ وقد ابتُلوا بفهم خاطئ، وهو أنَّ أصحابَ الكبائر لا يخرجون من النار، وحملوا الآيات التي وردت في الكفَّار على المسلمين أيضاً، وهذا من عقيدة الخوارج، وقد أرادت هذه العصابة أن تظهر على الناس بهذه العقيدة الباطلة بعد الحج، لكن في هذه الرحلة الميمونة وفَّقهم الله للالتقاء بجابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، فأوضح لهم فساد فهمهم، فعدلوا عمَّا كانوا عزموا عليه، ولم يخرج منهم بهذا الباطل إلاَّ واحد منهم.

стр. 7

الرابعة: في هذه القصة أنواع من الأدب، منها اكتناف أحد هذين الرَّجلين عبد الله بن عمر، فصار واحدٌ منهما عن يمينه، وواحد عن يساره، وفي ذلك قُرب كلِّ واحد منهما منه للتمكُّن من وعي ما يقوله ﵁، ومنها مخاطبته بالكنية، وهو من حسن الأدب في الخطاب، ومنها مراعاة حقِّ الصاحب وعدم سبقه إلى الحديث إلاَّ إذا فهم منه ما يُشعر رضاه بذلك، ولعلَّ يحيى بن يَعمر رأى أنَّ صاحبَه سكت ولم يبدأ بالكلام مع عبد الله بن عمر، ففهم منه أنَّه ترك الحديث له. الخامسة: أنَّ الاستفتاءَ وأخذَ العلم عن العالم كما يكون في حال جلوسه، يكون أيضاً في حال مشيه؛ لأنَّ هذين التابعيين سألاَ ابنَ عمر ﵄ وأجابهما على ما سألاَ وهو يمشي، وفي صحيح البخاري في كتاب العلم: "باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها"، و"باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار". السادسة: في جواب ابن عمر ﵄ لهذين السائلَين بيان خطورة بدعة القول بنفي القدر السابق، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/١٠٣ ـ ١٠٤) : "والإيمان بالقدر على درجتين: إحداهما: الإيمانُ بأنَّ الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشرٍّ وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومَن هو منهم من أهل الجنَّة، ومن أهل النار، وأعدَّ لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنَّه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأنَّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والدرجة الثانية: أنَّ الله تعالى خلق أفعال عباده كلَّها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل

стр. 8

السنَّة والجماعة، ويُنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثيرٌ من القدرية، ونفاها غلاتُهم، كمعبد الجهني، الذي سُئل ابنُ عمر عن مقالته، وكعمرو بن عُبيد وغيره. وقد قال كثيرٌ من أئمَّة السلف: "ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقرُّوا به خُصموا، وإن جحدوه فقد كفروا. يريدون أنَّ مَن أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأنَّ الله قسمهم قبل خلقهم إلى شقيٍّ وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ، فقد كذَّب بالقرآن، فيكفر بذلك، وإن أقرُّوا بذلك وأنكروا أنَّ الله خلق أفعال عباده وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية، فقد خُصموا؛ لأنَّ ما أقرُّوا به حجَّة عليهم فيما أنكروه، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء، وأمَّا مَن أنكر العلم القديم، فنصَّ الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما من أئمَّة الإسلام". السابعة: أنَّ للشيطان في إضلال الناس وإغوائهم طريقين، فمَن كان منهم عنده تقصير وإعراض عن الطاعة حسَّن له الشهوات، وقد قال ﷺ : "حُفَّت الجنَّة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات" رواه البخاري (٦٤٨٧) ، ومسلم (٢٨٢٢) ، ويُقال لهذا مرض الشهوة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ، وأمَّا من كان من أهل الطاعة والعبادة، أتاه الشيطان عن طريق الغلوِّ فيها وإلقاء الشبهات عليه، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ، وفي صحيح البخاري (٤٥٤٧) ، ومسلم (٢٦٦٥) عن عائشة ﵂: أنَّ

стр. 9

النَّبيَّ ﷺ تلا هذه الآية، فقال: "إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم"، ويُقال لهذا مرض الشبهة، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ ، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ، وهؤلاء الذين سُئل عنهم ابن عمر وصفهم يحيى بن يعمر بأنَّهم أهل عبادة، فقال: "إنَّه ظهر قِبَلنا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم"، وهؤلاء وأمثالهم من أهل البدع يأتيهم الشيطان لإغوائهم وإضلالهم عن طريق الشبهات. الثامنة: جَمْعُ المفتي بين ذكر الحكم ودليله؛ فإنَّ عبد الله بن عمر ﵄ ذكر رأيَه في هؤلاء وبراءته منهم، ثم ساق مستدِلاًّ على ذلك حديث جبريل المشتمل على أنَّ من أصول الإيمان الإيمان بالقدر. التاسعة: من طريقة الإمام مسلم ﵀ المحافظة على الألفاظ في الأسانيد والمتون، وذكر الحديث كما هو دون تقطيع أو اختصار، ولهذا ساق حديث جبريل هنا بتمامه ولم يختصره فيقتصر على ذكر الإيمان بالقدر، قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام مسلم في تهذيب التهذيب: "حصل لمسلم في كتابه حظٌّ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث إنَّ بعضَ الناس كان يفضِّله على صحيح محمد بن إسماعيل؛ وذلك لِمَا اختصَّ من جمع الطرق وجَودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريِّين فلم يبلغوا شأوه، وحفظتُ منهم أكثرَ من عشرين إماماً مِمَّن صنَّف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهَّاب! ".

стр. 10

٤ ـ قوله: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طَلَعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر ولا يعرفه منَّا أحدٌ، حتى جلس إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأسنَد ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه"، ثم سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها، وقال بعد ذلك: "فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينَكم" فيه فوائد: الأولى: جاء في صحيح البخاري (٥٠) ومسلم (٩) عن أبي هريرة قال: "كان النَّبيُّ ﷺ بارزاً يوماً للناس"، وفي سنن أبي داود (٤٦٩٨) بإسناد صحيح عن أبي ذر وأبي هريرة قالا: "كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيَّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعلَ له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكاناً من طين، فجلس عليه، وكنَّا نجلس بجنبتيه"، وفي هذا دليلٌ على أنَّه ينبغي للمعلِّم أن يكون على مكان مرتفع لكي يُعرف وليراه الحاضرون جميعاً، لا سيما إذا كان الجمعُ كثيراً، فيتمكَّن الجميعُ من الاستفادة منه. الثانية: أنَّ الملائكةَ تأتي إلى البشر على شكل البشر، ومثل ذلك ما جاء في القرآن من مجيء جبريل إلى مريم في صورة بشر، ومجيء الملائكة إلى إبراهيم ولوط في صورة بشر، وهم يتحوَّلون بقدرة الله عن الهيئة التي خُلقوا عليها إلى هيئة البشر، وقد قال الله في خلق الملائكة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ ، وفي صحيح البخاري (٤٨٥٧) ، ومسلم (٢٨٠) أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى جبريل وله ستمائة جناح،

