← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ولا مَن وَطِئ أجنبيةً زُفَتْ إليه، وقُلْنَ: هي عرسُك، وعليه مهرُها، ومَحْرَمة نكحَها، أو بهيمة، أو أَتَى في دُبُر، أو زنَى في دارٍ الحرب أو بغيٍ، ولا بزنا غيرِ مكلَّفٍ بمكلَّفةٍ أصلاً. وفي عكسِهِ حدَّ هو فقط. ولا إن أقرَّ واحدٌ به، والآخرُ بنكاح. (ولا مَن وَطِئ أجنبيةً زُفَتْ إليه، وقُلْنَ: هي عرسُك، وعليه مهرُها، ومَحْرَمة (١) نكحَها) (٢) عطفٌ على قوله: أجنبية؛ وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁ فإنَّه جعلَ النِّكاحَ شُبْهةً في درءِ الحدّ، (أو بهيمة، أو أَتَى في دُبُر): هذا عند ابي حنيفةَ ﵁. أمَّا عندهما وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵃ في أحدِ قوليه يحدُّ حدَّ الزِّنا؛ لأنَّه في معنى الزِّنا؛ لأنَّه قضاءُ الشَّهوةِ في محلٍ مشتهىً على سبيلِ الكمالِ على وجهٍ تمحضَ حراماً. وله: أنَّه ليس بزنا، فإنَّ الصَّحابةَ ﵁ عنهم اختلفوا في موجبه (٤): من الإحراق، وهدم الجدار، والتَّنكيس من مكان مرتفعٍ باتّباعِ الأحجار، فعند أبي حنيفةَ ﵁ يعزَّرُ بأمثالِ هذه الأمور. (أو زنَى في دارٍ الحرب أو بغيٍ) (٥)، هذا عندنا خلافاً للشَّافِعِيّ (٦) ﵁. (ولا بزنا غيرِ مكلَّفٍ بمكلَّفةٍ أصلاً): أي لا على هذا، ولا على هذه، وعند زُفر والشَّافِعِيِّ (٧) ﵁ تحدّ هي، (وفي عكسِهِ حدَّ هو فقط. ولا إن أقرَّ واحدٌ به، والآخرُ بنكاح.

стр. 597

وفي قتلِ أمةٍ بزنا يجبُ الحدّ والقيمة. والخلفيةُ لا يحدّ، ويُقْتَصُّ ويؤخذُ بالمال. باب شهادة الزنا والرجوع عنها مَن شَهِدَ بحدٍّ متقادِمٍ قريباً من إمامِهِ لم تقبلْ إلاَّ في حدِّ قذف، وضَمِنَ السَّرقة، وإن أقرَّ به حدّ وفي قتلِ أمةٍ بزنا يجبُ الحدّ والقيمة (١). والخلفيةُ لا يحدّ)؛ لأنَّه صاحبُ الحقِّ نيابةً عن الله تعالى، (ويُقْتَصُّ ويؤخذُ بالمال) (٢)؛ لأنَّ مَن له الحقُّ هو الوارثُ والمالك. (والله أعلم) (٣). باب شهادة الزنا والرجوع عنها (مَن شَهِدَ بحدٍّ متقادِمٍ قريباً من إمامِهِ (٤) لم تقبلْ إلاَّ في حدِّ قذف)؛ فإنَّ حدَّ القذفِ فيه حقُّ العبدِ وهولا يسقطُ بالتَّقادُم. (وضَمِنَ السَّرقة): أي إن شهدوا بالسَّرقة المتقادمة يثبتُ الضَّمان (٥)؛ لأنَّهُ حقُّ العبد، وهو لا يسقطُ بالتَّقادُم، وعند الشَّافِعِيِّ (٦) ﵁ تقبل. (وإن أقرَّ به حدّ): أي إن أقرَّ بالحدِّ المتقادمِ حدّ إلاَّ في الشُّرب على ما يأتي؛ لأنَّ المانعَ من قَبولِ الشَّهادة أنَّه قد هيَّجتُهُ على الشَّهادةِ عداوةٌ حادثة، وهذا المعنى لا يوجدُ في الإقرار.

стр. 598

وتقادمُ الشُّربِ بزوالِ الرِّيح، ولغيرِهِ بمضيِّ شهر، فإن شهدوا بزنا، وهي غائبةٌ حُدَّ، وبسرقةٍ من غائبٍ لا، ولو اختلفَ أربعةٌ في زاويتي بيت، أو أقرَّ بزنا وجَهِلَها حدّ، فإن شهدوا كذلك، أو اختلفوا في طوعِها، أو بلدِ زناه، أو اتَّفق حجَّتاهُ في وقتِه واختلفا في بلدِه، أو شهدوا بزنا وهي بكر، أو هم فسقة، أو هم شهودٌ على شهود لم يحدّ أحد، وإن شَهِدَ الأصولُ أيضا بعدهم (وتقادمُ الشُّربِ بزوالِ الرِّيح، ولغيرِهِ بمضيِّ شهر (١)، فإن شهدوا بزنا، وهي غائبةٌ حُدَّ، وبسرقةٍ من غائبٍ لا)؛ لشرطيَّة الدَّعوى في السَّرقةِ دون الزِّنا على ما يأتي الفرقُ في (كتابِ السَّرقة) (٢) إن شاء الله تعالى. (ولو اختلفَ أربعةٌ في زاويتي بيت، أو أقرَّ بزنا وجَهِلَها حدّ)، إذ التَّوفيق ممكنٌ بأن يكونَ ابتداءُ الفعلِ في زاويةٍ وانتهاؤهُ في أُخرى، وجَهْلُ المُقِرُّ لا يضرُّهُ إذ لو كانت امرأتُهُ أو أمُّ ولدِهِ لا يخفى عليه. (فإن شهدوا كذلك، أو اختلفوا في طوعِها، أو بلدِ زناه، أو اتَّفق حجَّتاهُ في وقتِه واختلفا في بلدِه، أو شهدوا بزنا وهي بكر، أو هم فسقة، أو هم (٣) شهودٌ على شهود لم يحدّ أحد، وإن شَهِدَ الأصولُ أيضا بعدهم). واعلم أن في هذه الصُّور لا يحدُّ أحدٌ لا المشهودُ عليهما بالزِّنا، ولا الشُّهودُ بسببِ القذف. فقولُهُ: وإن شهدوا كذلك؛ أي شهدوا وجَهِلُوا الموطوءةَ لا حدَّ على المشهودِ عليه؛ لاحتمالِ أن تكونَ المرأةُ زوجتَهُ أو أمتَه، ولا على الشُّهود؛ لوجودِ أربعةِ شهداء. وإن شهدَ أربعة، وقال اثنان منها: كانت طائعةً، واثنان منهما: كانت مكرهة، فلا حدَّ عليهما عند أبي حنيفةَ ﵁. وعندهما: يحدُّ الرَّجلُ لاتفاقِ الأربعةِ على زناه لا المرأة؛ للاختلاف في طوعِها. وله: إن الفعلَ المشهودَ به إن كان واحداً فبعضُهم كاذب؛ لأنَّ الفعلَ الواحدَ لا

стр. 599

.................................................................................................................... يكونُ بطوعِها وكرها، وإن لم يكن واحد، فلا نصابَ للشَّهادة على كلِّ منهما، ولا يحدُّ الشُّهُود؛ لوجودِ العدد. وإن شَهِدَ أربعةٌ بزناه، واختلفوا في بلدِ زناه، فلا حدَّ عليهما لما مرّ، ولا على الشُّهُودِ خلافاً لزُفر ﵁؛ لوجودِ العدد. وإن شَهِدَ أربعةٌ بزناهُ في وقتٍ معيَّن (١)، وأربعةٌ أُخرى بزناه في ذلك الوقتِ في بلدٍ آخر، فلا حدَّ عليهما؛ لأنَّ شهادةَ أحدِ الفريقينِ مردودةٌ؛ لتيقُّنِ كذبِه، ولا رجحان لأحدهما فيردُّ الجميع، ولا على الشُّهُود؛ لاحتمالِ صدقِ أحدِ الفريقين. يردُّ عليه: أنّه يحتملُ أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما كاذباً، والظَّاهرُ هذا لما مرَّ من تيقُّنِ كذبِ أحدِهما وعدمِ رجحان أحدِهما، فيكون صدقُ أحدهما محتملاً احتمالاً بعيداً، ثُمَّ على تقديرِ صدقِ أحدِهما يحتملُ أن يكونَ الصَّادقُ هذا الفريقَ المعيَّن أو ذلك الفريق، ففي صدقِ كلِّ واحدٍ احتمال الاحتمال، وهو شبهةُ الشُّبهة، فلا اعتبارَ لها. فأقول: وإنِّما لا يحدُّ الشُّهود؛ لوجودِ أربعةِ شهداء، فشهادةُ كلِّ فريقٍ إن لم توجبْ حدّاً على المشهودِ عليه، فلا أقلَّ من أن توجبَ تهمةً يندرئُ بها الحدُّ عن الفريقِ الآخر. وإن نظرَتِ امراةٌ واحدةٌ، فقالت: هي بكرٌ تثبتُ بشهادتِها البكارة، فيندرئ حدُّ الزِّنا، ولا يثبتُ حدُّ القذفِ (٢) بشرطيَّةِ الرِّجال (٣). وإذا كانوا فسقةً يندرئُ الحدّ، ولا يحدُّ الشُّهود؛ لأنَّ الفسقةَ أهلُ الشَّهادة (٤)، فوجدتْ شهادةُ الأربعة.

