← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لا إمساكُهُ وأخذَ نقصانِه، والإباقُ ولو إلى ما دونَ السَّفر، والبولُ في الفراش، وسرقةُ صغيرٍ يَعْقِلُ عيبٌ، وبالغٍ عيبٌ آخرُ، فلو سرقَ عندهما في صغرِهِ رَدَّهُ، وجنونُ الصَّغيرِ عيبٌ أبداً يُرَدُّ مَن جُنَّ في صغرِهِ عنده، ثمَّ عند مشتريَه فيه، أو في كِبَرِه. والبَخَرُ والدَّفَرُ والزِّنا والتَّوَلُّدُ منه عيبٌ فيها: أي في الأمةِ لا فيه لا إمساكُهُ وأخذَ نقصانِه) (١): رَدُّهُ مُبْتَدأٌ، وَلِمْشَتِرٍ (٢) خَبَرِهِ، ونقصَ ثمنَه: صفةُ العيب. (والإباقُ ولو إلى ما دونَ السَّفر، والبولُ في الفراش، وسرقةُ صغيرٍ يَعْقِلُ عيبٌ): إِنَّمَا قال: يَعْقِلُ؛ لأنَّ سرقةَ صغيرٍ لا يَعْقِلُ ليست بعيب، (وبالغٍ عيبٌ آخرُ)، عطفٌ على مَعْمُولَي عاملينِ مختلفين، والمجرورُ مقدَّمٌ، (فلو سرقَ عندهما): أي عند البائعِ والمشتري، (في صغرِهِ): أي في صغرِهِ مع العقل (رَدَّهُ) وإن حدثَ عنده في صغرِه، وعندَ مشتريهِ في كِبَرِهِ لا. (وجنونُ (٣) الصَّغيرِ عيبٌ أبداً يُرَدُّ مَن جُنَّ في صغرِهِ عنده، ثمَّ عند مشتريَه فيه، أو في كِبَرِه. والبَخَرُ (٤) والدَّفَرُ (٥) والزِّنا والتَّوَلُّدُ منه عيبٌ فيها: أي في الأمةِ لا فيه (٦).

стр. 702

والكفرُ عيبٌ فيهما، والاستحاضةُ، وارتفاعُ الحيضِ في بنتِ سبعَ عشرةَ سنةٍ لا أقلَّ عيبٌ. فإن ظهرَ عيبٌ قديمٌ بعدما حدثَ عنده عيب آخرُ، فلهُ نقصانُهُ لا رَدُّهُ إلاَّ برضا بائعِه، كثوبٍ شراهُ فقَطَعَهُ فظهرَ عيبٌ، ولبائعِهِ أخذُهُ كذلك فلا يرجعُ مشتريْهِ إن باعَه، فإن خاطَه، أو صبغَهُ أحمرَ، أو لَتَّ السَّويقَ بسمنٍ، ثمَّ ظهرَ عيبُهُ لا يأخذُهُ بائعُهُ ورجعَ بنقصانِهِ، كما لو باعَهُ بعد رؤيةِ عيبِهِ، أو اعتقَهُ قبلَها مجاناً، أو دبَّرَهُ، أو استولَدَها، أو ماتَ عنده قبلَها والكفرُ عيبٌ فيهما، والاستحاضةُ، وارتفاعُ الحيضِ في بنتِ سبعَ عشرةَ سنةٍ لا أقلَّ عيبٌ (١). فإن ظهرَ عيبٌ قديمٌ بعدما حدثَ عنده عيب (٢) آخرُ، فلهُ نقصانُهُ لا رَدُّهُ إلاَّ برضا بائعِه، كثوبٍ شراهُ فقَطَعَهُ فظهرَ عيبٌ، ولبائعِهِ أخذُهُ كذلك فلا يرجعُ مشتريْهِ إن باعَه): أي لا يرجعُ المشترِي بالنُّقصانِ إن باعَه؛ لأَنَّ البائعَ كان له أن يقولَ: أنا آخُذُهُ معِيباً، فالمشتري بالبيعِ يكونُ حابساً للمبيعِ فلا يرجعُ بالنُّقصان. (فإن خاطَه، أو صبغَهُ أحمرَ (٣)، أو لَتَّ السَّويقَ بسمنٍ، ثمَّ ظهرَ عيبُهُ لا يأخذُهُ بائعُهُ ورجعَ بنقصانِهِ): أي رَجَعَ المُشْتَري بنقصانِ العيبِ، ولا يكونُ للبائعِ أن يقول: أنا آخذُهُ معيباً؛ لاختلاطِ ملكِ المشتري بالمبيعِ، وهو الخيط، والصَّبغ، والسَّمن. (كما لو باعَهُ بعد رؤيةِ عيبِهِ): أي كما يرجِعُ المشترِي بنقصانِ العيبِ إن باعَ الثَّوبَ المخيطَ أو المصبوغَ أو السَّويقَ المَلْتُوتَ بعد رؤيةِ عيبِهِ؛ لأنَّه بالبيعِ لم يصرْ حابساً للمبيع، إذ قبلَ البيعِ لم يكن للبائعِ أخذُهُ معيباً؛ لاختلاطِ ملكِ المشتري به، فلم يبطلْ حقُّ الرُّجوعِ إليه (٤) بالنُّقصان، (أو اعتقَهُ قبلَها مجاناً، أو دبَّرَهُ، أو استولَدَها، أو ماتَ عنده قبلَها): أي قبلَ رؤيةِ العيب، صورةُ المسائل: أنّه عَتَقَ المشتري العبدَ مجاناً، أو دَبَّرَهُ،

стр. 703

وإن أعتقَهُ على مالٍ، أو قتلَهُ، أو أكلَ الطَّعامَ كلَّهُ، أو بعضَهُ، أو لَبِسَ الثَّوبَ فتَخَرَّقَ لم يَرجع، وإن اشترى بيضاً، أو بِطْيخاً، أو قِثَّاءً، أو خِيَارَاً، أو جَوْزَاً، فَكَسَرَ، فَوَجَدَهُ فاسداً فله نقصانُهُ في المُنْتَفَعِ به، وكلُّ ثَمَنِهِ في غيرِه. ومَن باعَ مُشْتَرَيَهُ وَرُدَّ عليه بعيبٍ بقضاءٍ بإقرارٍ، أو ببيِّنة، أو بنكول، رَدَّ على بائعِه، وإن رُدَّ برِضَاهِ لا أو استولَدَ المشتراة، أو ماتَ المشترَى في يدِ المشترِي، ثُمَّ اِطَّلَعَ على عيبٍ رَجَعَ بالنُّقْصان. (وإن أعتقَهُ على مالٍ، أو قتلَهُ، أو أكلَ الطَّعامَ كلَّهُ، أو بعضَهُ، أو لَبِسَ الثَّوبَ فتَخَرَّقَ لم يَرجعْ): الحاصلُ أَنَّ الموتَ لا يُبْطِلُ الرُّجوعَ بنقصانِ العيب؛ لأَنَّهُ لا صنعَ للمشتري فيه، والإعتاقُ مجاناً لا يُبْطِلُهُ أيضاً استحساناً، والقياسُ أنَّهُ يُبْطِلُه؛ لأنَّ الإعتاقَ بصنعِهِ فصارَ كالقتلِ، وجه الاستحسانِ أن الإعتاقَ له شبهان: شبهٌ بالقتلِ في أَنَّهُ بصنعِ المشتري. وشبهٌ بالموتِ في أنَّ الأصلَ في الآدمي الحريَّة، فكانَ الملكُ مؤقَّتاً إلى زمانِ العتقِ، فهو عودٌ إلى الحالةِ الأصلية، فإن كان بعد رؤيةِ العيبِ اعتبرَ ذلك الشبهُ، فلا رجوعَ له بخلافِ الموتِ بعدَ رؤيةِ العيبِ، فإنَّ حقَّ الرُّجوعِ فيه ثابتٌ وإن كان قبلَ رؤيةِ العيبِ اعتبرَ هذا الشَّبه حتى يكونَ له فيه حقُّ الرُّجوع، وأمَّا المسائلُ الأُخرُ فلا رجوعَ بالنُّقصانِ فيها. (وإن اشترى بيضاً، أو بِطْيخاً، أو قِثَّاءً، أو خِيَارَاً، أو جَوْزَاً، فَكَسَرَ، فَوَجَدَهُ فاسداً فله نقصانُهُ في المُنْتَفَعِ به (١)، وكلُّ ثَمَنِهِ في غيرِه. ومَن باعَ مُشْتَرَيَهُ وَرُدَّ عليه بعيبٍ بقضاءٍ بإقرارٍ، أو ببيِّنة، أو بنكول، رَدَّ على بائعِه، وإن رُدَّ برِضَاهِ لا): أَي إن اشترى شيئاً، ثُمَّ باعَهُ، فادعى المشتري الثَّاني عيباً على المشتري الأَوَّل، وأثبتَ ذلك بالبَيِّنَة، أو بالنُّكُول، أو بالإقرار، فقضى القاضي فرُدَّ على بائعِهِ، كان له أنْ يُخاصمَ البائعَ الأَوَّلَ، قال في «الهداية»: معنى القضاءُ بالإقرار: أنَّهُ أنكرَ الإقرارَ فأُثْبِتَ بالبيِّنة (٢).

стр. 704

................................................................................................................... فإن قيلَ: المشتري الأَوَّلُ إذا أنكرَ إقرارَهُ بالعيب، فأثبتَ هذا بالبَيِّنةِ صارَ كأنَّه أقرَّ عند القاضي، فإنَّ الثابتَ بالبَيِّنةِ كالثَّابتِ عياناً، فينبغي أن لا يكونَ له ولايةُ الرَّدِّ على البائعِ الأَوَّلِ سواءٌ أقرَّ عند القاضي، أو أنكرَ إقرارَهُ، فيثبُتُ بالبَيِّنَة؛ لأَنَّ الإقرارَ حجَّةٌ قاصرةٌ، فَأَيُّ فائدةٍ في قوله: معنى القضاء بالإقرار أنَّه أنكرَ الإقرار؟ قلنا: نحنُ لم نَجْعَل الإقرارَ حجَّةً مُتَعَدِّيةً، ولم نَقُلْ: إنَّ الرَّدَّ على المشتري الأَوَّلِ رَدٌّ على بائعِهِ، بل له أن يُخاصمَ بائعَهُ، فإنّ المشتري الثَّاني إذا أَثْبَتَ أنَّ العيبَ كان في يدِ المشتري الأَوَّل، ورَدَّ عليه، فالمشتري الأَوَّلُ إن أثبتَ أنَّ العيبَ كان في يَدِ بائعِهِ رَدَّهُ عليه، وإلاَّ فلا. والفرقُ بينَ إقرارِهِ عند القاضي وبينَ إثباتِ إقرارِهِ بالبَيِّنةِ أَنَّهُ إذا أقرَّ عند القاضي يكونُ طائعاً في أخذِ المبيع، فصارَ كما إذا اشترى من المشتري الثَّاني، فلا يكونُ له ولايةُ الرَّدِ على البائعِ الأَوَّل، أَمَّا إذا أنكرَ إقرارَهُ بالعيب، فثبَتَ بالبَيِّنة، لم يكن طائعاً في الأخذ، فيكون أخذُهُ بحُكْمِ الفسخِ كأنَّهُ لم يبعْ، فيكونُ له المخاصمةُ مع بائعِه. وقد قيل: هذه المسألةُ فيما إذا ادّعى المشتري الثَّاني على المشتري الأوَّلِ أنَّ العيبَ كان في يَدِ البائعِ الأَوَّل، فحينئذٍ للمشتري الأَوَّل أَنْ يُخاصمَ على البائعِ الأَوَّلِ، أمَّا إذا ادّعى أنّ العيبَ في يدِ المشترِي الأوَّلِ فليسَ له أن يُخَاصِمَ بائعَه. أَقُولُ: فيه نظرٌ؛ لأنَّه إذا ادّعى أنَّ العيبَ في يدِ البائعِ الأوَّل، وأقامَ عليه البيِّنةَ، وقضى على المشتري الأَوَّل، فهذا القضاءُ ليسَ قضاءً على البائعِ الأوّل، وهذه البيِّنةُ لم تقمْ على البائعِ الأوَّلِ ولا على نائبِه؛ لأنَّ ما يدَّعى على الغائبِ ليسَ سبباً لما يدَّعى على الحاضر (١)

