← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفي الخنقِ ديَّة، ومَن اعتادَهُ قتلَ به سياسة أمَّا في المصرِ أو بين المصرين إذا كان قريتينِ كالكوفة والحيرة (١)، بحيث يلحقُهُ الغوثُ غالباً، ففيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁. وعند أبي يوسفَ ﵁ إذا قاتلوا نهاراً بالسَّلاح حدُّوا، وكذا في اللَّيل سواءٌ كان بالسَّلاح أو غيرِه. (وفي الخنقِ ديَّة، ومَن اعتادَهُ قتلَ به سياسة): الخنقُ من صورِ القتلِ بالمثقل، وفيه القصاصُ عند غير أبي حنيفة ﵁. (والله أعلم) (٣). * * *

стр. 632

كتاب الجهاد هو فرضُ كفايةٍ بِدْءاً، إن قامَ به البعضُ سقطَ عن الباقين، فإن تركوا أثموا إلاَّ على صبيّ، وعبد، وامرأة، وأعمى، ومقعد، وأقطع. وفرضُ عينٍ إن هجموا، فتخرجُ المرأة، والعبدُ بلا إذن، وكُرِهَ الجَعْلُ مع فَيءٍ وبدونِهِ لا كتاب الجهاد (هو فرضُ كفايةٍ بِدْءاً) (١): أي ابتداءً، وهو أن يبتدأَ المسلمون بمحاربةِ الكفار، (إن قامَ به البعضُ سقطَ عن الباقين، فإن تركوا أثموا إلاَّ على صبيّ، وعبد، وامرأة، وأعمى، ومقعد، وأقطع. وفرضُ عينٍ إن هجموا، فتخرجُ المرأة، والعبدُ بلا إذن)؛ فإنَّه إذا هجمَ الكفّارُ على ثغرٍ من الثُّغورِ يصيرُ فرضَ عينٍ على مَن كان يقربُ منه، وهم يقدرونَ على الجهاد. وأمَّا على مَن ورائِهم، فإذا بلغَ الخبرُ إليهم يصيرُ فرضَ عينٍ عليهم إذا احتيجَ إليهم، بأن خيفَ على مَن كان يقربُ منهم، بأنَّهم عاجزونَ عن المقاومة، أو بأن لم يعجزوا، ولكن تكاسلوا، ثُمَّ وثُمَّ إلى أن يصيرَ فرضَ عينٍ على جميعِ أهلِ الإسلام شرقاً وغرباً. وهذا نظيرُ صلاةِ الجنازةِ تصيرُ فرضاً على جيرانِه دون مَن هو بعيدٌ عن الميِّت، فإن قامَ بها الأقربون، أو بعضُهم سقطَ عن الكلّ، وإن بلغَ إلى الأبعدِ أن الأقربين ضيَّعوا حقَّه، فعلى الأبعدِ أن يقومَ بها، فإن تركَ الكلّ، فكلُّ مَن بلغَ إليه خبرُ موتِهِ يصيرُ آثماً. (وكُرِهَ الجَعْلُ مع فَيءٍ وبدونِهِ لا): الجعلُ ما يجعلُ للعاملِ على عملِه، والمرادُ أنَّه إذا كان في بيتِ المالِ شيءٌ لا يجعلُ الإمامُ على أربابِ الأموالِ شيئاً من غيرِ طيبِ أنفسِهم؛ ليتقوَّى به الغزاة، أمَّا إذا لم يكنْ فيه شيء، فيفعل ذلك.

стр. 633

[باب في كيفية القتال] فإن حوصِروا دعوا إلى الإسلام، فإن أبو، فإلى الجزية، فإن قبلوا، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا [باب في كيفية القتال] (فإن حوصِروا): أي الكفارُ بأن حاصرَهم المسلمون، (دعوا إلى الإسلام، فإن أبو، فإلى الجزية، فإن قبلوا، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا)، اعلم أنَّه لا يرادُ هذا الحكمُ على العموم، حتى يدلَّ على أنَّه يجبُ عليهم من العباداتِ أو غيرِها ما يجبُ علينا؛ لأنَّ الكفارَ لا يخاطبونَ بالعبادات (١) عندنا (٢)، وأمَّا عند مَن يقولُ بأنَّهم مخاطبون (٣)، فالذِّميُّ وغيرُه في ذلك سواء. وعند قَبول الجزية لا نأمرُهم بالعبادات، كما نأمر المسلمين، بل يرادُ أنّه يجب لهم علينا ويجب لنا عليهم إذا تعرّضنا لدمائِهم وأموالِهم، أو تعرّضوا لدمائنا وأموالنا ما يجبُ لبعضنا على بعضِ عند التَّعرض؛ وذلك لأنَّ قبل قَبولِ الجزية كنَّا نتعرضُ لدمائِهم وأموالِهم، وكانوا يتعرَّضون لدمائِنا وأموالِنا، فقَبُول الجزيةِ ليس إلاَّ لزوالِ هذا التَّعرض، يؤيِّدُ ذلك أنَّهم جعلوا الدَّليلَ على هذا الحكم قولُ عليّ (٤) ﵁ إنِّما بذلوا

стр. 634

الجزية؛ ليكون ولا يقاتَلُ مَن لم تبلغْه الدَّعوة ونُدِبَت لمَن بلغتْهُ فإن أبوا، حوربوا بمنجنيق، وتحريق، وتغريق، ورمي، ولو معهم مسلم وتترَّسوا به بنيَّتهم لا بنيَّته، وقطعِ شجر، وإفسادِ زرع بلا عذر، وغلول، ومُثْلة دماؤهم كدمائِنا وأموالهم كأموالنا. (ولا يقاتَلُ مَن لم تبلغْه الدَّعوة ونُدِبَت): أي الدَّعوة: أي نُدِبَ تجديدُ الدَّعوة (لمَن بلغتْهُ فإن أبوا): أي عن الجزية، (حوربوا بمنجنيق، وتحريق، وتغريق، ورمي، ولو معهم مسلم وتترَّسوا به بنيَّتهم لا بنيَّته، وقطعِ شجر، وإفسادِ زرع بلا عذر، وغلول، ومُثْلة). قال في «الهداية»: الغدر: الخيانة ونقضُ العهد (١). وقد قال ﷺ : «الحرب خدعة» (٢)، فيشتبه على النَّاس التَّفرقةُ بين الغدرِ وبين خدعةِ الحرب. فأقول: ما دامَ الحربُ قائمةً لا يحرمُ الخداع، بأن نريَهم أنَّا لا نحارِبُهم في هذا اليوم حتَّى أمنوا فنحاربُهم فيه، أو نذهبَ إلى صوبٍ آخر حتَّى غفلوا فنأتيهم بياتاً ونحو ذلك، بخلاف ما إذا جرى بيننا وبينهم قرارٌ على أن لا نتحاربَ في هذا اليوم حتَّى أمنوا، فإنَّه لا تجوزُ المحاربة؛ لأنَّ هذا استئمان وعهد، فالمحاربةُ نقضُ العهد، وهذا ليس من خداعِ الحرب، بل خداعٌ في حالِ السِّلم، فيكون غدراً. والغلولُ: السَّرقة من المغنم. والمُثْلَةُ اسمٌ من مَثَلَ به يُمْثَلُ مَثْلاً، كقَتَلَ يُقْتُلُ قَتْلاً: أي نَكَّلَ به: معناه جعلَهُ نكالاً وعبرةً لغيرِه، مثل: قطعُ الأعضاء، وتسويدُ الوجه، يقال: مَثَّلَ بالقتيل: أي قطعَ أنفه، ومُثْلَة العُرْنِيِّين (٣) نسخَتْ بقولهِ ﷺ : «لَا تَغْلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا» (٤).

стр. 635

وقتلِ غيرِ مُكلَّف، وشيخٍ فان، وأعمى، ومقعد، وامرأةٍ إلاَّ مَلِكَة، أو مقاتلاً منهم، أو ذا مالٍ يحثُّ به، أو ذا رأيٍّ في الحرب. وأبٍ كافرٍ بِدْءاً فيقتلَهُ غيرُ ابنِه، وإخراجُ مصحفٍ وامرأةٍ إلاَّ في جيشٍ يؤمنُ عليهم. [باب الموادعة ومن يجوز أمانه] وصولِحوا إن كان خيراً، ويؤخذُ منهم مالٌ إن لنا به حاجة، ونُبِذَ إن هو أنفع فقوتلوا، وقبل نَبْذٍ لو خانوا بِدْءاً وفي المُثْلَةِ تغيرُ خلقِ اللهِ تعالى فتحرم. (وقتلِ غيرِ مُكلَّف، وشيخٍ فان، وأعمى، ومقعد، وامرأةٍ إلاَّ مَلِكَة، أو مقاتلاً منهم، أو ذا مالٍ يحثُّ به، أو ذا رأيٍّ في الحرب (١). وأبٍ كافرٍ بِدْءاً فيقتلَهُ غيرُ ابنِه): أي لا يقتلُ الابنُ الأبَ الكافرَ ابتداءً، وهو احترازٌ عمَّا إذا قصدَ الأبُ قتلَه، بحيث لا يمكنُهُ دفعُهُ إلاَّ بقتلِه، فإنَّه لا بأس بقتلِه. وقولُهُ: فيقتلَهُ؛ بالنَّصب: أي لأن يقتلَهُ غيرُه، فالفعلُ المضارعُ ينتصبُ بأن مقدَّرةً بعد الفاء إذا كان ما قبلَها سبباً لما بعدَها: أي بعد عدَّةِ أشياءٍ منها النَّفي (٢)، فينبغي أن يصيرَ عدمُ قتلِ الابنِ أباهُ سبباً؛ لقتلِ غيرِ الابنِ أباهُ بأن يشغلَه ويلبثَه؛ ليجيءَ آخرُ فيقتلَه. (وإخراجُ مصحفٍ وامرأةٍ إلاَّ في جيشٍ يؤمنُ عليهم. [باب الموادعة ومن يجوز أمانه] وصولِحوا إن كان (٣) خيراً، ويؤخذُ منهم مالٌ إن لنا به حاجة، ونُبِذَ إن هو أنفع فقوتلوا): لفظُ: كان مضمرٌ في قولِهِ: إن خيراً، وإن لنا به حاجة، ونُبِذَ إن هو أنفعُ، النَّبذ نقضُ المصالحةِ مع إخبارِهم بذلك. (وقبل نَبْذٍ لو خانوا بِدْءاً): أي قوتلوا قبلَ نَبْذٍ إن بدأوا بالخيانة.