стр. 600

وإن شهدوا عمياناً، أو محدودين بقذفٍ أو ثلاثة، أو أحدُهم محدود، أو عبدٌ، أو وُجِدَ كذلك بعد الحدّ حدوا، وأرشُ جرحِ جلدِهِ هَدْر، وديةُ رجمِهِ في بيتِ المال وإن كانوا شهوداً على شهودٍ (١) لم يحدّ؛ لأنَّ في شهادتهم زيادةَ شبهة؛ لأنَّ الكلامَ إذا تداولَتْهُ الألسنةُ يتطرَّق اليه زيادةٌ ونقصان، ثُمَّ إن جاءَ الأصولُ فشهدوا على ذلك الزِّنا بعينِه بعد شهادةِ الفروع، لم يحدَّ أيضاً؛ لأنَّ شهادتَهم قد رُدَّتْ من وجهٍ بردِّ فروعِهم، والشَّهادةُ إذا ردَّتْ مرَّةً في حادثةٍ لا تقبلُ فيها أبداً، وهذا ضعيفٌ (٢)؛ لأنَّ ردَّ شهادتِهم لمعنىً يختصُ بها لا يسري إلى الأصول؛ لعدم ذلك المعنى في شهادتِهم. ويمكن أن يقال: إنِّما تردُّ شهادةُ الأصولِ لأنَّهم سعوا إلى إثباتِ الزِّنا بأمرٍ غير مشروع، فلا تكون شهادتُهم حسبةً لله تعالى، بل سعياً إلى إشاعةِ الفاحشةِ لعداوةٍ أو نحوِها، فتردُّ شهادتُهم؛ لهذه التَّهمة. (وإن شهدوا عمياناً، أو محدودين بقذفٍ أو ثلاثة، أو أحدُهم محدود، أو عبدٌ، أو وُجِدَ كذلك بعد الحدّ (٣) حدوا)؛ لعدم أهليَّةِ الشَّهادة، أو عدمِ النِّصاب، فيجبُ الحدُّ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٤) الآية. (وأرشُ (٥) جرحِ جلدِهِ هَدْر (٦)، وديةُ رجمِهِ في بيتِ المال): أي شهدَ الشُّهودُ بالزِّنا، والزَّاني غيرُ محصن فجلدَ، فجرَحَهُ الجلدُ، ثُمَّ ظهرَ أحدُ الشُّهودِ عبداً، أو محدوداً

стр. 601

وأيٌّ رَجَعَ من الأربعةِ بعد رَجْمٍ حدّ، وغَرِمَ رُبْعَ الدِّية في قذف، فأرش الجلدِ هَدْرٌ عند أبي حنيفةَ ﵁. وقالا: في بيتِ المال؛ لأنَّ فعلَ الجلاَّدِ ينتقلُ إلى القاضي، وهو عاملٌ للمسلمين، فالغرامةُ في مالِ المسلمين. وله: إنَّ الفعلَ الجارحَ لا ينتقلُ إلى القاضي؛ لأنَّه لم يأمرْ بالجرح، فيقتصرُ على الجلاَّد، ثُمَّ هو لا يضمن؛ لئلا يمتنعَ النَّاسُ عن الإقامةِ مخافةً للغرامة. وإن شهدوا والزَّاني محصنٌ فَرُجِم، ثُمَّ ظَهَرَ أحدُهم عبداً أو نحوَه فديَةُ الرَّجمِ في بيتِ المال. (وأيٌّ رَجَعَ من الأربعةِ بعد رَجْمٍ حدّ): أي حدَّ الرَّاجع فقط حدَّ القذف. وعند زُفر ﵁ لا يحدّ (١)؛ لأنَّه إن كان قاذفَ حيٍّ فقد سقطَ بالموت (٢)، وإن قاذفَ ميْت، فهو مرجومٌ بحكمِ القاضي (٣)، فلا يجبُ الحدّ. قلنا: هو قاذفُ ميْت؛ لأنَّ شهادتَهُ بالرُّجوع انقلبت قذفاً، فصارَ قاذفاً بعد الموت، ولم يبقَ مرجوماً بحكمِ القاضي؛ لانفساخِ الحكمِ بانفساخِ الحجَّة. (وغَرِمَ رُبْعَ الدِّية): هذا عندنا، وعند الشَّافِعيِّ (٤) ﵁ يقتصُّ بناءً على أصله في شهودِ القصاص، كما قال في الدِّيات.

стр. 602

وقبلَهُ حدُّوا فقط، ولا شيءَ على خامسٍ رجع، فإن رجعَ آخرُ حدّا، أو غرما رُبعَ ديته، وضَمِنَ الدِّيَةَ مَن قتلَ المأمورَ برجمِه، أو زكَّى شهودَ الزِّنا فرُجِم، فظهروا عبيداً، أو كفّاراً فيهما، وبيتُ المال إن لم يزكَّ فرُجِم، وإن شهدوا بزنا، وأقرَّوا بنظرهم عمداً قُبِلَت، وزانٍ أنكرَ وطءَ عرسِه، وقد وَلَدَتْ منه، أو شَهِدَ بإحصانِه رجلٌ وامرأتان رُجِم (وقبلَهُ حدُّوا فقط): أيٌّ رجعَ من الأربعةِ حدَّ جميعُ الشُّهودِ حدَّ القذف، ولا يحدُّ المشهودُ عليه. فإن كان الرُّجُوع بعد الحكم، فعند محمَّدٍ ﵁ حدَّ الرَّاجع فقط، ولا يحدُّ الباقون؛ لتأكُّدِ شهادتِهم بالقضاء. قلنا: ينفسخ القضاء. وإن كان الرُّجوع قبل الحكم، فعند زُفر ﵁ حدَّ الرَّاجع فقط. ولا شيءَ على خامسٍ رجع، فإن رجعَ آخرُ حدّا، أو غرما رُبعَ ديته)؛ فإنَّ المسألةَ فيما إذا كان الرُّجوع بعد الرَّجم، والمعتبرُ بقاءُ مَن بقي، لا رجوعُ مَن رجع، وقد بقي ثلاثةُ أرباع النِّصاب. (وضَمِنَ الدِّيَةَ مَن قتلَ المأمورَ برجمِه): أي أُمِرَ بالرَّجم فقتلَهُ بطريقٍ آخر، (أو زكَّى شهودَ الزِّنا (١) فرُجِم، فظهروا عبيداً، أو كفّاراً فيهما): أي في مسألة القتل والتَّزكيَّة، والضَّمان على المزكِّين في قولِ أبي حنيفة ﵁. وعندهما: لا ضمانَ عليهم، بل في بيتِ المال. (وبيتُ المال إن لم يزكَّ فرُجِم): أي ضَمِنَ بيتُ المالِ إذا شهدَ الشُّهودُ بالرَّجم، فلم يزكَّوا فرُجِم، فظهروا عبيداً، أو نحو ذلك. (وإن شهدوا بزنا، وأقرَّوا بنظرهم عمداً قُبِلَت): أي شهادتُهم (٢)؛ لأنَّه يباحُ لهم النَّظرُ لتحمُّلِ الشَّهادة. (وزانٍ أنكرَ وطءَ عرسِه، وقد وَلَدَتْ منه، أو شَهِدَ بإحصانِه رجلٌ وامرأتان رُجِم) (٣): هذا عندنا خلافاً لزُفرَ ﵁ والشَّافِعِيِّ (٤) ﵁، وزُفَر ﵁ جعلَ الإحصانَ شرطاً في

стр. 603

باب حد الشرب هو كحدِّ القذف ثمانونَ سوطاً للحرّ، ونصفُها للعبدِ بشربِ الخمر ولو قطرة. فمَن أُخِذَ بريحِها وإن زالَت؛ لبعدِ الطَّريق، أو سكرانَ زائلَ العقلِ بنبيذِ التَّمر، وأقرَّ به مرَّة، أو شَهِدَ به رجلان، وعُلِمَ شربُهُ طوعاً يحدُّ صاحياً. فإن أقرَّ به، أو شهدا عليه بعد زوالِ الرَّيح، أو تقيّأها، أو وُجِدَ ريحُها منه، أو رجعَ عن إقرار شُرْبِ الخمر، أو السُّكر، أو أقرَّ سكران لا معنى العلَّة (١) فلا تقبلُ فيه شهادةُ النِّساء. (والله أعلم بالصواب) (٢). باب حد الشرب هو كحدِّ القذف ثمانونَ سوطاً للحرّ، ونصفُها للعبدِ بشربِ الخمر ولو قطرة. فمَن أُخِذَ بريحِها وإن زالَت؛ لبعدِ الطَّريق، أو سكرانَ زائلَ العقلِ (٣) بنبيذِ التَّمر، وأقرَّ به مرَّة (٤)): أي بشربِ الخمر، أو بالسَّكرِ بالنَّبيذ، (أو شَهِدَ به رجلان، وعُلِمَ شربُهُ طوعاً يحدُّ صاحياً. فإن أقرَّ به، أو شهدا عليه بعد زوالِ الرَّيح، أو تقيّأها، أو وُجِدَ ريحُها منه): أي عُلِمَ الشُّربُ بأن تقيّأها، أو وُجِدَ ريحُ الخمرِ منه بلا إقرار أو شهادة، (أو رجعَ عن إقرار شُرْبِ الخمر، أو السُّكر، أو أقرَّ سكران لا).

стр. 604

ولو ارتدَّ هو لا تحرمُ عليه عرسُه اعلم أنَّ في الإقرارِ بعد زوالِ الرِّيح لا يحدُّ خلافاً لمحمَّد ﵁، فإنَّ التَّقادُم عنده لا يمنعُ الإقرار كما في سائرِ الحدود. وإنِّما لا يحدُّ عندهما؛ لأنَّ حدَّ الشُّربِ إنِّما يثبتُ بإجماعِ الصَّحابة ﵃، وبدون رأي ابنِ مسعودٍ ﵁ لا يتمُّ الإجماع، وقد قال: فإن وجدتُم رائحةَ الخمر فاجلدوه (١). فبدونِ الرَّائحةِ لا يحدُّ عنده، فلا إجماع، فلا دليلَ على وجوبِ الحدّ. واعلم أنَّ السَّكرَ عند أبي حنيفةَ ﵁ في حقِّ وجوبِ الحدِّ أن لا يعرفَ شيئاً حتَّى الأرضَ من السَّماء، وفي حقِّ حرمةِ الأشربةِ أن يهذي. وعندها: أن يهذي مطلقاً، وإليه مالَ أكثرُ المشايخ (٢). وعنده الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁: أن يظهرَ أثرُهُ في مشيه وحركاتِه وأطرافه. (ولو ارتدَّ (٤) هو لا تحرمُ عليه عرسُه): اعلم أنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّة كصحَّةِ الإقرار، والطَّلاق، والعتاق، جاريةً عليه زجراً له، لكن ارتدادَه لا يثبت، لأنَّه أمرٌ حقيقيٌّ اعتقاديٌّ لا حكميّ، فعند عدمِ العقل لا يثبتُ اعتقادُ الكفر، ولمَّا لم يصحَّ ارتدادُهُ لا يثبتُ توابعُه كفسخِ النِّكاح.