стр. 705

فإن قبضَ مُشْتَرَيه وادَّعَى عيباً، لم يُجْبَرْ على دفعِ ثمنِهِ حتى يَحْلِفَ بائعُه، أو يُقِيمْ بيِّنةً (فإن قبضَ مُشْتَرَيه وادَّعَى عيباً، لم يُجْبَرْ على دفعِ ثمنِهِ حتى يَحْلِفَ بائعُه (١)، أو يُقِيمْ بيِّنةً) (٢)، فقولُه: أو يُقِيم؛ عطفٌ على قولِه: لم يُجْبَرْ. وليس عطفاً على قولِه: يَحْلِفَ بائعُه؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ إقامةُ البيَّنةِ غايةٌ لعدمِ الجبر، فإن أقامَ البيِّنةَ ينتهي عدمُ الجبر، فيلزمُ الجبرُ على دفعِ الثَّمَنَ عند إقامةِ البَيِّنةِ على العيبِ، وهو غير صحيح. فالحاصلُ أنَّ المُشْتَري إذا ادَّعى عيباً يقيمُ بيِّنةً على دعواه ويَرُدُّه، وإن لم يكن له بَيِّنَةٌ يَحَلِفُ بائعُهُ بأنَّه لا عيب، وحينئذٍ يُجْبَرُ على دفعِ الثَّمنِ لا قبلَ الحلف، فأحدُ الأمرينِ ثابتٌ: إمَّا إقامةُ البَيِّنَةِ على وجوبِ العيبِ. أو عدمِ الجبرِ على دفعِ الثَّمَنِ حتى يحلِفَ بائعُه. وإن نصبَ قوله: أو يُقِيمَ، فله وجهٌ، وهو أن يكونَ المرادُ بعدمِ الجبرِ على دفعِ الثَّمَنِ عدمَ الجبرِ على دفعِهِ بشرطِ أن يكونَ واجباً بحكم البيع، وهو معنيٌّ بأحد الأمرين:

стр. 706

وعند غيبةِ شهودِهِ دفعَ الثَّمَنَ إن حَلَفَ بائعُه، ولزِمَهُ عيبُهُ إن نكلَ، فإن ادَّعى إباقَه أقامَ بَيِّنةً أَوَّلاً أنَّه أبِقَ عنده، ثُمَّ حَلَفَ بائعُهُ: بالله لقد باعَهُ وسَلَّمَهُ وما أَبِقَ قطٌّ، أو بالله ما له حقُّ الرَّدِّ عليك من دعواه هذه، أو بالله ما أَبِقَ عندك قطٌّ، لا بالله لقد باعَهُ وما به هذا العيب، ولا باللهِ لقد باعَهُ وسَلَّمَهُ وما به هذا العيب إمَّا الحلفُ على أنَّهُ لا عيبَ فحينئذٍ يُجْبَرُ على دفعِ الثَّمَن. أو إقامةُ البيِّنةِ على وجودِ العيب، فحينئذٍ يُفْسَخُ البيع، ولا يبقى الثَّمَنُ واجباً، فينتهي عدمُ الجبرِ بشرطِ كونِهِ واجباً. (وعند غيبةِ شهودِهِ دفعَ الثَّمَنَ إن حَلَفَ بائعُه (١)، ولزِمَهُ عيبُهُ إن نكلَ): أيُّ إن قال المشتري: شهودي غُيَّبٌ. دفعَ الثّمَنَ إن حلفَ بائعُهُ أن لا عيب، وإن نكلَ البائعُ ثبتَ العيب. (فإن ادَّعى إباقَه أقامَ بَيِّنةً أَوَّلاً أنَّه أبِقَ عنده، ثُمَّ حَلَفَ بائعُهُ (٢): بالله لقد باعَهُ وسَلَّمَهُ وما أَبِقَ قطٌّ، أو بالله ما له حقُّ الرَّدِّ عليك من دعواه هذه، أو بالله ما أَبِقَ عندك قطٌّ، لا بالله لقد باعَهُ وما به هذا العيب، ولا باللهِ لقد باعَهُ وسَلَّمَهُ وما به هذا العيب): وإِنَّما لا يَحْلِفُ بهذين الطَّريقينِ: إذ في الأوَّل يُمكنُ أَن لا يكونَ العيبُ وقتَ البيع، فيحدث بعد البيعِ قبلَ التَّسليم، وعلى هذا التَّقديرِ للمشتري حقُّ الرَّدِّ أيضاً. وأمَّا في الثَّاني؛ فلأنَّ البائعَ يُمكنُ أن يُؤَوّلَ كلامَه، بأن يكونَ المرادُ أنَّ العيبَ لم يكن موجوداً عند البيعِ والتَّسليم، بمعنى أنَّ وجودَ العيبِ عند كلِّ واحدٍ منهما مُنْتَفٍ، فيُمكنُ أنَّهُ كان موجوداً عند التَّسليمِ لا البيع. فإن قلتَ: هذا الاحتمالُ ثابتٌ في قوله: لقد باعهُ وسَلَّمَهُ وما أبقَ قطٌّ: أَي وجدَ كلُّ واحدٍ منهما، وما أَبِقَ عند وجودِ كلِّ واحدٍ، فيُمكنُ أنَّهُ قد أَبِقَ عند وجودِ التَّسليمِ لا البيع.

стр. 707

وعند عدمِ بَيِّنَةِ المشتري على العيبِ عنده يَحْلِفُ البائعُ عندهما أَنَّهُ ما يعلمُ أنَّهُ أَبِقَ عنده، واختلفوا على قولِ أبي حنيفة ﵁، ولو قال البائعُ بعد التَّقابض: بعتُك هذا المعيبَ مع آخر، فقال المشتري: بل هذا وحده، فالقولُ له قلت: كلمةُ قطٍّ تنافي هذا المعنى؛ لأنَّها موضوعةٌ لعمومِ السَّلبِ في الماضي، وذلك المعنى هو سلبُ العموم. (وعند عدمِ بَيِّنَةِ المشتري على العيبِ عنده يَحْلِفُ البائعُ عندهما أَنَّهُ ما يعلمُ أنَّهُ أَبِقَ عنده، واختلفوا على قولِ أبي حنيفة ﵁)، قدْ ذكرَ أن المشتري أقامَ بَيِّنَةً أَوَّلاً أنَّهُ أَبِقَ عنده، فإن لم يكن له بيِّنةٌ يَحْلِفُ بائعُهُ عندهما بأنَّك ما تعلمُ أنَّه أَبِقَ عند المشتري؛ لقولِهِ ﷺ : «البَيِّنَةُ على المدَّعي، واليمينُ على مَن أنكرَ» (١)، فكلُّ شيءٍ يَثْبُتُ بالبَيِّنَةِ فعند العجزِ عنها يتوجَّهُ اليمينُ على المنكر. واختلفَ المشايخ ﵃ على قولِ أبي حنيفةَ ﵁، ووجْهُ عدمِ الاستحلافِ أنَّ اليمينَ لا يتوَجَّهُ إلاَّ على الخصم، ولا يصير خصماً إلاَّ بعد قيامِ العيبِ عنده، فلا يُمكنُ إثباتُ هذا بالحلف؛ لأنَّه دورٌ (٢)، أمَّا البيِّنةُ فقد تقامُ ليصيرَ خصماً، لكن لا يَحْلِفُ ليصيرَ خصماً. والفرقُ أن وجوبَ الحلفِ ضَرَرٌ، فإذا لم يكن خصماً فلا وجهَ لإلزامِ الضَّرَرِ عليه بخلاف إقامةِ البَيِّنَةِ إذ المدَّعي مختارٌ في إقامةِ البيِّنة، فهي أهونُ من إلزامَ الضَرَرِ عليه، فجعلَ إقامةَ البيِّنةِ طريقاً لإثباتِ كونِهِ خصماً لا التَّحليف. (ولو قال البائعُ بعد التَّقابض: بعتُك هذا المعيبَ مع آخر، فقال المشتري: بل هذا وحده، فالقولُ له) (٣): أي إذا ظهرَ في المبيعِ بعد التَّقابضِ عيبٌ فيردُّهُ المشتري ويطلبُ الثَّمن، فيقولُ البائعُ: هذا الثَّمنُ مقابلٌ بهذا الشَّيءِ مع شيءٍ آخر، ويقولُ المشتري: بل هو مقابلٌ بهذا الشَّيءِ وحدَه، فالقولُ له مع اليمين؛ لأنَّ الاختلافَ وقعَ

стр. 708

وكذا إذا اتفقا في قدرِ المبيع، واختلفا في المقبوض، ولو اشترى عبدين صفقةً، وقبضَ أحدَهُما ووجدَ به أو بالآخرِ عيباً أخذهُما أو ردَّهُما، ولو قبضَهُمَا رَدَّ المعيبَ خاصَّةً، وكيليٌّ أو وزنيٌّ قُبِضَ إن وجدَ ببعضِهِ عيباً رُدَّ كلَّه أو أَخَذَه، ولو استحَقَّ بعضَه لم يَرُدَّ باقيه بخلافِ الثَّوب في مقدارِ المقبوض، فالقولُ للقابض، كما في الغصب (١). (وكذا إذا اتفقا في قدرِ المبيع، واختلفا في المقبوض): أي اتفقا في أنَّ المبيعَ شيئان، واختلفا في المقبوض، فقال المشتري: قبضتُ أحدَهُما فقط، وقال البائعُ: بل قبضتهما فالقول للمشتري على ما مرَّ. (ولو اشترى عبدين صفقةً، وقبضَ أحدَهُما ووجدَ به أو بالآخرِ عيباً أخذهُما أو ردَّهُما، ولو قبضَهُمَا رَدَّ المعيبَ خاصَّةً): لأنَّ الصَّفقةَ إنِّما تتمُّ بالقبض، فقبلَ القبضِ لا يجوزُ تفريقُ الصَّفقة، وبعدَ القبضِ يجوز. (وكيليٌّ أو وزنيٌّ قُبِضَ (٢) إن وجدَ ببعضِهِ عيباً رُدَّ كلَّه أو أَخَذَه): لأنَّه إذا كان من جنسٍ واحد، فهو كشيءٍ واحدٍ، وقيل: هذا إذا كان في وعاءٍ واحدٍ حتى لو كان في وعاءين، فهو بمَنْزلةِ عبدين، فيَرُدُّ الوعاءَ الذي فيه المعيب (٣). (ولو استحَقَّ بعضَه لم يَرُدَّ باقيه بخلافِ الثَّوب): لأنَّهُ لا يضرُّهُ التبعيض، والاستحقاقُ لا يمنعُ تمامَ الصَّفقة؛ لأنَّ تمامَها برضا العاقدين، وهذا بعد القبض، أمَّا لو

стр. 709

ومُداواةُ المعيبِ وركوبُهُ في حاجتِهِ رضاً، ولو ركبَهُ لردِّه أو لسَقْيِهِ أو لشراءِ عَلَفِه ولا بُدَّ له منه فلا. ولو قُطِعَ يدُهُ بعد قبضِه، أو قُتِلَ بسببٍ كان عند بائعِهِ ردَّه، وأَخَذَ ثَمَنَه، ولو باعَ وبَرِئ من كلِّ عيبٍ صحَّ وإن لم يعدَّها استحقَّ البعضُ قبل القبض، فللمشتري حقُّ الفسخِ في الباقي؛ لتفرُّقِ الصَّفقةِ قبلَ التَّمام، أمّا في الثَّوب فالتَّبعيضِ يِضرُّهُ، فله الخيارُ في الباقي. (ومُداواةُ المعيبِ وركوبُهُ في حاجتِهِ رضاً، ولو ركبَهُ لردِّه أو لسَقْيِهِ أو لشراءِ عَلَفِه ولا بُدَّ له منه فلا. ولو قُطِعَ يدُهُ بعد قبضِه، أو قُتِلَ بسببٍ كان عند بائعِهِ ردَّه، وأَخَذَ ثَمَنَه) (١)، الرَّدُّ في صورةِ القطع، أمَّا في القتلِ فلا رَدّ، بل أخذَ الثَّمَنَ عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ هذا بمنْزلةِ الاستحقاق عنده، فأمَّا عندَهُما فيرجعُ بالنُّقصان؛ لأنَّ هذا بمَنْزلة العيب، فيقوَّمُ بدونِ هذا العيب، ثمَّ بهذا العيبُ، فيضمنُ البائعُ تفاوتَ ما بينَهما كما إذا اشترى جاريةً حاملاً، فماتَتْ في يده بالولادة، فإنَّه يرجع بفضل ما بين قيمتِها حاملاً، وغيرَ حاملٍ، ولأبي حنيفةَ ﵁ إن سببَ الهلاكِ كان في يدِ البائع، فإذا هلكَ في يدِ المشتري يكونُ مضافاً إلى ذلك السَّبب بخلافِ الحملِ، فإنَّهُ ليس سبباً للهلاك. (ولو باعَ وبَرِئ من كلِّ عيبٍ صحَّ وإن لم يعدَّها): وعند الشَّافِعِيّ (٢) ﵁ لا يصحُّ بناءً على أصلِهِ أن البراءةَ عن الحقوقِ المجهولةِ لا تصحُّ عنده، وعندنا يَصِحُّ إذ اسقاطُ المجهولِ لا يَضُرُّه؛ لأنَّهُ لا يفضي إلى المنازعة، ثُمَّ هذه البراءةُِ تشملُ العيبَ الموجود، وأيضاً العيبَ الحادثَ قبلَ القبضِ عند أبي يوسف (٣) ﵁، وعند محمَّدٍ ﵁ لا تَشْمَلُ العيبَ الحادث.