стр. 11

ومثل الملائكة في المجيء على هيئة البشر: الجنُّ، كما ثبت في صحيح البخاري (٢٣١١) عن أبي هريرة ﵁ في قصَّة الذي يأتي إليه ويحثو من الطعام، وكما تأتي الجنُّ على هيئة البشر؛ فإنَّها تأتي على هيئة الحيَّات، كما في صحيح مسلم (٢٢٣٦) . والملائكةُ والجنُّ وهم على هيئتهم يَرون البشرَ من حيث لا يرونهم، وقد قال الله عن الجنِّ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ الثالثة: ليس في مجيء جبريل على هيئة البشر دليلٌ لِمَا حدث في هذا الزمان من التمثيل الذي هو نوع من الكذب؛ لأنَّ جبريل تحوَّل بقدرة الله وإذنه عن هيئته التي خُلق عليها وله ستمائة جناح إلى هيئة بشر. الرابعة: في مجيء جبريل إلى رسول الله ﷺ وجلوسه بين يديه بيان شيء من آداب طلبة العلم عند المعلِّم، وأنَّ السائلَ لا يقتصر سؤاله على أمور يجهل حكمها، بل ينبغي له أن يسأل غيرَه وهو عالِم بالحكم ليسمع الحاضرون الجواب، ولهذا نسب إليه الرسول ﷺ في آخر الحديث التعليم، حيث قال: "فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم"، والتعليم حاصلٌ من النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه هو المباشر له، ومضافٌ إلى جبريل؛ لكونه المتسبِّب فيه، وفي صحيح مسلم (١٠) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوني، فهابوه أن يسألوه"، فجاء رجل فسأله، وفي آخره قال ﷺ : "هذا جبريل أراد أن تعلَّموا إذ لَم تسألوا". الخامسة: لم يَرِد في الصحيحين سلام جبريل عند مجيئه إلى النَّبيِّ ﷺ ، وفي حديث أبي هريرة وأبي ذر عند أبي داود الذي أشرت إليه قريباً:

стр. 12

"فأقبل رجل ـ فذكر هيئته ـ حتى سلم من طرف السِّماط، فقال: السلام عليك يا محمد، قال: فردَّ عليه النَّبيُّ ﷺ ". السادسة: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/١١٦ ـ ١١٧) : "فإن قيل: كيف عرف عمر أنَّه لم يعرفه أحدٌ منهم؟ أجيب بأنَّه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنِّه، أو إلى صريح قول الحاضرين، قلت: وهذا الثاني أولى، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث، فإنَّ فيها: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا"، وهذه الرواية في المسند للإمام أحمد (١٨٤) . السابعة: ذكر النووي في شرح مسلم (١/١٥٧) أنَّ الضمير في "فخذيه" يرجع إلى جبريل، وقال غيرُه: إنَّه يرجع إلى النَّبيِّ ﷺ ، قال الحافظ في الفتح (١/١١٦) : "وفي رواية لسليمان التيمي: ليس عليه سحناء السفر، وليس من البلد، فتخطَّى حتى برَك بين يدي النَّبيِّ ﷺ كما يجلس أحدُنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النَّبيِّ ﷺ ، وكذا في حديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري: "ثم وضع يده على ركبتي النَّبيِّ ﷺ " فأفادت هذه الرواية على أنَّ الضمير في قوله: (على فخذيه) يعود على النَّبيِّ ﷺ ، وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي لهذه الرواية، ورجَّحه الطيبي بحثاً؛ لأنَّه نسق الكلام، خلافاً لِمَا جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنَّه حمله على أنَّه جلس كهيئة المتعلِّم بين يدي من يتعلَّم منه، وهذا وإن كان ظاهراً من السياق لكن وضعه يديه على فخذ النَّبيِّ ﷺ صنيع منبِّه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لِمَا ينبغي للمسؤول من التواضع والصَّفح عمَّا يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنَّه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره ليقوى الظنُّ بأنَّه من جُفاة الأعراب، ولهذا تخطَّى

стр. 13

الناسَ حتى انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ "، وفي سنن النسائي (٤٩٩١) أنَّه وضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ . ٥ ـ قوله: "وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه"، فيه فوائد: الأولى: أجاب النَّبيُّ ﷺ جبريل عندما سأله عن الإسلام بالأمور الظاهرة، وعندما سأله عن الإيمان، أجابه بالأمور الباطنة، ولفظَا الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جُمع بينها في الذِّكر فُرِّق بينها في المعنى، وقد اجتمعا هنا، ففُسِّر الإسلام بالأمور الظاهرة، وهي مناسبة لمعنى الإسلام، وهو الاستسلام والانقيادُ لله تعالى، وفسِّر الإيمان بالأمور الباطنة، وهي المناسبة لمعناه، وهو التصديق والإقرار، وإذا أُفرد أحدُهما عن الآخر شمل المعنيين جميعاً: الأمور الظاهرة والباطنة، ومن مجيء الإسلام مفرداً قول الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، ومن مجيء الإيمان مفرداً قول الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، ونظير ذلك كلمتَا الفقير والمسكين، والبر والتقوى وغير ذلك. الثانية: أوَّل الأمور التي فُسِّر بها الإسلام شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وشهادة أنَّ محمداً رسول الله ﷺ ، وهاتان الشهادتان متلازمتان، وهما لازمتان لكلِّ إنسيٍّ وجنيٍّ من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة، فمَن لم

стр. 14

يؤمن به ﷺ كان من أصحاب النار؛ لقوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمَّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم (٢٤٠) . وشهادة أن لا إله إلاَّ الله معناها لا معبود حقٌّ إلاَّ الله، وكلمة الإخلاص تشتمل على ركنين: نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها، ففي أوَّلها نفي العبادة عن كلِّ من سوى الله، وفي آخرها إثبات العبادة لله وحده لا شريك له، وخبر "لا" النافية للجنس تقديره "حق"، ولا يصلح أن يُقدَّر "موجود"؛ لأنَّ الآلهة الباطلة موجودةٌ وكثيرة، وإنَّما المنفيُّ الألوهية الحقَّة، فإنَّها منتفيَةٌ عن كلِّ من سوى الله، وثابتة لله وحده. ومعنى شهادة أنَّ محمداً رسول الله، أن يُحبَّ فوق محبَّة كلِّ محبوب من الخلق، وأن يُطاع في كلِّ ما يأمر به، ويُنتهى عن كلِّ ما نهى عنه، وأن تُصدَّق أخباره كلُّها، سواء كانت ماضيةً أو مستقبلةً أو موجودةً، وهي غير مشاهدة ولا معاينة، وأن يُعبد الله طبقاً لِمَا جاء به من الحقِّ والهدى. وإخلاصُ العمل لله واتّباع ما جاء به رسول الله ﷺ هما مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، وكلُّ عمل يُتقرَّب به إلى الله لا بدَّ أن يكون خالصاً لله ومطابقاً لسنة رسول الله ﷺ ، فإذا فُقد الإخلاصُ لم يُقبل العمل؛ لقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته

стр. 15

وشركه" رواه مسلم (٢٩٨٥) ، وإذا فُقد الاتِّباع رُدَّ العمل؛ لقوله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري (٢٦٩٧) ، ومسلم (١٧١٨) ، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وهذه الجملة أعمُّ من الأولى؛ لأنَّها تشمل مَن فعل البدعة وهو مُحدثٌ لها، ومَن فعلَها متابعاً لغيره فيها. ولا يُقال: إنَّ العمل إذا كان خالصاً لله، ولَم يكن مبنيًّا على سنَّة، وكان قصدُ صاحبه حسناً أنَّه محمود ونافعٌ لصاحبه، ومِمَّا يدلُّ على ذلك أنَّ الرسول الكريم ﷺ قال للصحابيِّ الذي ذبح أضحيتَه قبل صلاة العيد: "شاتُك شاة لحم"، فلَم يعتبرها رسول الله ﷺ أضحية؛ لأنَّها ذبحت قبل ابتداء وقت الذبح الذي يبدأ بعد صلاة العيد، والحديث أخرجه البخاري (٥٥٥٦) ومسلم (١٩٦١) ، وقد قال الحافظ في شرحه في الفتح (١٠/١٧) : "قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العمل وإن وافق نيَّة حسنة لَم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع". وفي سنن الدارمي (١/٦٨ ـ ٦٩) أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ وقف على أناس في المسجد متحلِّقين وبأيديهم حصى، يقول أحدُهم: كبِّروا مائة، فيكبِّرون مائة، فيقول: هلِّلوا مائة، فيُهلِّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة، فيُسبِّحون مائة، فقال: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعُدُّوا سيِّئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحكم يا أمَّة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابةُ نبيِّكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لَم تَبْلَ، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده! إنَّكم لعلى مِلَّة هي أهدى من ملَّة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا

стр. 16

عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يُصيبه"، وهذا الأثر أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠٠٥) . الثالثة: أهمُّ أركان الإسلام الخمسة بعد الشهادتين الصلاة، وقد وصفها رسول الله ﷺ بأنَّها عمود الإسلام، كما في حديث وصيَّته ﷺ لمعاذ بن جبل، وهو الحديث التاسع والعشرون من الأربعين النووية، وأخبر أنَّها آخر ما يُفقد من الدِّين، وأوَّل ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (١٧٣٩) ، (١٣٥٨) ، (١٧٤٨) ، وأنَّ بها التمييز بين المسلم والكافر، رواه مسلم (١٣٤) . ومِمَّا يدلُّ على أهميَّة شأن الصلاة أيضاً أنَّ الله فرض الصلوات الخمس على رسول الله ﷺ ليلة الإسراء وهو في السماء، كما جاء ذلك في أحاديث الإسراء، وأنَّ أهلَ سَقَر يُجيبون عن أسباب دخولهم سقر بقولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الآيات، وأنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، وهي من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ ، فعن أمِّ سلمة: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: الصلاة وما ملكت أيمانكم، فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه"، وعن أنس بن مالك قال: "كانت عامة وصيَّة رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: الصلاة وما ملكت أيمانكم"، وعن علي بن أبي طالب قال: "كان آخر كلام النَّبيِّ ﷺ : الصلاة وما ملكت أيمانكم"، وهي أحاديث صحيحة، رواها ابن ماجه (١٦٢٥) ، (٢٦٩٧) ، (٢٦٩٨) ، وغيرُه. وأيضاً فإنَّ الله لَمَّا ذكر صفات المؤمنين في سورتي المؤمنون والمعارج

стр. 17

بدأها بالصلاة وختمها بالصلاة، فقال في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ، وقال في آخرها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، وقال في سورة المعارج: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ، وقال في آخرها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ وإقامة الصلاة تكون على حالتين: إحداهما واجبة، وهو أداؤها على أقلِّ ما يحصل به فعل الواجب وتبرأ به الذِّمَّة، ومستحبَّة، وهو تكميلها وتتميمها بالإتيان بكلِّ ما هو مستحبٌّ فيها. وهذه الصلوات الخمس لازمةٌ لكلِّ بالغ عاقل من الرِّجال والنساء، ما دامت الروح في الجسد، ويجب على الرِّجال أداؤها جماعة في المساجد، ويدلُّ لذلك قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب فيُحطب، ثمَّ آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدُهم أنَّه يجد عرقاً سميناً أو مرماتَين حسنتين لشهد العشاء" رواه البخاري (٦٤٤) ، ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة ﵁، وقوله ﷺ : "إنَّ أثقلَ صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْواً، ولقد هممتُ أن آمرَ بالصلاة فتُقام، ثمَّ آمرَ رجلاً فيصلِّي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاةَ فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" رواه البخاري (٦٥٧) ، ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة. وروى مسلم في صحيحه (٦٥٤) عن ابن مسعود قال: "مَن سرَّه أن يلقى اللهَ غداً مسلماً فليُحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادَى

стр. 18

بهنَّ، فإنَّ الله شرع لنبيِّكم ﷺ سُنن الهدى، وإنَّهنَّ من سنن الهدى، ولو أنَّكم صلَّيتُم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتُم سنَّةَ نبيِّكم، ولو تركتم سنَّةَ نبيِّكم لضللتُم، وما من رجل يتطهَّر فيُحسن الطهور، ثم يعمدُ إلى مسجد من هذه المساجد إلاَّ كتب الله له بكلِّ خطوة يخطوها حسنة، ويرفعها بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيِّئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرَّجل يُؤتَى به يُهادى بين الرَّجلين حتى يُقام في الصفِّ". وروى أيضاً في صحيحه (٦٥٣) عن أبي هريرة قال: "أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله إنَّه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يُرخِّصَ له فيُصلِّي في بيته، فرخَّص له، فلَمَّا ولَّى دعاه، فقال: هل تسمع النِّداء بالصلاة فقال: نعم! قال: فأجِب". وعن ابن عمر ﵄: "كنَّا إ ذا فقدنا الرَّجلَ في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظنَّ" رواه الحاكم في المستدرك (١/٢١١) ، وقال: "صحيح على شرطهما" ووافقه الذهبي. ويدلُّ لوجوب صلاة الجماعة ورود نصوص الكتاب والسنَّة بأدائها حال الخوف، قال الله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية، وورد في السنَّة أحاديث متعدِّدة تدلُّ على أداء صلاة الخوف على أوجه مختلفة. الرابعة: الزكاة هي قرينة الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما قال الله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي

стр. 19

الدِّينِ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ، وهي عبادةٌ مالية نفعها متعدٍّ، وقد أوجبها الله في أموال الأغنياء على وجه ينفع الفقير ولا يضرُّ الغنيَّ؛ لأنَّها شيء يسير من مال كثير. الخامسة: صومُ رمضان عبادة بدنية، وهي سرٌّ بين العبد وبين ربِّه، لا يطَّلع عليه إلاَّ الله ؛ لأنَّ من الناس مَن يكون في شهر رمضان مفطراً وغيرُه يظنُّ أنَّه صائم، وقد يكون الإنسانُ صائماً في نفل وغيرُه يظنُّ أنَّه مُفطر، ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنَّ الإنسانَ يُجازَى على عمله، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله : "إلاَّ الصوم فإنَّه لي، وأنا أجزي به" رواه البخاري (١٨٩٤) ، ومسلم (١٦٤) ، أي: بغير حساب، والأعمال كلُّها لله ، كما قال الله : ُ ﴿قلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، وإنَّما خُصَّ الصوم في هذا الحديث بأنَّه لله لِمَا فيه من خفاء هذه العبادة، وأنَّه لا يطَّلع عليها إلاَّ الله. السادسة: حجُّ بيت الله الحرام عبادة ماليَّة بدنية، وقد أوجبها الله في العمر مرَّة واحدة، وبيَّن النَّبيُّ فضلَها بقوله ﷺ : "مَن حجَّ هذا البيتَ فلَم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه" رواه البخاري (١٨٢٠) ، ومسلم (١٣٥٠) ، وقوله ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفَّارة لِما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلاَّ الجنَّة" رواه مسلم (١٣٤٩) . والاستطاعة في الحجِّ تكون بدنية ومالية، ويُحجُّ عن الميت، وأمَّا الحي فلا يُحجُّ عنه إلاَّ في حالتَين:

стр. 20

إحداهما: أن يكون هرماً كبيراً لا يستطيع الركوب والسفر. والثانية: أن يكو ن مريضاً مرضاً لا يُرجى برؤُه. ومن الاستطاعة في حقِّ المرأة وجود المحرم إذا كان الحجُّ من غير مكة؛ لقوله ﷺ : "لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأة إلاَّ ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلاَّ مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إنَّ امرأتي خرجت حاجَّة، وإنِّي اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق فحُجَّ مع امرأتك" رواه البخاري (٣٠٠٦) ، ومسلم (١٣٤١) من حديث ابن عباس ﵄. السابعة: هذه الأركان الخمسة وردت في الحديث مرتَّبة حسب أهميَّتها، وبُدئ فيها بالشهادتين اللَّتين هما أساس لكلِّ عمل يُتقرَّب به إلى الله ، ثم بالصلاة التي تتكرَّر في اليوم والليلة خمس مرَّات، فهي صلة وثيقة بين العبد وبين ربِّه، ثم الزكاة التي تجب في المال إذا مضى عليه حَولٌ؛ لأنَّ نفعَها متعدٍّ، ثم الصيام الذي يجب شهراً في السنة، وهو عبادة بدنيَّة نفعها غير متعدٍّ، ثم الحج الذي لا يجب في العمر إلاَّ مرَّة واحدة. الثامنة: قوله: "قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه" وجه التعجُّب أنَّ الغالبَ على السائل كونه غير عالِم بالجواب، فهو يسأل ليصل إلى الجواب، ومثله لا يقول للمسئول إذا أجابه: صدقتَ؛ لأنَّ السائلَ إذا صدَّق المسئول دلَّ على أنَّ عنده جواباً من قبل، ولهذا تعجَّب الصحابةُ من هذا التصديق من هذا السائل الغريب.

стр. 21

٦ ـ قوله: "قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمنَ بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لَم تكن تراه فإنَّه يراك". فيه فوائد: الأولى: هذا الجواب مشتملٌ على أركان الإيمان الستة، وأوَّل هذه الأركان الإيمان بالله، وهو أساس للإيمان بكلِّ ما يجب الإيمان به، ولهذا أُضيف إليه الملائكة والكتب والرسل، ومَن لَم يؤمن بالله لا يؤمن ببقيَّة الأركان، والإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده وربوبيَّته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته، وأنَّه متَّصفٌ بكلِّ كمال يليق به، منَزَّهٌ عن كلِّ نقص، فيجب توحيده بربوبيَّته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته. وتوحيده بربوبيَّته الإقرارُ بأنَّه واحد في أفعاله، لا شريك له فيها، كالخَلق والرَّزق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمور والتصرّف في الكون، وغير ذلك مِمَّا يتعلَّق بربوبيَّته. وتوحيد الألوهيَّة توحيده بأفعال العباد، كالدعاء والخوف والرَّجاء والتوكُّل والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذَّبح والنَّذر، وغيرها من أنواع العبادة التي يجب إفراده بها، فلا يُصرف منها شيء لغيره، ولو كان ملَكاً مقرَّباً أو نبيًّا مرسَلاً، فضلاً عمَّن سواهما. وأمَّا توحيد الأسماء والصفات، فهو إثبات كلِّ ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على وجه يليق بكماله وجلاله، دون تكييف أو تمثيل، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، وتنزيهه عن كلِّ ما لا يليق به، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ

стр. 22

السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فجمع في هذه الآية بين الإثبات والتنزيه، فالإثبات في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، والتنزيه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وهكذا يُقال في كلِّ ما ثبت لله من الأسماء والصفات. وهذا التقسيم لأنواع التوحيد عُرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويتَّضح ذلك بأوَّل سورة في القرآن، وآخر سورة؛ فإنَّ كلاًّ منهما مشتملةٌ على أنواع التوحيد الثلاثة. فأمَّا سورة الفاتحة، فإنَّ الآيةَ الأولى فيها، وهي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مشتملةٌ على هذه الأنواع؛ فإنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيها توحيد الألوهية؛ لأنَّ إضافةَ الحمد إليه من العباد عبادةٌ، وفي قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إثبات توحيد الربوبيَّة، وهو كون الله ربَّ العالمين، والعالَمون هم كلُّ مَن سوى الله؛ فإنَّه ليس في الوجود إلاَّ خالقٌ ومخلوق، والله الخالقُ، وكلُّ مَن سواه مخلوق، ومن أسماء الله الرب، وقبله لفظ الجلالة في هذه الآية. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مشتملٌ على توحيد الأسماء والصفات، والرحمن والرحيم اسمان من أسماء الله يدُلاَّن على صفة من صفات الله، وهي الرَّحمة، وأسماءُ الله كلُّها مشتقَّةٌ، وليس فيها اسم جامد، وكلُّ اسم من الأسماء يدلُّ على صفة من صفاته. و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبيَّة، وهو سبحانه مالك الدنيا والآخرة، وإنَّما خصَّ يوم الدِّين بأنَّ اللهَ مالكُه؛ لأنَّ ذلك اليوم يخضعُ فيه الجميعُ لربِّ العالَمين، بخلاف الدنيا، فإنَّه وُجد فيها من عتا وتَجبَّر، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾

стр. 23

وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إثباتُ توحيد الألوهية، وتقديمُ المفعول وهو ﴿إِيَّاكَ﴾ يُفيد الحصرَ، والمعنى: نخصُّكَ بالعبادة والاستعانة، ولا نشرك معك أحداً. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فيه إثبات توحيد الألوهية؛ فإنَّ طلبَ الهداية من الله دعاءٌ، وقد قال رسول الله ﷺ : "الدعاءُ هو العبادة"، فيسأل العبدُ ربَّه في هذا الدعاء أن يَهديَه الصرطَ المستقيمَ الذي سلكه النبيُّون والصدِّيقون والشهداء والصالِحون، الذين هم أهل التوحيد، ويسأله أن يُجنِّبَه طريقَ المغضوب عليهم والضالِّين، الذين لَم يحصل منهم التوحيدُ، بل حصل منهم الشِّركُ بالله وعبادةُ غيره معه. وأمَّا سورة الناس، فقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثباتُ أنواع التوحيد الثلاثة؛ فإنَّ الاستعاذةَ بالله فيه توحيد الألوهيَّة. و ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبيَّة وتوحيد الأسماء والصفات، وهو مثل قول الله في أول الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ فيه إثباتُ الربوبيَّة والأسماء والصفات. و ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ فيه إثبات الألوهية والأسماء والصفات. والنسبةُ بين أنواع التوحيد الثلاثة هذه أن يُقال: إنَّ توحيدَ الربوبيَّة وتوحيدَ الأسماء والصفات مستلزمان لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهيَّة متضمِّنٌ لهما، والمعنى أنَّ مَن أقرَّ بالألوهيَّة فإنَّه يكونُ مُقرًّا بتوحيد الربوبيَّة وبتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنَّ مَن أقرَّ بأنَّ اللهَ هو المعبودُ وحده فخصَّه بالعبادة ولم يجعل له شريكاً فيها، لا يكون منكراً أنَّ

стр. 24

اللهَ هو الخالقُ الرازقُ المُحيي المميتُ، وأنَّ له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى. وأمَّا مَن أقرَّ بتوحيد الربوبيَّة وتوحيد الأسماء والصفات، فإنَّه يلزمه أن يُقرَّ بتوحيد الألوهيَّة، وقد أقرَّ الكفَّارُ الذين بُعث فيهم رسول الله ﷺ بتوحيد الربُوبيَّة، فلَم يُدخلهم هذا الإقرارُ في الإسلام، بل قاتَلَهم النَّبيُّ ﷺ حتى يَعبدوا اللهَ وحده لا شريك له، ولهذا يأتي كثيراً في القرآن تقريرُ توحيد الربوبيَّة الذي أقرَّ به الكفَّارُ؛ لإلزامهم بالإقرار بتوحيد الألوهيَّة، ومن أمثلة ذلك قول الله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ففي كلِّ آية من هذه الآيات تقريرُ توحيد الربوبيَّة للإلزام بتوحيد الألوهيَّة، فيقول في كلِّ آية من هذه الآيات الخمس عقب تقرير توحيد الربوبيَّة ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ، والمعنى أنَّ مَن تفرَّد بهذه الأفعال التي هي من أفعال الله وحده، يجبُ أن يُخصَّ بالعبادة وحده؛ لأنَّ مَن اختصَّ بالخلْق والإيجاد وغيرها من أفعال الله يَجب أن يُخصَّ بالعبادة وحده، وكيف

стр. 25

يُعقل أن تكون المخلوقات التي كانت عَدَماً، وقد أوجدَها الله، كيف يُعقل أن يكون لها نصيبٌ من العبادة وهي مخلوقةٌ لله، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الثانية: الإيمان بالملائكة هو الإيمانُ بأنَّهم خَلقٌ من خلق الله، خُلقوا من نور، كما في صحيح مسلم (٢٩٩٦) أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خُلقت الملائكةُ من نور، وخُلق الجانُّ من مارج من نار، وخُلق آدم مِمَّا وُصف لكم"، وهم ذوو أجنحة كما في الآية الأولى من سورة فاطر، وجبريل له ستمائة جناح، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ وتقدَّم قريباً، وهم خلقٌ كثيرٌ لا يعلم عددَهم إلاَّ الله ، ويدلُّ لذلك أنَّ البيتَ المعمور ـ وهو في السماء السابعة ـ يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملَك لا يعودون إليه، رواه البخاري (٣٢٠٧) ، ومسلم (٢٥٩) ، وروى مسلم في صحيحه (٢٨٤٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُؤتَى بجهنَّم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملَك يجرُّونها". والملائكةُ منهم الموَكَّلون بالوحي، والموكَّلون بالقطر، والموكَّلون بالموت، والموكَّلون بالأرحام، والموكَّلون بالجنَّة، والموكَّلون بالنار، والموكَّلون بغير ذلك، وكلُّهم مستسلمون منقادون لأمر الله، ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ، وقد سُمِّي منهم في الكتاب والسنة جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ومنكر ونكير، والواجب الإيمان بمَن سُمِّي منهم ومَن لَم يسمَّ، والواجب أيضاً الإيمان والتصديق بكلِّ ما جاء في الكتاب العزيز وصحَّت به السنَّة من أخبار عن الملائكة. الثالثة: الإيمانُ بالكتب التصديق والإقرار بكلِّ كتاب أنزله الله على

стр. 26

رسول من رسله، واعتقاد أنَّها حقٌّ، وأنَّها منَزَّلة غير مخلوقة، وأنَّها مشتملة على ما فيه سعادة من أُنزلت إليهم، وأنَّ مَن أخذ بها سلم وظفر، ومن أعرض عنها خاب وخسر، ومن هذه الكتب ما سُمِّي في القرآن، ومنها ما لم يُسمَّ، والذي سُمِّي منها في القرآن التوراة والإنجيل والزبور وصُحف إبراهيم وموسى، وقد جاء ذكر صحف إبراهيم وموسى في موضعين من القرآن، في سورتَي النجم والأعلى، وزبور داود جاء في القرآن في موضعين، في النساء والإسراء، قال الله فيهما: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ ، وأمَّا التوراة والإنجيل فقد جاء ذكرهما في كثير من سُوَر القرآن، وأكثرهما ذكراً التوراة، فلَم يُذكر في القرآن رسول مثل ما ذُكر موسى، ولم يُذكر فيه كتاب مثل ما ذُكر كتاب موسى، ويأتي ذكره بلفظ"التوراة"،و"الكتاب"،و"الفرقان"،و"الضياء"، و"الذِّكر". ومِمَّا يمتاز به القرآن على غيره من الكتب السابقة أنَّه يجب الإيمانُ به تفصيلاً، فتُصدَّق أخبارُه، وتُمتثل أوامرُه، وتجتنب نواهيه، ويُتعبَّد الله طبقاً لِما جاء فيه وفي سنّة رسول الله ﷺ ، وأنَّه المعجزة الخالدة التي تُحدِّي أهل الفصاحة والبلاغة على أن يأتوا بسورة مثله، فعجزوا ولن يستطيعوا، كما قال الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ . ويمتاز أيضاً بتكفُّل الله بحفظه وسلامته من التحريف، قال الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، ويمتاز بنزوله منجَّماً مفرَّقاً، قال الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ .

стр. 27

وكونه مهيمناً على الكتب السابقة؛ قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ، فهذه الآية تدلُّ على أنَّ القرآنَ مُهيمنٌ على الكتب السابقة، وسنَّة رسول الله شارحةٌ للكتاب وموضِّحة له، كما قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ولا بدَّ من العمل بما جاء في الكتاب والسُّنَّة، ومن كفر بالسُّنَّة فقد كفر بالقرآن، والله فرض الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج، وبيانُها وبيان غيرها حصل بالسُّنَّة، فالله قد أمر بإقام الصلاة، وبيَّنت السُّنَّة أوقاتَ تلك الصلوات وعدد ركعاتها، وبيَّنت كيفياتها، وقال ﷺ : "صلُّوا كما رأيتُمونِي أُصلِّي" رواه البخاري (٦٣١) . وأمر بإيتاء الزكاة، وبيَّنت السُّنَّة شروطَ وجوبها، وأنصباءها ومقاديرها، وأمر بالصيام، وبيَّنت السُّنَّة أحكامَه ومُفطِّراته. وأمر بالحجِّ، وبيَّن الرسول ﷺ كيفياته، وقال: "لتأخذوا مناسككم، فإنِّي لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حَجَّتِي هذه" رواه مسلم (١٢٩٧) . والقرآن وما سُمِّي فيه من الكتب وما لَم يُسمَّ كلُّ ذلك من كلام الله، فاللهُ متَّصفٌ بصفة الكلام أزَلاً وأبداً، وهو متكلِّمٌ بلا ابتداء، ويتكلَّم بلا انتهاء؛ لأنَّه لا بداية له ولا نهاية له، فلا بداية لكلامه ولا نهاية له، وصفةُ الكلام صفةٌ ذاتيَّة فعلية، فهي ذاتيَّةٌ باعتبار أنَّه لا بداية للاتِّصاف بها، وفعلية لكونها تتعلَّق بالمشيئة والإرادة، فكلامُه متعلِّقٌ بمشيئته، يتكلَّم إذا شاء، كيف شاء، وهو قديمُ النوع، حادثُ الآحاد، وقد كلَّم موسى في زمانه، وكلَّم نبيَّنا محمداً ﷺ ليلة المعراج، ويُكلِّم أهلَ الجنَّة إذا دخلوا الجنَّة، وهذه من أمثلة آحاد الكلام

стр. 28

التي حصلت وتحصل في الأزمان التي شاء الله حصولَها فيها، والله تعالى يتكلَّم بحرف وصوت، ليس كلامُه مخلوقاً ولا معنى قائماً بالذات، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ، ففي هذه الآية إثبات صفة الكلام لله ، وأنَّ كلامَه سَمعَه موسى منه، وقوله: ﴿تَكْلِيماً﴾ تأكيدٌ لحصول الكلام، وأنَّه منه ، وكلام الله لا بداية له ولا نهاية له، فلا حصرَ له، بخلاف كلام المخلوق، فإنَّ له بدايةً وله نهاية، فيكون كلامُه محصوراً، قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، ففي هاتين الآيتين إثباتُ صفة الكلام لله ، وأنَّ كلامَه غيرُ محصور؛ لأنَّ البحورَ الزاخرةَ ولو ضوعِفَت أضعافاً مضاعفة، وكانت مداداً يُكتبُ به كلام الله، وكان كلُّ ما في الأرض من شجر أقلاماً يُكتبُ بها، فلا بدَّ أن تنفدَ البحورُ والأقلامُ؛ لأنَّها مخلوقةٌ محصورةٌ، ولا ينفدُ كلام الله الذي هو غير مخلوق ولا محصور، والقرآن من كلام الله، والتوراة والإنجيل من كلام الله، وكلُّ كتاب أنزله الله فهو من كلامه، وكلامُه غيرُ مخلوق، فلا يَحصل له الفناءُ الذي يحصل للمخلوقات، وهو صفة الخالق الذي لا نهاية له فلا ينفدُ كلامُه، والمخلوقون يَبيدون فينفدُ كلامُهم. الرابعة: الإيمانُ بالرسُل التصديقُ والإقرار بأنَّ الله اصطفى من البشر رُسُلاً وأنبياء يهدون الناسَ إلى الحقِّ، ويُخرجونهم من الظلمات إلى النور، قال الله : ﴿للَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ .

стр. 29

والجنُّ ليس فيهم رسُل، بل فيهم النُّذُر، كما قال الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ، فلم يذكروا رسلاً منهم، ولا كتباً أنزلت عليهم، وإنَّما ذكروا الكتابين المنزلين على موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ولم يأت ذكر الإنجيل مع أنَّه منَزَّلٌ من بعد موسى؛ وذلك أنَّ كثيراً من الأحكام التي في الإنجيل قد جاءت في التوراة، قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: "ولم يذكروا عيسى؛ لأنَّ عيسى ﵇ أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمِّم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ". والرسلُ هم المكلَّفون بإبلاغ شرائع أنزلت عليهم، كما قال الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ ، والكتاب اسم جنس يُراد به الكتب، والأنبياء هم الذين أوحي إليهم بأن يُبلِّغوا شريعة سابقة، كما قال الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية، وقد قام الرسل والأنبياء بتبليغ ما أُمروا بتبليغه على التمام والكمال، كما قال الله : ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ، وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى

стр. 30

إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، قال الزهري: "من الله الرسالة، وعلى رسول الله ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم" أورده البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، باب قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١٣/٥٠٣ ـ مع الفتح) . والرسلُ منهم من قُصَّ في القرآن، ومنهم من لم يُقصص، كما قال الله : ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ ، وقال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ ، والذين قُصوا في القرآن خمسة وعشرون، منهم ثمانية عشر جاء ذكرهم في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ والسبعة الباقون: آدم، وإدريس، وهود، وصالح، وشعيب، وذو الكفل، ومحمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين. ورُسُلُ الله وأنبياؤُه من الرِّجال دون النِّساء، ومن الحاضرة دون البادية، كما قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ

стр. 31

مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ ، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "الذي عليه أهل السنَّة والجماعة ـ وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم ـ أنَّه ليس في النساء نبيَّة، وإنَّما فيهنَّ صدِّيقات، كما قال تعالى مخبراً عن أشرفهنَّ مريم بنت عمران، حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصدِّيقية، فلو كانت نبيَّةً لذَكَر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صدِّيقة بنصِّ القرآن". وقال: "وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ ، المراد بالقرى المدن، لا أنَّهم من أهل البوادي، الذين هم من أجفى الناس طبعاً وأخلاقاً، وهذا هو المعهود المعروف أنَّ أهل المدن أرقُّ طبعاً وألطفُ من أهل بواديهم، وأهل الريف والسواد أقربُ حالاً من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ الآية، وقال قتادة في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ : لأنَّهم أعلم وأحلم من أهل العمود". وهذا الذي جاء في هذه الآية من أنَّ الرسلَ من أهل القرى لا يُنافيه قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ ؛ لأنَّه محمولٌ على أنَّ يعقوب نُبِّئ في المدن، وخرج بعد ذلك إلى البادية، أو أنَّه نزل في مكان يُقال له: بدا، أو أنَّ البدو الذي جاء منه يعقوب مستندٌ للحاضرة، فأُعطي حكمه، ذكر هذه الوجوه شيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، عند هذه الآية من سورة يوسف. وأمَّا الفرق بين النَّبيِّ والرسول فقد اشتهر أنَّ النَّبيَّ هو مَن أُوحي إليه بشرع ولم يُؤمَر بتبليغه، والرسولَ هو مَن أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه،

стр. 32

لكن هذا التفريق قد جاء في بعض الأدلَّة ما يدلُّ على عدم صحَّته، قال الله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، وذلك يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ مرسَلٌ مأمورٌ بالتبليغ، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية، فهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ أنبياءَ بنِي إسرائيل من بعد موسى يَحكمون بالتوراة ويدعون إليها، وعلى هذا فيُمكن أن يُقال في الفرق بين الرسول والنَّبيِّ: إنَّ الرَّسولَ مَن أُوحي إليه بشرع وأُنزل عليه كتاب، والنَّبيَّ هو الذي أُوحي إليه بأن يُبلِّغ رسالةً سابقة، وهذا هو المتَّفق مع الأدلَّة، لكن يبقى عليه إشكال، وهو أنَّ من المرسَلين مَن وُصف بأنَّه نبِيٌّ رسول، كما قال الله في نبيِّنا محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ ، وقال في موسى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ ، وقال في إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ ، ونبيُّنا محمد ﷺ نَزَل عليه الوحيُ أوَّلاً ولم يُؤمَر بالتبليغ، ثم أُمر بعد ذلك بالتبليغ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الأصول الثلاثة: "نُبِّئ بـ ﴿اقْرَأْ﴾ ، وأُرسل بـ ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ "، وعلى هذا فيُقال: النَّبيُّ مَن أُوحي إليه ولم يُؤمَر بالتبليغ في وقت ما، أو أُمر بأن يبلِّغ شريعة سابقة، أو يُقال: النَّبيُّ يُطلق عليه الرسول، والرسول يُطلق عليه النَّبي.

стр. 33

وأولو العزم من الرسل خمسة، قال الله : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ، وهم: نبيُّنا محمد ﷺ ، وإبراهيم وموسى ونوح وعيسى، وقد ذكرهم الله في آيتين من القرآن، في قوله في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ، وفي قوله في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ . وأعظمُ نعمة أنعم الله تعالى بها على الجنِّ والإنس في آخر الزمان أن بعث فيهم رسوله الكريم محمداً ﷺ ، فدلَّهم على كلِّ خير، وحذَّرهم من كلِّ شرٍّ، قال الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ الآيات. وأمَّةُ نبيِّنا محمد ﷺ أمَّةُ دعوة وأمَّةُ إجابة، فأمَّةُ الدعوة كلُّ إنسيٍّ وجنِيٍّ من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة، وأمَّة الإجابة هم الذين وفَّقهم الله للدخول في دينه الحنيف، فشريعتُه ﷺ لازمةٌ للجنِّ والإنس، والدعوة إليها مُوجَّهةٌ لهم جميعاً، ليست لأحد دون أحد، بل هي

стр. 34

للجميع، قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمَّة: يهودي ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يُؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم (٢٤٠) . فاليهود والنصارى بعد بعثة نبيِّنا محمد ﷺ ، لا ينفعُهم زعمُهم أنَّهم أتباعُ موسى وعيسى، بل يتعيَّنُ عليهم الإيمانُ بنبيِّنا محمد ﷺ ، الذي نسخت شريعتُه الشرائعَ قبلها، وخُتم به النبيُّون، قال الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . ولأنَّ مَن كذَّب برسول واحد، فقد كذَّب بجميع الرسل، كما قال الله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، فقد كذَّب كلُّ أمة رسولَها، وأضاف إليها تكذيب المرسَلين؛ لأنَّ تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم، ومَن آمن برسول وكذَّب بغيره فهو مكذِّبٌ لذلك الرسول الذي يزعم أنَّه آمن به. وقد دعا النَّبيُّ ﷺ الجنَّ والإنسَ إلى الدِّين الحنيف والصراط المستقيم، قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، فسبيلُ الهداية مقصورٌ على اتِّباع النَّبيِّ ﷺ ، ولا يُعبد الله إلاَّ بما جاء به رسوله الكريم ﷺ ، ولا طريق يوصل إلى الله إلاَّ باتِّباع ما جاء به ﷺ . وحاجةُ المسلم إلى الهداية إلى الصراط المستقيم أعظمُ من حاجته إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ زادُه في الحياة الدنيا، والصراطَ

стр. 35

المستقيم زادُه للدار الآخرة، ولهذا جاء الدعاءُ لطلب الهداية إلى الصراط المستقيم في سورة الفاتحة، التي تجب قراءتُها في كلِّ ركعة من ركعات الصلاة، سواء كانت فريضةً أو نافلةً، قال الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، فالمسلمُ يدعو بهذا الدعاء باستمرار ليهديه ربُّه صراطَ المنعَم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وأن يُجنِّبَه طريق المغضوب عليهم والضالِّين، من اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الدِّين. وهدايةُ النَّبيِّ ﷺ الجنَّ والإنسَ إلى الصراط المستقيم هو النور الذي وصفه الله به في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ ، فقد وصفه الله في هذه الآية بأنَّه سراجٌ منير، يُضيء به للعباد الطريقَ إليه ، وهذا أيضاً هو معنى النور الذي وصف به القرآن في قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ ، فنور القرآن ما اشتمل عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم. الخامسة: الإيمانُ باليوم الآخر التصديقُ والإقرار بكلِّ ما جاء في الكتاب والسنَّة عن كلِّ ما يكون بعد الموت، وقد جعل الله الدُّورَ دارين: دار الدنيا والدار الآخرة، والحدُّ الفاصل بين هاتين الدارين الموت والنفخ في الصور الذي يحصل به موت مَن كان حيًّا في آخر الدنيا، وكلُّ مَن مات قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والحياة بعد الموت حياتان: حياة برزخية، وهي ما بين الموت والبعث، والحياة بعد الموت، والحياة البرزخية لا يعلم حقيقتها إلاَّ الله، وهي تابعة