стр. 605

ونُزِعَ ثَوْبُه، وفُرِّقَ جلدُه. باب حد القذف مَن قذفَ محصناً: أي حُرَّاً مكلَّفاً مسلماً عفيفاً عن الزِّنا، بصريحِه، أو: بزنأتَ في الجبل، أو: لست لأبيك، أو: لست بابنِ فلانٍ أبيه في غضب، أو: بيا ابن الزَّانية لمَن أمُّه ميْتٌ محصنةٌ حدَّ إن طَلَبَ هو، لا بلستَ بابن فلانٍ جدّه، أو بنسبة إليه، أو إلى خالِه، أو عمِّه أو رابِّه (ونُزِعَ ثَوْبُه، وفُرِّقَ جلدُه): كما مرَّ (١) في الزِّنا (٢). باب حد القذف (مَن قذفَ محصناً: أي حُرَّاً مكلَّفاً مسلماً عفيفاً عن الزِّنا، بصريحِه، أو: بزنأتَ في الجبل): معناهُ: زنيتَ في الجبل، فإنَّه كما جاءَ ناقصاً جاءَ مهموزاً أيضاً. وعند محمَّد ﵁: لا يحدّ؛ لأنَّ المهموزَ هو الصُّعود، أو مشترك، والشُّبهة دارئةٌ للحدّ. قلنا: حالةُ الغضبِ تُرِجِّح ذلك. (أو: لست لأبيك، أو: لست بابنِ فلانٍ أبيه في غضب): أي قال: لستُ بابنِ زيدٍ الذي هو أبو المقذوف. فقولُهُ: أبيه؛ لفظُ المصنِّف ﵁ لا لفظُ القاذف. وقولُهُ: في غضب؛ يتعلَّقُ بالألفاظِ الثَّلاثة، ولست لأبيك في غيرِ الغضبِ يحتملُ المعاتبة. (أو: بيا ابن الزَّانية لمَن أمُّه ميْتٌ محصنةٌ حدَّ إن طَلَبَ هو)، ليس المرادُ أن الطَّلبُ مقصورٌ على المخاطب، فإنَّه إن طلبَ أبوها حدّ أيضاً. (لا بلستَ بابن فلانٍ جدّه (٣)، أو بنسبة إليه (٤)، أو إلى خالِه، أو عمِّه أو رابِّه):

стр. 606

وقوله: يا ابن ماءِ السَّماء، ويا نَبَطي لعربيّ، والطَّلبُ بقذفِ الميْتِ للوالد، والولد، وولدِه، ولو محروماً، ولا يطالبُ أحدٌ سيِّدَه وأباهُ بقذفِ أُمِّه. وليس فيه إرثٌ وعفوٌ واعتياضٌ عنه أي زوجُ أمِّه، فالجدُّ أبٌ مجازاً، فلو نفى أبوتَه لا يحدّ، وكذا لو نسبَه إليه، وهكذا الخالُ والعمُّ والرَّابّ. (وقوله: يا ابن ماءِ السَّماء (١)، ويا نَبَطي (٢) لعربيّ): إذ لا يرادُ بهما نفي النَّسب، بل التَّشبيه فيما يوصفان به. (والطَّلبُ بقذفِ الميْتِ للوالد، والولد، وولدِه، ولو محروماً)، هذا عندنا. وأمَّا عند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁، فحقُّ الطَّلبِ لكلِّ وارث، فإن حدَّ القذفِ يورَّثُ عنده. وعندنا: لا، بل يثبتُ لمن يلحقُ به العارِ بنفي النَّسب. وقولُهُ: وولدُهُ يشمل ولدَ البنتِ عندهما خلافاً لمحمَّد- ﵁. وقولُهُ: ولو محروماً، كولدِ الولدِ مع وجودِ الولد، والكافر، والعبد، خلافاً لزُفر ﵁، وكالقاتل. (ولا يطالبُ أحدٌ سيِّدَه وأباهُ بقذفِ أُمِّه (٤). وليس فيه إرثٌ وعفوٌ (٥) واعتياضٌ عنه): هذا عندنا. وعند الشَّافِعِيِّ (٦) ﵁ يجري فيه الإرث، ونحوه؛ بناءً على أنَّ حقَّ العبدِ فيه غالب؛ بناءً على الأصلِ المشهور، وهو: إنَّ حقَّ العبدِ يغلبُ على حقِّ اللهِ تعالى إذا اجتمعا؛ لاحتياجِ العبد، واستغناءِ اللهِ تعالى.

стр. 607

فإن قال: يا زاني، فردَّهُ بلا بل أنت حُدَّا. ولو قال: لعرسِه يا زانية، فردَّتْ به حدَّتْ ولا لعان، وبزنيتُ بك هدراً، ولاعَن إن أقرَّ بولدٍ فنفى، وحدَّ إن عكس، والولدان له، ولا شيءَ بليس بابني، ولا بابنك، ولا حدَّ بقذفِ مَن لها وَلَدٌ لا أبَ له، أو لاعَنت بولد ونحن نُغلِّبُ فيه حقَّ اللهِ تعالى؛ لأنَّ حقَّ العبدِ هو رفعُ العارِ راجعٌ إلى حقِّ اللهِ تعالى أيضاً؛ لأنَّ النِّسبةَ إلى الزِّنا إنِّما تكونُ سبباً للعار؛ لأنَّ اللهَ تعالى حرَّمَه. (فإن قال: يا زاني، فردَّهُ بلا بل أنت حُدَّا. ولو قال: لعرسِه (يا زانية) (١)، فردَّتْ به حدَّتْ ولا لعان)؛ لأنَّها قذفَت الزَّوج فتحدّ، وقذفُه إيَّاها لا يوجبُ الحدّ، بل اللِّعان، وهي لم تبقَ أهلاً للعان، ثُمَّ لا بُدَّ من تقديمِ الحدّ؛ (لأنَّه أقوى) (٢)؛ لأنَّه إن قُدِمَ يسقطُ اللِّعان؛ لأنَّها لم تبقَ أهلاً له، وإن قُدِّمَ اللِّعان لا يسقطُ الحدّ، وإذا وَجَبَ تقديمُهُ يقدَّم، ويسقطُ اللِّعان. (وبزنيتُ بك هدراً): أي قال: لزوجتِه يا زانية، فردَّت بقولِها: زنيتُ بك هدراً؛ لأنَّ قولَ المرأةِ: يحتملُ أن يكونَ تصديقاً له: يعني زنيتُ بك قبل النِّكاح. ويحتملُ أن يكونَ ردَّاً: يعني إن وُجِدَ منِّي زناً، فهو ليس إلاَّ تمكيني إيِّاك؛ لأني ما مكنتُ غيرَك، وتمكيني إيِّاك ليس بزنا، فلا يكونُ لها دعوى اللِّعان؛ لاحتمالِ المعنى الأَوَّل، ولا حدَّ عليها لاحتمال المعنى الثَّاني. (ولاعَن إن أقرَّ بولدٍ فنفى، وحدَّ إن عكس)؛ لأنَّ النَّسبَ يثبتُ بإقرارِه، ثُمَّ بالنَّفي يصيرُ قاذفاً، فيجبُ اللِّعان، أمَّا إن نفاه، ثُمَّ أقرَّ به، فقد أكذبَ نفسَه، فيجبُ الحدّ، (والولدان له): أي وَلَدٌ أقرَّ به ثُمَّ نفاه، وولدٌ نفاه ثُمَّ أقرَّ به، يثبتُ نسبُهما لا إقرارُه. (ولا شيءَ بليس بابني، ولا بابنك) (٣)؛ لأنَّه نفي الولادة، ولا يجبُ به شيء. (ولا حدَّ بقذفِ مَن لها وَلَدٌ لا أبَ له، أو لاعَنت بولد)، إنِّما قال: بولد؛ لأنَّها لو لاعَنت بدونِ الولد فبقذفِها يجبُ الحدّ، والفرقُ بينَهما أنَّه وُجِدَ في الأَوَّلِ إمارةُ الزِّنا، وهو الولدُ المنفي، ولم توجد بالثَّاني.

стр. 608

ولا بقذفِ مَن وَطِئ حراماً لعينِه، كواطءٍ في غيرِ ملكٍ من كلِّ وجه، ومن وجهٍ كأمةٍ مشتركة، أو وطءِ مملوكةٍ حَرُمَتْ أبداً: كالأمةِ التي هي أختُهُ رضاعاً. ولا بقذفِ مَن زَنَت في كفرِها، ومكاتَبٍ ماتَ عن وفاء، وحدَّ بقذفٍ مَن وَطِئ حراماً لغيرِه كوطء عرسِه حائضاً، أو وطء مملوكةٍ حَرُمَت مؤقَّتةً: كأمةٍ مجوسيَّة، أو مكاتبة، كمجوسيٍّ نكحَ أُمَّه، فأسلم، ومستأمنٌ قذفَ مسلماً هنا، وكفى حدٌّ لجنايات إن اتَّحد جنسُها، فإن اختلفَ لا (ولا بقذفِ مَن وَطِئ حراماً لعينِه، كواطءٍ في غيرِ ملكٍ من كلِّ وجه، ومن وجهٍ كأمةٍ مشتركة، أو وطءِ مملوكةٍ حَرُمَتْ أبداً: كالأمةِ التي هي أختُهُ رضاعاً (١). ولا بقذفِ مَن زَنَت في كفرِها، ومكاتَبٍ ماتَ عن وفاء): أي لا حدَّ بقذفِ مكاتَبٍ ماتَ وتركَ مالاً يفي ببدلِ الكتابة؛ لأنَّ الحدَّ إنِّما يجبُ بقذفِ الحرّ، وفي حريَّةِ هذا المكاتَبِ اختلافُ الصَّحابة (٢) ﵃. (وحدَّ بقذفٍ مَن وَطِئ حراماً لغيرِه كوطء عرسِه حائضاً، أو وطء مملوكةٍ حَرُمَت مؤقَّتةً: كأمةٍ مجوسيَّة، أو مكاتبة)؛ فإن حرمةَ الأُولَى مؤقتةٌ إلى زمانِ الإسلام، والثَّانية إلى زمانِ العجز. وعند أبي يوسفَ ﵁ وطء المكاتبةِ يسقطُ الإحصان. (كمجوسيٍّ نكحَ أُمَّه، فأسلم، ومستأمنٌ قذفَ مسلماً هنا (٣)): أي حدُّ بقذفِ مجوسيِّ كذا، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لهما، فإنَّ عنده لنكاحِ المحارمِ حكمُ الصِّحَّةِ فيما بينهم خلافاً لهما. وقوله: ومستأمنٌ؛ بالرَّفعِ عطفٌ على الضَّميرِ المستترِ في: حدّ. (وكفى حدٌّ لجنايات إن اتَّحد جنسُها، فإن اختلفَ لا): هذا عندنا.

стр. 609

فصل في التعزيز أكثرُهُ تسعةٌ وثلاثونَ سوطاً، وأقلُّه ثلاث، وصحَّ حبسُهُ مع ضربِه، وضربُهُ أشدّ، ثُمَّ للزِّنا، ثُمَّ للشُّرب، ثُمَّ للقذف وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ إن اختلفَ المقذوف، أو المقذوفُ به، وهو الزِّنا، كما إذا قذفَ زيداً وعمراً، أو قذفَ زيداً بزنا ثُمَّ بزنا آخر لا يتداخل، أمَّا إذا قذفَ زيداً بزنا واحد، وكرَّر هذا القذفَ يتداخل، وهذا بناءً على أنَّ حقَّ العبدِ فيه غالبٌ عنده. وأمَّا عندنا لمَّا كان حقُّ اللهِ تعالى غالباً يتداخلُ إذ المقصودُ الانزجار، أمَّا إذا اختلفت الجنايات، فالمقصودُ من كلِّ واحدٍ غيرُ مقصودٍ من الآخر، فلا يتداخل. فصل في (٢) التعزيز وهو تأديبٌ دون الحدّ، وأصلُهُ من العزر، بمعنى الرَّدِّ والرَّدع، (أكثرُهُ تسعةٌ وثلاثونَ سوطاً، وأقلُّه ثلاث): لأنَّ التَّعزيرَ ينبغي أن لا يبلغَ الحدّ، وأقلُّ الحدِّ أربعون، وهي حدُّ العبدِ في القذف والشُّرب، وأبو يوسف ﵁ اعتبرَ حدَّ الأحرار، وهوثمانون، ونقصَ عنها سوطاً في رواية، وخمسة في رواية. (وصحَّ حبسُهُ مع ضربِه، وضربُهُ أشدّ (٣)، ثُمَّ للزِّنا (٤)، ثُمَّ للشُّرب، ثُمَّ للقذف): قالوا: ليحصلَ الانْزجار بالتَّعزير، وحدُّ الزِّنا ثابتٌ بالنَّص، وحدُّ الشَّرب ثَبَتَ بإجماع الصَّحابة ﵃، وسببُهُ متيقَّن، وسببُ حدِّ القذفِ محتمل؛ لاحتمالِ الصَّدق. أقول: حدُّ القذفِ ثابتٌ بالنّص، وهو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥)