стр. 710

باب البيع الفاسد بطلَ بيعُ ما ليس بمال: كالدَّمِ والميتةِ والحرِّ، والبيعُ به، وكذا بيعُ أمِّ الولدِ والمدبَّرِ والمكاتَب، وبيعُ مالٍ غيرِ متقوَّمٍ: كالخمرِ والخنْزيرِ بالثَّمَن باب البيع الفاسد (بطلَ بيعُ ما ليس بمال: كالدَّمِ والميتةِ والحرِّ، والبيعُ به، وكذا بيعُ أمِّ الولدِ والمدبَّرِ والمكاتَب، وبيعُ مالٍ غيرِ متقوَّمٍ (١): كالخمرِ والخنْزيرِ بالثَّمَن). اعلم أنَّ المالَ عينٌ يجري فيه التَّنافس والابتذال، فيخرجُ منه التُّرابُ (٢) ونحوه، والدَّمُ والميتةُ التي ماتت حتفَ أَنْفِه. أمَّا الميتةُ التي خُنِقَتْ، أو جُرِحَتْ في غيرِ موضِعِ الذَّبح كما هو عادةُ بعضِ الكفار وذبائحِ المجوس فمالٌ، إلاَّ أنَّها غيرَ متقوَّمةٍ، كالخمر والخنْزير. ويخرجُ منه الحُرُّ؛ لأَنَّهُ لا يجري فيه الابتذال، بل هو مبتذلٌ. والمالُ الغيرُ المتقوَّمُ مالٌ أُمِرْنَا بإهانتِه، لكنَّهُ في غيرِ ديننا مالٌ متقوَّمٌ. فكلٌّ ما ليس بمالٍ فالبيعُ فيه باطلٌ سواءٌ جُعِلَ مبيعاً أو ثمناً. وكلُّ ما هو مالٌ غيرُ متقوَّم، فإن بيعَ بالثَّمن ـ أي بالدَّراهم أو الدَّنانير ـ فالبيعُ باطلٌ، وإن بيع بالعَرَض أو بيع العَرَضُ به فالبيعُ في العَرَضِ فاسدٌ (٣). فالباطلُ هو الذي لا يكونُ صحيحاً بأصلِهِ ووصفِه. والفاسدُ هو الصَّحيحُ بأصلِهِ لا بوصفِه.

стр. 711

وبيعُ قنٍّ ضمَّ إلى حُرٍّ، وذكيَّةٍ ضُمّتْ إلى ميتةٍ، وإن سَمَّى ثمنَ كلَّ واحد. وصحَّ في قِنٍّ ضُمَّ إلى مُدَبَّرٍ، أو قِنِّ غيرِهِ بحصَّتِه: كملكِ ضُمَّ إلى وقفٍ في الصَّحِيح. وفسدَ بيعُ العَرَضِ بالخمر، وعكسه، ولم يجزْ بيعُ سمكٍ لم يُصَد، أو صيدَ وأُلْقِيَ في حَظِيرَةٍ لا يُؤْخَذُ منها بلا حِيلَةٍ، وصحَّ إن أُخِذَ منها بلا حِيلَةٍ إلاَّ إذا دخلَ بنفسِه ولم يُسَدَّ مدخلُهُ وعند الشَّافِعِيّ ﵁ لا فرقَ بينَ الباطلِ والفاسد، وتحقيقُ هذا في أصول الفقه (١). (وبيعُ قنٍّ ضمَّ إلى حُرٍّ، وذكيَّةٍ ضُمّتْ إلى ميتةٍ، وإن سَمَّى ثمنَ كلَّ واحد (٢). وصحَّ في قِنٍّ ضُمَّ إلى مُدَبَّرٍ، أو قِنِّ غيرِهِ بحصَّتِه): لأَنَّ المُدَبَّرَ مَحَلٌّ للبيعِ عند البعض (٣)، فبطلانُهُ لا يسري إلى غيره، (كملكِ ضُمَّ إلى وقفٍ في الصَّحِيح (٤). وفسدَ بيعُ العَرَضِ بالخمر، وعكسه): أي البيعُ فاسدٌ في العَرَضِ حتى يَجِبَ قيمَتُهُ عند القبض، ويُمْلَكُ هو بالقبض، لكنَّ البيعَ في الخمرِ باطلٌ حتى لا يُمْلَكَ عينُ الخمر. (ولم يجزْ بيعُ سمكٍ لم يُصَد، أو صيدَ وأُلْقِيَ في حَظِيرَةٍ لا يُؤْخَذُ منها بلا حِيلَةٍ، وصحَّ إن أُخِذَ منها بلا حِيلَةٍ إلاَّ إذا دخلَ بنفسِه ولم يُسَدَّ مدخلُهُ): حتى ولو دخلَ بنفسِهِ وسُدَّ مدخلُهُ يجوزُ بيعُه؛ لأَنَّ سَدَّ المدخلِ فعلٌ اختياريّ يُوجِبُ الملكَ فيصيرُ مُحْرَزَاً. واعلم أَنَّهُ نَظَمَ كثيراً من المسائلِ في سلكٍ واحد، وقال: لم يجزْ، لكن لم يُبَيِّنْ أنَّ البيعَ باطلٌ أو فاسدٌ، وأنا أُبَيِّنُ ذلك إن شاء الله تعالى: ففي السَّمكِ الذي لم يُصَدْ ينبغي أن يكونَ البيعُ فيه باطلاً إذا كان بالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، ويكونُ فاسداً إذا كان بالعَرَض؛ لأَنَّه مالٌ غيرَ متقوَّمٍ؛ لأَنَّ التَّقَوُّمَ بالإحراز،

стр. 712

ولا بيعُ طيرٍ في الهواءِ، وبيعُ الحمل والنِّتَاجِ، واللَّبَنُ في الضَّرعِ، والصُّوفُ على ظهرِ الغنم، وجذعٌ في سَقْفٍ، وذراعٌ من ثوبٍ ذَكَرَ قَطْعَهُ أو لا ولا إحرازَ فيه (١). وأمَّا السَّمكُ الذي صيد وأُلْقِيَ في حَظِيرَةٍ، لا يُؤْخَذُ منها بلا حِيلَةٍ ينبغي أن يكون البيعُ فيه فاسداً؛ لأَنَّهُ مالٌ مملوكٌ، لكنَّ في تسليمِهِ عسرٌ. (ولا بيعُ طيرٍ في الهواءِ): فينبغي أن يكونَ باطلاً كبيعِ الصَّيدِ قبلَ أن يصطاد. (وبيعُ الحمل والنِّتَاجِ) (٢): ينبغي أن يكونَ باطلاً؛ لأنَّ النِّتاجَ معدومٌ، فلا يكون مالاً، والحملُ مشكوكُ الوجود، فلا يكون مالاً. (واللَّبَنُ في الضَّرعِ): ذَكَروا فيه علّتينِ: أحدهما: إنَّه لا يُعْلَمُ أنَّه لَبَنٌ، أو دَمٌ، أو ريحٌ، فعلى هذا يبطلُ البيعُ؛ لأنَّه مشكوكُ الوجود، فلا يكونَ مالاً. والثَّانيةُ: إنَّ اللَّبَنَ يُوجَدُ شيئاً فشيئاً، فَمُلْكُ البائعِ يختلطُ بملكِ المشتري. (والصُّوفُ على ظهرِ الغنم): لأنَّهُ يقعُ التَّنازعُ في موضعِ القطع، وكلُّ بيعٍ يُفْضِي إلى المنازعةِ فاسدٌ. (وجذعٌ في سَقْفٍ، وذراعٌ من ثوبٍ ذَكَرَ قَطْعَهُ أو لا) (٣): فإنَّ البيعَ فيهما فاسدٌ،

стр. 713

ويعودُ صحيحاً إن قُلِعَ، أو قطعَ الذِّراعِ قبلَ فسخِ المشتري، وضربةُ القانص، والمُزَابنةُ: وهي بيعُ الثَّمرِ على النَّخيلِ بثمرٍ مَجْذُوذٍ مثلَ كيلِهِ خَرْصَاً، والمُلامَسةُ، وإِلقاءُ الحَجَر، والمُنابَذةُ: وهي أن يتساوَما سلعةً لَزِمَ البيعُ إن لمسَها المشترِي، أو وضعَ عليها حصاةً، أو نبذَها البائعُ إليهِ، ولا بيعُ ثَوْبٍ مِن ثوبينِ إلاَّ بشرطِ أن يأخذَ أيُّهما شاء، ولا المراعي، ولا والمرادُ ثوبٌ يضرُّهُ القطعُ، (ويعودُ صحيحاً إن قُلِعَ، أو قطعَ الذِّراعِ قبلَ فسخِ المشتري) (١): لأنَّ المفسدَ قد زال. (وضربةُ القانص) (٢): وهي ما يَحْصُلُ من الصَّيدِ بضربِ الشَّبكةِ مرَّةً، وهذا البيعُ ينبغي أن يكونَ باطلاً كما ذكرنا في الطيرِ في الهواء. (والمُزَابنةُ: وهي بيعُ الثَّمرِ على النَّخيلِ بثمرٍ مَجْذُوذٍ مثلَ كيلِهِ خَرْصَاً)، مثلَ كيله: حالٌ من الثَّمرِ على النَّخيلِ، وخرصاً: تميزٌ عن المثلِ: أي يكون الثَّمرُ على النَّخيلِ مثلاً بطريقِ الخَرْصِ لكيلِ الثَّمَرِ المَجْذُوذِ، فهذا البيعُ من البيوعِ الفاسدةِ بشبهةِ الرِّبا. (والمُلامَسةُ، وإِلقاءُ الحَجَر، والمُنابَذةُ: وهي أن يتساوَما سلعةً لَزِمَ البيعُ إن لمسَها المشترِي، أو وضعَ عليها حصاةً، أو نبذَها البائعُ إليهِ): فهذه البيوعُ فاسدةٌ؛ لأنَّ انعقادَ البيعِ متعلِّقٌ بأحدِ هذه الأفعالِ، فيكونُ كالقمار (٣). (ولا بيعُ ثَوْبٍ مِن ثوبينِ إلاَّ بشرطِ أن يأخذَ أيُّهما شاء، ولا المراعي، ولا

стр. 714

إجارتُها، ولا النَّحلُ إلاَّ مع الكُوّارة، ودودُ القَزِّ وبيضُه، والآبقُ إلاَّ ممَّن زعمَ أنَّه عندَه، ولَبَنُ امراةٍ في قَدَحٍ إجارتُها): بيعُ المراعي: أي الكلأُ باطلٌ؛ لأنَّه غيرُ محرزٍ، وأمَّا إجارتُها؛ فلأنَّها إجارةٌ على استهلاكِ عينٍ (١). (ولا النَّحلُ إلاَّ مع الكُوّارة)، الكُّوارة: بالضَّمِ والتَّشْدِيدِ: مَعْسَلُ النَّحلِ إذا سُوِّي من طينٍ، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، فينبغي أن يكونَ البيعُ باطلاً عندهما؛ لعدمِ المالِ المُتَقَوَّمِ، وعندَ مُحَمَّدٍ (٢) ﵁ والشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ يجوزُ إذا كان محرزاً. (ودودُ القَزِّ وبيضُه)، فعند أبي حنيفة ﵁ بيعهما باطلٌ، وعند أبي يوسفَ ﵁ يجوزُ إن ظَهَرَ القَزُّ تِبْعَاً، وإلا لا، وعند محمدٍ (٤) ﵁ يجوزُ مطلقاً. (والآبقُ إلاَّ ممَّن زعمَ أنَّه عندَه)، زَعَمَ: أي قال، فهذا بيعُ فاسدٌ؛ لوجودِ المالِ المُتَقوَّمِ إلاَّ أنَّهُ لا قُدرةَ على تسليمِهِ، فإذا قال المشتري: إنَّه عندي فحينئذٍ يجوزُ. (ولَبَنُ امراةٍ في قَدَحٍ)، إنَّما قال في قَدَحٍ؛ لأنَّ بيعَ اللَّبنِ في الضِّرعِ قد ذُكِر (٥)، فلبنُ المرأةِ إنَّما يبطلُ بيعُهُ؛ لأنَّه من أجزاءِ الآدمي، فلا يكونُ مالاً، وفيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٦) ﵁. وعند أبي يوسفَ (٧) ﵁ يجوزُ بيعُ لَبَنِ الأمةِ اعتباراً للجزءِ بالكلِّ. ولأبي حنيفة ﵁ أنَّ الرِّقَ غيرُ نازلٍ في اللَّبَنِ، فهي فيه على أصلِ الآدمية.