стр. 636

وصولِحَ المرتدُّ بلا مال، ولا ردَّ إن أخذنا، ولا يباعُ سلاح، وخيل، وحديد منهم، ولو بعد صلح. وصحَّ أمانُ حرٍّ وحرَّة، فإن كان شرّاً نُبِذَ وأُدِّبَ. ولَغَا أمانُ الذَّميّ، وأسير، وتاجرٍ معهم، ومَن أسلم ثمَّة ولم يهاجرْ إلينا، وصبيٍّ وعبدٍ إلاَّ مأذونيْنِ ومجنون. باب المغنم وقسمته قسَّمَ الإمامُ بين الجيشِ ما فُتِحَ عُنْوةً، أو أقرَّ أهلُهُ عليهِ بجزيةٍ وخراج (وصولِحَ المرتدُّ (١) بلا مال، ولا ردَّ إن أخذنا): يعني يجوزُ لنا أن نصالحَ المرتدّ، ولا نعجِّلَ في قتلِه؛ لأنَّ إسلامَه مرجو، لكن لا نأخذُ منه شيئاً؛ لأنَّه يكون جزية، ولا يجوزُ أخذُ الجزيةِ من المرتدّ، لكن لو أخذنا لا نَردُّ إليه؛ لأنَّه مالٌ غيرُ معصوم. (ولا يباعُ سلاح، وخيل، وحديد منهم، ولو بعد صلح (٢). وصحَّ أمانُ حرٍّ وحرَّة (٣)، فإن كان شرّاً نُبِذَ وأُدِّبَ (٤). ولَغَا أمانُ الذَّميّ، وأسير، وتاجرٍ معهم، ومَن أسلم ثمَّة ولم يهاجرْ إلينا (٥)، وصبيٍّ وعبدٍ إلاَّ مأذونيْنِ ومجنون): المرادُ بالأسير: مسلمٌ أسيرٌ في يدِ الكفّار، وبالتَّاجر: تاجرٌ مسلمٌ معهم. (والله تعالى أعلم) (٦). باب المغنم وقسمته (قسَّمَ الإمامُ بين الجيشِ ما فُتِحَ عُنْوةً (٧)، أو أقرَّ أهلُهُ عليهِ بجزيةٍ وخراج).

стр. 637

وقتلَ الأسرى، أو استرَّقهم، أو تركَهم أحراراً ذمَّةً لنا، ونُفِي مَنَّهم وفداؤُهم. وردُّهم إلى دارِهم، وعَقْرُ دابة يشقُّ نقلُها وذُبِحَتْ وحُرِقَتْ، وقُسْمَةُ مغنمٍ ثمّة إلاَّ إيداعاً فيردُّ هاهنا فيقسم، والرِّدء ومددٌ لحقَهم ثمّةً كمقاتلٍ فيه قولُهُ: أو أقرَّ عطفٌ على قولِهِ: قسَّمَ الإمام. ثمَّ عطفَ على أحدِ الأمرين، وهو قسَّم، أو أقرَّ قولَهُ: (وقتلَ الأسرى، أو استرَّقهم، أو تركَهم أحراراً ذمَّةً لنا): أي ليكونوا أهل ذمَّةٍ لنا. (ونُفِي مَنَّهم وفداؤُهم). المَنُّ: أن يتركَ الأسيرُ الكافرُ من غيرِ أن يؤخذَ منه شيئاً. والفداءُ: أن يتركَ ويأخذ منه مالاً، أو أسيراً مسلماً منهم في مقابلته. ففي المَنّ خلافُ الشَّافِعِيِّ (١) ﵁. وأمَّا الفداءُ فقبلَ أن تضعَ الحربُ أوزارَها يجوزُ بالمالِ لا بالأسيرِ المسلم، وبعده لا يجوزُ بالمال بإجماع علمائنا، وبالنَّفس لا يجوزُ عند أبي حنيفةَ ﵁، ويجوزُ عند محمَّد ﵁، وعن أبي يوسف ﵁ روايتان، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ يجوز مطلقاً. (وردُّهم إلى دارِهم (٣)، وعَقْرُ دابة يشقُّ نقلُها وذُبِحَتْ وحُرِقَتْ (٤)، وقُسْمَةُ مغنمٍ ثمّة إلاَّ إيداعاً فيردُّ هاهنا فيقسم، (٥) والرِّدء (٦) ومددٌ لحقَهم ثمّةً كمقاتلٍ فيه): أي في المغنم.

стр. 638

لا سُوقيٍّ لم يقاتل. ولا مَن ماتَ ثمّة، ويورثُ قسطُ مَن ماتَ هنا. وحلَّ لنا ثمةً طعام، وعلف، وحطب، ودهن، وسلاح به حاجةٌ بلا قسمة، لا بعد الخروجِ منها، ولا بيعُها وتموُّلُها، وردُّ الفضلِ إلى المغنم. ومَن أسلمَ ثمّة عصمَ نفسَه وطفلَه، ومالاً معه أو أودعَه معصوماً، لا ولدَهُ كبيراً، وعرسَهُ وحملَها، وعقارَه، وعبدَهُ مقاتلاً، ومالَهُ (لا سُوقيٍّ (١) لم يقاتل. ولا مَن ماتَ ثمّة)؛ لأنَّه بالإحرازِ يصيرُ ملكاً لنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ يصيرُ ملكاً باستقرارِ هزيمةِ الكفار، فمَن ماتَ بعد ذلك يورَّثُ نصيبُه، (ويورثُ قسطُ مَن ماتَ هنا (٣). وحلَّ لنا ثمةً طعام، وعلف، وحطب، ودهن (٤)، وسلاح به حاجةٌ بلا قسمة، لا بعد الخروجِ منها (٥)، ولا بيعُها وتموُّلُها، وردُّ الفضلِ إلى المغنم. ومَن أسلمَ ثمّة (٦) عصمَ نفسَه وطفلَه)؛ لأنَّه صارَ مسلماً تبعاً، (ومالاً معه أو أودعَه معصوماً): أي مالاً وضعَهُ أمانةً عند مسلم، أو ذمي. (لا ولدَهُ كبيراً، وعرسَهُ وحملَها (٧)، وعقارَه)؛ لأنَّ العقارَ من جملةِ دارِ الحرب، وهو في يدِ أهلِ الدَّار، ففيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٨) ﵁، (وعبدَهُ مقاتلاً (٩)، ومالَهُ

стр. 639

مع حربيٍّ بغصب، أو وديعة. وللفارسِ سهمان، وللرَّاجل سهم ويعتبرُ وقتُ المجاوزة، فمَن دخلَ دارَهم فارساً فنفَقَ فرسُه، فلُهُ سهمان: سهمُ فارس، ومَن دخلَها راجلاً فشرى فرساً، فله سهمُ راجل، ولا يسهمُ إلاَّ لفرس. ولا لعبد، وصبيّ، وامرأة، وذميّ، ورضخ لهم، والخمسُ للمسكين، واليتيم، وابنِ السَّبيل، وقُدِّمَ فقراءُ ذوى القربى عليهم ولا شيءَ لغنيِّهم، وذِكْرُ الله تعالى للتَّبرُّك، وسهمُ النَّبيِّ ﷺ سقطَ بموتِه بغصب، أو وديعة. (وللفارسِ سهمان، وللرَّاجل سهم) (١) ويعتبرُ وقتُ المجاوزة): أي يعتبرُ لاستحقاقِ سهمِ الفارسِ والرَّاجل وقتُ مجاوزةِ الدَّرب (٢)، وهو البابُ الواسعُ على السِّكَّة، والمضيقُ من مضائقِ الرُّوم، والمرادُ هاهنا مدخلُ دارِ الحرب، وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ يعتبرُ وقتُ شهودِ الوقعة. (فمَن دخلَ دارَهم فارساً فنفَقَ فرسُه): أي ماتَ فشهدَ الواقعةَ راجلاً، (فلُهُ سهمان: سهمُ فارس، ومَن دخلَها راجلاً فشرى فرساً، فله سهمُ راجل)، هذا عندنا، أمَّا عند الشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ فعلى العكس، وسهمُ الفارسِ عنده أربعةُ أسهم. (ولا يسهمُ إلاَّ لفرس): أى فرسٍ واحد، فَعُلِمَ من هذا أنَّه لا يسهمُ للبغلِ والرَّاحلة (٥). (ولا لعبد، وصبيّ، وامرأة، وذميّ، ورضخ لهم)، الرَّضخُ: إعطاءُ القليل، والمرادُ هاهنا أقلُّ من سهمِ الغنيمة. (والخمسُ للمسكين، واليتيم، وابنِ السَّبيل، وقُدِّمَ فقراءُ ذوى القربى عليهم ولا شيءَ لغنيِّهم، (وذِكْرُ الله) (٦) تعالى للتَّبرُّك (٧)، وسهمُ النَّبيِّ ﷺ سقطَ بموتِه

стр. 640

كالصّفي كالصّفي (١))، هذا عندنا. أمَّا عند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ فيقسمُ على خمسةِ أسهم: سهمُ الرّسولِ ﵇ للخليفة. وعندنا سقطَ بموتِه كما سقطَ الصّفي، فإنَّه كان للنَّبيِّ ﷺ أن يصطفيَ لنفسِهِ شيئاً من الغنيمة (٣). وسهمُ ذوي القربى لهم: أي لبني هاشمَ وبني المطلب. اعلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ هو محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المُطَّلب بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مناف، وكان لعبدِ منافٍ أربعةُ بنين: هاشم، والمطّلب، وعبدُ شمس، ونوفل، ولمَّا قسمَ رسولُ الله ﷺ غنائمَ خيبر، قسمَ خمسَ ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب، وكان عثمان ﵁ من أولادِ عبد شمس، وجبير بنِ مطعم من أولادِ نوفل، فكلَّما رسولَ اللهِ ﷺ فقالا: لا ننكر فضلَ بني هاشم لمكانِك الذي وضعَك اللهُ فيهم، ولكن نحن وأصحابُنا من بني المطلب إليك في النَّسبِ سواء فما بالكَ أعطيتَهم وحرمتَنا، فقال ﷺ : «إنَّهُم لَمْ يُفَارِقُونَي فِي الجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي الإِسْلَام، وَشَبَّك بَيْنَ أَصَابِعِه» (٤)، فالشَّافِعِيُّ (٥) ﵁ يقسِّمُهُ كما قسمَ النَّبيُّ ﷺ . ونحن نقولُ له: علَّلَ رسولُ الله ﷺ بصحبتِهم ونصرتِهم إيَّاه، فلم يبقَ بوفاتِه ﷺ ،