стр. 610

وعزِّر بقذفِ مملوك، أو كافرٍ بزنا، وبقذف مسلم بيا فاسق، يا كافر، يا خبيث، يا سارق، يا فاجر، يا مخنَّث، يا خائن، يا لوطي، يا زنديق، يا لصّ، يا ديُّوث، يا قَرطبان، يا شارب الخمر، يا آكل الرِّبا، يا ابنَ القَحبة، يا ابنَ الفاجرة، أنت تأوي اللُّصوص، أنت تأوي الزَّواني، يا مَن يلعبُ بالصِّبيان، يا حرام زاده، لا بيا حمار، يا خِنْزير، يا كلب، يا تيس، يا قرد، يا حجَّام، يا ابنُهُ وأبوه ليس كذلك، يا مؤاجِر، يا بغَّا، يا ناكَس، يا ضُحْكَة، يا سُخْرة. ومَن حدَّ أو عزِّر فماتَ هُدِرَ دَمُه. ولو عَزَّرَ زوجٌ عرسَه لا وحدُّ الشُّربِ قيسَ على حدِّ القذف (١). (وعزِّر بقذفِ مملوك، أو كافرٍ بزنا، وبقذف مسلم بيا فاسق، يا كافر (٢)، يا خبيث، يا سارق، يا فاجر، يا مخنَّث، يا خائن، يا لوطي، يا زنديق، يا لصّ، يا ديُّوث، يا قَرطبان (٣)، يا شارب الخمر، يا آكل الرِّبا، يا ابنَ القَحبة، يا ابنَ الفاجرة، أنت تأوي اللُّصوص، أنت تأوي الزَّواني، يا مَن يلعبُ بالصِّبيان، يا حرام زاده، لا بيا حمار، يا خِنْزير، يا كلب، يا تيس، يا قرد، يا حجَّام، يا ابنُهُ وأبوه ليس كذلك، يا مؤاجِر، يا بغَّا، يا ناكَس، يا ضُحْكَة، يا سُخْرة. ومَن حدَّ أو عزِّر فماتَ هُدِرَ دَمُه. ولو عَزَّرَ زوجٌ عرسَه لا) (٤).

стр. 611

.................................................................................................................... قيل: القَحبةُ مَن يكونُ لها همَّة الزِّنا، فلا يحدّ. أقول: القَحبةُ في العرفِ أفحشُ من الزَّانية، لأن الزَّانية قد تفعلُ سرَّاً وتأنف منه، والقَحبة مَن تجاهرُ به بالأجرة. والفاجرة تكون بكلِّ معصيَّةٍ فلا حدّ به. ولفظ؛ حرامٌ زاده؛ معناهُ المتولِّدُ من الوطءِ الحرام، وهو أعمُّ من الزِّنا كالواطءِ حالةَ الحيض، لكن في العرفِ لا يرادُ ذلك، بل يرادُ وَلَدُ الزِّنا، وكثيراً ما يرادُ به بالجُرْبُزَ الخِبّ (١)، فلهذا لا يجبُ الحدّ. والمُؤاجِرُ: يستعملُ فيمَن يؤاجِرُ أهلَه للزِّنا، لكن معناهُ الحقيقي المتعارف، لا يؤذن بالزِّنا، يقال: أجَّرتُ الأجيرَ مؤاجرة، إذا جعلَتْ له على فعلِهِ أجرة. ولفظ بَغَّا: من شتمِ العوام، يتفهوَّهون به، ولا يعرفونُ ما يقولون. والضُّحْكَةُ بوزنِ الصُّفْرةِ: مَن يَضْحَكُ عليه النَّاس، وبوزنِ الهَمْزة: مَن يَضْحَكُ على النَّاس، وكذا السُّخْرَةُ ونحوه. واعلم أنّ الألفاظَ الدَّالةَ على القبائحِ لا تعدُّ ولا تحصى، فالواجب أن يُذْكَرَ لها ضابطٌ يعرفُ به أحكامُ جميعها. فأقول: قد عرفت أن نسبةَ المحصنِ إلى الزِّنا توجبُ حدَّ القذف، فنسبةُ غيرِ المحصنِ كالعبد والكافر إليه لا توجبُ الحدَّ؛ لانحطاطِ درجتِهما، بل توجِبُ التَّعزير؛ لإشاعةِ الفاحشة. ونسبةُ المحصنِ إلى غيرِ الزِّنا لا توجبُ حدَّ القذف، فهل توجبُ التَّعزير أم لا؟ فإن نسبَه إلى فعلٍ اختياري يحرمُ في الشَّرع، ويعدُّ عاراً في العرف، يجبُ التَّعزير، وإلاَّ لا إلاَّ أن يكونَ تحقيراً للأشراف. وإنِّما قلنا: إلى فعلٍ اختياري؛ احترازاً عن الأمورِ الخِلْقيَّة، فلا تعزيرَ في: يا حمار؛ لأنَّ معناهُ الحقيقي غيرُ مراد، بل معناهُ المجازي، كالبليدِ مثلاً، وهو أمرٌ خِلْقي، وكذا: القردُ: يرادُ به قبيحُ الصُّورة، والكلبُ: يرادُ به سيءُ الخلق، إلاَّ أنَّ يقالَ لإنسانٍ شريفٍ النَّفسِ كعالم، أو علويّ، أو رجلٍ صالح، فإنِّهم أهلُ الإكرام، فيعزَّرُ بإهانتهم

стр. 612

............................................................................................................... بخلاف الأرذال إذ يتفوَّهون بأمثالِ هذه الكلماتِ كثيراً، ولا يبالون من أن يقالَ لهم. وإنِّما قلنا: يحرمُ في الشَّرع؛ احترازاً عن أفعال اختياريَّةٍ لا تحرمُ في الشَّرعِ مع أنَّه يعدُّ عاراً في العرف، كالحجَّام ونحوه، يرادُ به دنيءُ الهِمَّة، وكذلك بالفارسيَّة يا ناكَس: إن قيلَ للأشراف عزِّر، ولغيرهم لا، ألاَّ ترى أن السُّوقيَّة، لا يبالونَ بأفعالٍ فيها الخسَّةُ والدَّناءة. وإنِّما قلنا: يعدُّ عاراً في العرف؛ احترازاً عن أفعالٍ اختياريَّةٍ تحرمُ شرعاً، ولا يعدّ عاراً في العرف، كلعبِ النَّردّ (١)، والغناء (٢)، وأعمالِ الدِّيوان في زماننا (٣). ثُمَّ كيفيَّةُ التَّعزيرِ وكميَّتُهُ يفوَّضانِ إلى رأي الإمامِ فيُراعى عِظَمَ الجنايةِ وصغرَها، وحالَ القائلِ والمقولِ فيه (٤). (والله أعلم) (٥). * * *

стр. 613

كتاب السرقة ركنُها: الأخذُ خُفْية. ومحلها: مالٌ محرزٌ مملوك، وهو شرط، ونصابُها: قدرُ عشرةِ دراهمَ مضروبة، وحكمُها: القطع. فإن سرقَ مكلَّفٌ حرٌّ أو عبدٌ قدرَ النِّصاب محرزاً بلا شُبْهة، بمكانٍ: كبيت، أو صندوق، أو بحافظ كجالسٍ في طريق أو مسجدٍ عندَهُ ماله، وأقرَّ بها مرَّة كتاب السرقة (١) (ركنُها: الأخذُ خُفْية. ومحلها: مالٌ محرزٌ مملوك، وهو شرط)؛ فإنَّ محلَّ الفعلِ شرطٌ للفعلِ لكونِه خارجاً عنه محتاجاً إليه. (ونصابُها: قدرُ عشرةِ دراهمَ مضروبة). اعلم أن المالَ المذكورَ مقدَّرٌ بالنِّصاب، وهو مقدارُ عشرةِ دراهمَ مضروبةٍ من فضة (٢). وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ ربعُ دينارِ ذهب. وعند مالكٍ (٤) ﵁ ثلاثهة دراهم. (وحكمُها: القطع. فإن سرقَ مكلَّفٌ حرٌّ أو عبدٌ قدرَ النِّصاب محرزاً بلا شُبْهة)، احترازٌ عمَّا يكونُ في الحرز شبهة، كما إذا سرقَ من بيتِ ذي رحمٍ محرم، (بمكانٍ: كبيت، أو صندوق، أو بحافظ كجالسٍ في طريق أو مسجدٍ عندَهُ ماله (٥)، وأقرَّ بها مرَّة)، هذا

стр. 614

أو شهدَ رجلان، وسألَهما الأمامُ كيف هي؟ وما هي؟ ومتى؟ وأين هي؟ وكم هي؟ وممَّن سرق؟ فإن بيَّناها قطع، فإن شاركَ جمعٌ فيها، وأصاب كلاً، قدرَ نصابٍ قطعوا، وإن أخذَ بعضُهم عند أبي حنيفة ﵁ ومحمَّد ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا بدَّ أن يقرَّ مرَّتين قياساً على الزِّنا، فإنَّ كلَّ إقرارٍ بمثابةِ شاهدٍ واحد. قلنا: إنِّما يشترطُ الأربعةُ في الزِّنا بالنَّصِّ على خلافِ القياس، وفيما سواهُ بقيَ على الأصل، وهو أن المرءَ مؤاخذٌ (١) بإقرارِه. (أو شهدَ رجلان، وسألَهما الأمامُ كيف هي؟ وما هي؟ ومتى؟ وأين هي؟ وكم هي؟ وممَّن سرق؟ فإن (٢) بيَّناها قطع) (٣). سألَ عمَّا هي؟ لأنَّه ربِّما يتوَّهم أنَّه لا يحتاجُ إلى الخفية، كما في السِّرقة الكبرى: أي قطعِ الطَّريق. وعن كيف كانت هذه السَّرقة؟ ليعلمَ أنَّه أخرجَ أو ناولَ مَن هو خارج. وعن متى كانت؟ ليعلم أنَّها متقادمةٌ أم لا. وعن أين كانت؟ أي في دارِ الإسلام أو دار الحرب. وكم هي ترجعُ إلى السَّرقة؟ والمرادُ المسروقُ قيسألُ عن الكميَّة؛ ليعلمَ أنّ المسروقَ كان نصاباً أم لا. وممَّن سرق؟ ليعلم أنَّه من ذي رحمٍ محرمٍ أم لا. (فإن شاركَ جمعٌ فيها، وأصاب كلاً): أي كلُّ واحد، (قدرَ نصابٍ قطعوا، وإن أخذَ بعضُهم) (٤): أي مع أنَّ الأخذَ (٥) صدرَ (٦) من بعضِهم فقط.