стр. 715

وشعرُ الخِنْزيرِ، وإن حَلَّ الانتفاعُ به للخرزِ ضرورةً. ولا شعرُ الآدمي، ولا الانتفاعُ به. ولا جلدُ الميتةِ قبلَ دبغِه، وإن صَحَّ بيعُهُ والانتفاعُ به بعده كعظمِها، وعصبِها، وصوفِها، وشعرِها، وقَرْنِها، ووَبَرِها، والفيلُ كالسَّبُعِ يباع عظمه خلافاً لمحمد ﵁، ولا بيعُ علوٍ بعد سقوطِهِ، وبيعُ شخصٍ على أنَّه أمةٌ وهو عبدٌ (وشعرُ الخِنْزيرِ)، فإنَّ البيعَ فيه باطلٌ، (وإن حَلَّ الانتفاعُ به للخرزِ ضرورةً (١). ولا شعرُ الآدمي)، فإنَّ بيعَهُ باطلٌ، (ولا الانتفاعُ به. ولا جلدُ الميتةِ قبلَ دبغِه)، فإنَّ بيعَهُ باطل، (وإن صَحَّ بيعُهُ والانتفاعُ به بعده كعظمِها، وعصبِها، وصوفِها، وشعرِها، وقَرْنِها، ووَبَرِها): فإنَّ بيعَ هذه الأشياءَ صحيحٌ، وكذا الانتفاعُ بها؛ لأنَّ الموتَ غيرُ حالٍ في هذه الأشياءِ. (والفيلُ كالسَّبُعِ (يباع عظمه) (٢) خلافاً لمحمد ﵁)، حتى يجوزَ بيعُ عظمِهِ والانتفاعُ بعظمِهِ خلافاً لمحمدٍ ﵁، فإنَّه كالخِنْزيرِ عنده. (ولا بيعُ علوٍ بعد سقوطِهِ): حتَّى إذا كان العلو لرجلٍ، والسُّفلُ لرجلٍ فسقطا، أو سقطَ العلو وحدَهُ، فباعَ صاحبُ العلوِّ علوَّهُ وحده بطلَ بيعُه؛ إذ بعد السُّقوطِ لم يبقَ إلاَّ حقُّ التَّعَلِّي، وهو ليسَ بمالٍ (٣). (وبيعُ شخصٍ على أنَّه أمةٌ وهو عبدٌ): فإنَّ البيعَ باطلٌ بخلافِ ما إذا اشترى كَبْشاً فإذا هو نَعْجةٌ، فإنَّ البيعَ يَنْعَقِدُ، وللمشتري الخيارُ، والأصلُ في ذلك أن الإشارةَ والتَّسميةَ إذا اجتمعتا، ففي مختلفي الجنسِ يتعلَّقُ العقدُ بالمُسَمَّى، ويبطلُ لانعدامِ المُسَمَّى، وفي متّحدي الجنسِ يتعلَّق بالمشارِ إليه، ويَنْعَقِدُ لوجودِ المشارِ إليه، لكن المشتري بالخَيار؛ لفواتِ الوصفِ، فالذَّكَرُ والأُنْثَى في بني آدم جنسانِ؛ لفحشِ التَّفاوتِ، والاختلافِ في الأغراض، وفي غيرِ بني آدم جنسٌ واحد.

стр. 716

وشراءُ ما باعَ بأقلَّ ممَّا باعَ قبلَ نقدِ ثمنِهِ الأَوَّل، وشراءُ ما باع مع شيءٍ آخرَ لم يبعْهُ بثمنِهِ الأَوَّلِ فيما باعَ، وإن صحَّ فيما لم يَبِعْ، وزيتٌ على أن يُوزَنَ بظرفِهِ، ويُطْرَحَ عنه بكلِّ ظرفٍ كذا رطلاً بخلافِ الشَّرطِ طرح وزنِ الظَّرْفِ عنه، وإن اختلفا في نفسِ الظَّرفِ وقدْرِه، فالقولُ للمشتري (وشراءُ ما باعَ بأقلَّ ممَّا باعَ قبلَ نقدِ ثمنِهِ الأَوَّل) (١): أي باعَ شيئاً بخمسةَ عشرَ ولم يأخذِ الثَّمَن، ثم اشتراهُ بعشرةٍ، فيقاصُّ العشرة بعشرةٍ من خمسةَ عشرَ، فبقي للبائعِ على المشتري خمسة، فهي ربحُ ما لم يضمنْ: أي الثَّمن، وهو خمسةَ عشرَ؛ لأنَّه لَمَّا لم يقبضْهُ البائع لم يدخلْ في ضمانِه، وإنَّما الغُنْمُ بإزاءِ الغُرْم، فيكونُ الرِّبْحُ حراماً، فيكونُ هذا البيعُ فاسداً خلافاً للشَّافِعِيِّ (٢) ﵁. (وشراءُ ما باع مع شيءٍ آخرَ لم يبعْهُ بثمنِهِ الأَوَّلِ فيما باعَ، وإن صحَّ فيما لم يَبِعْ): (أي مَن) (٣) باعَ شيئاً بخمسةَ عشرَ ولم يأخذِ الثَّمن، ثُمَّ اشتراهُ مع شيءٍ آخرَ بخمسةَ عشر، فالبيعُ فاسدٌ في المبيعِ الأوَّل، وجائزٌ في الشَّيءِ الآخر، فيُقَسَمُ الثَّمنُ على قيمتِها، فيجوزُ في الشَّيءِ الآخرِ بحصَّتِه من الثَّمن، وهو خمسةَ عشر. (وزيتٌ على أن يُوزَنَ بظرفِهِ، ويُطْرَحَ عنه بكلِّ ظرفٍ كذا رطلاً): إنَّما يَفْسُدُ؛ لأنَّه شرطٌ لا يقتضيه العقدُ، بل مقتضى العقد أن يُطْرَحَ بازاءِ الظَّرْفِ مقدارُ وزنِه، كما في المسألةِ الثَّانية، وهي ما قال: (بخلافِ الشَّرطِ طرح وزنِ الظَّرْفِ عنه، وإن اختلفا في نفسِ الظَّرفِ وقدْرِه، فالقولُ للمشتري): أي اشترى سَمْناً في زِقٍّ (٤) ورَدَّ الظَّرفَ، وهو عشرةُ أرطالٍ، فقال البائعُ: الزِّقُّ غيرُ هذا، وهو خمسةُ أرطالٍ، فالقولُ للمشتري (٥).

стр. 717

وبطلَ بيعُ المسيلِ وهبتُه، وصحَّا في الطريقِ، (وأمْرُ المسلمِ بيعَ خمرٍ، أو خِنْزيرٍ، أو شرائِهما ذميَّاً، وأَمْرُ المُحْرِمِ غيرَهُ ببيع صيدِهِ، وصحَّ البيعُ بشرطٍ يقتضيه العقدُ: كشرطِ الملكِ للمشتري، أو لا يقتضيه ولا نفع فيه لأحدٍ: كشرطِ أن لا يبيعَ الدَّابّةَ المبيعة، بخلاف شرطٍ لا يقتضيه العقد، وفيه نفعٌ لأحدِ العاقدينِ، أو لمبيع يستحقُّه (وبطلَ بيعُ المسيلِ وهبتُه، وصحَّا في الطريقِ): أي صحَّ البيعُ والهبةُ في الطَّريقِ، قيل: إن أُرِيدَ رقبةُ المسيلِ والطَّريقِ فمقدارُ ما يسيِّلُهُ الماءُ مجهولٌ، فلا يجوزُ فيه البيعُ والهبة، وأمَّا الطَّريقُ فمعلومٌ، وإن لم يُبَيِّنْ، فهو مُقَدَّرٌ بعرضِ باب الدَّارِ كذا في «باب القسمة»، فيجوزُ فيه البيعُ والهبة، وإن أُريدَ حقُّ المسيلِ، فإن كان على الأرضِ فمجهولٌ لِمَا مرَّ، وإن كان على السَّطحِ، فهو حقٌّ التَّعلِّي، فهو حقٌّ متعلِّقٌ بعينٍ لا يَبْقَى، وحَقُّ المرورِ فيه روايتانِ: وجه البطلانِ غيرُ مال (١). ووجه الصِّحةِ الاحتياج به، وهو حقٌّ معلومٌ متعلِّقٌ بعينٍ باق (٢). (وأمْرُ المسلمِ بيعَ خمرٍ، أو خِنْزيرٍ، أو شرائِهما ذميَّاً، وأَمْرُ المُحْرِمِ غيرَهُ ببيع صيدِهِ): فقولُهُ: وأَمْرُ؛ عطفٌ على الضَّميرِ المرفوعِ المتصلِ في قوله: وصحَّا، فهذا العطف جائزٌ؛ لوجود الفصل، وهو قوله: في الطريقِ؛ وهذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما: لا يجوزُ؛ لأنّ الموكِّلَ لا يليه بنفسه، فلا يُولِّي غيرَه. وله: إن العاقدَ، وهو الوكيلُ يتصرُّفُ بأهليتِه (٣). (وصحَّ البيعُ بشرطٍ يقتضيه العقدُ: كشرطِ الملكِ للمشتري، أو لا يقتضيه ولا نفع فيه لأحدٍ: كشرطِ أن لا يبيعَ الدَّابّةَ المبيعة، بخلاف شرطٍ لا يقتضيه العقد، وفيه

стр. 718

نفعٌ لأحدِ العاقدينِ، أو لمبيع يستحقُّه كشرطِ أن يقطعَهُ البائعُ ويخيطَهُ قباءً، أو يَحْذُوَه نَعْلاً، أو يُشْرِكَهُ، وصحَّ في النَّعلِ استحساناً، أو يستخدمَهُ شهراً، أو يعتقَهُ، أو يُدَبِّرَهُ، أو يُكاتِبَهُ، وبيعُ أمة إلا حملَها، وإلى النَّيروز، والمَهْرَجَانِ، وصومِ النَّصارى وفطرِ اليهودِ إن لم يعرفا نفعٌ لأحدِ العاقدينِ، أو لمبيع يستحقُّه): أي يكون المبيعُ أهلاً لاستحقاقِ النَّفعِ بأن يكونَ آدمياً، فظهرَ أن قولَه: ولا نفعَ فيه لأحدٍ أرادَ به لأحدِ من العاقدين، والمبيعُ المستحقُّ للنَّفعِ حتى لو كان النَّفعُ للمبيعِ الذي لا يستحقُّ النَّفع: كشرطِ أن لا يبيعَ الدَّابَّةَ المبيعةَ لا يكونَ هذا الشَّرطُ مفسداً. (كشرطِ أن يقطعَهُ البائعُ ويخيطَهُ قباءً (١)، أو يَحْذُوَه (٢) نَعْلاً، أو يُشْرِكَهُ): أي يجعلَ للنَّعلِ شِراكاً، هذا نظيرُ شرطٍ لا يقتضيه العقدُ وفيه نفعُ المشتري، (وصحَّ في النَّعلِ استحساناً): إنِّما يجوزُ في النَّعل للتَّعامل والقياسِ أنه لا يجوز (٣). (أو يستخدمَهُ شهراً): أي يستخدمَه البائعُ شهراً، وهذا نظيرُ شرطٍ لا يقتضيه العقدُ وفيه نفعُ البائع. (أو يعتقَهُ، أو يُدَبِّرَهُ، أو يُكاتِبَهُ): هذا نظيرُ شرطٍ لا يقضيه العقدُ وفيه نفعٌ للمبيع، وهو أهلٌ لاستحقاقِ النَّفعِ. (وبيعُ أمة إلا حملَها): عطف على شرطٍ لا يقتضيه العقد، والأصلُ في ذلك أن كلَّ ما لا يصحُّ إفرادُهُ بالعقدِ لا يصحُّ استثناؤه من العقد، فإنَّ كلَّ ما لا يصحُّ إفراده بالعقد فإنّه من توابعِ الشَّيء، فيكون داخلاً في المبيع تَبَعاً له، فاستثناؤه من العقدِ شرطٌ لا يقتضيه العقدُ فيكونُ مفسداً. (وإلى النَّيروز (٤)، والمَهْرَجَانِ (٥)، وصومِ النَّصارى وفطرِ اليهودِ إن لم يعرفا

стр. 719

ذلك، وقدوم الحاج، والحصادِ، والدِّياس، والقِطَاف، والجِزَاز، والتكفُّل إليها جاز، وصحَّ إن أسقط الأجلَ قبلَ حلولِهِ. [فصل في أحكامه] ذلك (١)، وقدوم الحاج، والحصادِ، والدِّياس (٢)، والقِطَاف، والجِزَاز): القِطافِ: جَنْيُ الثَّمرِ عن الأشجار، والجِزازُ: قطعُ الصُّوفِ عن ظهرِ الغَنَمِ. (والتكفُّل إليها جاز): أي يجوزُ الكفالةُ إلى هذه الأوقات؛ لأنَّ الجهالةَ اليسيرةَ متحملةٌ في الكفالةِ دون البيع. (وصحَّ إن أسقط الأجلَ قبلَ حلولِهِ): أي إن أسقطَ هذه الآجالَ المجهولةَ قبل حلولِها ينقلبُ البيعُ صحيحاً (٣). [فصل في أحكامه] ثمَّ اعلمْ أنّ الحكمَ في البيعِ الباطلِ أنّ المبيعَ إن هلكَ في يدِ المشتري، فعند البعض (٤):