стр. 641

ومَن دخلَ دارَهم، فأغارَ خَمَّسَ إلاَّ مَن لا منعةَ له، ولا إذن، وللإمامِ أن ينفلَ وقتَ القتال حثَّاً، فيقول: مَن قتلَ قتيلاً فله سلبُه، أو لسريَّةٍ جعلَتْ لكم الرُّبع بعد الخمس، لا بعد الإحراز هاهنا، إلاَّ من الخمس. وسلبه ما معه حتَّى مركبَه وما عليه، وهو للكلّ إن لم ينفلْ فيستحقُّون بعد وفاتِه ﷺ بالفقر، حيث قال ﷺ : «وَعَوَّضَكُم مِنْهَا بِخُمْسِ الخُمْس» (١)، ولمَّا كان عوضاً عن الزَّكاة يستحقُّه مَن يستحقُّ الزَّكاة، وقد نُقِلَ أنّ الخلفاءَ الرَّاشدين كانوا يقسِّمون على نحوِ ما قلنا، وكان عمرُ ﵁ يعطي فقراءهم. (ومَن دخلَ دارَهم، فأغارَ خَمَّسَ (٢) إلاَّ مَن لا منعةَ له، ولا إذن)؛ لأنَّ الخمسَ إنِّما يؤخذُ من الغنيمة، والغنيمةُ ما أُخِذُ (٣) من الكفار قهراً، وهذا بالمنعة، فإن لم يكن له منعة، لكن وُجِدَ إذن الإمام فهو في حكمِ المنعة؛ لأنَّ الإمامَ بالإذن التزمَ نصرتَه. (وللإمامِ أن ينفلَ وقتَ القتال حثَّاً، فيقول: مَن قتلَ قتيلاً فله سلبُه): التَّنفيلُ إعطاءُ شيءٍ زائدٍ على سهمِ الغنيمة، والتركيبُ (٤) يدلُّ على الزِّيادة، قوله: مَن قتلَ قتيلاً فله سَلَبُه؛ سمَّاه قتيلاً لقربِه إلى القتل. (أو لسريَّةٍ جعلَتْ لكم الرُّبع بعد الخمس): أي بعدما رُفِعَ الخمسُ جعلْتُ لكم ربعَ الباقي، أو ثُلُثَه، أو نحو ذلك، (لا بعد الإحراز هاهنا): أي بدارِ الإسلام؛ لأنَّه حينئذٍ صارَ ملكاً للغانمين (إلاَّ من الخمس (٥). وسلبه ما معه حتَّى مركبَه وما عليه، وهو للكلّ إن لم ينفلْ) خلافاً للشَّافعيّ (٦) ﵁

стр. 642

باب استيلاء الكفار إذا سبى بعضُهم بعضاً وأخذوا مالهم، أو بعيراً ندَّ إليهم، أو غلبوا على مالِنا وأحرزوه بدارِهم ملكوه، لا حرَّنا، ومدبِّرنا، ومكاتَبنا، وعبدَنا آبقاً وإن أخذوه فإنَّ السَّلبَ عنده للقاتلِ إن كان من أهلِ أن يسهمَ له، وقد قتلَه مقبلاً؛ لقولِهِ ﷺ : «مَن قتلَ قتيلاً فله سلبه» (١). ونحن نحملُ هذا على التَّنفيل لا على وضعِ الشَّريعة. باب استيلاء الكفار (إذا سبى بعضُهم (٢) بعضاً وأخذوا مالهم، أو بعيراً ندَّ إليهم، أو غلبوا على مالِنا وأحرزوه بدارِهم ملكوه): هذا عندنا. وأمَّا عند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁: لا يملكُ الكفارُ مالنا بالاستيلاء، لما ذُكِرَ في أصول الفقه (٤): إن النَّهي عن الأفعالِ الحسيَّةِ يوجبُ القبحَ لعينِه، والقبحُ لعينهِ لا يفيدُ حكماً شرعياً، وهو الملك. قلنا: إنَّما يملكون؛ لاستيلائهم على مالٍ غيرِ معصوم في زعمِهم، وليس لنا ولايةُ الالتزام، فسقطَ النَّهي في حقِّ الدُّنيا، إذ العصمةُ إنِّما كانت ثابتةً ما دامَ محرزاً بدارِنا؛ لتيقُّنِ التَّمكُّن من الانتفاع، فإذا زالَ الإحرازُ سقطَ العصمة. (لا حرَّنا، ومدبِّرنا، ومكاتَبنا، وعبدَنا آبقاً وإن أخذوه)، إنِّما قال: وإن أخذوه؛ لأنَّ الخلافَ فيما أخذوه وقهروه وقيَّدوه ففي هذه الصُّورةِ لا يملكونَه عند أبي حنيفة ﵁ خلافاً لهما، لكن إن لم يأخذوه قهراً لا يملكونَه اتِّفاقاً.

стр. 643

ونملكُ بالغلبةِ حرَّهم، وما هو ملكُهم. ومَن وَجَدَ منَّا ماله، أخذَهُ بلا شيءٍ إن لم يقسم، وبالقيمةِ إن قُسِم، وبالثَّمن إن شراهُ منهم تاجرٌ وإن أخذَ أرشَ عينِه مفقوءة، فإن أُسِرَ عبدٌ فبيع، ثُمَّ كذا، فللمشتري الأَوَّلُ أخذُهُ من الثَّاني بثمنِه، ثُمَّ لسيِّدِه أخذُهُ منه بالثَّمنين، وقبل أخذِ الأَوَّلِ لا، فلو أَبِقَ بمتاع، فشراهما منهم رجلٌ أُخِذَ العبدُ مجّاناً، وغيرُهُ بالثَّمن، وعُتِقَ عبدٌ مسلمٌ شراهُ مستأمن هاهنا وأدخلَهُ دارهم لهما: إن عصمَتَهُ كانت لحقِّ المولَى، وقد زالَت، فقد صارَ مباحاً وقعَ في أيديهم. وله: إنّ العصمةَ التي كانت لحقِّ المولَى، ولمَّا زالَتْ ظَهَرَتْ عصمتُهُ التَّي قد كانت باعتبارِ الآدمية، فصارَ بمنْزلةِ الاحرار فلا يملكونَه. (ونملكُ بالغلبةِ حرَّهم، وما هو ملكُهم. ومَن وَجَدَ منَّا ماله): أي في يدِ الغانمينِ بعدما غلبنا عليهم، ولم يذكرْ هذا؛ لأنَّه يفهمُ من قولِه: (أخذَهُ بلا شيءٍ إن لم يقسم): أي بين الغانمين، (وبالقيمةِ إن قُسِم، وبالثَّمن إن شراهُ منهم تاجرٌ وإن أخذَ أرشَ عينِه مفقوءة): أي إن فُقِئتْ عينُه في يدِ التَّاجر، فأخذَ أرشَه، فالمالكُ القديمُ يأخذُ منه بكلِّ الثَّمنِ إن شاء، ولا يُحَطُّ من الثَّمنِ شيء بإزاء ما أُخِذَ من الأَرْش. (فإن أُسِرَ عبدٌ فبيع، ثُمَّ كذا، فللمشتري الأَوَّلُ أخذُهُ من الثَّاني بثمنِه، ثُمَّ لسيِّدِه أخذُهُ منه بالثَّمنين، وقبل أخذِ الأَوَّلِ لا)، عبدٌ أُسِرَ من يدِ زيد، فاشتراهُ عمرو بمئة، ثُمَّ أُسِرَ من عمرو، فاشتراهُ بكرٌ بمئة، فعمروٌ يأخذُه من بكرٍ بمئة، ثُمَّ يأخذُهُ زيدٌ من عمروٍ بمئتين؛ لأنَّه قامَ على عمروٍ بمئتين، ولو لم يأخذْهُ عمرو، فليس لزيد أن يأخذَهُ من بكر؛ لأنَّ بكراً اشترى عبداً أُسِرَ من عمرو، بعدما اشتراهُ عمرو، فلو أخذَهُ زيدٌ من بكرٍ لضَاعَ الثَّمنُ الذي أعطاهُ عمرو، فلا يأخذُهُ زيدٌ قبل أخذِ عمرو. (فلو أَبِقَ بمتاع)، فأخذَهما الكفّار، (فشراهما منهم رجلٌ أُخِذَ العبدُ مجّاناً، وغيرُهُ بالثَّمن)؛ لما مرَّ (١) أنَّهم لا يملكونَ العبدَ الآبق. (وعُتِقَ عبدٌ مسلمٌ شراهُ مستأمن هاهنا (٢) وأدخلَهُ دارهم)، هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما لا يعتق؛ لأنَّ الواجبَ أن يُجْبَرَ في دارِنا على بيعِه، وقد زالَ إذ لا يدَ لنا عليهم، فبقي عبداً في أيديهم.

стр. 644

كعبدٍ لهم أسلمَ ثَمَّة فجاءنا، أو ظهرْنا عليهم. والله أعلم. باب المستأمن لا يتعرّضَ تاجرُنا ثَمَّة لدمِهم ومالِهم إلاَّ إذا أخذَ مَلِكُهم مالَه، أو حبسَه، أو غيرُه بعلمِه، وما أخرجَه ملكَه ملكاً حراماً، فيتصدَّقُ به، فإن أدانَه حربيٌّ، أو أدانَ حربِّياً، أوغصبَ أحدُهما من الآخر، وجاءا هاهنا، لم يقضِ لأحدِهما بشيء، وكذا لو فعلَ ذلك حربيان وجاءا مستأمنين، فإن قلنا: إذا زالَتْ ولايةُ الجبر، أقيمَ الاعتاقُ مقامَه تخليصاً للمسلم عن أيدي الكفَّار. (كعبدٍ لهم أسلمَ ثَمَّة فجاءنا، أو ظهرْنا عليهم (١). (والله أعلم) (٢)). باب المستأمن هو يشملُ مسلماً دخلَ دارَهم بأمان، وكافراً دخلَ دارَنا بأمان. (لا يتعرّضَ تاجرُنا ثَمَّة لدمِهم ومالِهم إلاَّ إذا أخذَ مَلِكُهم مالَه، أو حبسَه، أو غيرُه بعلمِه، وما أخرجَه) (٣): أي بطريقِ التَّعرُّض، (ملكَه ملكاً حراماً، فيتصدَّقُ به)؛ إنِّما يملكُه؛ لأنَّه ظفرَ بمالٍ مباح (٤)، وإنِّما كان حراماً للغدر. (فإن أدانَه حربيٌّ): أي باشرَ تصرُّفاً أوجبَ الدَّين في ذمَّة التَّاجر، (أو أدانَ حربِّياً، أوغصبَ أحدُهما من الآخر، وجاءا هاهنا، لم يقضِ لأحدِهما (٥) بشيء)؛ لأنَّه لا ولايةَ لنا على المستأمن. (وكذا لو فعلَ ذلك حربيان وجاءا مستأمنين)؛ لأنَّه لا ولايةَ لنا عليهما، (فإن