стр. 615

[باب ما يقطع به وما لا يقطع] وقطعَ بالسَّاج، والقنا، والآبنوس، والصَّندل، والفُصُوص الخضر، والياقوت، والزَّبَرْجَد، واللؤلؤ، والإناء والباب متخذين من خشب، لا بتافِهٍ يوجدُ مباحاً في دارنا: كخشب، وحشيش، وقصب، وسمك، وصيد، وزِرْنِيخ، ومَغَرَة، ونُورة، ولا بما يفسدُ سريعاً، كلبن، ولحم، وفاكهةٍ رطبة [باب ما يقطع به وما لا يقطع] (وقطعَ (١) بالسَّاج (٢)، والقنا (٣)، والآبنوس (٤)، والصَّندل (٥)، والفُصُوص الخضر (٦)، والياقوت، والزَّبَرْجَد، واللؤلؤ (٧)، والإناء والباب متخذين (٨) من خشب (٩))؛ إنِّما عدَّت هذه الأشياء؛ لأنَّها من جنسِ الخشب، والحجرِ المباحينِ في الصحاري والجبال، فيتوَّهم أنَّه (١٠) لا قطعَ فيها. (لا بتافِهٍ يوجدُ مباحاً في دارنا: كخشب، وحشيش، وقصب، وسمك، وصيد، وزِرْنِيخ (١١)، ومَغَرَة (١٢)، ونُورة، ولا بما يفسدُ سريعاً، كلبن، ولحم، وفاكهةٍ رطبة

стр. 616

وتمرٍ على شجر، وبطيخ، وزرعٍ لم يحصد، ولا في أشربةِ مطربة، وآلاتِ لهو، وصليبٍ من ذهب، أو فضة، أو شطرنج، ونرد وفاكهةٍ رطبة وتمرٍ (١) على شجر، وبطيخ): هذا عند أبي حنيفة ومحمَّد ﵃. وأمَّا عند أبي يوسف ﵁ يُقْطَعُ في كلِّ شيءٍ إلاَّ في الطِّين، والتُّراب، والسِّرقين. وعند الشَّافِعيِّ (٢) ﵁ لا يمنعُ القطعُ كون الشَّيءِ مباحَ الأصلِ كالحطب، ولا كونُه رطباً، كالفواكِه، ولا كونُه متعرِّضاً (٣) للفسادِ كالمرقة. ولنا: قول عائشةَ ﵁: «كانت اليدُ لا تقطعُ في عهدِ رسول الله ﷺ في الشَّيءِ التَّافه» (٤) أي الحقير. وقولُهُ ﷺ : «لا قطعَ في الطَّير» (٥). وقولَهُ ﷺ : «لا قطعَ في ثمرٍ ولا شجر» (٦). (وزرعٍ لم يحصد)؛ لعدمِ الحرز. (ولا في أشربةِ مطربة، وآلاتِ لهو، وصليبٍ من ذهب، أو فضة، أو شطرنج، ونرد)؛ لأنَّه يقولُ أخذتُه للإراقةِ والكسر.

стр. 617

وبابُ مسجد ومصحف، وصبيٍّ حرّ، ولو محلَّيَيْن، وعبدٌ ودفترٌ إلاَّ الصَّغير، ودفترُ الحساب، ولا في كلب، وفهد، وخيانة، وخَلْس، ونَهْب، ونَبْش، ومالِ عامَّة، ومالٍ له فيه شركة، ومثل حقِّه حالاً، أو مؤجلاً، ولو بمزيد (وبابُ مسجد) (١)؛ لعدمِ الإحرازِ خلافاً للشَّافِعِيِّ (٢) ﵁، (ومصحف)؛ لأنَّه يقولُ أخذتُهُ للقراءة خلافاً لأبي يوسف والشَّافِعِيّ (٣) ﵃، (وصبيٍّ حرّ)؛ لأنَّه ليس بمال، (ولو محلَّيَيْن)، يرجعُ إلى المصحف والصَّبيّ، فإن الحِليةَ تبعٌ. وعند أبي يوسف ﵁ إن بلغَتْ الحليةُ النِّصابَ يقطع. (وعبدٌ ودفترٌ (٤) إلاَّ الصَّغير، ودفترُ الحساب)؛ لأنَّ أخذَ العبدَ الكبيرِ يكونُ غصباً أو (٥) خداعاً لا سرقة، والمقصودُ من الدَّفتر ما فيه، وهو ليس بمال، وأما دفترُ الحساب فالمقصودُ منه المال، وهو لا يسرقُ لفائدةٍ غيرَ ماليَّة. (ولا في كلب، وفهد، وخيانة (٦)، وخَلْس (٧)، ونَهْب (٨)، ونَبْش، ومالِ عامَّة)، كمالِ بيتٍ المال. (ومالٍ له فيه شركة، ومثل حقِّه حالاً، أو مؤجلاً): أي إن كان له على آخرَ دراهمَ سواءٌ كانت حالّة، أو مؤجَّلة فسَرَقَ مثلَها، (ولو بمزيد)؛ لأنَّه بمقدارِ حقَّه يصيرُ شريكاً فيه (٩).

стр. 618

وما قُطِعَ فيه، وهو بحاله، وإن تغيَّرَ فسرقَ قُطِعَ ثانياً، كغزلٍ قُطِع فيه، فنُسِجَ فسرق. ولا إن سرقَ من ذي رحمٍ محرمٍ منه، وبخلاف ماله من بيتِ غيرِه، ومالِ مرضعِتِه (وما قُطِعَ فيه، وهو بحاله): أي لا يقطعُ بسرقةِ شيءٍ قطعَ فيه مرَّة، ثُمَّ وصلَ إلى مالكِه، ثُمَّ سرقَهُ والحالُ أنَّه لم يتغيَّر عن حالِه، وهذا عندنا. وأمَّا عند أبي يوسفَ والشَّافِعِيِّ ﵀ تقطع؛ لقولِهِ ﷺ : «فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوه» (١). ولنا: إن عصمةَ المسروقِ قد سقطتَ على ما يأتي في مسألة: القطعِ مع الضَّمان (٢)، ثُمَّ إذا عادَ المسروقُ إلى مالكِه، فالعصمةُ وإن عادَتْ فشبهةُ سقوطِها أَسْقَطَت القطع. وقولُهُ ﷺ : «فَإنْ عَادَ»: أي إلى السَّرقة لا إلى المسروق، لئلا يعارضَ دليلَ سقوطِ العصمةِ علا أنَّه مطعون، طعنَهُ الطَّحَاوِي (٣) ﵁. (وإن تغيَّرَ فسرقَ قُطِعَ ثانياً، كغزلٍ قُطِع فيه، فنُسِجَ فسرق (٤). ولا إن سرقَ من ذي رحمٍ محرمٍ منه)، سواءٌ كان المالُ ماله، أو مالُ أجنبيٍّ للشُّبهة في الحرز، (وبخلاف ماله من بيتِ غيرِه)؛ فإنه إذا سرق مال ذي رحم محرم من بيت أجنبيٍّ يقطع؛ لوجود الحرز. (ومالِ مرضعِتِه (٥)): سواءٌ سُرِقَ من بيتِها، أو من بيتِ غيرها، فإنَّه يُقْطِعُ خلافاً لأبي يوسف ﵁؛ لأنَّ الرِّضاعَ قلَّما يشتهر فلا انبساط، ولا يكفي الإذنُ بالدُّخُول شرعاً، فإنَّه متحقِّقٌ في الأختِ رضاعاً مع أنَّه يقطع.

стр. 619

ولا من زوجٍ وعرس ولو من حرزٍ خاص له، ولا من سيِّدِه أو عرسِه، أو زوجِ سيِّدتِه، ولا من مكاتَبِه، ومضيِّفِه، ومَغْنَم، وحمام، وبيتٍ أُذنِ في دخولِه، أو سرقَ شيئاً ولم يخرجْهُ من الدَّار، أو دخلَ بيتاً وناولَ مَن هو خارج (ولا من زوجٍ وعرس ولو من حرزٍ خاص له)؛ إنِّما قال هذا؛ لأنَّ فيه خلافَ الشَّافِعِيِّ (١) ﵁. (ولا من سيِّدِه أو عرسِه، أو زوجِ سيِّدتِه، ولا من مكاتَبِه، ومضيِّفِه (٢)، ومَغْنَم (٣)، وحمام، وبيتٍ أُذنِ في دخولِه)؛ فإن كان الإذنُ نهاراً، فسرقَ ليلاً يقطع. واعلم أنَّ الحرزَ بالحافظِ لا اعتبارَ له عند وجودِ الحرزِ بالمكان، فإذا سُرِقَ في الحمامِ شيءٌ، وله حافظٌ فلا قطع؛ لأنَّ الحمامَ حرز، وقد أختلَ الحرز (٤) بالأذن بالدُّخول، ولا اعتبارَ بالحافظِ فيه، فلا قطعَ بخلافِ الحافظِ في المسجد، فإنَّ المسجدَ ليس بحرز، فاعتبرَ الحافظ. (أو سرقَ شيئاً ولم يخرجْهُ من الدَّار، أو دخلَ بيتاً وناولَ مَن هو خارج) (٥)، هذا عندنا، وأمَّا عند أبي يوسف والشَّافِعِيِّ (٦) ﵃ إن أخرجَ يدَه، وناولَ غيرَهُ فعليه القطع، وإن أدخلَ الآخرُ يدَه، وناول فأخذَهُ فعليه القطع. وفي «الذَّخيرة» (٧): إن وضعَ

стр. 620

أو نقب بيتاً فأدخلَ يدَهُ فيه، وأخذ شيئاً، أو طَرَّ صُرَّةً خارجةً من كمِّ غيرِه فيما بين الدَّاخلِ والخارج، فأخذَ الآخر، ففي روايةٍ: لا يقطع، وفي رواية: يقطع يدهما. (أو نقب بيتاً فأدخلَ يدَهُ فيه، وأخذ شيئاً): هذا عندنا، وعند أبي يوسفَ ﵁ يقطعُ كما في الصُّندوق. قلنا: ليس بهتك حرزٍ على الكمال بخلافِ الصُّندوق؛ لأنَّ الممكنَ ليس إلاَّ هذا (١). (أو طَرَّ (٢) صُرَّةً خارجةً من كمِّ غيرِه)، هذا يشملُ ما إذا كانت الصُّرَّةُ غيرَ الكمّ، أو نفسَ الكمّ بأن جعلَ الدَّراهم في الكمِّ وربطَها من خارج، فبقي موضعُ الدَّراهم ـ وهو شيءٌ من الكمِّ ـ خارجُ ما في الكمّ، فإذا طَرَّ لا يجبُ القطع. واعلم أنَّه إذا كانت الصُّرَّةُ نفسَ الكمِّ يأتي بأربع صور؛ لأنَّه إمِّا أن جعلَ الدَّراهمَ في داخلِ الكمّ والرِّباط من خارج، أو جعلَها على خارجِ الكمّ والرِّباط من داخل. وعلى التَّقديرينِ إمِّا أن طرَّ أو حلَّ الرِّباط: فإن طرَّ والرِّباطُ من خارجٍ فلا قطع، وهو ما مرّ قبل التَّقسيم. وإن طرَّ والرِّباط من داخل، وذلك بأن يدخلَ يدَهُ في الكمّ، فيقطعُ موضعَ الدَّراهم، فيخرجَ الدَّراهم مع الطَّرف، فأخذَ الدَّراهمَ من الكمّ، فيقطعُ للأخذِ من الحرز. وإن حلَّ الرِّباط، وهو خارجٌ قطع؛ لأنَّه إذا حلَّ الرِّباط يبقي الدَّراهمُ في الكمّ، فلا بُدَّ أن يدخلَ يدَهُ في الكمّ، فيأخذَ الدَّراهم. وإن حلَّ الرِّباط وهو داخلٌ لا يقطع؛ لأنَّه أدخلَ يدَهُ في الكمِّ فحلَّ الرِّباط، فيبقى الدَّراهم خارجَ الكمّ، فأخذها من خارج. وعند أبي يوسفَ ﵁ يقطعُ في الوجوهِ كلِّها؛ لأنَّ الكمَّ حرز.