стр. 720

فإن قبضَ المشتري المبيعَ بَيْعاً فاسداً برضى بائعِهِ صريحاً، أو دلالةً كقبضِهِ في مجلسِ عقدِه، وكلٌّ من عوضيهِ مالٌ يَمْلِكُهُ، وَلَزِمَهُ مثله حقيقةً أو معنىً، ولكلٍّ منهما فسخَهُ قبلَ القبضِ، وكذا بعدَهُ ما دامَ في مِلْكِ المشتري إن كان الفسادُ في صُلْبِ العقدِ كبيعِ درهمٍ بدرهمينِ أمانةٌ، وعند البعض (١): مضمونٌ بالقيمةِ كالمقبوضِ على سومِ الشراء. وأمَّا حكمُ البيعِ الفاسدِ ففي المتنِ شرعَ في أحكامِه، فقال: (فإن قبضَ المشتري المبيعَ بَيْعاً فاسداً برضى بائعِهِ صريحاً، أو دلالةً كقبضِهِ في مجلسِ عقدِه، وكلٌّ من عوضيهِ مالٌ يَمْلِكُهُ) فإن قيل: كلامُنا في البيع الفاسد، فيكون كلٌّ من العوضينِ مالاً البتة، إذ لو لم يكن البيع مالاً لكان البيع باطلاً. قلنا: قد يُذْكَرُ الفاسدُ، ويرادُ به الباطلُ، كما أن في أوّل «كتاب القُدُورِيِّ» (٢) جَعَلَ البيعَ بالميتةِ فاسداً، وهو باطلٌ؛ فلهذا قال: وكلُّ من عوضيه مالٌ؛ احتياطاً حتى لو اشتمل الفاسدُ الباطلَ يكون هذا القيدُ مُخْرِجاً له عن هذا الحكم، وهو أن يصيرَ المبيعُ مُلكاً على أنَّه قد يكون البيع فاسداً، مع أنَّه لا يكون كلٌّ من عوضيه مالاً، كما إذا باع وسَكَتَ عن الثَّمنِ، فالبيعُ فاسدٌ عندهما حتى يَمْلِكَ بالقبضِ ويَجِبَ الثَّمنُ، وهو القيمة. (وَلَزِمَهُ مثله حقيقةً أو معنىً): أي إن هَلَكَ في يدِ المشتري وَجَبَ عليه المثلُ حقيقةً في ذواتِ الأمثالِ، والمثلُ معنىً: وهو القيمةُ وقت القبضِ في ذواتِ القيم. (ولكلٍّ منهما فسخَهُ قبلَ القبضِ، وكذا بعدَهُ ما دامَ في مِلْكِ المشتري إن كان الفسادُ في صُلْبِ العقدِ كبيعِ درهمٍ بدرهمينِ) (٣)، أرادَ بالفسادِ في صُلْبِ العقدِ،

стр. 721

ولِمَن له الشَّرطُ إن كان بشرطٍ زائدٍ، كشرطِ أن يُهْدِى له هديةً، فإن باعَهُ المشتري، أو وهَبَهُ وسَلَّمَهُ، أو أعتقَهُ صحَّ، وعليه قيمتُهُ، وسقطَ حقُّ الفسخ، ولا يأخذُهُ البائعُ حتى يَرُدَّ ثَمَنَهُ، فإن مات هو فالمشتري أحقُّ به حتى يأخذَ ثَمَنَه، وطابَ للبائعِ ربح ثَمَنِهِ بعد التَّقابضِ لا للمشتري ربح مبيعِهِ فيتصدَّقُ به الفسادُ الذي يكونُ في أحدِ العوضينِ، (ولِمَن له الشَّرطُ إن كان بشرطٍ زائدٍ، كشرطِ أن يُهْدِى له هديةً): ذَكَرَ في «الذَّخيرة»: إنّ هذا قولُ محمدٍ ﵁، وأمَّا عندهما فلكلِّ واحدٍ منهما حقُّ الفسخ؛ لأنَّ الفسخَ لحقِّ الشَّرعِ لا لحقِّ أحد المتبايعين، فإنَّهما راضيانِ بالعقدِ. (فإن باعَهُ المشتري، أو وهَبَهُ وسَلَّمَهُ، أو أعتقَهُ صحَّ، وعليه قيمتُهُ، وسقطَ حقُّ الفسخ)؛ لأنَّهُ تعلَّقَ به حقُّ العبد، وإنَّما يفسخُ حقَّاً لله تعالى، وإذ اجتمعَ حقُّ الله تعالى، وحقُّ العبدِ يُرجَّحُ حقُّ العبدِ لحاجتِه. (ولا يأخذُهُ البائعُ حتى يَرُدَّ ثَمَنَهُ): أي البائعُ إذا فسخَ البيعَ الفاسد لا يأخذُ المبيعَ حتى يَرُدَّ الثَّمَن؛ لأنَّ المبيعَ محبوسٌ بالثَّمَنِ بعدَ الفسخ. (فإن مات هو فالمشتري أحقُّ به حتى يأخذَ ثَمَنَه): أي باعَ شيئاً بيعاً فاسداً ووقعَ التَّقابض، ثم فَسَخَ البيع، ثم ماتَ البائعُ، فللمشتري حقُّ حبسِ المبيعِ حتى يأخذَ الثَّمنَ ولا يكونُ أسوةً لغرماءِ البائعِ. (وطابَ للبائعِ ربح ثَمَنِهِ بعد التَّقابضِ لا للمشتري ربح مبيعِهِ فيتصدَّقُ به)، صورة المسألة: باعَ جاريةً بيعاً فاسداً بالدَّراهمِ أو بالدَّنانيرِ وتقابضا، فباعَ المشتري الجارية وربحَ، لا يطيبُ له الرِّبح، وإن رَبِحَ البائعُ في الثَّمنِ يطيب له الرِّبح. والفرقُ أن المبيعَ متعيِّنٌ في العقدِ فيكون فيه خبثٌ؛ بسببِ فسادِ الملك، وفي فسادِ الملكِ شبهةُ عدمِ الملك، فالشبهةُ ملحقةٌ بالحقيقةِ في الحرمة؛ فإن النَّبيَّ ﷺ : «نَهَى عن الرِّبا

стр. 722

.................................................................................................................... وَالرَّيْبَةِ» (١). وأمّا الدَّرَاهمُ والدَّنانيرُ فغيرُ متعيِّنةٍ في العقدِ، ولو كانت فيه متعيِّنةً كانت فيها شُبْهةُ الخبثِ بسببِ الفساد، فعند عدم التَّعيينِ يكونُ في تعلُّقِ العقدِ بها شبهة، فيكون فيها شبهةُ الشُّبْهةِ، ولا اعتبارَ لها، هذا في الخبثِ بسببِ فسادِ الملك. أمَّا الخبثُ بسببِ عدم الملكِ فيشملُ النَّوعينِ هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، يعني: إن رَبِحَ في المغصوبِ لا يَطِيبُ سواءٌ كان المغصوبُ ممَّا يتعيَّنُ كالجاريةِ مثلاً، أو ممَّا لا يتعيَّنُ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، حتى إن باعَ الدَّراهمَ أو الدَّنانير المغصوبةَ، وحصلَ فيها ربحٌ لا يكون طيباً؛ لأنَّ في الأوَّلِ حقيقةَ الخبث، وفي الثَّاني شبهةَ، والشُّبهةُ ملحقةٌ بالحقيقة. (كما طابَ ربحُ ما ادَّعاهُ فقضي بالمالِ، ثم ظهرَ عدمُهُ بالتَّصادق): أي ادَّعَى على رجلٍ مالاً فقضاهُ، فرَبِحَ فيه المُدَّعي، ثمَّ تصادقا على أن هذا المالَ لم يكن على المُدَّعَى عليه، فالرِّبحُ طيّبٌ؛ لأنَّ المالَ المقضي به بَدَلُ الدَّينِ الذي هو حقُّ المُدَّعي، والمُدَّعي باعَ دينَه بما أخذ، فإذا تصادقا على عدمِ الدَّينِ صارَ كأنَّه استحقَّ مِلْكَ البائعِ، وبَدَلُ المستحقِّ مملوكٌ ملكاً فاسداً، فيكونُ البيعُ في حقِّ البدلِ بيعاً فاسداً، فلا يؤثِّرُ الخبثُ فيما لا يتعيَّنُ بالتَّعيين. فإن قيل: ذكرَ في «الهداية» في المسألةِ السَّابقة: ثُمَّ إذا كانت دراهمُ الثَّمنِ قائمةً يأخذُها بعينها؛ لأنَّها تتعيَّنُ بالتَّعيين في البيع الفاسد، وهو الأصحُّ؛ لأنَّه بمَنْزلةِ الغصب (٢). فهذا يُناقضُ ما قُلْتُم من عدمِ تعيين الدَّراهم والدَّنانير. قلنا: يمكنُ التَّوفيقُ بينهما بأنّ لهذا العقدِ شبهتين: شبهةُ الغصب. وشبهة البيع. فإذا كانت قائمةً اعتبرَ شبهةُ الغصبِ سعياً في رفعِ العقدِ الفاسد، وإذا لم تكنْ قائمةً فاشترى بها شيئاً، يعتبرُ شبهةُ البيع، حتى لا يسري الفسادُ إلى بدلِهِ كما ذكرنا من

стр. 723

ولو بَنَى في دارٍ شراها شراءً فاسداً لَزِمَهُ قيمتُها، وشَكَّ أبو يوسف ﵁ فيها شبهةِ الشُّبْهة. وأيضاً لتداولِ الأيدي تأثيرٌ في رفعِ الحرمةِ على ما عُرِف (١). (ولو بَنَى في دارٍ شراها شراءً فاسداً لَزِمَهُ قيمتُها، وشَكَّ أبو يوسف ﵁ فيها): هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما يُنْقَضُ البناء. وهذه المسألةُ من المسائلِ (٢) التي أَنْكَرَ أبو يوسفَ ﵁ روايتَها عن أبي حنيفةَ ﵁،

стр. 724

[فصل فيما يكره] وكُرِهَ النَّجَشُ، والسَّوْمُ على سَوْمِ غيرِهِ إذا رضيا بثمن، وتلقِّي الجلب المضرّ بأهلِ البلد فإنّ أبا يوسفَ ﵁ قال لمحمدٍ ﵁: ما رويتُ لك عن أبي حنيفة ﵁ أنَّه يأخذُها بقيمتِها، بل رويتُ أنَّهُ ينقضُ البناء، وقال محمّدٌ ﵁: بل رويتَ الأخذَ بالقيمةِ لكن نسيت. فشكَّ أبو يوسف ﵁ في روايتِهِ عن أبي حنيفةَ ﵁، ومحمدٌ ﵁ لم يرجعْ عن ذلك، وحملَهُ على نسيانِ أبي يوسف ﵁، فإنَّهُ ذَكَرَ في (كتابِ الشفعة): إن المشتري إن اشترى شراءً فاسداً إذا بَنَى فيها فللشفيعِ الشُّفعةِ عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما لا شفعةَ له، وهذا يدلُّ على انقطاعِ حقِّ البائع (١) ببناءِ المشتري عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لهما. [فصل فيما يكره] (وكُرِهَ النَّجَشُ)، نَجْشُ الصَّيدِ: بسكونِ الجيمِ: إثارتُه، والنَّجشُ جاء بفتح الجيم وسكونِه: وهو أن يساوم سلعةً لا يريدُ شراءها بأكثرَ من قيمتِها ليرى الآخرُ فيقعَ فيه. (والسَّوْمُ على سَوْمِ غيرِهِ إذا رضيا بثمن (٢)، وتلقِّي الجلب المضرّ بأهلِ البلد)، الجَلَبُ المجلوبُ، فإنَّ المجلوبَ إذا قَرُبَ من البلدِ تعلَّق به حقُّ العامةِ، فيكرَهُ أن يستقبلَ البعضُ ويشتريه، ويمنعُ العامةَ عن شرائه، وهذا إنِّما يُكْرَهُ إذا كان مضرَّاً بأهلِ البلدِ، وقد سمعتُ أبياتاً لطيفةً لمولانا برهانِ الإسلام ﵁ فكتبتها أحماضاً (٣)، وهي: أبو بكرٍ الولد المنتخب … أرادَ الخروجَ لأمرٍ عَجَب فقال إنِّي عزمت الخروج … لكفتارة هي لي أُمُّ أب فقلت: أم تسمعن يا بنى … بنهي أَتَي عن تلقِّي الجلب

стр. 725

وبيعُ الحاضرِ للبادي طمعاً في الثَّمنِ الغالي زمانَ القحط، والبيعُ عند أذانِ الجُمُعةِ، وتفريقُ صغيرٍ عن ذي رحمٍ محرمٍ منه بلا حقِّ مستحقٍّ، لا بيعُ مَن يَزِيدُ الثَّمن. والله أعلم. (وبيعُ الحاضرِ للبادي طمعاً في الثَّمنِ الغالي زمانَ القحط)، صورتُهُ: أن البادي يَجْلِبُ الطَّعامَ إلى البلدِ فيطرحُهُ على رجلٍ يسكنُ البلدَ ليبيعَ من أهلِ البلدِ بثمنٍ غال، فهذا يُكْرَهُ في أيَّامِ العسرة (١). (والبيعُ عند أذانِ الجُمُعةِ، وتفريقُ صغيرٍ عن ذي رحمٍ محرمٍ منه بلا حقِّ مستحقٍّ): هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمّدٍ ﵁، وأمَّا عند أبي يوسف ﵁ إذا كان القرابةُ قرابة (٢) ولادةً لا يجوزُ بيعُ أحدهما بدون الآخرِ، فإنَّهُ ﷺ قال لَعَلِيّ ﵁: «أدرك أدرك» (٣). ولو كان البيعُ نافذاً لا يمكنُهُ الاستدراك، ولو كان بحقِّ مستحقٍّ كدفع أحدهما عن الآخر بالجنايةِ، والرَّدِّ بالعيبِ لا يُكْرَه (٤). (لا بيعُ مَن يَزِيدُ الثَّمن (٥). (والله أعلم) (٦)).