стр. 645

جاءا مسلمينِ قضي بينَهما بالدَّين لا الغصب، فإن قتلَ مسلمٌ مستأمنٌ مثلَهُ ثَمَّةَ عمداً، أو خطأ، وُدِي من مالِه، وكفَّرَ للخطأ، وفي الأسيرينِ كفَّرَ فقط في الخطأ، ولا يُمَكَّنُ حربيُّ هنا سنة، وقيل له: إن أقمت هنا سنةً أو شهراً، نضعُ عليك الجزية، فإن رجعَ قبل ذلك، وإلاَّ فهو ذميٌّ لا يُتْرَكُ أن يرجع جاءا مسلمينِ قضي بينَهما بالدَّين لا الغصب)؛ لأنَّ الإدانةَ وقعَتْ صحيحةً لتراضِيهما بخلافِ الغصب؛ لأنَّه لا تراضي ولا عصمة. (فإن قتلَ مسلمٌ مستأمنٌ مثلَهُ (١) ثَمَّةَ عمداً، أو خطأ، وُدِي من مالِه (٢)، وكفَّرَ للخطأ)؛ لأنَّه لم يجبِ القصاصِ وقتَ القتل؛ لتعذُّرِ الاستيفاء؛ لأنَّه بالمنعة (٣)، فتجبُ الدِّيةُ؛ لوجود العصمةِ (٤) في ماله لا على العاقلة، إذ الوجوبُ عليهم باعتبارِ النُّصرة والتقصيرِ في الصِّيانة الواجبةِ عليهم، وقد سقطَ ذلك بتباينِ الدَّارين. (وفي الأسيرينِ (٥) كفَّرَ فقط في الخطأ): أي لا يجبُ شيءٌ إلاَّ الكفارةَ في الخطأ عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما: تجبُ الدِّيةُ في العمدِ والخطأ؛ لأنَّ العصمةَ لا تبطلُ بالأسر، كما لا تبطلُ بالاستئمان. وله: أن الأسيرَ صارَ تبعاً لهم بقهرِهم إيِّاه، فيبطلُ الإحراز، فسقطَ العصمةُ المقوَّمة، وهي ما يوجبُ المال عند التَّعرّض، فلم تجبِ الدِّيةُ لا في العمد، ولا في الخطأ، لكنَّ العصمةَ المؤثَّمة، وهي ما يوجبُ الإثمَ عند التَّعرُّضِ باقية، فتجبُ الكفّارةُ في الخطأ. (ولا يُمَكَّنُ حربيُّ هنا (٦) سنة، وقيل له: إن أقمت هنا سنةً أو شهراً (٧)، نضعُ عليك الجزية، فإن رجعَ قبل ذلك): جزاءُ الشَّرطِ محذوف: أي فبها، أو نحوه، (وإلاَّ فهو ذميٌّ لا يُتْرَكُ أن يرجع): أي إن لم يرجعْ قبل المدَّةِ المضروبة، فهو ذميّ.

стр. 646

كما لو اشترى أرضاً فوضعَ عليه خراجَها، وعليه جزيةُ سنةٍ من وقتِ وضعِ الخراج. أو نَكَحَتْ حربيَّةٌ ذميَّاً هاهنا، وفي عكسِهِ لا، فإن رجعَ المستأمنُ إلى دارِه حلَّ دمُه، فإن أُسِرَ، أو ظُهِرَ عليهم، فقُتِلَ سقطَ دينٌ كان له على معصوم، وأفيء وديعةٌ له عنده، وإن مات، أو قتلَ بلا غلبةٍ عليهم فهما لورثتِه، حربيٌّ هنا، وله ثَمَّة عرسٌ وأولادٌ ووديعةٌ مع معصومٍ وغيرِه، فأسلمَ هنا، ثُمَّ ظُهِرَ عليهم فكلُّهُ فيء، وإن أسلم ثَمَّة فجاءَ فظُهِرَ عليهم، فطفلُهُ حرٌّ مسلم، ووديعةٌ مع معصومٍ له، وغيرُه فيءٌ، ومَن أسلمَ ثَمَّةَ وله ورثةٌ هنالك، فقتلَهُ مسلم، فلا شيءَ عليه إلاَّ كفارةَ الخطأ واعلم أنَّ مَن لا مساسَ له بالعربيةِ يتوَّهمُ أن: إلاَّ؛ للاستثناء، ولم يعلمْ أنَّه كلمةَ: أن مع لا، أُدِغَمَ أحداهما في الأُخرى. (كما لو اشترى أرضاً فوضعَ عليه خراجَها): أي إن اشترى المستأمنُ أرضَ خراجٍ فوضعَ عليه خراجَها يصيرُ ذميِّاً؛ لأنَّه إذا التزمَهُ التزمَ المقامَ في دارِنا، ولا يصيرُ ذميِّاً بمجرَّدِ الشِّراء؛ لأنَّه ربَّما يشتري للتِّجارة، (وعليه جزيةُ سنةٍ من وقتِ وضعِ الخراج. أو نَكَحَتْ حربيَّةٌ ذميَّاً هاهنا، وفي عكسِهِ لا): أي إن نكحَ الحربيُّ ذميَّةً لا يصيرُ الزَّوجُ ذميِّاً إذ يمكنُ أن يطلِّق، فيرجع بخلافِ الأوَّل حيث صارَتْ تبعاً للزَّوج. (فإن رجعَ المستأمنُ إلى دارِه حلَّ دمُه، فإن أُسِرَ، أو ظُهِرَ عليهم، فقُتِلَ سقطَ دينٌ كان له على معصوم): أي مسلم، أو ذميّ، (وأفيء وديعةٌ له عنده): أي صارَ فيءٌ كلَّ وديعةٍ له عند معصومٍ في دارنا. (وإن مات، أو قتلَ بلا غلبةٍ عليهم فهما لورثتِه): أي دينٌ كان له على معصوم، أو وديعةٌ له عنده؛ وذلك لأنَّ الأمانَ باقٍ في مالِهِ، فيردُّ عليه إن كان حيَّاً، وعلى ورثتِهِ إن مات، أو قُتِلَ بلا غلبة، لكن لو قُتِلَ بعدما ظهرْنا عليهم صارَ مالُهُ غنيمةً بتبعيَّتِه. (حربيٌّ هنا، وله ثَمَّة عرسٌ وأولادٌ ووديعةٌ مع معصومٍ وغيرِه، فأسلمَ هنا، ثُمَّ ظُهِرَ عليهم فكلُّهُ فيء)؛ أمَّا العرسُ والأولادُ الكبار؛ فلعدمِ التَّبعيَّة، وأمَّا غيرُ ذلك؛ فلأنَّه ليست في يدِه، فإسلامُه لا يوجبُ عصمته. (وإن أسلم ثَمَّة فجاءَ فظُهِرَ عليهم، فطفلُهُ حرٌّ مسلم، ووديعةٌ مع معصومٍ له، وغيرُه فيءٌ): فقولُهُ: ووديعةٌ مبتدأ، ومع معصوم: صفتُه، وله خبرُه، أي لحربيٍّ أسلم. (ومَن أسلمَ ثَمَّةَ وله ورثةٌ هنالك، فقتلَهُ مسلم، فلا شيءَ عليه إلاَّ كفارةَ الخطأ): أي له ورثةٌ مسلمونَ في دارِ الحرب، فإن كان القتلُ عمداً، فلا يجب شيء، وإن كان

стр. 647

وأخذَ الإمامُ ديةَ مسلمٍ لا وليَّ له، ومستأمنٍ أسلمَ هاهنا من عاقلةِ قاتله خطأً، وقَتَلَ أو أخذَ الدَّيةَ في عمدٍ ولا يعفوه باب الوظائف أرضُ العرب، وما أسلم أهلُه، أو فتحَ عنوةً وقُسِّمَ بين جيشنا، والبَصرةُ عشريَّةٌ. والسَّوادُ وما فُتِحَ عنوةً وأُقِرَّ أهلُهُ عليه أو صالَحهم خراجيَّةٌ خطأً لا يجبُ إلاَّ الكفارة، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ يجبُ القصاص في العمد، والدِّيةُ في الخطأ. (وأخذَ الإمامُ ديةَ مسلمٍ لا وليَّ له): أي مسلمٌ قُتِلَ خطأً ولا وَلِيَّ له، (ومستأمنٍ أسلمَ هاهنا من عاقلةِ قاتله خطأً): أي جاءَ حربيٌّ بأمان، فأسلمَ ولا وليَّ له، فقُتِلَ خطأً، فالإمامُ يأخذُ الدِّيةَ من عاقلةِ قاتله. (وقَتَلَ أو أخذَ الدَّيةَ في عمدٍ ولا يعفوه): أي إن كانَ القتلُ عمداً، فالإمامُ بالخيار، إمِّا أن يستوفِّي القَوَد، أو يأخذَ الدية، ليس له ولاية العفو. (والله أعلم) (٢). باب الوظائف (أرضُ العرب، وما أسلم أهلُه، أو فتحَ عنوةً وقُسِّمَ بين جيشنا، والبَصرةُ عشريَّةٌ (٣). والسَّوادُ (٤) وما فُتِحَ عنوةً وأُقِرَّ أهلُهُ عليه أو صالَحهم خراجيَّةٌ).

стр. 648

ومواتُ أحييَّ يعتبرُ بقربِه، وخراجٌ وضعَهُ عمرُ ﵁ على السَّواد لكلِّ جريب يبلغُهُ الماءُ صاعٌ من بُرّ، أو شعيرٍ ودرهم، ولجريبِ الرَّطَبة خمسةُ دراهم، ولجريبِ الكرم أو النَّخلة متَّصلة ضعفُها، ولما سواهُ كزعفرانٍ وبُستانٍ ما يطيق أرضُ العربِ: ما بين العُذَيبِ (١) إلى أقصى حجرٍ باليمينِ بمَهْرةَ (٢)، إلى حدِّ الشَّام (٣). وسوادُ عراقِ العربِ: ما بين العُذَيبِ إلى عقبة حُلوان (٤)، ومن الثَّعْلبيَّة (٥)، ويقال: من العَلْثِ (٦) إلى عَبَّادان (٧). (ومواتُ أحييَّ يعتبرُ بقربِه (٨)، وخراجٌ وضعَهُ عمرُ ﵁ على السَّواد لكلِّ جريب يبلغُهُ الماءُ صاعٌ من بُرّ، أو شعيرٍ ودرهم، ولجريبِ الرَّطَبة (٩) خمسةُ دراهم، ولجريبِ الكرم أو النَّخلة متَّصلة (١٠) ضعفُها، ولما سواهُ كزعفرانٍ وبُستانٍ ما يطيق):

стр. 649

ونصفُ الخارجِ غايةُ الطَّاقة، ونقصَ إن لم تطق وظيفتها، ولا يزادُ إن أطاقت عند أبي يوسف ﵁، وجازَ عند محمَّد ﵁. ولا خراجَ لو انقطع الماءُ عن أرضِه، أو غلبَ عليها، أو أصاب الزَّرع آفة، ويجبُ إن عطَّلَها مالكُها، ويبقى إن أسلمَ المالك، أو شراها مسلم، ولا عشرَ في خارج أرضِه، ستّونَ ذراعاً في ستّينِ ذراعاً (١)، وفي كتب الفقه ذراعُ الكِرْبَاسِ سبعُ قبضات (٢)، وذراعُ المساحةِ سبعُ قبضاتٍ وأصبعٍ قائم (٣)، وعند الحسَّاب الذِّراع أربعةٌ وعشرونَ إصبعاً، والأصبعُ ستةُ شعيراتٍ مضمومةً بطونُ بعضِها إلى بعض (٤). (ونصفُ الخارجِ غايةُ الطَّاقة (٥)، ونقصَ إن لم تطق وظيفتها، ولا يزادُ (٦) إن أطاقت عند أبي يوسف ﵁، وجازَ عند محمَّد ﵁. ولا خراجَ (٧) لو انقطع الماءُ عن أرضِه، أو غلبَ عليها، أو أصاب الزَّرع آفة، ويجبُ إن عطَّلَها مالكُها، ويبقى إن أسلمَ المالك، أو شراها مسلم، ولا عشرَ في خارج أرضِه): أي أرضِ الخراج، وهذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٨) ﵁ يجب.