стр. 621

أو سرقَ جملاً من قِطار، أو حِمْلاً، وقُطِعَ إن حفظَهُ ربُّهُ، أو نام عليه، أو شقَّ الحِمْل وأخذَ منه شيئاً، أو أدخلَ يدَهُ في صندوقِ غيرِه، أو كمِّه، أو جيبه، أو أخرجَ من مَقْصُورةٍ دارٍ فيها مقاصير إلى صحنِها، أو سرقَ ربَّ مَقْصَورةٍ من أُخرى فيها (أو سرقَ جملاً من قِطار (١)، أو حِمْلاً، وقُطِعَ إن حفظَهُ ربُّهُ)؛ فإن القائدَ، والسَّائقَ، والرَّاكبَ لا يقصدونَ إلاَّ قطعَ المسافةِ دون الحفظ، حتَّى لو كان هناك حافظ قُطِعَ سارق الجمل والحِمْل، (أو نام عليه)؛ فإن النَّومَ على الحِمْل، أو بقربٍ منه حفظٌ له. (أو شقَّ الحِمْل (٢) وأخذَ منه شيئاً (٣))؛ فإنّ الجُوالِقَ (٤) حرز. (أو أدخلَ يدَهُ في صندوقِ غيرِه، أو كمِّه، أو جيبه (٥))، المرادُ إدخالُ اليدِ في الكمّ؛ للأخذ لا لحلِّ الرِّباط، كما مرّ (٦). (أو أخرجَ من مَقْصُورة (٧) دارٍ فيها مقاصير إلى صحنِها (٨)، أو سرقَ ربَّ مَقْصَورةٍ من أُخرى فيها)، أرادَ موضعاً كمدرسة، أو نحوها فيها حجراتٍ يسكنُ في

стр. 622

أو ألقى شيئاً من حرزٍ في الطَّريق، ثُمَّ أخذَه، أو حملَه على حمار فساقَه وأخرجَه من الحرز كلِّ منها إنسانٌ لا تعلَّقَ له بالحجرةِ (١) التي يسكنُ (٢) فيها غيرُه، لا كالدَّار التي صاحبها واحد، وبيوتُها مشغولةٌ بمتاعِهِ وخدامِه، وبينهم انبساط. (أو ألقى شيئاً من حرزٍ في الطَّريق، ثُمَّ أخذَه، أو حملَه على حمار فساقَه وأخرجَه من الحرز)، هذا عندنا. وأمَّا عند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ يقطعُ (٤) سواءٌ أخذَه أو تركَه في الطَّريق. وعند زُفر ﵁ لا قطعَ في الإلقاء (٥) ولا في الحمل، فإنَّ الإلقاءَ ليس بإخراجٍ كمناولةِ مَن هو خارج، وكما إذا ألقي ولم يأخذ. قلنا: إذا لم يَطْرَأْ (٦) عليه يدٌ حقيقةً (٧) كان في حكمِ يدِه، فتَمَّ بالأخذِ بعد الخروج، بخلاف مسألتي المناولة وعدم الأخذ (٨). وفي مسألة الحملِ (٩) سير (١٠) الدَّابة يضافُ إليه (١١).

стр. 623

فصل كيفة القطع، وإثباته يقطعُ يمينُ السَّارق من زندِه وتحسم، ثُمَّ رجلُه اليُسرى إن عاد، فإن عادَ ثالثاً لا ويسجن حتى يتوب، فإن كان يدُه اليسرى، أو إبهامها، أو إصبعاها، أو رجلُه اليمنى مقطوعة، أو شلاء، أو ردَّه إلى مالكِه قبل الخصومة، أو ملكَه بهبة، أو بيع، أو نقصَتْ قيمتُهُ من النِّصاب قبل القطع، أو سرق فادَّعى ملكَه، أو أحد السَّارقين وإن لم يُبَرْهن، أو لم يطالبْ مالكَها وإن أقرَّ هو بها، فلا قطع فصل [كيفة القطع، وإثباته] (١) (يقطعُ يمينُ السَّارق من زندِه (٢) وتحسم (٣)، ثُمَّ رجلُه اليُسرى إن عاد، فإن عادَ ثالثاً لا ويسجن حتى يتوب)، إمَّا السِّجن فقط، وإمِّا مع التَّعزير عند بعضِ مشايخنا، وعند الشَّافِعِيِّ ﵁ يقطعُ يدُهُ اليسرى، ثُمَّ رجلُهُ اليمنى؛ لقوله ﷺ : «مَن سرقَ فاقطعوه، فإن عادَ فاقطعوه، فإن عاد فاقطعوه» (٤). ومذهبُنا مأثور عن عليّ (٥) ﵁، ولو كان الحديثَ صحيحاً لما خالفَه، ولما أخذَ الصَّحابةُ بقولِه، والطَّحَاوِي قد طعنَ في الحديث، أو هو محمولٌ على السِّياسة. (فإن كان يدُه اليسرى، أو إبهامها، أو إصبعاها، أو رجلُه اليمنى مقطوعة، أو شلاء، أو ردَّه إلى مالكِه قبل الخصومة، أو ملكَه بهبة، أو بيع، أو نقصَتْ قيمتُهُ من النِّصاب قبل القطع، أو سرق فادَّعى ملكَه، أو أحد السَّارقين وإن لم يُبَرْهن، أو لم يطالبْ مالكَها وإن أقرَّ هو بها، فلا قطع)؛ لأنَّه لو قُطِعَت اليُمنى، وقوةُ البطشِ

стр. 624

........................ ................................................................................. فائتةُ في اليُسرى، يلزم تفويتُ جنسِ المنفعة، وهو في الحقيقةِ إهلاك. وكذا إن كانت الرِّجل اليُمنى مقطوعة، أو شلاء؛ لأنَّه إذا لم يكن للإنسان يدٌ ورجلٌ في طرفٍ واحد، فهو لا يقدرُ على المشي أصلاً، وأمَّا من الطَّرفينِ فيضعُ العصا تحت إبطه؛ فيكونُ قائماً مقامَ الرِّجل، الفائتة. وإذا ردَّ المسروقَ إلى مالكِه قبل الخصومةِ لا يمكنُ الدَّعوى، فلا يظهرُ السَّرقة. وعند أبي يوسف ﵁ يقطع. و إنِّما قال: ملكه بهبة؛ ليُعْلَمَ أن المرادَ الهبة مع القبض. وعند زُفر والشَّافِعِيِّ (١) ﵃ يقطع. وكذا في نقصانِ القيمةِ يقطعُ عندهما (٢). وإنِّما لا يقطعُ عندنا؛ لأنَّ النِّصاب لمَّا كان شرطاً عند ظهورِ السَّرقة، وهو حالُ القضاء. وقد ذُكِرَ في كتبِنا أنَّه لا يندفعُ القطعُ عند الشَّافِعِيِّ ﵁ بمجرَّدِ دعوى السَّارق أنَّ المسروقَ ملكَه؛ لأنَّه لا يعجزُ سارقٌ عن ذلك، فيؤدِّي إلى سدِّ بابِ الحدّ، لكن في «الوجيز» (٣) ذكرَ خلافَ هذا (٤)، وعلَّلَ بأنَّه صارَ خصماً في المال، فكيفَ يقطعُ بحلفِ غيرِه. وقولُهُ: أو لم يطالبْ مالكها وإن أقرَّ هو بها فلا قطع؛ أي إن لم يطالبْ مالكَ

стр. 625

فإن سرقا وغاب أحدُهما، فشهدا على سرقتِهما قطعَ الآخر. وقطع بخصومةِ ذي يدٍ حافظةٍ كمودوع، وغاصب، وصاحب ربا، ومستعير، ومستأجر، ومضارب، وقابضٍ على سومِ الشِّراء، ومُرْتَهِنٍ، وبخصومةِ المالك مَن سرق منهم، لا مَن سرقَ من سارقٍ قُطِع، وقُطِعَ عبدٌ أقرَّ بسرقةٍ ورُدَّت إلى مالكِها السَّرقة: أي المسروق، فلا قطع، وإن أقرَّ السَّارقُ بالسَّرقة؛ لأنَّه لمَّا كان الدَّعوى شرطاً لا بُدَّ من مطالبةِ المدَّعي. (فإن سرقا وغاب أحدُهما، فشهدا على سرقتِهما قطعَ الآخر. وقطع بخصومةِ ذي يدٍ حافظةٍ كمودوع، وغاصب، وصاحب ربا): أي باعَ ديناراً بدينارين وقبضهما فسرقا من يده، (ومستعير، ومستأجر، ومضارب، وقابضٍ على سومِ الشِّراء (١)، ومُرْتَهِنٍ، وبخصومةِ المالك مَن سرق منهم). اعلم أنّ الدَّعوى شرطٌ لظهورِ السَّرقة، وقطعِ اليد، وإن كان من حقوقِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لا شكَّ أنَّ المسروقَ منه أعرف بحقيقةِ الحالِ من الشُّهود، وكذا من السَّارق المقرِّ به، إذ يمكنُ أن يكونَ ملكاً للسَّارق بطريقِ الإرث، أو ملكاً لذي رحمٍ محرَّم، وهو غيرُ عالمٍ به، ففي تركِ المسروق منه الدَّعوى، وكذا في غيبته مظنَّةَ عدمِ وجوبِ القطع. أمَّا غيبةُ المزنيَّة، وإن كان فيها توَّهمُ أنَّها لو كانت حاضرةً ادَّعت أمراً يسقطُ الحدّ، فلا اعتبارَ به؛ لأنَّ المزنيَّةَ راضيةٌ بالزِّنى، فتكون متَّهمةً في دعوى ما يسقطُ الحدّ، فهذا هو الفرقِ الذي وعدتُهُ في «باب شهادة الزِّنا» (٢). ثُمَّ عطفَ على الضَّمير المستكنِّ (٣) في قولِه: وقطع؛ قولَهُ: (لا مَن سرقَ من سارقٍ قُطِع): أي لا يقطعُ بطلبِ المالك والسَّارق لو سرقَ من سارقٍ بعد القطعِ لما سيأتي من سقوطِ عصمتِه (٤). (وقُطِعَ عبدٌ أقرَّ بسرقةٍ ورُدَّت إلى مالكِها): هذا عند أبي حنيفة ﵁ من غيرِ تفصيل.