стр. 726

باب الإقالة هي فسخٌ في حقِّ المتعاقدين بيعٌ في حقِّ الثالث، فبطلتْ بعد ولادةِ المبيعة باب الإقالة (هي فسخٌ في حقِّ المتعاقدين بيعٌ في حقِّ الثالث)، الإقالةُ فسخٌ في حقِّ المتعاقديْن، بيعٌ جديدٌ في حقِّ غيرِهما عند أبي حنيفةَ ﵁ فإن لم يمكن جعلُها فسخاً في حقِّهما تبطلُ، وفائدةُ أنَّه بيعٌ في حقِّ الثالث: أنَّه يَجِبُ الشفعة بالإقالة، فإنَّ الشفيعَ ثالثُهما، ويَجِبُ الاستبراء؛ لأنَّه حقُّ اللهِ تعالى، فاللهُ ثالثُهما، وعند أبي يوسفَ ﵁ هي بيعٌ، فإن لم يمكنْ جعلُها بيعاً تُجْعَلُ فسخاً فإن لم يمكنْ تبطلُ (١)، وعند محمَّدٍ ﵁ عكسُ هذا (٢) (فبطلتْ بعد ولادةِ المبيعة)، هذا تفريعُ كونِها فسخاً إذ بعد الولادةِ لا يمكنُ الفسخُ فتبطلُ عند أبي حنيفةَ (٣) ﵁، وعندهما لا تبطل؛ لأنَّها تكونُ بيعاً.

стр. 727

وصحَّتْ بمثلِ الثَّمنِ الأوَّلِ، وإن شَرَطَ غيرَ جنسِه أو أكثرَ منه، وكذا في الأَقلِّ منه إلاَّ إذا تَعيَّبَ فيجبُ ذلك، ولم يمنَعْها هلاكُ الثَّمنِ بل المبيع، وهلاكُ بعضِهِ يَمْنَعُ بقدرِه. باب المرابحة والتولية المرابحةُ: بيع المشترَى بثمنِهِ وفضلٍ، والتَّوليةُ: بيعهُ به بلا فضلٍ، وشرطُهُما شراؤه بمثلى (وصحَّتْ بمثلِ الثَّمنِ الأوَّلِ، وإن شَرَطَ غيرَ جنسِه أو أكثرَ منه)، إذا تقايلا على غيرِ جنسِ الثَّمنِ الأَوَّل، أو على أكثرَ منه، فعند أبي حنيفةَ ﵁ يَجِبُ الثَّمَنُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الإقالةَ فسخٌ عنده، والفسخُ لا يكونُ إلاَّ على الثَّمنِ الأَوَّلِ، فذلك الشَّرطُ شرطٌ فاسدٌ، والإقالةُ لا تَفْسُدُ بالشَّرطِ الفاسدِ، فصحَّت الإقالُة وبَطَلَ الشَّرطُ، وعندهما تكونُ بَيْعاً بذلك المُسْمَّى. (وكذا في الأَقلِّ منه إلاَّ إذا تَعيَّبَ فيجبُ ذلك) (١): أي يَجِبُ الثَّمنُ الأَوَّل إذا تقايلا على أقلَّ منه، إلاَّ إذا تعيَّب فحينئذٍ يَجِبُ الأقلُّ وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ يكونُ بَيْعاً بالأقلّ، فإنَّ الأصلَ عنده أنَّه بَيْعٌ، وعند محمّدٍ ﵁ تكون فسخاً بالثَّمن الأوَّل؛ لأنَّه سكوتٌ عن بعضِ الثَّمنِ الأوَّل، ولو سكتَ عن الكلِّ وأقالَ كان فسخاً، فهذا أولى إلاَّ إذا دَخَلَ عَيْبٌ، فإنَّه فسخٌ بالأقلّ. (ولم يمنَعْها هلاكُ الثَّمنِ بل المبيع، وهلاكُ بعضِهِ يَمْنَعُ بقدرِه) (٢). باب المرابحة والتولية (المرابحةُ: بيع المشترَى بثمنِهِ وفضلٍ، والتَّوليةُ: بيعهُ به بلا فضلٍ). المرابحةُ هي أن يشترطَ أن المبيعَ بالثَّمنِ الأوّل الذي اشترى به مع فضلٍ معلومٍ. والتَّوليةُ: أن يشترطَ أنَّه بذلك الثَّمنِ بلا فضلٍ. (وشرطُهُما شراؤهُ بمثلى) (٣)؛ لأَنَّ فائدةَ هذين البيعينِ أن الغبِيّ يعتمدُ على فعل

стр. 728

وله ضمُّ أَجْر القصَّارِ، والصَّباغ، والطَّرَّاز، والفتل، والحمل إلى ثمنِه، لكن يقولُ قامَ علي بكذا لا اشتريتُهُ بكذا، فإن ظَهَرَ للمشتري خيانتُهُ في المرابحة أخذَهُ بثمنِه أو ردَّه، وفي التَّوليةِ حطّهُ من ثمنِه، وعند أبي يوسفَ ﵁ يحطُّ فيهما، وعند محمدٍ ﵁ خُيِّرَ فيهما. فإن اشترى ثانياً بعد بيع بربحٍ، فان رابح طُرِحَ عنه ما ربح، وإن استغرقَ الرِّبْحُ الثَّمَنَ لم يرابح الذَّكيّ، فيلطبْ نفسَهُ بمثلِ ما اشترى به هو، أو بمثلِهِ مع فضلٍ، وهذا المعنى إنَّما يظهرُ في ذواتِ الأمثالِ دون ذوات القيمِ؛ لأنَّ ذواتِ القيمِ قد تُطْلَبُ بصورتِها من غيرِ اعتبارِ ماليَّتِها، وأيضاً القيمةُ مجهولةٌ، ومبنى البيعينِ على الأمانة (١). (وله ضمُّ أَجْر (٢) القصَّارِ، والصَّباغ، والطَّرَّاز، والفتل، والحمل إلى ثمنِه، لكن يقولُ قامَ علي بكذا لا اشتريتُهُ بكذا، فإن ظَهَرَ للمشتري خيانتُهُ في المرابحة أخذَهُ بثمنِه أو ردَّه، وفي التَّوليةِ حطّهُ من ثمنِه، وعند أبي يوسفَ ﵁ يحطُّ فيهما، وعند محمدٍ ﵁ خُيِّرَ فيهما (٣). فإن اشترى ثانياً بعد بيع بربحٍ، فان رابح طُرِحَ عنه ما ربح، وإن استغرقَ الرِّبْحُ الثَّمَنَ لم يرابح): أي إذا اشترى ثوباً بعشرة وباعه بخمسةَ عشر، ثُمَّ اشتراه بعشرةٍ، فإنَّه إن باعَهُ مرابحةً طرحَ عنه ما رَبِح، ويقول: قامَ عليَّ بخمسةٍ. وإن اشترى بعشرةٍ وباعَهُ بعشرين، ثم اشتراه بعشرةٍ لا يبيعُهُ مرابحةً أصلاً، وعندهما يقول: قامَ عليَّ بعشرةٍ في الفصلين؛ لأنَّ البيعَ الثاني بيع متجدِّدٌ، ومنقطعُ الأحكامِ عن الأَوَّلِ، ولأبي حنيفةَ- ﵁ أن قبلَ الشَّراءَ الثَّاني يُحْتَمَلُ أن يَطَّلِعَ على عيبٍ فَيَرُدَّهُ عليه، فيسقطُ الرِّبْحُ الذي رَبِحَه، فإذا اشتراهُ ثانياً تأكَّد ذلك الرِّبْح، فصارَ للمشتري الثَّاني شبهةٌ أن

стр. 729

ورابحَ سيدٌ شرى من مأذونِهِ المحيط دينه برقبتِهِ على ما شَرَى بائِعُه، كمأذونٍ شرى من سيدِه، وربُّ المالِ على ما شراهُ ضاربَهُ بالنِّصفِ أوَّلاً، ونصفِ ما رَبِحَ بشرائِهِ ثانياً منه، فإن اعورَّتْ المبيعة، أو وُطِئَتْ ثَيْباً رابحَ بلا بيان الرِّبحَ قد حصلَ به، فلا يكونُ منقطعَ الأحكامِ عن الأوَّل (١). (ورابحَ سيدٌ شرى من مأذونِهِ المحيط دينه برقبتِهِ على ما شَرَى بائِعُه): أي اشترى العبدُ المأذونُ المحيطُ دينُه برقبتِهِ ثوباً بعشرةٍ، فباعَهُ من مولاه بخمسةَ عشر، فالمولى إن باعَهُ مرابحةً، يقول: قام عليّ بعشرة. (كمأذونٍ شرى من سيدِه): أي إذا اشترى المولى بعشرةٍ، ثم باعَهُ من مأذونِهِ المحيط دينه برقبتِهِ بخمسةَ عشرَ، فالمأذونُ إن باعَهُ مرابحةً يقولُ قامَ عليَّ بعشرة؛ لأن بَيْعَ المولى من عبدِه المأذونِ وشراءَه منه اعتبرَ عدماً في حقِّ المرابحةِ لثبوتِهِ مع المنافي. وإنِّما قال: المحيطُ دينُهُ برقبتِهِ؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ للعبدِ المأذون ملكٌ، أمَّا المأذونُ الذي لا دينَ عليه، فلا ملكَ له، فلا شبهةَ في أن البيعَ الثَّاني لا اعتبارَ له، أمَّا إذا كان عليه دينٌ محيطٌ فحينئذٍ يكونُ البيعُ الثَّاني بيعاً، ومع ذلك لا اعتبارَ له في حقِّ المرابحةِ فيثبتُ الحكمُ بالطِّريقِ الأُولَى فيما لا دينَ عليّ. (وربُّ المالِ على ما شراهُ ضاربَهُ بالنِّصفِ أوَّلاً، ونصفِ ما رَبِحَ بشرائِهِ ثانياً منه): أي اشترى المضاربُ بالنِّصفِ ثوباً بعشرةٍ وباعَهُ من ربِّ المالِ بخمسةَ عشرَ، فالثُّوبُ قامَ على ربِّ المالِ باثني عشر ونصف (٢). (فإن اعورَّتْ المبيعة، أو وُطِئَتْ ثَيْباً رابحَ بلا بيان): أي لا يَجِبُ عليه أن يقولَ إنِّي اشتريتُها سليمةً فاعورَّتْ في يدي، وعند أبي يوسف ﵁ والشَّافِعِيُّ (٣) ﵁ لزمَهُ بيانُ هذا؛ لأنَّهُ لا شكَّ أنَّهُ ينقصُ الثَّمنُ بالإعوِرارِ، وما قيل: إنّ الأوصافِ لا يُقابُلها شيءٌ من الثَّمنِ، فمعناهُ أنَّ الأوصافَ لا يكونُ لها حصةٌ معلومةٌ من الثَّمنِ لا أنَّ الثَّمَنَ لا يزيدُ