стр. 650

ويتكرَّرُ العشرُ بتكرُّرِ الخارج. فصل الجزية ما وُضِعَتْ بصلحٍ لا تغيَّر، وحين غُلِبُوا وأُقِرُّوا على أملاكِهم توضعُ على كتابيٍّ ومجوسيٍّ ووثنيٍّ عجميٍّ ظَهَرَ غناه، لكلِّ سنةٍ ثمانيةٌ وأربعونَ درهماً، وعلى المتوسطِ نصفُها، وعلى فقيرٍ يكسبُ ربعَها (ويتكرَّرُ العشرُ بتكرُّرِ الخارج)، بخلاف الخراج، فإنَّه لا يتكرَّر، واعلم أن الخراجَ نوعان: خراجٌ موظَّف، وهو الوظيفةُ المعيَّنةِ التي توضعُ على الأرضِ كما وضعَ عمرُ ﵁ على سوادِ العراق، وخراجُ مقاسمة، كربع الخارج، وخمسه، ونحوهما، فالذي لا يتكرَّر هو الموظَّف، أمَّا خراجُ المقاسمةِ فهو يتكرَّر كالعشر. فصل الجزية اعلم أنّ الجزيةَ نوعان: جزيةٌ وضعَتْ بالتَّراضي، فتقدَّرُ بحسبِ ما يقعُ عليه الاتِّفاق. وجزيةٌ يبتدأُ الإمامُ وضعَها إذا غَلَبَ عليهم. (ما وُضِعَتْ بصلحٍ لا تغيَّر، وحين غُلِبُوا وأُقِرُّوا على أملاكِهم توضعُ على كتابيٍّ ومجوسيٍّ ووثنيٍّ عجميٍّ ظَهَرَ غناه) (١)، فيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁، فإنَّه لا توضعُ عليه عنده، (لكلِّ سنةٍ ثمانيةٌ وأربعونَ درهماً): يأخذُ في كلِّ شهرٍ أربعةَ دراهم، (وعلى المتوسطِ نصفُها، وعلى فقيرٍ يكسبُ ربعَها): وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ يوضعُ على كلِّ حالمٍ وحالمةٍ دينار، الفقيرُ والغنيُّ سواء.

стр. 651

لا على وثنيٍّ عربيٍّ، فإن ظُهِرَ عليه، فعرسُه، وطفلُهُ فيء، ولا مرتدّ، ولا يقبلُ منهما، إلاَّ الإسلامَ أو السَّيف، ولا على راهبٍ لا يخالط، وصبيّ، وامراة، ومملوك، وأعمى، وزَمِنٍ، وفقير لا يكسب، وتسقطُ بالموتِ والإسلام، ويتداخلُ بالتِّكرار، ولا تُحْدَثُ بيعةٌ وكنيسةٌ هنا، ولهم إعادةُ المنهدمة، ومُيِّزَ الذِّميُّ منِّا في زيِّه (لا على وثنيٍّ عربيٍّ، فإن ظُهِرَ عليه، فعرسُه، وطفلُهُ فيء، ولا مرتدّ، ولا يقبلُ منهما): أي من الوثنيِّ العربيِّ والمرتدّ، (إلاَّ الإسلامَ أو السَّيف)، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ يسترقُّ مشركو العرب. (ولا على راهبٍ لا يخالط)، وعند أبي يوسفَ ﵁، وهو روايةُ محمَّدٍ ﵁ عن أبي حنيفةَ ﵁ توضعُ إن كان قادراً على العمل، (وصبيّ، وامراة، ومملوك، وأعمى، وزَمِنٍ)، وعند أبي يوسفَ ﵁ تجبُ إذا كان له مال، (وفقير لا يكسب)، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ تجب. (وتسقطُ بالموتِ والإسلام)، خلافاً للشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ فيهما. (ويتداخلُ بالتِّكرار) (٤)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لهما. (ولا تُحْدَثُ بيعةٌ وكنيسةٌ (٥) هنا، ولهم إعادةُ المنهدمة، ومُيِّزَ الذِّميُّ منِّا في زيِّه (٦)

стр. 652

ومركبِه، وسرجه، وسلاحه، فلا يركبُ خيلاً، ولا يعملُ بسلاح، ويُظْهِرُ الكستيج، ويَرْكَبُ على سرج كإكاف، ومُيِّزَتْ نساؤهم في الطَّريق، والحمام، ويُعلَّمُ على دورِهم؛ لئلا يستغفرَ لهم. ونُقِضَ عهدُهُ: إن غَلَبَ على موضعٍ لحربنا، أو لَحِقَ بدارهم، فصارَ كمرتدٍّ في الحكمِ بموتِه بلحاقِه، لكن لو أُسِرَ يسترَّق، والمرتدُّ يقتلُ لا إن امتنعَ عن الجزية، أو زَنَى بمسلمة، أو قبَّلَها، أو سبَّ النَّبيَّ ﷺ ، ويؤخذُ من مالِ بالغي تغلبيٍّ وتغلبيَّةٍ ضِعْفُ زكاتنا، ومن مولاه الجزيةُ والخراج: كمولى القُرشيِّ ومركبِه، وسرجه، وسلاحه، فلا يركبُ خيلاً (١)، ولا يعملُ بسلاح، ويُظْهِرُ الكستيج)، وهو خيطٌ غليظٌ بقدرِ الأُصْبعِ من الصُّوفِ يشدُّهُ الذِّميُّ على وسطه، وهو غيرُ الزُّنَّار (٢) من الإبريسم. (ويَرْكَبُ على سرج كإكاف (٣)، ومُيِّزَتْ نساؤهم في الطَّريق (٤)، والحمام، ويُعلَّمُ على دورِهم؛ لئلا يستغفرَ لهم. ونُقِضَ عهدُهُ: إن غَلَبَ على موضعٍ لحربنا، أو لَحِقَ بدارهم، فصارَ كمرتدٍّ في الحكمِ بموتِه بلحاقِه، لكن لو أُسِرَ يسترَّق، والمرتدُّ يقتلُ لا إن امتنعَ عن الجزية، أو زَنَى بمسلمة، أو قبَّلَها، أو سبَّ النَّبيَّ ﷺ )، وعند الشَّافِعِيِّ (٥) ﵁ سبُّ النَّبيِّ ﷺ هو نقضُ العهد. (ويؤخذُ من مالِ بالغي تغلبيٍّ وتغلبيَّةٍ ضِعْفُ زكاتنا، ومن مولاه الجزيةُ والخراج)، خلافاً لزفر ﵁، فإنَّه يؤخذُ منه ضِعْفُ زكاتنا، وهو الخمسُ في الأراضي، ونصفُ العشرِ في غيرِها ممِّا يجبُ فيه الزَّكاة. (كمولى القُرشيِّ)؛ فإنَّه يؤخذُ منه الجزيةُ

стр. 653

ومصرفُ الجزيةِ والخراج، ومالُ التَّغلبيِّ، وهديتُهم للإمام، وما أُخِذَ منهم بلا حربٍ مصالُحنا: كسدِّ ثَغْر، وبناءِ قنطرة، وجسر، وكفايةِ العلماء، والقضاة، والعُمَّال، ورزقِ المقاتِلة، وذراريهم. ومَن ماتَ في نصفِ السَّنةِ حُرِمَ من العطاء والخراج، فقولُهُ ﷺ : «مولى القومِ منهم» (١)، إنِّما يعملُ به في حرمةِ الصَّدقة، فيُجْعَلُ مولى الهاشميِّ كالهاشميِّ في هذا الحكم؛ لأنَّ الحرماتِ تثبت بالشُّبهات. (ومصرفُ الجزيةِ والخراج، ومالُ التَّغلبيِّ، وهديتُهم للإمام، وما أُخِذَ منهم بلا حربٍ مصالُحنا: كسدِّ ثَغْر، وبناءِ قنطرة، وجسر (٢)): القنطرةُ: ما يكون مركباً، والجسرُ خلافه مثل أن يسدَّ السُّفن، (وكفايةِ العلماء، والقضاة، والعُمَّال (٣)، ورزقِ المقاتِلة، وذراريهم (٤). ومَن ماتَ في نصفِ السَّنةِ (٥) حُرِمَ من العطاء (٦))؛ فإنَّه صلة، فلا يملكُ قبل القبض، ويسقطُ بالموت، وأهلُ العطاءِ في زماننا القاضي، والمفتي، والمدرس. (والله أعلم) (٧).

стр. 654

باب المرتد مَن ارتدَّ ـ والعياذُ باللهِ ـ عُرِضَ عليه الإسلام، وكُشِفَت شبهتُه، فإن استمهل حُبِسَ ثلاثةَ أيَّام، فإن تاب فبها، وإلاَّ قتل، وهي بالتَّبري عن كلِّ دينٍ سوى دينِ الإسلام، أو عمَّا انتقلَ إليه، وقتلُهُ قبل العرضِ تركُ ندبٍ بلا ضمان، ويزولُ ملكُهُ عن مالِهِ موقوفاً، فإن أسلمَ عادَ، وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب، وحُكِمَ به، عتقَ مدبَّرَه وأمَّ ولدِه وحلَّ دينٌ عليه باب المرتد (مَن ارتدَّ ـ والعياذُ باللهِ ـ عُرِضَ عليه الإسلام، وكُشِفَت شبهتُه، فإن استمهل (١) حُبِسَ ثلاثةَ أيَّام، فإن تاب فبها (٢)، وإلاَّ قتل): أي إن تابَ فبها، وإن لم يتبْ قتل، ومعنى فبها: أي فبالخصلةِ الحسنة أخذ، وكلمة: إلاَّ؛ معناها: وإن لا، وليست للاستثناء، (وهي): أي التوبة، (بالتَّبري عن كلِّ دينٍ سوى دينِ الإسلام، أو عمَّا انتقلَ إليه، وقتلُهُ قبل العرضِ تركُ ندبٍ بلا ضمان)؛ لأنَّه استحقَّ القتلَ بالارتداد، وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ يجبُ أن يمهلَه الإمامُ ثلاثةَ أيَّام، ولا يحلُّ قتلُهُ قبل ذلك. (ويزولُ ملكُهُ عن مالِهِ موقوفاً، فإن أسلمَ عادَ، وإن مات أو قتل أو لحق (بدار الحرب) (٤)، وحُكِمَ به، عتقَ مدبَّرَه وأمَّ ولدِه وحلَّ دينٌ عليه)؛ فإنَّه في حكمِ الميِّت، فالدينُ المؤجَّل يصيرُ حالاً بموتِ المديون، وعند الشَّافِعِيِّ (٥) ﵁ بقي مالُهُ موقوفاً كما كان.