стр. 36

للحياة بعد الموت؛ لأنَّ في كلٍّ منهما الجزاء على الأعمال. ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بفتنة القبر ونعيمه وعذابه، وقد وردت الأحاديثُ في فتنة القبر والسؤال فيه ونعيمه وعذابه، فروى البخاري في صحيحه (٨٦) عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، عن عائشة في قصة صلاة الكسوف، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما من شيء لم أكن أُريتُه إلاَّ رأيتُه في مقامي، حتى الجنَّة والنار، فأُوحي إليَّ أنَّكم تُفتنون في قبوركم مثلَ أو قريباً ـ لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء ـ من فتنة المسيح الدجال، يُقال: ما عِلمُك بهذا الرَّجل فأمَّا المؤمن أو المُوقن ـ لا أدري بأيِّهما قالت أسماء ـ فيقول: هو محمدٌ هو رسول الله، جاءنا بالبيِّنات والهُدى، فأجبنا واتَّبعنا، هو محمد ثلاثاً، فيُقال: نَمْ صالِحاً، قد علمنا إن كنتَ لَمُوقناً به، وأمَّا المنافق أو المرتاب ـ لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء ـ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئاً فقُلتُه". وروى البخاري في صحيحه (٤٦٩٩) عن البراء بن عازب رضىالله عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "المسلمُ إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن البراء بن عازب رضىالله عنه في الحديث الطويل (١٨٥٣٤) ، وفيه: "فيأتيه ـ أي المؤمن ـ مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك فيقول: ربِّي الله، فيقولان له: ما دينُك فيقول: دينِي الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرَّجل الذي بُعث فيكم فيقول: هو رسول الله ﷺ ". وفيه: "ويأتيه ـ أي الكافر ـ مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن

стр. 37

ربُّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما دينُك فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما هذا الرَّجل الذي بُعث فيكم فيقول: هاه هاه لا أدري"، وفيه قوله في المؤمن: "فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويُفسَح له في قبره مدّ بصره"، وقوله في الكافر: "فأفرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسَمومها، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه". وفي مصنَّف عبد الرزاق (٦٧٤٤) عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سَمع جابر بن عبد الله يقول: "إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلَى في قبورها، فإذا دخل المؤمن قبره، وتولَّى عنه أصحابُه، أتاه ملَكٌ شديد الانتهار، فقال: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول المؤمن: أقول إنَّه رسول الله ﷺ وعبده، فيقول له المَلَكُ: اطَّلعْ إلى مقعدك الذي كان لك من النار، فقد أنجاك الله منه، وأبدَلَك مكانَه مقعدَك الذي ترى من الجنَّة، فيراهما كلتيهما، فيقول المؤمن: أُبشِّرُ أهلي؟ فيُقال له: اسكن؛ فهذا مقعدُك أبداً، والمنافق إذا تولَّى عنه أصحابُه يُقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول: لا أدري، أقول ما يقول الناس، فيُقال له: لا دريت، انظر مقعدَك الذي كان لك من الجنَّة، قد أبدلك الله مكانه مقعدَك من النار"، وإسناده صحيح، وله حكم الرفع. وروى مسلم في صحيحه (٥٨٨) عن أبي هريرة رضىالله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهَّد أحدُكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدجال".

стр. 38

وفي صحيح البخاري (١٣٧٧) عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ يدعو: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". وهذه الأمور الثلاثة التي يُسأل عنها في القبر ورد ذكرُها مجتمعة في حديث العباس بن عبد المطلب في صحيح مسلم (٥٦) أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ذاق طعمَ الإيمان مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً"، وجاء ذكرُها أيضاً في أدعية الصباح والمساء، والدعاء عند الأذان، وقد بنَى عليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالتَه النفيسة التي لا يستغنِي عنها عاميٌّ ولا طالب علم: "الأصول الثلاثة وأدلَّتُها"، فإنَّ مرادَه بالأصول الثلاثة: معرفة العبد ربّه ودينه ونبيّه ﷺ . وقال الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، فالآيةُ تدلُّ على أنَّهم يُعذَّبون في النار وهم في قبورهم، وإذا حصل البعث انتقلوا إلى عذاب أشدَّ. وأمَّا النَّعيم فقد جاء في الحديث أنَّ أرواح الشهداء في أجواف طير خُضر، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرحُ من الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، رواه مسلم (١٨٨٧) عن عبد الله بن مسعود ﵁، وروى الإمام أحمد في مسنده (١٥٧٧٨) عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّما نسَمة المؤمن طائرٌ يعلقُ في شجر الجنَّة حتى يُرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثُه"، وهو حديث

стр. 39

صحيح، في إسناده ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة لأهل السنَّة، قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند قول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ : "وقد رُوِّينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكلِّ مؤمن بأنَّ روحَه تكون في الجنَّة تسرَح أيضاً فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النَّضرة والسرور، وتشاهدُ ما أعدَّ الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمَّة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبَعة" ثم ذكر سندَ الحديث ومتنَه. وفي صحيح مسلم (٢٨٦٨) عن زيد بن ثابت: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ هذه الأمَّة تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ اللهَ أن يُسمعَكم من عذاب القبر الذي أسمعُ منه". والأحاديث في عذاب القبر والاستعاذة بالله منه كثيرة، وهذه الأدلَّة تدلُّ على أنَّ المؤمنين يُنعَّمون في قبورهم، والكافرين يُعذَّبون فيها، والنَّعيمُ والعذابُ يكون للأرواح والأجساد. ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بالبعث بعد الموت، قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، وفي هذه الآية النصُّ على بعث مَن في القبور؛ لأنَّ الغالبَ على الناس أنَّهم يُدفنون في القبور، والبعثُ يكون لكلِّ مَن مات قُبر أو لم يُقبر، كما قال

стр. 40

الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . وقَبرُ نبيِّنا محمد ﷺ أوَّلُ القبور انشقاقاً عن صاحبه عند البعث؛ لقوله ﷺ : "أنا سيِّدُ ولد آدم يوم القيامة، وأوَّلُ من ينشقُّ عنه القبر، وأوَّلُ شافع وأوَّل مشفّع" رواه مسلم (٢٢٧٨) . وكثيراً ما يأتي في القرآن تقريرُ أمر البعث ببيان ثلاثة أمور: الأمر الأول: التنبيهُ بخلق الإنسان أوَّلَ مرَّة، قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ َضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم﴾ ، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (، وقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً َلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ الأمر الثاني: التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها، قال الله : ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ
следующие страницы →