стр. 626

........ ........................ ................................................................. وعند زُفر ﵀ لا يقطعُ من غيرِ تفصيل؛ لأنَّ إقرارَ العبدِ بالحدودِ والقصاصِ لا يصحُّ عنده وإن كان مأذوناً، فإن الإذنَ لم يتناولْهما، أمَّا في ردِّ المال، فإن كان مأذوناً يصحّ، فيردُّ المال، وإن كان محجوراً لا. وأمَّا عندهما فإن كان مأذوناً يقطع ويردُّ المال. وإن كان محجوراً، فالمسروقُ إن كان هالكاً يصحُّ إقراره؛ لأنَّ الواجبَ ليس إلاَّ القطع، وإقرارُهُ به صحيح. وإن كان قائماً، فعند أبي حنيفةَ ﵁ يقطع ويردُّ المسروق. وعند أبي يوسف ﵁ يقطع ولا يردُّ المسروق. وعند محمَّدٍ ﵁ لا يقطع ولا يردّ. فنقول لزفر ﵁ إن إقرارَهُ بما يوجبُ تلفَ نفسِه أو أعضائِه وإن كان يتضرَّرُ به المولى، فهو غيرُ متَّهمٍ فيه؛ لأنَّ ضرَرَهُ فوقَ ضررِ المولى، وإن تخالجَ في صدركِ أن خبثَ نفوسِ بعض المماليكِ يصلُ إلى غايةِ يؤثرونَ إهلاك نفوسِهم ليتضرَّر به مواليهم، فذلك شيء نادرٌ لا يصلحُ لأن يبنى عليه الأحكام. ثُمَّ بعد ذلك الأصل عند محمَّد ﵁ ردُّ العين والقطعُ تبعٌ له لشرطية الدَّعوى، وثبوتِ (١) المال بلا قطعٍ من غيرِ عكس، وإقرارِ العبدِ المحجور بالمالِ لا يصحُّ فلا يثبتُ تبعَه، وهو القطع. قلنا: القطعُ ليس تبعاً لردِّ العين؛ لأنَّ ردَّ المالِ ضمانٌ المحلّ، والقطعُ جزاءُ الفعل. فأبو يوسف ﵁ لم يجعلْ أحدَهما تبعاً للأخر، فيعتبرُ إقراره في حقِّ نفسِه، وهو القطع لا في حقِّ المولى، وهو ردُّ المال. وأبو حنيفةَ ﵁ جعلَ الفعلَ أصلاً (٢)؛ لأنَّ المحالَ كالشروط.

стр. 627

وما قطعَ به إن بقيَ ردّ، وإلاَّ لا يضمن وإن أتلف، ولا يضمنُ مَن سرقَ مرَّات، فقطعَ بكلِّها، أو بعضِها شيئاً منها، ولا قاطعَ يسار مَن أُمِرَ بقطعِ يمينِه بسرقة ولو عمداً. وقطعُ مَن شقَّ ما سرقَ في الدَّار، ثُمَّ أخرجَه، لا مَن سرقَ شاة، فذبَحها، فأخرج (وما قطعَ به إن بقيَ ردّ، وإلاَّ لا يضمن وإن أتلف)؛ إنِّما قال: وإن أتلفَ احترازاً عن روايةِ الحَسَن عن أبي حنيفةَ ﵁ أنَّه يجبُ الضَّمان في الاستهلاك. وعند الشَّافِعِي (١) ﵁ يضمنُ في الهلاكِ والاستهلاك، فعنده القطعُ والضَّمان يجتمعان؛ لأنَّ الضَّمانَ بناءً على عصمةِ المال. ونحن نقول: بانتقالِ العصمةِ إلى الله تعالى، معناه: إن المالَ كان معصوماً حقَّاً للعبد، فإذا وردَ عليه السِّرقة، أوجبَ الشَّارع الحدّ، وهو حقُّ الشَّرع، فالجنايةُ وردتْ على حقِّ الشَّرع، ففي حالةِ السَّرقةِ صارَ المالُ معصوماً حقَّاً للشَّرع، فلم يبقَ معصوماً لحقِّ العبد، فلا يجبُ الضَّمان. (ولا يضمنُ مَن سرقَ مرَّات، فقطعَ بكلِّها، أو بعضِها شيئاً منها)، المسروقُ منهم إن حضروا حتى كان القطعُ للكلِّ لا يضمنُ لأحدٍ أصلاً، وإن حضرَ البعضُ حتى قطعَ لأجلِهم، فكذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما يسقطُ ضمانُ مَن قُطِعَ لأجله. (ولا قاطعَ يسار مَن أُمِرَ بقطعِ يمينِه بسرقة ولو عمداً (٢). وقطعُ مَن شقَّ ما سرقَ في الدَّار، ثُمَّ أخرجَه)؛ وإنِّما يقطعُ إذا بلغَ المشقوقَ نصابَ السَّرقة. وعند أبي يوسف ﵁ لا يقطع؛ لأنَّ الثَّوبَ صارَ ملكاً للسَّارق بسببِ الخرقِ الفاحش. لهما: إن الأخذَ ليس سبباً للملك، وإنِّما نقولُ بالملكِ ضرورةَ أداءِ الضَّمان؛ لئلا يجتمعَ البدلانِ في ملكِ شخصٍ واحد، ومثلُهُ لا يورثُ الشُّبهة. (لا مَن سرقَ شاة، فذبَحها (٣)، فأخرج)؛ لأنَّ السرقةَ تمَّت على اللَّحم ولا قطعَ فيه.

стр. 628

ومَن جعلَ ما سرقَ دراهم، أو دنانير قطعَ وردَّت، فإن حمَّره فقطع فلا ردّ ولا ضمان، وإن سودَّه ردّ. باب قطع الطريق مَن قصدَ معصوماً على معصوم، فأُخِذَ قبل أخذِ شيءٍ وقتلٍ حُبِسَ حتَّى يتوب (ومَن جعلَ ما سرقَ دراهم، أو دنانير قطعَ وردَّت) (١): هذا عند ابي حنيفةَ ﵁. وأمَّا عندهما لا يجبُ ردُّهما؛ لأنَّ الصَّنعةَ متقوَّمةً عندهما فصارَتْ شيئاً آخر. (فإن حمَّره (٢) فقطع فلا ردّ ولا ضمان، وإن سودَّه (٣) ردّ): أي إن سرق ثوباً وصبغَهُ أحمر فقطِعَ لا يجبُ ردُّ الثَّوب وإن هلكَ فلا ضمان. وعند محمَّد ﵁ يؤخذُ الثَّوب، ويعطى ما زادَ الصِّبغ (٤). وإن سوَّدَه ردَّ عند أبي حنيفة ﵁؛ لكون السَّوادِ نقصاناً فلا ينقطعُ حقُّ المالك، وكذا محمَّدٌ ﵁ كما في الحمرة، فإنَّ الصَّبغَ لا يقطعُ حقَّ المالك. وعند أبي يوسفَ ﵁ لا يردُّ فإن السَّواد زيادةً كالحمرة، (فيقطع حق المالك) (٥). باب قطع (٦) الطريق (مَن قصدَ (٧) معصوماً على معصوم): أي حالَ كونِ القاصدِ معصوماً: أي مسلماً أو ذميِّاً، (فأُخِذَ قبل أخذِ شيءٍ وقتلٍ حُبِسَ حتَّى يتوب): أي يظهرَ فيه سيماءُ الصَّالحين.

стр. 629

وإن أخذَ مالاً نصيبُ لكلِّ واحد منه نصابُ السَّرقةِ قُطِعَ يدُهُ ورجلُه من خلاف. وإن قتَلَ بلا أخذٍ قُتِلَ حداً لا قصاصاً، فلا يعفوه وليٌّ. وإن قتَلَ وأخذَ مالاً قُطِع ثُمَّ قتل أو صلبَ، أو قتل، أو صلبَ حيَّاً، ويبعجُ برمحٍ حتى يموت، ويتركُ ثلاثة أيَّام. وما أخذَه فتلفَ لا يضمن، وبقتلِ أحدِهم حدُّوا (وإن أخذَ مالاً نصيبُ (١) لكلِّ (واحد) (٢) منه نصابُ السَّرقةِ قُطِعَ يدُهُ ورجلُه من خلاف. وإن قتَلَ بلا أخذٍ قُتِلَ حداً (لا قصاصاً) (٣)): أي هذا القتلُ بطريقِ الحدِّ لا بطريقِ القصاص، فذكرَ ثمرةَ هذا بقولِه: (فلا يعفوه وليٌّ. وإن قتَلَ وأخذَ مالاً قُطِع ثُمَّ قتل أو صلبَ، أو قتل، أو صلبَ حيَّاً)، فقولُهُ: أو قتل، عطفٌ على قُطِع: أي إن شاءَ قُطِع ثُمَّ قتل أو صلب، وإن شاءَ قُتِلَ أو صُلِبَ حيَّاً من غيرِ قطع (٤). (ويبعجُ برمحٍ حتى يموت): البعجُ شقُّ البطن، (ويتركُ ثلاثة أيَّام (٥). وما أخذَه فتلفَ لا يضمن): أي إذا قتلَ قاطعُ الطَّريق فلا يجبُ ضمانُ ما تلفَ كما في السَّرقةِ الصُّغرى. (وبقتلِ أحدِهم حدُّوا): أي إن باشرَ القتلَ أحدُهم يجبُ الحدُّ على الجميع.

стр. 630

وحجرٌ وعصا لهم كسيف. فإن جرحَ وأخذَ قُطِع وهُدِرَ جرحُه. وإن جرحَ فقط، أو قتلَ عمداً فتاب، أو كان منهم غيرُ مكلَّف، أو ذو رحمٍ مَحْرَمٍ من المارّة، أو قطعَ بعضُ المارةِ على البعض، أو قطعَ الطَّريقَ ليلاً أو نهاراً في مصر أو بين مصرين، فلا حدّ، وللوليِّ قودُه، أو أرشُه، أو عفوه (وحجرٌ وعصا لهم كسيف (١). فإن جرحَ وأخذَ قُطِع وهُدِرَ جرحُه (٢). وإن جرحَ فقط، أو قتلَ عمداً فتاب): أي تابَ قبل أن يؤخذ، (أو كان منهم غيرُ مكلَّف (٣)، أو ذو رحمٍ مَحْرَمٍ من المارة (٤)، أو قطعَ بعضُ المارةِ على البعض (٥)، أو قطعَ الطَّريقَ ليلاً أو نهاراً في مصر (٦) أو بين مصرين، فلا حدّ، وللوليِّ قودُه، أو أرشُه، أو عفوه) (٧): أي في الصُّور المذكورةِ لا يجبُ الحدّ، بل إن كان القتلُ عمداً، فللوليِّ القود، وإن كان غيرُ عمد فالدِّية، ويكونُ للوليِّ العفو. وعند أبي يوسف ﵁ إذا كان بعضُهم غيرَ مكلَّف: أي صبيَّاً، أو مجنوناً، فباشرَ العقلاء يحدُّ الباقون.