стр. 655

وكسبُ إسلامِه لوارثه المسلم، وكسبُ ردَّتِه فيءٌ، وقضي دينُ كلِّ حالٍ من كسبِ تلك، وبطلَ نكاحُهُ وذبحُه، وصحَّ طلاقُهُ واستيلادُه، وتوقفُ مفاوضتُه، وبيعُه، وشراؤه، وهبتُه، وإعارتُه، وإجارتُه، وتدبيرُه، وكتابتُه، ووصيَّتُه، إن أسلمَ نفذ، وإن مات أو قتل أو لحقَ بدارهم وحُكِمَ به بطل، فإن جاءَ مسلماً قبل الحكم، فكأنَّه لم يرتدَّ، وإن جاءَ بعدَه ومالُهُ مع ورثتِه أخذه. ولا تقتلُ مرتدَّة وتحبسُ حتَّى تُسْلِم، وصحَّ تصرُّفُها وكسباها لورثتِها. (وكسبُ إسلامِه لوارثه المسلم، وكسبُ ردَّتِه فيءٌ): هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما: كلاهما لوارثِه المسلم، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ كلاهما فيء، (وقضي دينُ كلِّ حالٍ من كسبِ تلك): أي دينُ حالِ الإسلامِ يقضى من كسبِ حالِ الإسلام، ودينُ حالٍ الرِّدَّة من كسبِ حالٍ الرِّدَّة، (وبطلَ نكاحُهُ وذبحُه، وصحَّ طلاقُهُ واستيلادُه)؛ فإنَّه قد انفسخَ النِّكاحُ بالرِّدّة فتكونُ المرأةُ معتدَّة، فإن طلَّقَها يقع، وكذا إذا ارتدَّا معاً، فطلَّقَها فأسلما معاً، فإنَّه لم ينفسخِ النِّكاح، فيقعُ الطَّلاق. (وتوقفُ مفاوضتُه (٢)، وبيعُه، وشراؤه، وهبتُه، وإعارتُه، وإجارتُه، وتدبيرُه، وكتابتُه، ووصيَّتُه، إن أسلمَ نفذ، وإن مات أو قتل أو لحقَ بدارهم وحُكِمَ به بطل): اعلمْ أنَّ النِّكاحَ والذَّبحَ باطلان اتِّفاقاً، والطَّلاقُ والاستيلادُ صحيحان اتِّفاقاً، والمفاوضة موقوفة اتِّفاقاً، والباقي موقوفٌ عند أبي حنيفةَ ﵁، ونافذٌ عندهما. (فإن جاءَ مسلماً قبل الحكم، فكأنَّه لم يرتدَّ، وإن جاءَ بعدَه ومالُهُ مع ورثتِه أخذه (٣). ولا تقتلُ مرتدَّة) خلافاً للشَّافِعِيِّ (٤) ﵁، (وتحبسُ حتَّى تُسْلِم، وصحَّ تصرُّفُها وكسباها لورثتِها.

стр. 656

فإن وَلَدَتْ أمتُهُ فادَّعاه، فهو ابنُهُ حرَّاً يرثُهُ في المسلمةِ مطلقاً إن مات أو لحقَ بدارهم، وكذا في النَّصرانيَّة إلاَّ إذا جاءتْ به لأكثرَ من نصفِ حولٍ منذ ارتدَّ. وإن لَحِقَ بمالِه، فظُهِرَ عليه فهو فيءٌ، فإن رجعَ فلَحِقَ ثانياً بمالِه، فظُهِرَ عليه فهو لوارثه قبل قسمتِه، فإن قُضِيَ بعبدٍ مرتدٍّ لحقٍّ لابنِه فكاتَبه، فجاءَ مسلماً فبدلُها والولاءُ للأب فإن وَلَدَتْ أمتُهُ فادَّعاه، فهو ابنُهُ حرَّاً يرثُهُ في المسلمةِ مطلقاً إن مات أو لحقَ بدارهم، وكذا في النَّصرانيَّة إلاَّ إذا جاءتْ به لأكثرَ من نصفِ حولٍ منذ ارتدَّ). قولُهُ: مطلقاً؛ أي سواءٌ كان بين الارتداد والولادة أقلَّ من ستَّةِ أشهر أو أكثر؛ لأنَّ الولدَ يتبعُ خيرَ الأبوينِ ديناً، فيتَّبعُ الأمَّ فيكون مسلماً، والمسلمُ يرثُ من (١) المرتدّ. وأمَّا إذا كانت الأمُّ نصرانيَّة، فإن كان بين الارتدادِ والولادةِ أقلُّ من ستَّةِ أشهرٍ يرث (٢)، وإن كان أكثرُ من ستَّة أشهرٍ لا يرث؛ لأنَّ الولدَ يتَّبعُ الأبَ هناك؛ لأنَّ الأبَ يُجْبَرُ على الإسلام، فيكون أقربُ (٣) إلى الإسلام من النَّصرانيَة. (وإن لَحِقَ بمالِه): أي لَحِقَ بدارِ الحربِ مع مالِه، (فظُهِرَ عليه فهو فيءٌ، فإن رجعَ فلَحِقَ ثانياً (٤) بمالِه): أي لحق بدارِ الحربِ بلا مال، وحَكَمَ القاضي بلحاقِه، ثُمَّ رجع، ثُمَّ لَحِقَ بدارِ الحربِ مع مالِه، (فظُهِرَ عليه فهو لوارثه قبل قسمتِه): أي قبل قسمتِهِ بين الغانمين؛ لأنَّ القاضي إذا حكمَ بلحاقه، فكان الوارثُ كالمالكِ القديم، فكان أولى. (فإن قُضِيَ بعبدٍ مرتدٍّ لحقٍّ لابنِه فكاتَبه، فجاءَ مسلماً فبدلُها والولاءُ للأب) (٥). العبدُ مضافٌ إلى المرتدّ.

стр. 657

ومَن قتلَه مرتداً خطأً، فلحِق، أو قُتِل، فدِيَتُه في كسبِ الإسلام، ومَن قُطِعَ يدُهُ عمداً فارتدَّ ـ والعياذُ بالله ـ وماتَ منه، أو لَحِقَ بدارِ الحرب، فجاءَ مسلماً فماتَ منه ضَمِنَ القاطعُ نصفَ الدِّيَةِ في مالِه لوارثِه، وإن أسلمَ هاهنا فماتَ ضَمِنَ كلَّها ولحق: صفةٌ للمرتدّ: أي لحقَ بدار الحرب. ولابنِهِ: متعلِّقٌ بقضى. فكاتَبه: أي كاتَبه الابن. فجاءَ: أي فجاءَ الأبُ المرتدّ. وإنِّما كان البدلُ للأبِ والولاءُ له؛ لأنَّ الكتابةَ وقعتْ جائزة، والابنُ خليفةُ الأب، فإذا جاءَ الأبُ مسلماً صارَ الابنُ كالوكيلِ من الأب، فالبدلُ له، والعتقُ واقعٌ عنه. (ومَن قتلَه مرتداً خطأً، فلحِق، أو قُتِل، فدِيَتُه في كسبِ الإسلام)؛ لأنَّ الدِّيَةَ لا تكونُ على العاقلة؛ لعدم النُّصرة، فتكون في مالِه، فعند أبي حنيفةَ ﵁ تكون في كسبِ الإسلام؛ لأنَّ كسبَ الرِّدَّةِ فيءٌ، وعندهما في الكسبين. (ومَن قُطِعَ يدُهُ عمداً (١) فارتدَّ (٢) ـ والعياذُ بالله ـ وماتَ منه، أو لَحِقَ بدارِ الحرب، فجاءَ مسلماً فماتَ منه ضَمِنَ القاطعُ نصفَ الدِّيَةِ في مالِه لوارثِه) (٣)؛ لأنَّ القطعَ حلَّ محلاً معصوماً، والسِّرايةُ حلَّت محلاً غيرَ معصوم، فاعتبرَ القطعُ لا السِّراية، فيجبُ نصفُ الدِّيَة، وإنِّما تجب في مالِه؛ لأنَّ العمدَ لا يتحمَّلُه العاقلة، وإنِّما لا يجبُ القصاص؛ لوجودِ الشُّبهة، وهو الارتداد. وقولُهُ: أو لحق، أي لحقَ بدارِ الحربِ فقضى به. (وإن أسلمَ هاهنا فماتَ ضَمِنَ كلَّها): أي فماتَ من ذلك القطع، وإنِّما يجبُ كلُّ

стр. 658

مكاتَب ارتدَّ فلَحِق، فأُخِذَ بمالِه فقُتِل، فبدلُها لسيِّدِه، وما بقيَ لوارثِه. زوجان ارتَّدا فلحقا، فولدتْ هي ثُمَّ الولدُ فظُهِرَ عليهم، فالولدانِ فيءٌ، والأوَّلُ يُجْبَرُ على الإسلامِ لا ولدُه، وصحَّ ارتدادُ صبيٍّ يعقلُ وإسلامُه، ويُجْبَرُ عليه، ولا يقتلُ إن أبى الدِّيَة؛ لكونِهِ معصوماً وقتَ القطع، وكذا وقت السَّراية، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسف ﵁، وعند محمَّد ﵁ يجبُ النِّصف هاهنا لأنَّ الارتدادَ هدر السِّراية، فلا ينقلبُ بالإسلامِ إلى الضَّمان. (مكاتَب ارتدَّ فلَحِق، فأُخِذَ بمالِه فقُتِل، فبدلُها لسيِّدِه، وما بقيَ لوارثِه (١). زوجان ارتَّدا فلحقا، فولدتْ هي ثُمَّ الولدُ فظُهِرَ عليهم، فالولدانِ فيءٌ، والأوَّلُ يُجْبَرُ على الإسلامِ لا ولدُه) (٢): وفي روايةِ الحَسَن ﵁ يُجْبَرُ ولدُ الولدِ أيضاً، وهذا بناءً على أن ولدَ الولدِ لا يتبعُ الجدَّ في الإسلامِ في ظاهرِ الرِّواية، ويتبعُهُ في روايةِ الحَسَن ﵁. (وصحَّ ارتدادُ صبيٍّ يعقلُ (٣) وإسلامُه، ويُجْبَرُ عليه، ولا يقتلُ (٤) إن أبى): هذا عندنا، وعند الشَّافِعيِّ (٥) ﵁ وزُفر ﵁ لا يصحُّ ارتدادُه، ولا إسلامُه. ولنا: إن عليَّاً ﵁ أسلمَ في صباه، وصحَّحَ النَّبيُّ ﷺ إسلامَه، وافتخارُه بذلك مشهورٌ حيث قال: سبقتُكم على الإسلامِ طُرَّاً (٦) … غلاماً ما بلغتُ أوان حلمي (٧) (وسقبتكم إلى الإسلام قهراً … بصارم همَّتي وسنان غرمي (٨)