стр. 730

وإن فقأت، أو وُطِئَتْ بكراً لزمَهُ بيانُه، وقَرضُ فأرٍ، وحرقُ نارٍ للثَّوبِ المشترى كالأُولَى، وتكسره بنشرِهِ وطيِّه كالثَّانيةِ. ومن شرى بِنَسَأٍ ورابحَ بلا بيانٍ خُيِّرَ مشتَريَه، فإن أتلفَهُ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ كلُّ ثَمَنِه، وكذا التَّوليةُ. فإن وَلَّى بما قامَ عليه، ولم يعلم مشتَريَه قدرَه فسدَ البيع، فإن عَلِمَ في المجلسِ خُيِّر. [فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن قبل قبضه] ولم يجز بيعُ مشترى قبل قبضِهِ إلاَّ في العقارِ بسببِ الوصفِ ولا ينقُصُ بفواتِهِ (١)، على أن هذا البيعَ مبنيٌّ على الأمانةِ، فالاحتياطاتُ السَّابقةُ لا تُناسبُ هذا. لكنَّا نُجِيبُ بأنَّه لم يأتِ من البائعِ غرور، فإنَّه صادقٌ في قوله: قامتْ عليَّ بكذا، لكن المشتري اغترّ فيه بحماقتِهِ فعليه أن يسألَهُ أنَّكَ اشتريتَ بكذا سليمةً أو معورَّةً؛ ليَتَبَيَّنَ له الحال، فإذا قصَّرَ في ذلك لا يَجِبُ على البائعِ كشفُ حالٍ لم يسأل عنها. (وإن فقأت، أو وُطِئَتْ بكراً لزمَهُ بيانُه، وقَرضُ فأرٍ، وحرقُ نارٍ للثَّوبِ المشترى كالأُولَى (٢)، وتكسره بنشرِهِ وطيِّه كالثَّانيةِ (٣). ومن شرى بِنَسَأٍ ورابحَ بلا بيانٍ خُيِّرَ مشتَريَه، فإن أتلفَهُ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ كلُّ ثَمَنِه، وكذا التَّولية (٤). فإن وَلَّى بما قامَ عليه، ولم يعلم مشتَريَه قدرَه فسدَ البيع (٥)، فإن عَلِمَ في المجلسِ خُيِّر (٦). [فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن قبل قبضه] ولم يجز بيعُ مشترى قبل قبضِهِ إلاَّ في العقارِ): والفرقُ بينهما «أن نَهْي النَّبيَّ ﷺ

стр. 731

ومَن شَرَى كيليا كيلاً لم يبعْهُ ولم يأكلْهُ حتى يكيلَه، وشُرِطَ كيلُ البائعِ بعد بيعِهِ بحضرةِ المشتري، كفى به في الصَّحيح عن بيعِ ما لم يُقْبَضُ» (١) مُعلَّلٌ بأنَّ فيه غَرَرَ انفساخِ العقد على تقديرِ الهلاكِ، والهلاكُ في العقارِ نادرٌ، وعند محمَّدٍ ﵁ لا يجوزُ في العقارِ أيضاً عملاً بإطلاقِ النَّهْي. (ومَن شَرَى كيليا كيلاً): أي بشرطِ الكيلِ، (لم يبعْهُ ولم يأكلْهُ حتى يكيلَهُ) (٢)، فإنَّهُ ﷺ «نَهَى عن بيعِ الطّعامِ حتى يجري فيه صاعانِ صاعُ البائعِ (٣)، وصاع المشتري» (٤). (وشُرِطَ كيلُ البائعِ بعد بيعِهِ بحضرةِ المشتري) حتى إن كالَهُ البائعُ قبل البيعِ فلا اعتبارَ له وإن كالَ البائعُ بحضرةِ المشتري، وكذا إن كالَهُ بعد البيعِ بغيبةِ المشتري، (كفى به في الصَّحيح) (٥): أي إن كالَ البائعُ بعد البيعِ بحضرةِ المشتري فهذا كاف، ولا يشترطُ أن يكيلَ المشتري بعد ذلك، ومحملُ الحديثِ المذكورِ ما إذا اجتمعَ الصَّفقتان بشرطِ الكيلِ على ما سيأتي في «باب السلم»، وهو ما إذا أسلمَ في كرٍّ بُرٍّ فلمَّا حلَّ الأجلُ اشترى المُسَلَّمُ إليه من رجلٍ كُرَّاً، أو أَمَرَ ربَّ السَّلمِ أن يقبضَهُ له، ثم يقبضُهُ لنفسِهِ، فاكتالَهُ له، ثُمَّ اكتالَهُ لنفسِهِ جاز.

стр. 732

وكذا ما يُوزَنُ أو يعدُّ، لا ما يذرعُ، وصحَّ التَّصرُّفُ في الثَّمنِ قبل قبضِه، والحطُّ عنه والمزيدُ فيه حالَ قيامِ المبيعِ لا بعدَ هلاكِهِ، وفي المبيعِ، ويتعلَّقُ استحقاقُهُ بالجميعِ، فيرابحُ ويولي على الكلِّ (وكذا ما يُوزَنُ أو يعدُّ): أي لا يبيعُهُ ولا يأكلُهُ حتى يزنَهُ أو يعدَّهُ ثانياً، ويكفي وزنُهُ إن وزنَهُ، أو عدَّهُ بعد البيعِ بحضرةِ المشتري. (لا ما يذرعُ): أي لا يشترطُ ما ذُكِرَ في المذروعاتِ ثانياً (١). (وصحَّ التَّصرُّفُ في الثَّمنِ (٢) قبل قبضِه)، مثل أن يأخذَ البائعُ من المشتري عوضَ الثَّمنِ ثوباً، (والحطُّ عنه والمزيدُ فيه حالَ قيامِ المبيعِ لا بعدَ هلاكِهِ): قولُهُ: حالَ قيامَ المبيع؛ متعلِّق بالمزيدِ فيه، فإنَّ الزِّيادةَ على الثَّمنِ لا تصحُّ بعد هلاكِ المبيعِ لكنَّ الحطَّ عنه يصحُّ. (وفي المبيعِ): أي صحَّ الزِّيادةُ في المبيعِ، (ويتعلَّقُ استحقاقُهُ بالجميعِ) (٣): يمكنُ أن يرادَ به أن البائعَ يكونُ مُسْتَحِقَّاً بجميعِ الثَّمنِ من الزائدِ والمزيدِ عليه، والمشتري يستحقُّ جميعَ المبيعِ من الزَّائدِ والمزيدِ عليه، ويمكنُ (٤) أن يُرادَ أنَّهُ إذا استحقَّ مستحقٌّ المبيعَ أو الثَّمنَ، فالاستحقاقُ يتعلَّقُ بجميعِ ما يقابلُهُ من الزَّائد والمزيدِ عليه، فلا يكونُ الزَّائدُ صلةً مبتدأةً كما هو مذهبُ زُفرَ ﵁ والشَّافِعِيِّ- ﵁، (فيرابحُ ويولي على الكلِّ

стр. 733

إن زيدَ، وعلى ما بقى إن حطَّ، والشَّفيعُ يأخذُ بالأقلِّ في الفصلينِ، فلو قال بِعْ عبدكَ من زيدٍ بألفٍ على أنّي ضامنٌ كذا من الثَّمنِ سوى الألف، أخذَ الألفَ من زيدٍ والزِّيادةُ منه، ولو لم يقلْ من الثَّمنِ، فالألفُ على زيدٍ ولا شيءَ عليه. وكلُّ دينٍ أُجِّلٍ إلى أجلٍ معلومٍ صحَّ إلا القرضَ. باب الربا هو فضلٌ خالٍ عن عوضٍ شُرِطَ لأحدِ العاقدينِ في المعاوضة إن زيدَ، وعلى ما بقى إن حطَّ): فإنَّ الزِّيادةَ والحطَّ التحقا بأصلِ العقدِ. (والشَّفيعُ يأخذُ بالأقلِّ في الفصلينِ): أي في الزِّيادةِ على الثَّمنِ والحطِّ عنه. أمَّا في الحطّ؛ فلأنَّه التحقَ بأصلِ العقدِ. وأمَّا في الزِّيادة؛ فلأنَّ حقَّهُ تعلَّق بالثَّمنِ الأوَّلِ، فلا يملكُ الغيرُ إبطالَ حقّه الثابت. (فلو قال بِعْ عبدكَ من زيدٍ بألفٍ على أنّي ضامنٌ كذا من الثَّمنِ سوى الألف، أخذَ الألفَ من زيدٍ والزِّيادةُ منه، ولو لم يقلْ من الثَّمنِ، فالألفُ على زيدٍ ولا شيءَ عليه (١). وكلُّ دينٍ (٢) أُجِّلٍ إلى أجلٍ معلومٍ (٣) صحَّ إلا القرضَ): فإنَّه يصيرُ بالأجل بيعُ الدَّراهمِ بالدَّراهمِ نسيئةً، فلا يجوزُ؛ لأنَّه يصيرُ رباً؛ لأنَّ النقدَ خيرٌ من النَّسيئة. باب الربا (هو فضلٌ خالٍ عن عوضٍ شُرِطَ لأحدِ العاقدينِ في المعاوضة): أي فضلُ أحدُ المتجانسينِ على الآخرِ بالمعيارِ الشَّرعي: أي الكيلُ، أو الوزنُ، ففضلُ قفيزي الشَّعير على قفيز بُرٍّ لا يكونُ من بابِ الرِّبا، وكذا فضلُ عشرةِ أذرعٍ من الثَّوبِ الهروي

стр. 734

وعلَّتُهُ القدرُ مع الجنسِ، فحرمُ بيعُ الكيلي والوزني بجنسِهِ متفاضلاً ولو غيرَ مطعومٍ: كالجصّ، والحديد، وحلَّ مُتماثلاً، وبلا معيارٍ كحفنةٍ بحفنتينِ، على خمسةِ أذرعٍ منه لا يكونُ من هذا البابِ. وإنِّما قال: خالٍ عن العوض؛ احترازاً عن بيعِ كُرِّ بُرٍّ وكُرِّ شعيرٍ بكري بُرٍّ وكري شعيرٍ، فإنَّ للثَّاني فضلاً على الأَوَّلِ، لكن غيرُ خالٍ عن العوضِ لصرفِ الجنسِ إلى خلافِ الجنسِ. وقال: شرطُ لأحدِ العاقدين؛ حتى لو شُرِطَ لغيرهما لا يكونُ من بابِ الرِّبا، وقال في المعاوضة: حتى لم يكن الفضلُ الخالي عن العوضِ الذي هو في الهبةِ رباً (١). (وعلَّتُهُ القدرُ مع الجنسِ): المرادُ بالقدرِ الكيلُ في المكيلاتِ، والوزنُ في الموزوناتِ. وعند الشافعيّ (٢) ﵁: الطَّعمُ في المطعوماتِ، والثَّمنيةُ في الأثمانِ، والجنسيّةُ شرطٌ، والمساواتُ مخلصٌ، والأصلُ الحرمة. وعند مالكٍ (٣) ﵁: علتُهُ الطَّعْمُ والإدِّخار. (فحرمُ بيعُ الكيلي والوزني بجنسِهِ متفاضلاً ولو غيرَ مطعومٍ: كالجصّ، والحديد)، الجصُّ من المكيلات، والحديدُ من الموزونات، وفيهما خلافُ الشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ ومالكٍ (٥) ﵁ بناءً على ما ذَكَرْنا من العلَّةِ. (وحلَّ مُتماثلاً): أي البيعُ في الأشياءِ المذكورةِ. (وبلا معيارٍ): أي حلَّ البيعُ مُتفاضلاً فيما لا يدخلُ في المعيار (٦)، (كحفنةٍ بحفنتينِ،

стр. 735

وبيضةٍ ببيضتينِ، وتمرةٍ بتمرتين، فإن وُجِدَ الوصفانِ حَرُمَ الفضلُ والنَّساء، وإن عُدِما حلاَّ، وإن وُجِدَ أحدُهما لا الآخر حلَّ التفاضلُ لا النَّسأُ كسلمٍ هرويٍّ في هرويٍّ وبُرٍّ في شعيرٍ وبيضةٍ ببيضتينِ، وتمرةٍ بتمرتين): وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ لا يحلُّ بيعُ المطعوماتِ حفنة بحفنتين بناءً على ما ذَكَرْنا من العلَّة، وبناءً على أن الأصلَ عندنا الحلُّ، وعنده الحرمةُ، فعندنا ما يدخلُ في الكيلِ يَثْبُتُ فيه الحرمة، وما لا يدخلُ فيه يَبْقَى على أصلِه، وهو الحلُّ، وعند الشَّافِعِيِّ ﵁ الأصلُ هو الحرمة، والمساواةُ مخلصٌ فيما لا يَدْخُلُ في المسوى الشَّرعي، وهو الكيلُ يبقى على الأصلِ، وهو الحرمةُ، وإنِّما جعلَ الحرمةَ أصلاً؛ لقولِهِ ﷺ : «لا تبيعوا الطَّعامَ بالطَّعامِ إلاَّ سواءً بسواءٍ» (٢) فما لا يكونُ مساوياً كان حراماً. قلنا: المعنى لا تبيعوا الطَّعامَ الذي يدخلُ في المسوى الشَّرعي إلا سواءً بسواءٍ، كما إذا قيل: لا تقتلوا الحيوانَ إلا بالسَّكينِ يكونُ المرادُ الحيوانُ الذي يُمْكِنُ قتلُهُ بالسَّكينِ لا القملُ والبرغوث. (فإن وُجِدَ الوصفانِ حَرُمَ الفضلُ والنَّساء، وإن عُدِما حلاَّ، وإن وُجِدَ أحدُهما لا الآخر حلَّ التفاضلُ لا النَّسأُ … (٣) كسلمٍ هرويٍّ في هرويٍّ وبُرٍّ في شعيرٍ): أي إن وُجِدَ القدرُ والجنسُ حَرُمَ الفضلُ كقفيزِ بُرٍّ بقفيزينِ منه، والنَّساءُ وإن كان مع التَّساوي كقفيزِ بُرٍّ بقفيزِ بُرٍّ أحدُهما أو كلاهما نسيئة. وإن عُدِمَ كُلٌّ منهما حلَّ كلُّ واحدٍ من الفضلِ والنَّساء. وإن وُجِدَ أحدُهما لا الآخرُ حلَّ الفضلُ لا النَّساء، كما إذا باعَ قفيزَ حنطةٍ بقَفِيزَي شعيرٍ يداً بيدٍ حلّ، فإن أحدَ جُزْأي العلَّةَ وهو الكيلُ موجودٌ هاهنا لا الجزءُ الآخرُ، وهو الجنسيَّةُ، وإن بيعَ خمسةُ أذرعٍ من الثَّوبِ الهَرَويّ بستّةِ أذرعٍ منه يداً بيدٍ حلَّ أيضاً؛ لأنَّ الجنسيةَ موجودةٌ دون القدرِ ولا يجوزُ النَّسيئةُ في الصُّورتيْنِ مع التَّساوي أوَّلا معه؛ وذلك لأن جُزْءَ العلَّةِ وإن كان لا يُوجِبُ الحكمَ لكنَّهُ يورثُ الشُّبهة، والشُّبهةُ في بابِ الرِّبا مُلْحَقةٌ بالحقيقة، لكنَّها أدون من الحقيقةِ فلا بُدَّ من اعتبارِ الطَّرفين.