стр. 631

وفي الخنقِ ديَّة، ومَن اعتادَهُ قتلَ به سياسة أمَّا في المصرِ أو بين المصرين إذا كان قريتينِ كالكوفة والحيرة (١)، بحيث يلحقُهُ الغوثُ غالباً، ففيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁. وعند أبي يوسفَ ﵁ إذا قاتلوا نهاراً بالسَّلاح حدُّوا، وكذا في اللَّيل سواءٌ كان بالسَّلاح أو غيرِه. (وفي الخنقِ ديَّة، ومَن اعتادَهُ قتلَ به سياسة): الخنقُ من صورِ القتلِ بالمثقل، وفيه القصاصُ عند غير أبي حنيفة ﵁. (والله أعلم) (٣). * * *

стр. 632

كتاب الجهاد هو فرضُ كفايةٍ بِدْءاً، إن قامَ به البعضُ سقطَ عن الباقين، فإن تركوا أثموا إلاَّ على صبيّ، وعبد، وامرأة، وأعمى، ومقعد، وأقطع. وفرضُ عينٍ إن هجموا، فتخرجُ المرأة، والعبدُ بلا إذن، وكُرِهَ الجَعْلُ مع فَيءٍ وبدونِهِ لا كتاب الجهاد (هو فرضُ كفايةٍ بِدْءاً) (١): أي ابتداءً، وهو أن يبتدأَ المسلمون بمحاربةِ الكفار، (إن قامَ به البعضُ سقطَ عن الباقين، فإن تركوا أثموا إلاَّ على صبيّ، وعبد، وامرأة، وأعمى، ومقعد، وأقطع. وفرضُ عينٍ إن هجموا، فتخرجُ المرأة، والعبدُ بلا إذن)؛ فإنَّه إذا هجمَ الكفّارُ على ثغرٍ من الثُّغورِ يصيرُ فرضَ عينٍ على مَن كان يقربُ منه، وهم يقدرونَ على الجهاد. وأمَّا على مَن ورائِهم، فإذا بلغَ الخبرُ إليهم يصيرُ فرضَ عينٍ عليهم إذا احتيجَ إليهم، بأن خيفَ على مَن كان يقربُ منهم، بأنَّهم عاجزونَ عن المقاومة، أو بأن لم يعجزوا، ولكن تكاسلوا، ثُمَّ وثُمَّ إلى أن يصيرَ فرضَ عينٍ على جميعِ أهلِ الإسلام شرقاً وغرباً. وهذا نظيرُ صلاةِ الجنازةِ تصيرُ فرضاً على جيرانِه دون مَن هو بعيدٌ عن الميِّت، فإن قامَ بها الأقربون، أو بعضُهم سقطَ عن الكلّ، وإن بلغَ إلى الأبعدِ أن الأقربين ضيَّعوا حقَّه، فعلى الأبعدِ أن يقومَ بها، فإن تركَ الكلّ، فكلُّ مَن بلغَ إليه خبرُ موتِهِ يصيرُ آثماً. (وكُرِهَ الجَعْلُ مع فَيءٍ وبدونِهِ لا): الجعلُ ما يجعلُ للعاملِ على عملِه، والمرادُ أنَّه إذا كان في بيتِ المالِ شيءٌ لا يجعلُ الإمامُ على أربابِ الأموالِ شيئاً من غيرِ طيبِ أنفسِهم؛ ليتقوَّى به الغزاة، أمَّا إذا لم يكنْ فيه شيء، فيفعل ذلك.

стр. 633

[باب في كيفية القتال] فإن حوصِروا دعوا إلى الإسلام، فإن أبو، فإلى الجزية، فإن قبلوا، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا [باب في كيفية القتال] (فإن حوصِروا): أي الكفارُ بأن حاصرَهم المسلمون، (دعوا إلى الإسلام، فإن أبو، فإلى الجزية، فإن قبلوا، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا)، اعلم أنَّه لا يرادُ هذا الحكمُ على العموم، حتى يدلَّ على أنَّه يجبُ عليهم من العباداتِ أو غيرِها ما يجبُ علينا؛ لأنَّ الكفارَ لا يخاطبونَ بالعبادات (١) عندنا (٢)، وأمَّا عند مَن يقولُ بأنَّهم مخاطبون (٣)، فالذِّميُّ وغيرُه في ذلك سواء. وعند قَبول الجزية لا نأمرُهم بالعبادات، كما نأمر المسلمين، بل يرادُ أنّه يجب لهم علينا ويجب لنا عليهم إذا تعرّضنا لدمائِهم وأموالِهم، أو تعرّضوا لدمائنا وأموالنا ما يجبُ لبعضنا على بعضِ عند التَّعرض؛ وذلك لأنَّ قبل قَبولِ الجزية كنَّا نتعرضُ لدمائِهم وأموالِهم، وكانوا يتعرَّضون لدمائِنا وأموالِنا، فقَبُول الجزيةِ ليس إلاَّ لزوالِ هذا التَّعرض، يؤيِّدُ ذلك أنَّهم جعلوا الدَّليلَ على هذا الحكم قولُ عليّ (٤) ﵁ إنِّما بذلوا

стр. 634

الجزية؛ ليكون ولا يقاتَلُ مَن لم تبلغْه الدَّعوة ونُدِبَت لمَن بلغتْهُ فإن أبوا، حوربوا بمنجنيق، وتحريق، وتغريق، ورمي، ولو معهم مسلم وتترَّسوا به بنيَّتهم لا بنيَّته، وقطعِ شجر، وإفسادِ زرع بلا عذر، وغلول، ومُثْلة دماؤهم كدمائِنا وأموالهم كأموالنا. (ولا يقاتَلُ مَن لم تبلغْه الدَّعوة ونُدِبَت): أي الدَّعوة: أي نُدِبَ تجديدُ الدَّعوة (لمَن بلغتْهُ فإن أبوا): أي عن الجزية، (حوربوا بمنجنيق، وتحريق، وتغريق، ورمي، ولو معهم مسلم وتترَّسوا به بنيَّتهم لا بنيَّته، وقطعِ شجر، وإفسادِ زرع بلا عذر، وغلول، ومُثْلة). قال في «الهداية»: الغدر: الخيانة ونقضُ العهد (١). وقد قال ﷺ : «الحرب خدعة» (٢)، فيشتبه على النَّاس التَّفرقةُ بين الغدرِ وبين خدعةِ الحرب. فأقول: ما دامَ الحربُ قائمةً لا يحرمُ الخداع، بأن نريَهم أنَّا لا نحارِبُهم في هذا اليوم حتَّى أمنوا فنحاربُهم فيه، أو نذهبَ إلى صوبٍ آخر حتَّى غفلوا فنأتيهم بياتاً ونحو ذلك، بخلاف ما إذا جرى بيننا وبينهم قرارٌ على أن لا نتحاربَ في هذا اليوم حتَّى أمنوا، فإنَّه لا تجوزُ المحاربة؛ لأنَّ هذا استئمان وعهد، فالمحاربةُ نقضُ العهد، وهذا ليس من خداعِ الحرب، بل خداعٌ في حالِ السِّلم، فيكون غدراً. والغلولُ: السَّرقة من المغنم. والمُثْلَةُ اسمٌ من مَثَلَ به يُمْثَلُ مَثْلاً، كقَتَلَ يُقْتُلُ قَتْلاً: أي نَكَّلَ به: معناه جعلَهُ نكالاً وعبرةً لغيرِه، مثل: قطعُ الأعضاء، وتسويدُ الوجه، يقال: مَثَّلَ بالقتيل: أي قطعَ أنفه، ومُثْلَة العُرْنِيِّين (٣) نسخَتْ بقولهِ ﷺ : «لَا تَغْلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا» (٤).

стр. 635

وقتلِ غيرِ مُكلَّف، وشيخٍ فان، وأعمى، ومقعد، وامرأةٍ إلاَّ مَلِكَة، أو مقاتلاً منهم، أو ذا مالٍ يحثُّ به، أو ذا رأيٍّ في الحرب. وأبٍ كافرٍ بِدْءاً فيقتلَهُ غيرُ ابنِه، وإخراجُ مصحفٍ وامرأةٍ إلاَّ في جيشٍ يؤمنُ عليهم. [باب الموادعة ومن يجوز أمانه] وصولِحوا إن كان خيراً، ويؤخذُ منهم مالٌ إن لنا به حاجة، ونُبِذَ إن هو أنفع فقوتلوا، وقبل نَبْذٍ لو خانوا بِدْءاً وفي المُثْلَةِ تغيرُ خلقِ اللهِ تعالى فتحرم. (وقتلِ غيرِ مُكلَّف، وشيخٍ فان، وأعمى، ومقعد، وامرأةٍ إلاَّ مَلِكَة، أو مقاتلاً منهم، أو ذا مالٍ يحثُّ به، أو ذا رأيٍّ في الحرب (١). وأبٍ كافرٍ بِدْءاً فيقتلَهُ غيرُ ابنِه): أي لا يقتلُ الابنُ الأبَ الكافرَ ابتداءً، وهو احترازٌ عمَّا إذا قصدَ الأبُ قتلَه، بحيث لا يمكنُهُ دفعُهُ إلاَّ بقتلِه، فإنَّه لا بأس بقتلِه. وقولُهُ: فيقتلَهُ؛ بالنَّصب: أي لأن يقتلَهُ غيرُه، فالفعلُ المضارعُ ينتصبُ بأن مقدَّرةً بعد الفاء إذا كان ما قبلَها سبباً لما بعدَها: أي بعد عدَّةِ أشياءٍ منها النَّفي (٢)، فينبغي أن يصيرَ عدمُ قتلِ الابنِ أباهُ سبباً؛ لقتلِ غيرِ الابنِ أباهُ بأن يشغلَه ويلبثَه؛ ليجيءَ آخرُ فيقتلَه. (وإخراجُ مصحفٍ وامرأةٍ إلاَّ في جيشٍ يؤمنُ عليهم. [باب الموادعة ومن يجوز أمانه] وصولِحوا إن كان (٣) خيراً، ويؤخذُ منهم مالٌ إن لنا به حاجة، ونُبِذَ إن هو أنفع فقوتلوا): لفظُ: كان مضمرٌ في قولِهِ: إن خيراً، وإن لنا به حاجة، ونُبِذَ إن هو أنفعُ، النَّبذ نقضُ المصالحةِ مع إخبارِهم بذلك. (وقبل نَبْذٍ لو خانوا بِدْءاً): أي قوتلوا قبلَ نَبْذٍ إن بدأوا بالخيانة.
следующие страницы →