стр. 659

باب البغاة قومٌ مسلمونَ خرجوا عن طاعةِ الإمام إلى العود، وكشفَ شبهتَهم، فإن تحيَّزوا مجتمعين، حلَّ لنا قتالُهم بِدْءاً، ونُجْهِزُ على جريحِهم، ونَتَّبعُ مُولِّيهم إن لهم فئة، ومَن لا فلا باب البغاة (١) (قومٌ مسلمونَ خرجوا عن طاعةِ الإمام إلى العود، وكشفَ شبهتَهم، فإن تحيَّزوا مجتمعين، حلَّ لنا قتالُهم بِدْءاً): أي إن (٢) انحازسوا يعني مالوا إلى فئةٍ من المسلمين؛ ليستعينوا بهم، واجتمعوا، أو اتَّخذوا حيزاً: أي مكاناً واجتمعوا فيه، حلَّ لنا قتالُهم بدءاً خلافاً للشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ فإنَّ قتلَ المسلمِ لا يجوزُ ابتداءً. ونحن نقول: الحكمُ يدارُ على دليلِه، وهو تعسكرُهم واجتماعُهم، فإن صبرَ الإمامُ إلى أن يبدأوا، فربَّما لا يمكنُ دفعُ شرِّهم. (ونُجْهِزُ على جريحِهم): أجهزَ على الجريح: أي أتمَّ قتلَه، وفيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ أيضاً. (ونَتَّبعُ مُولِّيهم إن لهم فئة): أي إن كان لهم فئة، وفيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٥) ﵁ أيضاً، (ومَن لا فلا): أي مَن لا فئةَ له لا نُجْهَزُ عليه حالَ كونِه جريحاً، ولا نتبعُهُ حالَ كونِه مولِّياً، لأنَّه لا يخافُ أن يَلْحَقَ بالفئةِ فلا ضرورةَ في قتلِه، فلا يقتلُ لكونِه مسلماً.

стр. 660

ولا نسبي ذريَّتَهم، ونحبسُ ما لهم إلى أن يتوبوا، ونستعملُ سلاحَهم وخيلَهم عند الحاجة، ولا يجبُ شيءٌ بقتلِ باغٍ مثلَهُ إن ظُهِرَ عليهم، وإن غلبوا على مصر فقتلَ رجلٌ من أهلِهِ آخرَ منه، فظُهِرَ عليهم قُتِلَ به، وباغٍ قتلَ عادلاً مدَّعيّاً حقِّيَّتَهُ يرثُه كعكسه، فإن أقرَّ أنَّه على الباطلِ لا، وبيعُ السِّلاح من رجلٍ إن عَلِمَ أنَّه من أهل الفتنة كُرِه، وإلاَّ فلا (ولا نسبي ذريَّتَهم، ونحبسُ ما لهم إلى أن يتوبوا، ونستعملُ سلاحَهم وخيلَهم عند الحاجة)، خلافاً للشَّافِعِي (١) ﵁. (ولا يجبُ شيءٌ بقتلِ باغٍ مثلَهُ إن ظُهِرَ عليهم) (٢)؛ لأنَّ ولايةَ الإمامِ منقطعةٌ عنهم. (وإن غلبوا على مصر فقتلَ رجلٌ من أهلِهِ آخرَ منه (٣)، فظُهِرَ عليهم قُتِلَ به): هذا إذا لم تجرِ البغاةُ في ذلك المصرِ أحكامَهم، فحينئذٍ لم تنقطعُ ولايةُ الإمامِ عن ذلك المصر، فيجري أحكامه. (وباغٍ قتلَ عادلاً مدَّعيّاً حقِّيَّتَهُ يرثُه): هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ والشَّافِعِيِّ ﵁ لا يرثُ الباغي العادل، سواءٌ ادَّعى حقِّيَّتَه، أو أقرَّ أنَّه على الباطل، (كعكسه): أي كما يرثُ العادلُ الباغي (إذا قتلَه) (٤)، (فإن أقرَّ أنَّه على الباطلِ لا): أي إن أقرَّ أنَّه على الباطلِ لا يرثُه. (وبيعُ السِّلاح من رجلٍ إن عَلِمَ أنَّه من أهل الفتنة كُرِه (٥)، وإلاَّ فلا). * * *

стр. 661

كتاب اللقيط رفعُهُ أحبّ، وإن خيفَ هلاكُهُ يجبُ كاللُّقطة، وهو حرٌّ إلاَّ بحجَّةِ رِقِّه، ونفقتُه وجنايتُه في بيتِ المال، وإرثُهُ له، ولا يؤخذُ من آخذِه. ونسبُه ممَّن ادَّعاه، ولو رجلين، أو ممَّن يصفُ منهما علامةً به، أو عبداً، وكان حرَّاً، أو ذميَّاً، وكان مسلماً إن لم يكن في مقرِّهم وذميَّاً إن كان فيه كتاب اللقيط (١) (رفعُهُ أحبّ، وإن خيفَ هلاكُهُ يجبُ كاللُّقطة (٢)، وهو حرٌّ إلاَّ بحجَّةِ رِقِّه، ونفقتُه (٣) وجنايتُه في بيتِ المال، وإرثُهُ له، ولا يؤخذُ من آخذِه (٤). ونسبُه ممَّن ادَّعاه، ولو رجلين، أو ممَّن يصفُ منهما علامةً به): أي لو ادَّعى رجلانِ نسبَه، فإن وَصَفَ أحدُهما علامةً في جسدِه، وكان في ذلك صادقاً، فالنَّسبُ منه، وإلاَّ فهما سواء. ثُمَّ عطفَ على قولِه: ولو رجلين؛ قولَهُ: (أو عبداً، وكان حرَّاً): أي إن كان المدَّعي عبداً ثَبَتَ نسبُه منه، لكنَّ اللَّقيط يكونُ حرَّاً؛ لأنَّ الأصلَ في دارِ المسلمينِ الحرِّية، (أو ذميَّاً، وكان مسلماً إن لم يكن في مقرِّهم): أي في مقرِّ الذَّميين، (وذميَّاً إن كان فيه): أي كان ذميَّاً إن ادَّعى نسبَهُ ذميّ، وقد وُجِدَ في مقرِّ أهل الذِّمة.

стр. 662

وما شُدَّ عليه فهو له، وصرفَ إليه بأمرِ قاض، وقيل: بدونه، وللمُلْتَقِطِ قبضُ هبتِه، وتسليمُهُ في حرفةِ لا إنكاحُه، وتصرُّفٌ في ماله، ولا إجارتُه في الأصح (وما شُدَّ عليه فهو (١) له (٢)، وصرفَ إليه بأمرِ قاض، وقيل: بدونه، وللمُلْتَقِطِ قبضُ هبتِه، وتسليمُهُ في حرفةِ لا إنكاحُه، وتصرُّفٌ في ماله، ولا إجارتُه في الأصح). * * *

стр. 663

كتاب اللقطة هي أمانةٌ إن أشهدَ على أخذه ليردَّ على ربِّها وإلاَّ ضَمِنَ إن جحدَ المالكُ أخذَهُ للرَّدِّ، وعُرِّفَتْ في مكان وُجِدَت، وفي المجامعِ مدَّةً لا تطلبُ بعدها في الصَّحيح كتاب اللقطة (١) (هي أمانةٌ إن أشهدَ على أخذه ليردَّ على ربِّها وإلاَّ ضَمِنَ إن جحدَ المالكُ أخذَهُ للرَّدِّ): اعلم أن الواجدَ إن أقرَّ أنَّه أخذها لنفسِه ضَمِنَ بالإجماع، وإن لم يقرَّ بهذا، فإن أشهدَ أنَّه أخذَهُ للرَّدِّ لا يضمن، وإن لم يشهدْ ضَمِنَ (٢) عند أبي حنيفة ﵁ ومحمَّد ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا يضمن، بل القولُ قولُهُ في أنَّه أخذَه للرَدّ. والإشهادُ أن يقول: مَن سمعتوه ينشدُ لقطةً فدلِّوه عليّ. فقولُهُ: وإلاَّ ضَمِن؛ أي إن لم يشهدْ أنَّه أخذَه للرَدّ ضَمِن. (وعُرِّفَتْ في مكان وُجِدَت، وفي المجامعِ مدَّةً لا تطلبُ بعدها في الصَّحيح). قولُه: وعُرِّفت: أي وجبَ تعريفُها، والمرادُ بالتَّعريفِ أن يُنادي إنِّي وَجدتُ لقطةً لا أدري مالكَها، فليأتِ مالِكُها وليصفْها لأردَّها عليه، واختلفوا في مدَّةِ التَّعريف، والصَّحيحُ (٣) أنَّها غيرُ مقدَّرةٍ بمدَّةٍ معلومة، بل هي مفوَّضةٌ إلى رأي المُلْتَقطِ فيعرِّفُها إلى أن يغلبَ على ظنِّهِ أنَّها لا تطلبُ بعد ذلك وقدَّرَها محمَّد ومالك (٤) والشَّافِعِيّ (٥) ﵃ بحولٍ من غيرِ فصل.

стр. 664

سواءٌ أُخِذَتْ من الحِلّ، أو الحرم، وما لا يبقى إلى أن يخافَ فسادُه، ثُمَّ تصدَّق، فإن جاءَ ربُّها أجازه وله أجرُه، أو ضَمِنَ الآخذُ كما في بهيمةٍ وُجِدَت، وما أنفقَ عليها بلا إذنِ حاكم تبرُّع، وبإذنِه دين على ربِّها، وأجَّرَ القاضي ما له منفعة، وأنفقَ عليها منه كالآبق، وما لا منفعةَ له أذنَ بالإنفاق عليها، وشرطَ الرُّجوع على ربِّها في الأصحِّ إن كان هو الأصلح، وإلاَّ باعَها، وأُمرَ بحفظِ ثمنِها (سواءٌ أُخِذَتْ من الحِلّ، أو الحرم)، هذا احترازٌ من قولِ الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ فإنَّهُ يقولُ: لقطةُ الحرمِ يجبُ تعريفُها إلى أن يجيءَ صاحبُها. (وما لا يبقى إلى أن يخافَ فسادُه): أي عُرِّفَ ما لا يبقى كالأطعمة المعدَّة للأكلِ وبعضِ الثِّمار، (ثُمَّ تصدَّق، فإن جاءَ ربُّها أجازه (٢) وله أجرُه): أي ثوابُ التَّصدُّق، (أو ضَمِنَ الآخذُ كما في بهيمةٍ وُجِدَت): أي لا فرقَ عندنا في اللُّقطة بين أن يكون بهيمة، أو غيرها، وعند مالك (٣) ﵁ والشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ إذا وجدَ بعيراً أو بقرةً في الصَّحراء، فالتَّركُ أفضل. (وما أنفقَ عليها بلا إذنِ حاكم تبرُّع، وبإذنِه دين على ربِّها، وأجَّرَ القاضي (٥) ما له منفعة، وأنفقَ عليها منه كالآبق، وما لا منفعةَ له أذنَ بالإنفاق عليها، وشرطَ الرُّجوع على ربِّها في الأصحِّ إن كان هو الأصلح (٦)، وإلاَّ باعَها، وأُمرَ بحفظِ ثمنِها).