стр. 736

والشَّعيرُ، والبُرُّ، والتَّمرُ، والملحُ كيليٌّ، والذَّهبُ، والفضةُ وزنيٌّ أبداً، وإن تُرِكا فيها ويحمل في غيرِها على العُرْف، فلم يَجُزْ بيعُ البُرِّ بالبُرِّ متساوياً وزناً، والذَّهبُ بجنسِهِ متساوياً كيلاً كما لم يجزْ مجازفةً. واعتبرَ تعيينُ الرِّبا في غيرِ صرفٍ بلا شرطِ التقابضِ ففي النَّسيئةِ أحدُ البدلينِ معدوم، وبيعُ المعدومِ غيرُ جائزٍ، فصارَ هذا المعنى مُرجِّحاً لتلك الشُّبهة فلا يحلّ، وفي غير النَّسيئةِ لم يعتبرْ الشُّبهةُ لما قلنا أن الشُّبهةَ أدونُ من الحقيقة، على أن الخبرَ المشهور، وهو قوله ﷺ : «إذا اختلفَ النَّوعانِ فبيعوا كيف شئتُم بعد أن يكونَ يداً بيدٍ» (١) يُؤيِّدُ ما قلنا. وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ الجنسُ بانفرادِهِ لا يُحَرِّمُ النَّسأ. (والشَّعيرُ، والبُرُّ، والتَّمرُ، والملحُ كيليٌّ، والذَّهبُ، والفضةُ وزنيٌّ أبداً، وإن تُرِكا فيها) (٣): أي وإن تُرِكَ الكيلُ في الأربعةِ المتقدِّمةِ، والوزنُ في الآخرين؛ لقولِهِ- ﷺ : «الحنطةُ بالحنطةِ» (٤) الحديث، (ويُحْمَلُ في غيرِها على العُرْف، فلم يَجُزْ بيعُ البُرِّ بالبُرِّ متساوياً وزناً، والذَّهبُ بجنسِهِ متساوياً كيلاً كما لم يجزْ مجازفةً. واعتبرَ تعيينُ الرِّبا في غيرِ صرفٍ بلا شرطِ التقابضِ)، المعتبرُ في بيعِ الأموالِ الرَّبويَّةِ أن يكونَ المبيعُ معيَّناً، حتى لو لم يكن معيَّناً كان سَلَمَاً، فلا بُدَّ فيه من

стр. 737

وجازَ بيعُ الفلسِ بالفلسينِ بأعيانِهما، واللَّحمُ بالحيوانِ، والدَّقيقُ بجنسِهِ كيلاً، والرُّطبُ بالرُّطبِ وبالتَّمر شرائطه، وإذا لم يُوجَدْ شرائطُ السَّلَمِ كان العقدُ بيعاً غيرَ سَلَم، فلا بُدَّ من التَّعيين، فلا يُشْتَرطُ التَّقابضُ في المجلسِ إن لم يكن صرفاً، حتى لو كان صرفاً يشترطُ. وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ يشترطُ التَّقابضُ في المجلسِ في بيع الطَّعامِ سواء بيعَ بجنسِهِ أو خلافِ جنسِه، هذا في الأموال الرَّبويَّة. أمَّا في غيرِها إن لم يكن معيَّناً، فإن كان ممَّا يجري فيه السَّلَمُ، فإن وُجِدَ فيه شرائطُ السَّلَمِ يصحُّ بشرائطِهِ بطريقِ السَّلَمِ، فان لم تُوجَدْ يَفْسُدُ البيعُ، وإن لم يَجْرِ فيه السَّلَمُ يفسُدُ البيعُ لعدمِ التَّعيين. (وجازَ بيعُ الفلسِ بالفلسينِ بأعيانِهما): خلافاً لمحمدٍ ﵁، له أنَّ الفلوسَ أثمانٌ فلا تتعيَّنُ بالتَّعيينِ فصارَ كما إذا كان بغيرِ أعيانِهما، وكبيعِ الدِّرهمِ بالدِّرهمينِ. ولهما: أن ثمنيتَها بالاصطلاح، واصطلاحُ الغيرِ لا يكونُ حجَّةً على المتعاقدينِ، وهما أبطلا ثَمنيَّتَها؛ لأنَّهما قصدا تصحيحَ العقد، ولا وجه له إلا بتعيِّنها وخروجِها عن الثَّمنية، لأنَّها إذا خرجتْ من الثَّمنيةِ تكونُ أعيانُها مطلوبةً لا ماليّتَها، فيمكنُ أن يُعْطي فلسينِ ويأخذَ فِلْسَاً طلباً لصورتِه. (واللَّحمُ بالحيوانِ): خلافاً لمحمدٍ ﵁ فإنَّ عنده إذا بيعَ الحيوانُ بلحمِ حيوانٍ من جنسِهِ لا يجوزُ (البيع إلا إذا كان اللحم) (٢) أكثرَ من لحمِ ذلك الحيوان؛ ليكونَ الزَّائد في مقابلةِ السَّقْطِ، وعندهما يجوزُ مطلقاً؛ لأنَّه بيعُ الموزونِ بما ليس بموزون (٣). (والدَّقيقُ بجنسِهِ كيلاً، والرُّطبُ بالرُّطبِ وبالتَّمر): هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وأمَّا عندهما وعند الشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ لا يجوزُ إن نَقَصَ الرُّطَبُ بالجفاف.

стр. 738

والعنبُ بالزَّبيبِ، والبُرُّ رطباً أو مبلولاً بمثلِه أو باليابسِ، والتَّمرُ، والزَّبيبُ والمُنْقَعُ بالمُنْقَعِ منهما متساوياً، ولحمُ حيوانٍ بلحمِ حيوانٍ آخرَ متفاضلاً، وكذا اللَّبَنُ، وكذا خلُّ الدَّقْل بخلِّ العنبِ، وشحمُ البطنِ بالإليةِ أو باللَّحْمِ، والخبزُ بالبُرِّ أو الدَّقيقِ، أو بالسَّويق وإن كان أحدُهما نسيئةً، وبه يُفْتَى (والعنبُ بالزَّبيبِ، والبُرُّ رطباً أو مبلولاً بمثلِه أو باليابسِ، والتَّمرُ … (١)، والزَّبيبُ والمُنْقَعُ (٢) بالمُنْقَعِ منهما متساوياً): والدَّليلُ في جميعِ ذلك أنَّه كان بيعُ الجنسِ بالجنسِ بلا اختلافِ الصفةِ يجوزُ متساوياً، وكذا مع اختلافِ الصَّفة؛ لقوله ﷺ : «جيدها ورديئها سواءٌ» (٣)، وإن لم يكن بيعُ الجنسِ بالجنسِ يجوزُ كيفما كان؛ لقوله ﷺ : «إذا اختلف النوعانِ فبيعوا كيفما شئتم» (٤). (ولحمُ حيوانٍ بلحمِ حيوانٍ آخرَ متفاضلاً، وكذا اللَّبَنُ، وكذا خلُّ الدَّقْل (٥) بخلِّ العنبِ، وشحمُ البطنِ بالإليةِ أو باللَّحْمِ، والخبزُ بالبُرِّ أو الدَّقيقِ، (أو بالسَّويق) (٦) (٧)، وإن كان أحدُهما نسيئةً، وبه يُفْتَى)، وإنَّما يجوزُ الخبزُ بالبُرِّ؛ لأنِّ الخبزَ صارَ عددياً (٨)، هذا إذا كانا نقدين، وإن كان الخبزُ نسيئةً، والبُرُّ أو الدَّقيقُ نقداً يجوزُ

стр. 739

لا بيعُ الجيدِ بالرديء من الرِّبوي، والبُسرِ بالتَّمرِ إلا متساوياً، والبُرِّ بالدَّقيق أو بالسَّويقِ، أو الدَّقيقِ بالسَّويق متفاضلاً أو مُتساوياً، والزَّيتونِ بالزَّيت، والسِّمْسِمِ بالخلِّ حتى يكونَ الزَّيتُ والخلُّ أكثرَ ممَّا في الزيتونِ والسِّمْسِمِ، ويستقرضُ الخبزَ وزناً لا عدداً عند أبي يوسف ﵁، وبه يُفْتَى عند أبي يوسف ﵁، وبه يُفْتَى. (لا بيعُ الجيدِ بالرديء من الرِّبوي، والبُسرِ (١) بالتَّمرِ إلا متساوياً، والبُرِّ بالدَّقيق أو بالسَّويقِ، أو الدَّقيقِ بالسَّويق متفاضلاً أو مُتساوياً، والزَّيتونِ بالزَّيت، والسِّمْسِمِ بالخلِّ حتى يكونَ الزَّيتُ والخلُّ أكثرَ ممَّا في الزيتونِ والسِّمْسِمِ) (٢)؛ ليكون بعضُ الزَّيتِ بالزيتِ الذي في الزَّيتون، والباقي بالثَّجير (٣). (ويستقرضُ الخبزَ وزناً لا عدداً عند أبي يوسف ﵁، وبه يُفْتَى) (٤)، أمَّا عند أبي حنيفةَ ﵁ لا يجوزُ لا وزناً ولا عدداً؛ للتَّفاوت الفاحشِ، وعند محمدٍ ﵁ يجوزُ بهما

стр. 740

ولا رباً بين سَّيدٍ وعبدِهِ، ومسلمٍ وحربيٍّ في دارِه. باب الحقوق والاستحقاق [فصل في الحقوق] يَدْخُلُ البناءُ، والمفتاحُ، والعلوُّ، والكنيفُ في بيعِ الدَّارِ، لا الظُّلةِ إلا بذكرِ كلِّ حقٍّ هو لها، أو بمرافقِها، أو بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ هو فيها أو منها. للتعامل، وعند أبي يوسف ﵁ يجوزُ وزناً للتَّعامل والحاجة، لا عدداً للتَّفاوتِ في آحاده. (ولا رباً بين سَّيدٍ وعبدِهِ): لأنَّ العبدَ وما معه لمولاه، (ومسلمٍ وحربيٍّ في دارِه): أي في دارِ الحرب (١)؛ لأنَّ مالَهُ مباحٌ فيجوزُ أخذُهُ بأيِّ طريقٍ كان خلافاً لأبي يوسفَ ﵁ والشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ اعتباراً بالمستأمنِ في دارنا. (والله أعلم) (٣). باب الحقوق والاستحقاق [فصل في الحقوق] (يَدْخُلُ البناءُ، والمفتاحُ، والعلوُّ، والكنيفُ في بيعِ الدَّارِ) الكنيفُ: المستراحُ (٤)، (لا الظُّلةِ): في «المغرب»: ظلَّةُ الدَّارِ: السُّدّةُ التي فوقَ البابِ (٥)، وعن صاحب «الحصر»: هي التي أحدُ طرفي جذوعِها على هذه الدَّار، وطرفُها الآخرُ على حائطِ الجارِ المقابلِ، (إلا بذكرِ كلِّ حقٍّ هو لها، أو بمرافقِها، أو بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ هو فيها أو منها.
следующие страницы →