стр. 665

وللمنفقِ حبسُها لأخذِ نفقتِه، فإن هلكتْ بعد حبسه سقطت، وقبلَهُ لا، فإن بيَّنَ مُدَّعيها علامتَها حلَّ الدَّفع، ولا يجبُ بلا حجَّة، وينتفعُ بها فقيراً وإلاَّ تصدَّق، ولو على أصلِه، وفرعِه، وعرسِه إنِّما قال في الأصحَّ؛ لأنَّ هنا رواية أُخرى، وهي أن الآمر بالإنفاق يكفي لولايةِ الرُّجوعِ على صاحبِها، لكنَّ الأصحَّ أنَّه لا يكفي، بل لا بُدَّ أن يشترطَ الرُّجوع، والضُّميرُ في قولِهِ: إن كان هوالأصلح يرجعُ إلى الآمرِ بالإنفاق، وشرط الرُّجوع. (وللمنفقِ حبسُها لأخذِ نفقتِه): أي نفقةِ المنفق، (فإن هلكتْ بعد حبسه سقطت (١)): أي النَّفقة؛ لأنَّه إذا حبسَها للنَّفقة صارتْ كالرَّهن، وهو مضمونٌ بالدَّين، (وقبلَهُ لا): أي إن هلكت قبل الحبسِ لا تسقطُ النَّفقة. (فإن بيَّنَ مُدَّعيها علامتَها حلَّ الدَّفع، ولا يجبُ بلا حجَّة): هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ يجبُ الدَّفعُ إن بيَّنَ العلامة، (وينتفعُ بها فقيراً وإلاَّ): أي وإن يكنْ المُلْتَقِطُ (٣) فقيراً، (تصدَّق، ولو على أصلِه، وفرعِه، وعرسِه). * * *

стр. 666

كتاب الآبق نُدِبَ أخذُه لِمَن قَوِي عليه، وتركُ الضَّال قيل: أحبّ. ولرادِّه قنَّاً، أو مدبَّراً، أو أمَّ ولد من سفر أربعون درهماً، وإن لم يَعْدِلها إن أشهدَ أنَّه أخذَهُ للرَّدّ، ومن أقلَّ منها بقسطِه، فإن أَبِقَ منه لم يضمن. كتاب الآبق (نُدِبَ أخذُه لِمَن قَوِي عليه (١)، وتركُ الضَّال قيل: أحبّ) (٢). الآبق: هو المملوكُ الذي فرَّ من مالكِهِ قصداً. والضَّال: المملوك الذي ضلَّ الطَّريقِ إلى مَنْزلِه من غيرِ قصد، وإنِّما كان تركُهُ أحبّ؛ لأنَّه لا يبرحُ من مكانِه، فيأتي مالكُهُ فيأخذُه، وإن عَرَفَ الواجد (٣) بيتَ مالكِه، فالأفضلُ أن يوصلَه. (ولرادِّه) (٤): أي الآبق، (قنَّاً، أو مدبَّراً، أو أمَّ ولد من سفر أربعون درهماً، وإن لم يَعْدِلها (٥) إن أشهدَ أنَّه أخذَهُ للرَّدّ، ومن أقلَّ منها بقسطِه) (٦)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٧) ﵁ لا يجبُ شيءٌ بلا شرط. (فإن أَبِقَ منه لم يضمن.

стр. 667

فإن لم يشهدْ فلا شيءَ له، وضَمِنَ إن أبق منه، وعلى المُرْتَهنِ جُعْلَ الرَّهن. فإن لم يشهدْ فلا شيءَ له، وضَمِنَ إن أبق منه، وعلى المُرْتَهنِ جُعْلَ الرَّهن (١)): أي لو أبق العبدُ المرهون، فَرُدَّ من مدَّةِ السَّفر، فالجُعلُ على المُرتهن، هذا إذا كانت قيمتُهُ مثل الدَّين، أو أقلَّ منه، وإن كانت أكثر من الدَّين، فبقدرِ (٢) الدَّين عليه، والباقي على الرَّاهن، وأمرُ نفقتِهِ كاللُّقطة.، (والله اعلم) (٣). * * *

стр. 668

كتاب المفقود هو غائبٌ لم يدرَ أثرُه، حيٌّ في حقِّ نفسُه: ـ فلا تُنْكَحُ عرسُه، ولا يُقْسَمُ مالُه، ولا تُفْسُخ إجارتُه، ويُقِيمُ القاضي مَن يقبضُ حقَّه، ويَحْفَظُ مالَه، ويَبِيعُ ما يَخَافُ فسادَه، ويُنْفِقُ على ولدِهِ وأبويه، وعرسِه ـ، وميْتٌ في حقِّ غيرِه: فلا يرثُ من غيرِه إلى تسعينَ سنة كتاب المفقود (١) (هو غائبٌ لم يدرَ أثرُه، حيٌّ في حقِّ نفسُه: ـ فلا تُنْكَحُ عرسُه، ولا يُقْسَمُ مالُه، ولا تُفْسُخ (٢) إجارتُه، ويُقِيمُ القاضي مَن يقبضُ حقَّه، ويَحْفَظُ مالَه، ويَبِيعُ ما يَخَافُ فسادَه، ويُنْفِقُ على ولدِهِ وأبويه، وعرسِه ـ، وميْتٌ (٣) في حقِّ غيرِه: فلا يرثُ من غيرِه): أي يوقف (٤) قسطُهُ من مالِ مورِّثِه (إلى تسعينَ سنة) (٥): اختلفَ في المدَّة، فقيل: الأرفقُ أن تقدَّرَ بتسعينَ سنة، وظاهرُ الرِّواية (٦) أن تقدَّرَ بموتِ الأقران، فإن في

стр. 669

فإن ظهرَ حيَّاً قبلَها فله ذلك، وبعدها يُحكمُ بموتِه في حقِّ مالِهِ يوم تمَّت المدَّة، فتعتدُّ عرسُهُ للموت، ويُقسَمُ مالُهُ بين مَن يرثُهُ الآن، وفي مالِ غيرِه من حين فُقِد، فيُرَدُّ ما وُقِفَ له إلى مَن يرثُ الغيرَ عند موتِه هذا العصرِ قلَّما يعيشُ المرأُ إلى (١) تسعينَ سنة. (فإن ظهرَ حيَّاً قبلَها فله ذلك، وبعدها): أي بعد المدَّة، (يُحكمُ بموتِه في حقِّ (٢) مالِهِ يوم تمَّت المدَّة، فتعتدُّ عرسُهُ للموت، ويُقسَمُ مالُهُ بين مَن يرثُهُ الآن، وفي مالِ غيرِه من حين فُقِد، فيُرَدُّ ما وُقِفَ له إلى مَن يرثُ الغيرَ عند موتِه): الأصلُ عندنا أن ظاهرَ الحال، وهو الاستصحاب (٣) حجَّة للدَّفع لا للإثبات، فإذا تمَّتِ المدَّةُ فهو في مالِ نفسِهِ حيٌّ قبل المدَّة، فلا يرثُهُ الوارثُ الذي كان حيَّاً وقت فَقْدِه، ثُمَّ مات بعد ذلك؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه كان حيَّاً، فيصلحُ حجَّةً لدفع أن يرثَه الغير، وفي مال غيرِه ميْتٌ؛ لأنَّ الظَّاهرَ لا يصلحُ حجَّة لإيجابِ إرثِه من الغير، فيردُّ ما وُقِفَ للمفقود إلى مَن يَرِثُ من مورثِه يوم موتِه. (والله أعلم) (٤). * * *

стр. 670

كتاب الشركة هي ضربان: شركةُ ملك: وهي أن يملكَ اثنانِ عَيْناً، وكلٌّ كأجنبيّ في مالِ صاحبِه. وشركةُ عقد: وركنُها الإيجابُ والقَبول، وشرطُها عدمُ ما يقطعُها، كشرطِ دراهمَ مسمَّاة من الرِّبح لأحدهما، وهي أربعةُ أوجه: مفاوضة: وهي شركةُ متساويينِ مالاً وتصرُّفاً وديناً، فلا تصحُّ إلاَّ بينَ متحدينِ حرَّيةً وحلماً وملَّة، وتتضمَّنُ الوكالةُ والكفالة كتاب الشركة (١) (هي ضربان: شركةُ ملك: وهي أن يملكَ اثنانِ عَيْناً، وكلٌّ كأجنبيّ في مالِ صاحبِه. وشركةُ عقد: وركنُها الإيجابُ والقَبول، وشرطُها عدمُ ما يقطعُها، كشرطِ دراهمَ مسمَّاة من الرِّبح لأحدهما)؛ فإنَّ هذا يقطعُ الشَّركة لاحتمال أن لا يبقى بعد هذه الدَّراهم المسمَّاة ربحٌ يشتركان فيه. (وهي أربعةُ أوجه: مفاوضة: وهي شركةُ متساويينِ مالاً وتصرُّفاً وديناً)، المرادُ المساواةُ في المالِ الذي يصحُّ فيه الشَّركة، ولا بأسَ بزيادةِ مالٍ لا يجري فيه الشَّركة، (فلا تصحُّ (٢) إلاَّ بينَ متحدينِ حرَّيةً وحلماً وملَّة) لا بُدَّ أن يكونا حرَّين بالغين، ملَّتُهما واحدة، فلا تصحُّ بين مسلمٍ وكافر، وتجوزُ بين مسلمين بالغين، وبين كافرين، سواءٌ كان أحدُهما كتابيّاً والآخرُ مجوسيَّاً، فإنَّ الكفرَ كلُّه ملَّةٌ واحدة، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعند أبي يوسف ﵁ تجوزُ بين المسلمِ والكافر، وعند مالك (٣) ﵁ والشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ لا تجوزُ المفاوضة أصلاً. (وتتضمَّنُ (٥) الوكالةُ والكفالة): أي كلُّ واحدٍ وكيلُ الآخر في المعاملة، وكذا كلُّ
следующие страницы →